بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على سيِّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطاهرين .
وبعد ، فهذه حصيلة ما استفدته من أبحاث سيِّدنا ومولانا اُستاذ الفقهاء والمجتهدين
زعيم الحوزة العلميّة سماحة آية الله العظمى السيِّد أبوالقاسم الموسوي الخوئي (مدّ
ظلّه العالي) ، التي ألقاها شرحاً على كتاب العروة الوثقى للسيِّد الطباطبائي
اليزدي (طاب ثراه) .
وكان من المقرّر الاسترسال في طبع ما تبقّى من كتابَي الصلاة والصوم غير أنّ جمعاً
من إخواني الأفاضل طلبوا منِّي تقديم كتاب الخمس، حرصاً منهم على استطلاع أنظاره
المقدّسة .
وقد حوت هذه المجموعة ـ زيادةً على ما أفاده (دام ظلّه) في مجلس الدرس ـ ما استفدته
منه بعد المذاكرة معه خارج الدرس ، وقد لاحظها بتمامها كما لاحظ الشيء الكثير من
بقيّة الأجزاء وأمر بطبعها ونشرها .
أسأل الله العليّ القدير أن يمنّ عليّ بحسن القبول ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
وجوب الخمس
ــ[1]ــ
كتاب الخُمس
ــ[2]ــ
ــ[3]ــ
كتاب الخُمس
وهو من الفرائض (1) ، وقد جعلها الله تعالى لمحمّد (صلّى الله عليه وآله) وذرِّيّته
عوضاً عن الزكاة إكراماً لهم، ومن منع منه درهماً أو أقلّ كان مندرجاً في الظالمين
لهم والغاصبين لحقّهم، بل من كان مستحلاًّ لذلك كان من الكافرين.
ففي الخبر عن أبي بصير قال : قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : ما أيسر ما يدخل به
العبد النار ؟ «قال: من أكل من مال اليتيم درهماً، ونحن اليتيم»[ (1) ].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا إشكال كما لا خلاف في وجوب الخمس في الشريعة الإسلامية ، وقد نطق به الكتاب
العزيز والسنّة المتواترة ، بل قامت عليه الضرورة القطعيّة على حدٍّ يندرج منكره في
سلك الكافرين ، وقد أصفقت عليه علماء المسلمين قاطبةً من الخاصّة والعامّة وإن وقع
الخلاف في بعض الخصوصيّات من حيث المورد والمصرف .
ــــــــــــــــــــــــــــ
[ 1 ] الوسائل 9 : 483 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 1 ح 1 .
ــ[4]ــ
وعن الصادق (عليه السلام) : «إنّ الله لا إله إلاّ هو لمّا حرّم علينا الصدقة أنزل
لنا الخمس ، فالصدقة علينا حرام ، والخمس لنا فريضة ، والكرامة لنا حلال» [ (1) ] .
وعن أبي جعفر (عليه السلام) : «لا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئاً حتّى يصل
إلينا حقّنا» [ (2) ] .
وعن أبي عبدالله (عليه السلام) : «لا يُعذَر عبدٌ اشترى من الخمس شيئاً أن يقول :
يا ربّ اشتريته بمالي ، حتّى يأذن له أهل الخمس» [ (3) ] .
ــــــــــــــــــــــــــــ
[ 1 ] الوسائل 9 : 483 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 1 ح 2 .
[ 2 ] الوسائل 9 : 484 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 1 ح 4 .
[ 3 ] المستدرك 7 : 278 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 1 ح 4 .
الأوّل : الغنائم \ مناقشة في تعميم الخمس للمنقول وغيره من الغنائم
الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 15:الخُمس || القسم : الفقه ||
القرّاء : 62
ــ[5]ــ
فصل
فيما يجب فيه الخُمس
وهو سبعة أشياء :
الأوّل : الغنائم المأخوذة من الكفّار من أهل الحرب(1) قهراً بالمقاتلة معهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن ثمّ ادّعى الخليفة الثاني نسخ وجوب الصرف في سهم ذوي القربى ، لما كان يرتئيه
من لزوم الصرف فيما هو أهمّ وأولى من المصالح العامّة ، كحفظ ثغور المسلمين وتحصيل
السلاح والكراع ونحوها .
وكيفما كان ، فأصل الحكم ولو في الجملة ممّا لا كلام فيه ولا ريب .
قال الله تعالى : (وَاعْلَمُوا أَ نَّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْء فَأَنَّ للهِِ
خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ
السَّبِيلِ) الآية (1) .
وفي غير واحد من النصوص : أنّ الله تعالى قد جعل هذه الفريضة لمحمّد (صلّى الله
عليه وآله) وذرِّيّته عوضاً عن الزكاة إكراماً لهم وإجلالاً عن أوساخ ما في أيدي
الناس كما أشار إليها في المتن .
(1) بلا خلاف فيه ولا إشكال كما نطق به الكتاب والسنّة .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأنفال 8 : 41 .
ــ[6]ــ
بشرط أن يكون بإذن الإمام عليه السّلام ، من غير فرق بين ما حواه العسكر وما لم
يحوه والمنقول وغيره(1) كالأراضي((1)) والأشجار ونحوها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومحلّ الكلام فعلاً الغنائم المأخوذة منهم بالمقاتلة لا بغيرها من سرقة أو غيلة أو
نحوهما ، وأن يكون ذلك بإذن الإمام (عليه السلام) ، فلا بدّ من مراعاة القيدين معاً
، إذ الفاقد للأوّل ملك لآخذه ، وللثاني ملك للإمام (عليه السلام) ، وسنتعرّض لهما
عند تعرّض الماتن لهما مستقلاًّ إن شاء الله تعالى .
(1) لإطلاق الأدلّة بعد صدق الغنيمة على الجميع ، سواء أكان ممّا حواه العسكر أم لا
، وسواء أكان من المنقول أم من غير المنقول .
ولا خلاف في الأوّل بل عليه الإجماع . وأمّا الثاني فهو المشهور بين الأصحاب ، وقد
صرّح بالتعميم جماعة منهم ، وأطلق الآخرون .
ولكن صاحب الحدائق (قدس سره) ناقش في هذا التعميم ، نظراً إلى عدم الدليل عليه سوى
ظاهر إطلاق الآية المباركة ، وإلاّ فالنصوص قاصرة عن إفادة التعميم ، بل ظاهرها
الاختصاص بالأموال المنقولة كما تشهد به صحيحة ربعي (2) وغيرها الدالّة على أنّ
النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إذا أتاه المغنم أخذ صفوه وقسّم الباقي خمسة أخماس
ويأخذ خمسه ثمّ يقسّم أربعة أخماس بين المقاتلين ، ونحوها ممّا دلّ على قسمة الخمس
أخماساً أو أسداساً وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه ، فإنّ ظاهرها أنّ مورد الخمس هو المال
الذي يؤتى به إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ويقسّم المختصّ ـ بطبيعة الحال ـ
بما ينقل ويحوّل من غنيمة أو غيرها ، وكيف يجري هذا في الأراضي والضياع والعقار
ونحوها ؟!
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ثبوت الخمس في الأراضي محلّ إشكال بل منع .
(2) الوسائل 9 : 510 / أبواب قسمة الخمس ب 1 ح 3 .
ــ[7]ــ
على أنّ تلك الأراضي المفتوحة عنوةً المعبّر عنها بالأراضي الخراجيّة ملكٌ لعامّة
المسلمين قاطبةً من وجد منهم ومن سيوجد إلى يوم القيامة كما نطقت به النصوص
المتظافرة ، فلا تشملها أدلّة التخميس (1) .
وأورد عليه في الجواهر بأنّ غاية ما يتحصّل من صحيحة ربعي ونحوها قصورها عن إفادة
الإطلاق لا الدلالة على الاختصاص ، فيكفينا حينئذ ما اعترف به من إطلاق الآية
المباركة ، وأمّا نصوص الأراضي الخراجيّة فهي قابلة للتخصيص بأدلّة التخميس كما لا
يخفى (2) .
أقول : الظاهر أنّ ما ذكره صاحب الحدائق في المقام هو الصحيح ، فإنّ صحيحة ربعي
ونحوها وإن لم تدلّ على نفي الخمس عن غير المنقول كما اُفيد ، إلاّ أنّ الإنصاف أ
نّها لا تخلو عن الإشعار وأنّ المال المحكوم بالتخميس هو الذي يؤتى به إلى النبيّ
(صلّى الله عليه وآله) ويقسّمه بين المقاتلين بعد أخذ صفوه منه ، وهذا الإشعار وإن
لم يكن ممّا يركن إليه بحسب الصناعة ، إلاّ أ نّه يؤثر في النفس بمثابة يخفّف عن
قوّة ظهور الآية المباركة في الإطلاق المدّعى لها كما لا يخفى .
ويتقوّى هذا الإشعار بعد ملاحظة الأخبار الواردة في الأراضي الخراجيّة من أ نّها
ملك لعامّة المسلمين .
وما أفاده في الجواهر من أ نّها لا تأبى التقييد بما هنا من كون ذلك بعد الخمس .
غير قابل للتصديق . ضرورة أنّ نصوص الخراج أخصّ من آية الغنيمة ، فإنّ النسبة بين
الدليلين عمومٌ وخصوصٌ مطلق ، ولا شكّ أنّ إطلاق الخاصّ مقدّم على عموم العامّ ،
فتلك النصوص لأجل كونها أخصّ تخصّص
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الحدائق 12 : 324 ـ 325 .
(2) الجواهر 16 : 8 .
ــ[8]ــ
الآية لا أ نّها تخصّص تلك النصوص كما لا يخفى .
بل يمكن أن يقال بعدم إطلاق للآية المباركة بالإضافة إلى غير المنقول ، فإنّ
الغنيمة هي الفائدة العائدة للغانم بما هو غانم ، وعليه فتختصّ بما يقسّم بين
المقاتلين وهي الغنائم المنقولة .
وأمّا الأراضي المحكوم عليها بأ نّها ملك لعامّة المسلمين فلا تعدّ غنيمة للغانم
والمقاتل بما هو كذلك وإن استفاد منها بما أ نّه فرد من آحاد المسلمين فلا تختصّ به
، ولا مدخل لوصفه العنواني في الانتفاع بها لتتّصف بكونها غنيمة له كما لا يخفى .
فالإطلاق إذن ساقط من أصله ، ومعه لا دليل على وجوب الخمس في غير المنقول .
هذا ، ومع الغضّ عن ذلك وتسليم كون النسبة بين الدليلين عموماً من وجه ، بدعوى أنّ
الآية تعمّ المنقول وغيره وتختصّ بالخمس ، كما أنّ نصوص الخراج تختصّ بغير المنقول
وتعمّ مقدار الخمس وغيره ـ أي تشمل جميع المال ـ فغايته أ نّه يتعارض الدليلان
حينئذ في مورد الاجتماع ـ أعني : الخمس من غير المنقول ـ فإنّ مقتضى إطلاق الآية
وجوبه ، ومقتضى تلك النصوص عدمه ، فيتساقطان لعدم الترجيح ، إذ عموم الكتاب إنّما
يتقدّم على عموم السنّة لدى المعارضة فيما إذا لم تكن قطعيّة كعموم الخبر الواحد ،
أمّا السنّة القطعيّة كما في المقام فهي تعادل قطعيّة الكتاب ، فإذن يرجع بعد تساقط
الدليلين إلى أصالة البراءة عن الخمس ، فتكون النتيجة أيضاً هي ما ذكرناه من
الاختصاص .
فإن قلت : لو تساقط الدليلان فبماذا يحكم بعدئذ بأنّ مقدار الخمس ملكٌ للمسلمين وقد
سقط دليله بالمعارضة ؟!
قلت : إنّ الخمس ينتقل إلى مستحقّه من المالك ، فإذا كان دليله معارَضاً وساقطاً
بها فالمال يبقى على ملك مالكه .
ــ[9]ــ
والعمدة ما عرفت من إنكار الإطلاق في الآية المباركة من أصله ، لما أشرنا إليه من
أنّ الغنيمة في الآية المباركة وغيرها من سائر موارد إطلاقاتها في الأخبار هي
الفائدة العائدة للغانم والربح الذي يستفيده بشخصه ويدخله في ملكه ، وقد حكم بأنّ
خمس ما ملكه كذلك يكون للإمام كما حكم بأنّ مقدار الزكاة في العين الزكويّة ملكٌ
لمصرف الزكاة بعد بلوغ النصاب أو حَوَلان الحول فيما يعتبر فيه الحول ، وأنّ مقدار
النصاب في الذهب ـ مثلاً ـ بتمامه ملكٌ لمالكه قبل الحَوَلان ، وبمجرّد أنّ حال
الحول يخرج مقدار الزكاة عن ملكه ويدخل في ملك الفقير ، وكذا في الغلاّت بعد صدق
الاسم . ويراعى مثل ذلك في الخمس أيضاً، فيخرج ممّا يغتنمه الغانم ويربحه الرابح
خمسه عن ملكه، وهذا غير صادق بالإضافة إلى الأراضي الخراجيّة بعد أن لم تكن ملكاً
للمقاتلين وغنيمةً لهم بما هم كذلك ، بل لعامّة المسلمين إلى يوم القيامة .
نعم ، هي غنيمة بمعنى آخر ، أي يستفيد منها المقاتل بما أ نّه مسلم ، لكن الغنيمة
بهذا المعنى لا خمس فيها ، لوجهين :
أمّا أوّلاً : فلاختصاص أدلّة الخمس بالغنائم الشخصيّة وما يكون ملكاً لشخص الغانم
، لا ما هو ملك للعنوان الكلِّي كما في الأراضي الخراجيّة ، حيث إنّها لم تكن ملكاً
لأيّ فرد من آحاد المسلمين وإنّما ينتفع منها المسلم بإزاء دفع الخراج من غير أن
يملك رقبتها ، بل المالك هو العنوان الكلّي العام ، نظير الأوقاف العامّة التي هي
ملك لعناوين معيّنة .
ومن ثمّ لم يلتزم أحد بوجوب تخميسها ، وليس ذلك إلاّ لانتفاء الملك الشخصي والغنيمة
الشخصيّة التي هي الموضوع لوجوب الخمس .
والمشهور إنّما ذهبوا إلى التخميس في الأراضي الخراجيّة زعماً منهم أ نّها غنيمة
للمقاتلين ، لا باعتبار كونها غنيمة لعامّة المسلمين كما لا يخفى .
صحّة اختصاص الخمس بالمنقول وعدم ثبوته في غير المنقول - الخمس في الغنيمة بعد
إخراج المؤن التي اُنفقت عليها
الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 15:الخُمس || القسم : الفقه ||
القرّاء : 45
ــ[10]ــ
بعد إخراج المؤن التي اُنفقت على الغنيمة (1) بعد تحصيلها بحفظ وحمل ورعي ونحوها
منها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأمّا ثانياً : فلأجل أنّ قولهم : لا خمس إلاّ بعد المؤونة، يكشف عن اختصاصه بمال
تُصرَفُ المؤونة في سبيل تحصيله . وهو ـ كما ترى ـ خاصّ بالملك الشخصي ، إذ لا معنى
لإخراج المؤونة فيما يكون المالك هو العنوان الكلّي العام ، لعدم كونه ممّن يصرف
المؤونة في سبيل تحصيل الغنيمة كما هو ظاهر .
فتحصّل : أنّ ما ذكره المشهور من التعميم لغير المنقول من الغنائم كالأراضي وأ نّها
تخمّس أوّلاً ثمّ تكون ملكاً لعامّة المسلمين لا يمكن المساعدة عليه ، لقصور النصوص
عن إفادة التعميم حسبما عرفت .
والاستشهاد له برواية أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : كلّ شيء قوتل عليه
على شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله فإنّ لنا خمسه» إلخ (1) ،
بدعوى أنّ لفظة «كلّ» من أدوات العموم فتعمّ المنقول وغير المنقول .
في غير محلّه ، إذ مع تسليم تماميّة الدلالة فالسند قاصر من أجل اشتماله على علي بن
أبي حمزة الذي هو البطائني الكذّاب ، فلا يمكن الاعتماد عليها .
فما ذكره صاحب الحدائق (قدس سره) من الاختصـاص بالمنقول وعدم ثبوت الخمس في غير
المنقول هو الصحيح الحقيق بالقبول .
(1) كما هو مقتضى القاعدة من لزوم إخراج المصارف المتعلِّقة بالعين المشتركة من حفظ
وحمل ورعي ونحوها من الأموال المصروفة في سبيلها من نفس
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 9 : 487 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 2 ح 5 .
الولاية المطلقة للإمام (عليه السلام) فيما يجعله من الغنية على فعل مصلحة من
المصالح
الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 15:الخُمس || القسم : الفقه ||
القرّاء : 41
ــ[11]ــ
وبعد إخراج ما جعله الإمام (عليه السلام) من الغنيمة على فعل مصلحة من المصالح (1)
،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العين ، إذ التخصيص بالبعض تحميلٌ لا دليل عليه ، وربّما تكون المؤونة أكثر من نفس
الغنيمة .
وقد صرّح بالإخراج المزبور جماعة ، وإن أنكره آخرون استناداً إلى إطلاق الآية
المباركة ، الذي هو في حيّز المنع بعد وضوح عدم النظر فيها إلى هذه الجهة لينعقد
الإطلاق .
هذا ، ويمكن الاستدلال لهذا الحكم أيضاً بما دلّ على أنّ الخمس بعد المؤونة ،
فإنّها وإن اختصّت بالمؤن السابقة ولا تعمّ ما بعد التحصيل ، إلاّ أنّ مؤونة الحفظ
والحمل والرعي ونحوها ممّا يصرف في سبيل الغنيمة إلى أن تصل إلى يد الإمام (عليه
السلام) ـ كما هو محلّ الكلام ـ تعدّ من المؤن السابقة على تحصيل الغنيمة بنحو تكون
قابلة للاستفادة والانتفاع ، فإنّ ذات الغنيمة وإن تحقّقت بمجرّد الاستيلاء عليها
في دار الحرب ، إلاّ أنّ الانتفاع منها والدخول في الملك الشخصي الذي به تكون غنيمة
بالحمل الشائع منوطٌ بالوصول إلى الإمام (عليه السلام) وتقسيمه لها بين المقاتلين ،
فصحّ القول ـ بهذه العناية ـ بأنّ مصاريف الحفظ ونحوه تعدّ من المؤن السابقة على
تحصيل الغنيمة ، فلاحظ .
(1) بتمليكه لشخص أو صرفه في جهة من الجهات العامّة حسبما يراه من المصلحة ، فإنّ
له الولاية المطلقة على ذلك ، إذ هو وليّ الأمر وأولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فيخرج
بذلك عن الغنيمة التي هي موضوع قسمة الخمس ، وتكون هديّة لمن منحها . فإن قلنا
بوجوب التخميس في مطلق الفائدة الشامل للهديّة وجب خمسها لهذه الجهة لا لأجل
الغنيمة ، وإلاّ فلا شيء عليه .
استثناء صفايا الغنيمة فإنّها للإمام (عليه السلام) - حكم الغنيمة إذا كان الغزو
بغير إذن الإمام (عليه السلام)
الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 15:الخُمس || القسم : الفقه ||
القرّاء : 38
ــ[12]ــ
وبعد استثناء صَفايا الغنيمة (1) كالجارية الوَرَقَة والمركب الفارِه والسيف القاطع
والدرع ، فإنّها للإمام (عليه السلام) ، وكذا قطائع الملوك ، فإنّها أيضاً له (عليه
السلام) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الظاهر أنّ الحكم متسالم عليه ، وكذا فيما سيذكره من قطائع الملوك المعبّر عنها
فعلاً بخالصـة الملوك ، وقد ادّعي عليه الإجمـاع ، وتشهد به جملة من النصوص :
منها : موثّقة أبي بصير ـ على ما هو الحقّ من وثاقة أحمد بن هلال ـ عن أبي عبدالله
(عليه السلام)، قال: سألته عن صفو المال «قال: الإمام يأخذ الجارية الرُّوقة
والمركب الفارِه والسيف القاطع والدرع قبل أن تقسّم الغنيمة ، فهذا صفو المال» (1)
.
وصحيحة ربعي عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال : كان رسول الله (صلّى الله عليه
وآله) إذا أتاه المغنم أخذ صفوه وكان ذلك له» (2) .
ومنها : صحيحة داود بن فرقد : «قطائع الملوك كلّها للإمام ، وليس للناس فيها شيء»
(3) .
ومنها : موثّقة سماعة : «كلّ أرض خربة أو شيء يكون للملوك فهو خالص للإمام (عليه
السلام) » (4) ، وغيرها .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 9 : 528 / أبواب الأنفال ب 1 ح 15 .
(2) الوسائل 9 : 510 / أبواب قسمة الخمس ب 1 ح 3 .
(3) الوسائل 9 : 525 / أبواب الأنفال ب 1 ح 6 .
(4) الوسائل 9 : 526 / أبواب الأنفال ب 1 ح 8 .
ــ[13]ــ
وأمّا إذا كان الغزو بغير إذن الإمام (عليه السلام) فإن كان في زمان الحضور وإمكان
الاستئذان منه فالغنيمة للإمام (عليه السلام) (1) ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الظاهر أنّ الحكم متسالم عليه بين الأصحاب ، بل ادّعي عليه الإجماع في غير واحد
من الكلمات .
وإنّما الكلام في مستنده ، وقد استُدِلّ له بوجوه :
أحدها : الإجماع . ولا يبعد تحقّقه بعدما عرفت من تسالم الأصحاب عليه ، لولا أ نّه
معلوم المدرك أو محتمله .
الثاني : مرسلة العبّاس الورّاق ، عن رجل سـمّاه : عن أبي عبدالله (عليه السلام)
«قال : إذا غزا قوم بغير إذن الإمام فغنموا كانت الغنيمة كلّها للإمام ، وإذا غزوا
بأمر الإمام فغنموا كان للإمام الخمس» (1) .
وهي ضعيفة السند بالإرسال ، مضافاً إلى جهالة الحسن بن أحمد بن يسار أو بشّار ، فإن
بنينا على انجبار ضعف السند بعمل المشهور اعتُبرت الرواية حينئذ وصحّ الاستناد
إليها ، وإلاّ فلا .
وقد تقدّم غير مرّة في مطاوي هذا الشرح أنّ الأظهر : الثاني ، لمنع الانجبار صغرىً
، لجواز استناد المشهور إلى ما عرفت من تسالم الأصحاب لا إلى هذه الرواية . وكبرىً
، إذ لا ينجبر ضعف السند بالشهرة ، كما لا ينجبر بها ضعف الدلالة ، فإنّ العبرة في
الحجّيّة بأحد أمرين : إمّا بالوثوق الشخصي بصدور الرواية ، أو بكون الراوي موثّقاً
، ولا ثالث ، ومجرّد الاشتهار لا وزن له في سوق الاعتبار ، وتمام الكلام في محلّه .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 9 : 529 / أبواب الأنفال ب 1 ح 16 .
ــ[14]ــ
الثالث ـ وهو العمدة ـ : صحيحة معاوية بن وهب ، قال : قلت لأبي عبدالله (عليه
السلام) : السريّة يبعثها الإمام فيصيبون غنائم ، كيف يقسّم ؟ «قال : إن قاتلوا
عليها مع أمير أمّره الإمام عليهم أخرج منها الخمس لله وللرسول وقسّم بينهم أربعة
أخماس ، وإن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كلّ ما غنموا للإمام يجعله حيث
أحبّ» (1) .
وما في الوسائل من ذكر «ثلاثة أخماس» غلط ، والصحيح ما أثبتناه كما أشار إليه
المعلّق .
وقد تضمّنت التفصيل بين كون القتال مع الأمير ـ أي بإذن الإمام ـ وعدمه .
ولكن قد يناقش في دلالتها بظهورها في التفصيل بين القتال وعدمه لا بين الإذن وعدمه
، كيف ؟! وهو مفروض في مورد السؤال ، وأنّ السريّة كانت ببعث من الإمام (عليه
السلام) ، فلا بدّ وأن يكون التفصيل في مورد السؤال ، ونتيجته أنّ تلك السريّة
المأذونة إن غنموا مع القتال تخمّس الغنيمة ، وإلاّ فكلّها للإمام ، فهي تدلّ على
تفصيل آخر أجنبي عمّا نحن بصدده .
ويندفع : بأنّ مبنى الاستدلال هو مفهوم الشرطيّة الاُولى بعد ملاحظة أنّ النكتة في
تقييد القتال في الجملة الشرطيّة بكونه مع أمير أمّره الإمام ـ بعد وضوح أ نّه لا
قتال إلاّ مع الأمير وإلاّ كانت فوضى ـ هو التأكّد بشأن هذا القيد ـ الذي مرجعه إلى
الإذن ـ ودخله في الحكم ، وإلاّ كان ذكره مستدركاً للاستغناء عنه بعد فرضه في
السؤال .
وعليه ، فيكون مرجع الجملة الشرطيّة إلى أنّ الأمر إن كان كما ذكرت أ يُّها السـائل
من كون القتال بأمر من الإمام وبعثه للسريّة فالمال يخمّس حينئذ ، فالشرط مركّب من
قيدين : تحقّق القتال ، وكونه بإذن الإمام ، ومفهومه انتفاء
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 9 : 524 / أبواب الأنفال ب 1 ح 3 .
ــ[15]ــ
المركّب المتحقّق بانتفاء أحد القيدين من انتفاء القتال أو عدم كونه بالإذن .
وعلى هذا فيكون المراد من الشرط في الشرطيّة الثانية عدم القتال الخاصّ المذكور في
الشرطيّة الاُولى ـ أعني : ما كان عن الإذن ـ وانتفاؤه يكون تارةً بانتفاء القتال
رأساً ، واُخرى بعدم صدوره عن الإذن كما عرفت ، وقد دلّت بمقتضى الإطلاق على كون
الغنيمة حينئذ بتمامها للإمام ، فقد دلّت الصحيحة على التفصيل بين الإذن وعدمه
أيضاً بهذا التقريب .
هذا ، ولكن سيّدنا الاُستاذ (دام ظلّه) اقتصر في إثبات المطلوب على مفهوم الشرطية
الاُولى ، وذكر أنّ الثانية بيانٌ لبعض أفراد المفهوم ولا مدخل لها في الاستدلال .
وأوضَحَ المقامَ بأنّ وجهة السؤال ترتكز على الاستفهام عن كيفيّة التقسيم بعد فرض
كون السريّة مبعوثة عن الإمام ، فتقييد القتال في الجواب بما يرجع إلى الإذن لا بدّ
وأن يكون لنكتة حذراً عن اللّغوية ، وليس إلاّ التأكد عن وجود هذا القيد وأنّ
القتال المقيّد بالإذن محكومٌ بالتقسيم بهذا النحو بإخراج الخمس أوّلاً ثمّ تقسيم
الأربعة أخماس الباقية بين المقاتلين ، ومفهومه أ نّه لو لم يكن قتال أو لم يكن
القتال مع الإذن فلا إخراج ولا تقسيم ، وبطبيعة الحال يكون المال حينئذ بكامله
وخالصه للإمام (عليه السلام) ، فتأمّل .
وكيفما كان ، فإطالة البحث حول هذه المسألة قليلة الجدوى ، فإنّها راجعة إلى زمان
الحضور ، والإمام (عليه السلام) أعرف بوظيفته .
ثمّ إنّه ربّما تعارَض صحيحة معاوية بن وهب بصحيحة الحلبي عن أبي عبدال حكم الغنيمة
إن كان الغزو في زمن الغيبة - الفداء والجزية وما صالحوا عليه من الغنائم التي يجب
فيها الخمس
الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 15:الخُمس || القسم : الفقه ||
القرّاء : 46
ــ[16]ــ
وإن كان في زمن الغيبة فالأحوط إخراج خمسها من حيث الغنيمة (1) ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حيث يظهر منها عدم اعتبار الإذن في التخميس ، وقد حملها في الجواهر على أنّ ذلك
تحليلٌ منه (عليه السلام) بعد الخمس وإن كانت الغنيمة كلّها له بمقتضى عدم
الاستئذان (1) .
ولكنّه كما ترى ، لظهورها في أنّ ذلك حكم شرعي لا تحليل شخصي كما لا يخفى ، فتكون
المعارضة على حالها .
والصحيح أنّ النظر في الصحيح غير معطوف إلى حيثيّة الإذن ، ولعلّها كانت مفروغاً
عنه ، لما ثبت من إمضائهم (عليهم السلام) ما كان يصدر من السلاطين وحكّام الجور في
عصرهم من الغزو والجهاد مع الكفّار وإذنهم العام في ذلك .
وإنّما ترتكز وجهة السؤال على أساس أنّ المقاتل يكون في لوائهم ـ أي لواء بني
العبّاس ـ ومن البيّن أنّ حكّام الجور لم تكن تخضع للخمس ولا تعتقد بهذه الفريضة ،
فيسأل عن حكم الغنيمة التي يصيبها المقاتل ويستلمها ممّن لا يرى وجوب الخمس وأ نّه
ما هو موقفه تجاه هذه الفريضة .
وهم (عليهم السلام) وإن أباحوها وحلّلوها لشيعتهم ليطيب منكحهم ومسكنهم كما نطق به
غير واحد من الأخبار، إلاّ أ نّه (عليه السلام) في خصوص المقام وبنحو القضيّة
الخارجيّة لم يسمح إلاّ بأربعة أخماس الغنيمة ، لعلّة هو (عليه السلام) أدرى بها .
وكيفما كان ، فلا دلالة لها بوجه على عدم اعتبار الإذن لكي تتحقّق المعارضة بينها
وبين ما سبق ، فلاحظ .
(1) لإطلاق الغنيمة في الآية المباركة ، الشامل لزماني الحضور والغيبة ،
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجواهر 16 : 11 ـ 12 .
ــ[17]ــ
خصوصاً إذا كان للدعاء إلى الإسلام(1)، فما يأخذه السلاطين في هذه الأزمنة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وليس بإزائه إلاّ ما دلّ على اشتراط إذن الإمام ، غير الصالح للتقييد .
إذ هو إمّا الإجماع وهو دليل لبّي يقتصر على المقدار المتيقّن منه وهو فرض الحضور
والتمكّن من الاستئذان .
أو مرسل الورّاق المتقدِّم وهو بعد تسليم الإطلاق والشمول لصورتي الغيبة والحضور
غير قابل للاستناد، لأجل الضعف غير المنجبر عندنا بالعمل كما تقدّم .
أو صحيحة معاوية بن وهب المتقدّمة ، وهي العمدة ، حيث تضمّنت كما عرفت تقييد القتال
بالإذن ، إلاّ أنّ هذا القيد لم يكن له مفهوم بالمعنى المصطلح ، وإنّما عوّلنا عليه
حذراً عن اللّغوية ، ويكفي في الخروج عنها نكتة التأكّد ممّا افترضه السائل وأنّ
لهذا القيد مدخلاً في الحكم بالتخميس كما مرّ . وأمّا أنّ هذا الدخل هل هو على سبيل
الإطلاق أو في خصوص حال الحضور والتمكّن من الاستئذان ؟ فلا دلالة فيها على ذلك
بوجه لو لم تكن ظاهرة في الثاني ، كما هو مقتضى فرض بعث السريّة من قِبَل الإمام
وتصدّيه (عليه السلام) لتأمير الأمير .
إذن فلا تدلّ الصحيحة على اشتراط الإذن حتى في زمن الغيبة ليتقيّد بها إطلاق الآية
المباركة بالإضافة إلى هذا الزمان .
فتحصّل : أنّ إطلاقات الغنيمة في الكتاب والسنّة القاضية بلزوم التخميس في كلّ
غنيمة سواء أكان القتال في زمن الحضور أم الغيبة هي المحكّم بعد سلامتها عمّا يصلح
للتقييد ، من غير فرق بين ما إذا كان للدعاء إلى الإسلام أم لغيره بمقتضى الإطلاق .
(1) وجه التخصيص : التنصيص عليه في رواية أبي بصير المتقدّمة : «كلّ
ــ[18]ــ
من الكفّار بالمقاتلة معهم من المنقول وغيره ((1)) يجب فيه الخمس على الأحوط وإن
كان قصدهم زيادة الملك لا الدُّعاء إلى الإسلام .
ومن الغنائم التي يجب فيها الخمس : الفِداء (1) الذي يؤخذ من أهل الحرب ، بل الجزية
المبذولة لتلك السريّة بخلاف سائر أفراد الجزية .
ومنها أيضاً : ما صولحوا عليه ، وكذا ما يؤخذ منهم عند الدفاع معهم(2) إذا هجموا
على المسلمين في أمكنتهم ولو في زمن الغيبة ، فيجب إخراج الخمس من جميع ذلك قليلاً
كان أو كثيراً من غير ملاحظة خروج مؤونة السنة على ما يأتي في أرباح المكاسب وسائر
الفوائد .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شيء قـوتل عليه على شهادة أن لا إله إلاّ الله» إلخ (2) ، أي على الدعوة إلى
الإسلام ، إلاّ أ نّها ـ من أجل ضعف السند بعلي بن أبي حمزة البطائني كما مرّ ـ لا
تصلح إلاّ للتأييد ، وأنّ الحكم في هذا الفرض آكد من غير أن يتقيّد بها إطلاقات
الغنيمة في الكتاب والسنّة حسبما عرفت .
(1) فإنّ الفداء المأخوذ بدلاً عن الأسير وكذا الجزية المبذولة في تلك السريّة عن
الرؤوس وكذا ما صولحوا عليه كلّها تعدّ من غنائم أهل الحرب ، الشاملة لما يؤخذ منهم
بالغلبة أم بدونها ، فتكون مشمولة لإطلاق الآية المباركة بعد صدق الغنيمة عليها .
(2) لما عرفت أيضاً من إطلاق الآية المباركة ، الشامل للغنائم المأخوذة منهم دفاعاً
كالمأخوذة هجوماً وجهاداً بعد صدق الغنيمة على الكلّ بمناط واحد ،
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تقدّم الكلام فيه [ في التعليقة السابقة ] .
(2) الوسائل 9 : 487 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 2 ح 5 .
له (عليه السلام) : في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم ويكون معهم فيصيب غنيمة
«قال: يؤدِّي خمساً ويطيب له»(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 9 : 488 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 2 ح 8 .
إخراج خمس الأموال المأخوذة من الكفّار بغزو المسلمين عليهم - هل يجب الخمس في
المأخوذ من الكفّار بالسرقة أو الغيلة والخدعة ؟
الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 15:الخُمس || القسم : الفقه ||
القرّاء : 44
ــ[19]ــ
[ 2877 ] مسألة 1 : إذا غار المسلمون على الكفّار فأخذوا أموالهم فالأحوط بل الأقوى
إخراج خمسها (1) ، من حيث كونها غنيمة ولو في زمن الغيبة ، فلا يلاحظ فيها مؤونة
السنة . وكذا إذا أخذوا بالسرقة والغِيلة ((1)) . نعم ، لو أخذوا منهم بالربا أو
بالدعوى الباطلة فالأقوى إلحاقه بالفوائد المكتسبة ، فيعتبر فيه الزيادة عن مؤونة
السنة ، وإن كان الأحوط إخراج خمسه مطلقاً .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعدم الدليل على التقييد بالثاني من غير فرق بين الدفاع في زمن الغيبة أو الحضور .
ولا يعتبر هنا الإذن من الإمام وإن اعتبرناه في الجهاد ، لقصور الدليل ، فإنّه إمّا
الإجماع ولا إطلاق له يشمل الدفاع ، أو مرسل الورّاق وموردها الغزو ، أو صحيحة ابن
وهب وموردها السريّة، وشيء منهما لايشمل الدفاع كما هو ظاهر .
(1) إذ لا فرق بمقتضى إطلاق الآية وغيرها بين الغنائم المأخوذة منهم في قتال مبنيٍّ
على الدعاء إلى الإسلام وتوسعة أراضي المسلمين ، أو على مجرّد أخذ الأموال
والاستيلاء عليها كما تقدّم .
وأمّا المأخوذ منهم بالسرقة أو الغيلة والخدعة ـ في مورد يجوز ذلك ـ فلا إشكال في أ
نّه غنيمة يجب تخميسها .
وإنّما الكلام في أنّ ذلك هل يعدّ من الغنيمة بالمعنى الأخصّ ـ أي من غنائم دار
الحرب ـ أو منها بالمعنى الأعمّ الشامل لمطلق الفائدة ؟
وتظهر الثمرة بين الغنيمتين في ملاحظة المؤونة وعدمها ، فعلى الأوّل يجب
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الظاهر أ نّه بحكم الأرباح .
ــ[20]ــ
التخميس بمجرّد حصولها . وأمّا على الثاني فيجوز التأخير إلى نهاية السنة ، فإن
زادت على مؤونتها يخمّس الزائد ، وإلاّ فلا شيء عليه ، فتخرج مؤونة السنة على
الثاني دون الأوّل .
اختار الماتن الأوّل ، ولكن الظاهر الثاني ، فإنّ المستفاد من الآية المباركة وكذا
النصوص على كثرتها صحيحها وسقيمها ـ التي لا يبعد بلوغ المجموع حدّ التواتر ـ
اختصاص الحكم بالاغتنام الناتج من القتال ، والمتحصّل من الغلبة بالمقاتلة ، لا
مطلق السيطرة على المال كيفما اتّفق ليشمل مثل السرقة والخديعة .
ويعضده ما في مكاتبة علي بن مهزيار من التمثيل لمطلق الفائدة ـ أي الغنيمة بالمعنى
الأعمّ ـ بالمال المأخوذ من عدوٍّ يصطلم (1) .
فإنّ من الظاهر عدم إرادة العدوّ الشخصي ، بداهة أنّ العداوة الشخصية لا تسوّغ أخذ
المال ، بل المبدئي العقائدي الذي من أبرز أفراده الكافر الحربي يؤخذ المال منه
غلبةً أو سرقةً الذي هو محلّ الكلام .
وبعبارة اُخرى : مقتضى إطلاقات الأدلّة المتضمّنة أنّ الخمس بعد المؤونة : أنّ كلّ
فائدة يستفيدها الغانم لا يجب خمسها إلاّ بعد إخراج مؤونة السنة إلاّ ما ثبت خلافه
بدليل خاصّ ، وقد ثبت ذلك في جملة من الموارد مثل غنائم دار الحرب الحاصلة من
القتال والمعدن والكنز ونحوها ، ولم يثبت في المأخوذ من الكافر سرقةً أو غيلةً ،
فالمتّبع حينئذ هو الإطلاق المتقدّم . إذن فهذا المأخوذ فائدة كسائر الفوائد
العائدة بالتكسّب لا يجب تخميسها إلاّ بعد إخراج مؤونة السنة .
وأوضح حالاً المأخوذ منهم بالمعاملة الربويّة ، فإنّا لو بنينا على جواز الربا
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 9 : 501 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 5 .
ــ[21]ــ
معهم كما هو المشهور كانت هذه المعاملة كغيرها من سائر المعاملات التي تعدّ فوائدها
من أرباح المكاسب والغنائم بالمعنى الأعمّ كما هو ظاهر .
حكم المأخوذ من الكفّار بالربا والدعوى الباطلة - جواز أخذ مال الناصب أينما وُجِدَ
وتخميسه ابتداءً
الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 15:الخُمس || القسم : الفقه ||
القرّاء : 39
وإن قلنا بالحرمة كما هو الأظهر عملاً بإطلاق قوله تعالى : (وَحَرَّمَ الرِّبَا)(1)
السليم عمّا يصلح للتقييد ـ نظراً إلى أنّ الرواية المقيّدة المتضمّنة لجواز الربا
مع الكافر ضعيفة السند ، ومن ثمّ استغرب السبزواري أ نّه كيف يرفع اليد عن إطلاق
الآية برواية ضعيفة ـ فهذه المعاملة غير سائغة معهم من أصلها فلا يجوز ارتكابها .
نعم ، بعد الارتكاب وأخذ المال يجوز التصرّف فيه ولا يجب الردّ ، عملاً بقاعدة
الإلزام ، حيث إنّهم يسوّغون هذه المعاملة فيؤخذون بما التزموا به على أنفسهم .
وعليه ، فيعدّ ذلك فائدة عائدة بالتكسّب كما في سائر المعاملات ، فتكون لا محالة من
الغنائم بالمعنى الأعمّ .
بل يمكن أن يقال : إنّه لا حاجة إلى التمسّك بقاعدة الإلزام بعد جواز استملاك مال
الكافر حتّى سرقةً أو غيلةً .
نعم ، يتّجه في الكافر الذمّي الذي هو خارج فعلاً عن محلّ الكلام . اللّهمّ إلاّ أن
يستند إليها ليكون له معذّر في نظر العقلاء دون الشرع .
وأمّا المأخوذ بالدعوى الباطلة فهو في حكم المأخوذ بالسرقة أو الغيلة ، ولا وجه
للتفكيك بينهما أبداً ، لوحدة المناط ، وهو اندراج الكلّ في الفائدة والمغنم من غير
اشتماله على القتال ، وقد عرفت أ نّها من الغنائم بالمعنى الأعم ، فيعتبر في وجوب
تخميسها إخراج مؤونة السنة حسبما عرفت .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البقرة 2 : 275 .
ــ[22]ــ
[ 2878 ] مسألة 2 : يجوز أخذ مال الناصب أينما وُجِد (1) ، لكن الأحوط إخراج خمسه
مطلقاً (2).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فلا احترام لماله كالكافر الحربي ، بل هو أشدّ منه ، وقد ورد : أنّ الله تعالى
لم يخلق خلقاً أنجس من الكلب ، وأنّ الناصب لنا أهل البيت أنجس منه(1) .
ويدلّ على الحكم صريحاً صحيح الحفص بن البختري عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال :
خذ مال الناصب حيثما وجدته وادفع إلينا الخمس»(2)، ونحوه صحيح معلى بن خنيس على
الأظهر(3).
المؤيّدين بالمرسل عن إسحاق بن عمّار ، قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) : «مال
الناصب وكلّ شيء يملكه حلال إلاّ امرأته ، فإنّ نكاح أهل الشرك جائز ، وذلك أنّ
رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : لا تسبّوا أهل الشرك ، فإنّ لكلّ قوم نكاحاً
، ولولا أ نّا نخاف عليكم أن يقتل رجل منكم برجل منهم ورجل منكم خير من ألف رجل
منهم لأمرناكم بالقتل لهم ، ولكن ذلك إلى الإمام» (4) .
(2) لا اشكال في وجوب تخميسه في الجملة كما نطقت به الصحيحتان المتقدّمتان آنفاً .
وإنّما الكلام في أنّ ذلك هل يجب ابتداءً كما في غنائم دار الحرب ، أو بعد إخراج
مؤونة السنة ؟
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 1 : 220 / أبواب الماء المضاف والمستعمل ب 11 ح 5 .
(2) الوسائل 9 : 487 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 2 ح 6 .
(3) الوسائل 9 : 488 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 2 ح 7 .
(4) الوسائل 15 : 80 / أبواب جهاد العدو ب 26 ح 2 .
ــ[23]ــ
ذكر الماتن (قدس سره) أنّ الأوّل أحـوط ، والظاهر أ نّه الأقوى ، عملاً بإطلاق
الصحيحتين ، فإنّ ما دلّ على أنّ الخمس بعد المؤونة ناظرٌ إلى الفوائد العائدة
بالاكتساب من الصناعات والتجارات ، أمّا ما عدا ذلك ـ كغنائم دار الحرب والمعدن ،
والمال المختلط بالحلال والحرام ونحوها ، ومنها المأخوذ من الناصب ـ فالمتّبع إطلاق
دليل وجوب الخمس ، الثابت في مواردها ، المقتضي لوجوب التخميس ابتداءً ، من غير
انتظار الزيادة على مؤونة السنة ، لعدم اندراجها تحت تلك الأدلّة كما لا يخفى .
بل يكفينا مجرّد الشكّ في ذلك والتردّد في أنّ ما دلّ على أنّ الخمس بعد المؤونة هل
يختصّ بالخمس بعنوان الفائدة وأرباح المكاسب ؟ أو أ نّه يعمّ مثل المقام ، نظراً
إلى أنّ الحكم الوضعي ـ أعني : تعلّق الخمس بالمال وكون جزء من خمسة أجزائه ملكاً
للإمام (عليه السلام) ـ ثابتٌ منذ التسلّط عليه على أيّ حال من غير شبهة وإشكال ؟
غاية الأمر قيام الدليل على جواز التأخير والتصرّف في تمام المال إلى نهاية السنة
تسهيلاً وإرفاقاً منهم (عليهم السلام) ، وأ نّه لا خمس إلاّ في الفاضل على مؤونة
السنة ، حيث قد ثبت هذا الترخيص في طائفة من تلك الأموال التي تعلّق بها الخمس،
فإذا شكّ في سعة هذا الدليل وضيقه وأنّه هل يشمل المال المأخوذ من الناصب أو لا،
كان المرجع أصالة عدم جواز التصرّف في ملك الغير ـ أعني: الخمس المتعلِّق بالإمام
(عليه السلام) ـ إذ التصرّف يحتاج إلى الدليل بعد فرض كونه ملكاً للغير كما عرفت ،
ومقتضى ال حكم مال البغاة والخوارج قبل نشوب القتال وبعده - اشتراط عدم غصبيّة
المُغتَنَم
الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 15:الخُمس || القسم : الفقه ||
القرّاء : 42
ــ[24]ــ
وكذا الأحوط إخراج الخمس ممّا حواه العسكر من مال البغاة إذا كانوا من النُّصّاب
(1) ودخلوا في عنوانهم ، وإلاّ فيشكل حلّيّة مالهم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا ينبغي الإشكال في حلّيّة مال البغاة والخوارج وجواز التصرّف فيه بإتلاف
ونحوه قبل نشوب القتال أو أثنائه قبل أن تضع الحرب أوزارها ، فإنّ الإذن في القتال
إذنٌ في مثل هذه التصرّفات التي يتوقّف القتال عليها من قتل فرس المقاتل الباغي أو
فتق درعه أو كسر سيفه ونحو ذلك .
ومنه تعرف عدم الضمان بعد أن كان الإتلاف بإذن من ولي الأمر ومن هو أولى بالتصرّف .
وقد أمر مولانا أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام بعقر جمل عائشة فعُقِرَ من
غير أن يخرج عن ضمانه (1) .
وأمّا بعد انتهاء القتال ووضع الحرب أوزارها فلا إشكال في الجواز أيضاً إذا كان
البغاة من النصّاب ، لما تقدّم من حلّيّة مال الناصب وعدم احترامه وإن لم يقاتل
فضلاً عمّا لو قاتل .
وأمّا إذا لم يكن من النواصب وإنّما خرج وقاتل طلباً للرئاسة وحرصاً على حطام
الدُّنيا من غير أن يحمل بغض أهل البيت (عليهم السلام) وينصب العداوة لهم ، فقد وقع
الخلاف حينئذ بين الأصحاب في جواز التصرّف في ماله :
فذهب جماعة إلى الجواز وأ نّه يقسّم بين المقاتلين كما في الكافر الحربي، بل ادّعى
الشيخ في الخلاف إجماع الفرقة وأخبارهم عليه (2) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجمل (مصنّفات الشيخ المفيد 1) : 377 .
(2) الخلاف 5 : 346 / 17 .
ــ[25]ــ
ولكن الإجماع المدّعى منه معارض بما عن السـيِّد المرتضى وابن إدريس والعلاّمة من
دعوى الإجماع على خلافه كما في الجواهر ج 12 ص 339 ، فلا يعتمد عليه بوجه . ولم
يتّضح مراده (قدس سره) من الأخبار وغايته أ نّها مرسلة .
هذا ، وقد ذهب المحقّق في جهاد الشرائع إلى جواز التصرّف والقسمة بين المقاتلين (1)
، استناداً إلى قيام سيرة علي (عليه السلام) على ذلك ، كما حكي ذلك عن جمع أيضاً
منهم العماني (2) .
ولكن سيرته غير ثابتة كما صرّح به في الجواهر ، بل عن الشيخ في المبسوط والشهيد في
الدروس أنّ سيرته (عليه السلام) في أهل البصرة كانت على خلاف ذلك وأ نّه (عليه
السلام) أمر بردّ أموالهم فاُخذت حتى القدور (3) .
فدعوى السيرة معارضة بمثلها كالإجماع فلا يمكن الاعتماد على شيء منهما ، بل لا يمكن
الاعتماد حتى لو ثبتت السيرة على كلّ من الطرفين ، إذ لو ثبتت سيرته (عليه السلام)
على التقسيم فبما أ نّها قضيّة خارجيّة فمن الجائز أن يكون ذلك من أجل أنّ
المقاتلين كانوا بأجمعهم من النواصب ، وقد عرفت حلّيّة مال الناصب وإن لم يقاتل
فضلاً عن المقاتل . فلا دلالة في ذلك على جواز القسمة في غير الناصبي الذي هو محلّ
الكلام .
ولو ثبتت سيرته (عليه السلام) على الردّ فهو أعمّ من حرمة التقسيم ، لجواز ابتنائه
على المنّ .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ الشرائع 1 : 364 ـ 369 .
(2) حكاه في الجواهر 21 : 339 .
(3) الدورس 2 : 42 ، المبسوط 7 : 266 .
ــ[26]ــ
[ 2879 ] مسألة 3 : يشترط في المغتنم أن لا يكون غصباً من مسلم أو ذمّي أو معاهد
(1) أو نحوهم ممّن هو محترم المال ، وإلاّ فيجب ردّه إلى مالكه . نعم ، لو كان
مغصوباً من غيرهم من أهل الحرب لا بأس بأخذه وإعطاء خمسه وإن لم يكن الحرب فعلاً مع
المغصوب منهم. وكذا إذا كان عند المقاتلين مال غيرهم من أهل الحرب بعنوان الأمانة
من وديعة أو إجارة أو عارية أو نحوها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعلى الجملة : فالسيرة على أيّ من الطرفين ثبتت لا يمكن الاستدلال بها فضلاً عن عدم
ثبوتها كالإجماع ، ولم يرد في المقام نصّ كما عرفت . إذن فلا بدّ من العمل على
مقتضى القواعد العامّة، وهي تقتضي عدم الجواز، عملاً بإطلاقات احترام مال المسلم ما
لم يثبت خلافه .
(1) لا فرق في الغنيمة المأخوذة من دار الحرب بين ما إذا كانت ملكاً للمحاربين
أنفسهم أو ملكاً لمحارب آخر وإن لم يكن من أهل الحرب فعلاً ، سواء أغصبوه منه أم
كان عندهم بعنوان الأمانة من وديعة ونحوها ، لصدق الغنيمة على الكلّ ، فيشمله إطلاق
الآية المباركة بعد تساوي الجميع في عدم احترام المال . وهذا ظاهر ، كما أ نّه
متسالم عليه بين الأصحاب .
وأمّا لو كان مغصوباً ممّن هو محترم المال كالمسلم والذمّي ونحوهما فالمشهور وجوب
الردّ إلى مالكه ، بل لم ينسب الخلاف إلاّ إلى الشيخ في النهاية والقاضي في بعض
كتبه ، فعزي إليهما أنّ الغنيمة حينئذ للمقاتلين وأنّ الإمام يغرَّم القيمة
لأربابها من بيت المال (1) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر النهاية : 198 .
ــ[27]ــ
ويدلّ على المشهور ـ مضافاً إلى عمومات أدلّة احترام المال المقتضية لوجوب الردّ ـ
صحيح هشام بن سالم عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : سأله رجل عن الترك يغزون
على المسلمين فيأخذون أولادهم فيسرقون منهم، أيردّ عليهم؟ «قال: نعم، والمسلم أخو
المسلم، والمسلم أحقّ بماله أينما وجده»(1) .
ودلالتها ظاهرة بل صريحة في المطلوب ، كما أ نّها صحيحة السند .
هذا ، ويستدلّ لمقالة الشيخ برواية اُخرى لهشام ، عن بعض أصحاب أبي عبدالله (عليه
السلام) ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) : في السبي يأخذ العدو من المسلمين في
القتال من أولاد المسلمين أو من مماليكهم فيحوزونه ، ثمّ إنّ المسـلمين بعد قاتلوهم
فظفروا بهم وسبوهم وأخذوا منهم ما أخذوا ـ إلى أن قال : ـ «وأمّا المماليك فإنّهم
يقامون في سهام المسلمين فيباعون وتعطى مواليهم قيمة أثمانهم من بيت مال المسلمين»
(2) .
ولكنّها ضعيفة السند بالإرسال أوّلاً ، ولم يعمل بها المشهور ليدّعى الانجبار على
القول به . وأخصّ من المدّعى ثانياً ، فإنّها متعرّضة لخصوص المماليك ـ أعني :
الإماء والعبيد ـ دون سائر الأموال المغتنمة ، فيحتاج إلى دعوى القطع بعدم الفرق أو
عدم القول بالفصل . ومعارَضة بصحيحته ثالثاً حسبما عرفت .
نعم ، يمكن الاستدلال له بصحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : سألته
عن رجل لقيه العدو وأصاب منه مالاً أو متاعاً ، ثمّ إنّ المسلمين أصابوا ذلك ، كيف
يصنع بمتاع الرجل ؟ «فقال : إذا كانوا أصابوه قبل أن يحوزوا متاع الرجل رُدّ عليه ،
وإن كانوا أصابوه بعدما حازوه فهو فيء المسلمين فهو
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 15 : 98 / أبواب جهاد العدو ب 35 ح 3 .
(2) الوسائل 15 : 97 / أبواب جهاد العدو ب 35 ح 1 .
ــ[28]ــ
أحقّ بالشفعة» (1) .
بناءً على تفسير الحيازة بالمقاتلة ليكون المعنى : أنّ إصابة المال لو كانت بعد
القتال فهو فيء للمسلمين ، وإن كانت قبله رُدّ إلى صاحبه .
ولكن هذا التفسير غير ظاهر، بل بعيد كما لا يخفى. ومن ثمّ فسّر الحيازة في الجواهر
بالمقاسمة(2) بعد إرجاع الضمير في قوله : «إذا كانوا أصابوه» إلى الرجل ، أي إذا
أصابوا صاحب المال قبل التقسيم رُدّ إليه ، وإن أصابوه بعد القسمة فهو فيء للمسلمين
.
ولكنّه أيضاً خلاف الظاهر .
ولا يبعد أن يكون الأقرب من هذين الاحتمالين تفسير الحيازة بالاستيلاء على المال
واغتنامه مع عود الضمير إلى الرجل ليكون المعنى : إنّه إن عرف صاحب المال قبل أن
يغتنم فهو له وإلاّ فللمسلمين ، كما ربّما يقرّب هذا المعنى ما هو المشهور بل
المتسالم عليه بينهم من أنّ مجهول المالك لو عرف صاحبه بعد الصرف فيما قرّره الشرع
من صدقة ونحوها لم يستحقّ شيئاً . ومن ثمّ فرّقوا بينه وبين اللقطة بأ نّه لو تصدّق
بها ضمن على تقدير العثور على صاحبها ، بخلاف التصدّق بمجهول المالك فإنّه لا ضمان
فيه بتاتاً ، فيكون الاغتنام في المقام ـ بعد كون المال المبحوث عنه من قبيل مجهول
المالك ـ بمثابة التصدّق في سائر الموارد، حيث إنّه بإذن من صاحب الشرع ، فلا ضمان
بعده وان عثر على مالكه .
وكيفما كان، فهذا الاحتمال وإن كان أقرب كما عرفت ، إلاّ أ نّه بعدُ غير واضح ، فلا
تخلو الصحيحة عن كونها مضطربة الدلالة ، فلا تصلح للاستدلال بعد تكافؤ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 15 : 98 / أبواب جهاد العدو ب 35 ح 2 .
(2) الجواهر 21 : 224 .
ــ[29]ــ
الاحتمالات .
على أ نّا لو سلّمنا التفسير الأوّل بل لو فرضنا صراحتها فيه فلا ينطبق مفادها على
مقالة الشيخ من غرامة الإمام قيمته من بيت المال ، لعدم التعرّض فيها لهذه الغرامة
بوجه ، بل المذكـور فيها أ نّه أحقّ بالشفعة ، أي أنّ للمالك استرجاع المال من
المقاتلين بالثمن كما في الشفيع ، كما صرّح بذلك في مرسلة جميل عن أبي عبدالله
(عليه السلام) : في رجل كان له عبد فاُدخل دار الشرك ثمّ اُخذ سبياً إلى دار
الإسلام «قال: إن وقع عليه قبل القسمة فهو له ، وإن جرى عليه القسم فهو أحقّ
بالثمن» (1).
هذا كلّه فيما لو عرف المالك قبل القسمة .
وأمّا لو لم يعرف إلاّ ما بعد التقسيم فعن الشيخ في النهاية : أ نّها للمقاتلة
أيضاً نحو ما سبق(2) ، ولكن ذكر في الجواهر : أنِّي لم أجد له موافقاً منّا (3) ،
وإن حكي ذلك عن بعض العامّة كأبي حنيفة والثوري والأوزاعي ونحوهم(4) ، كما لم يظهر
له مستند أيضاً عدا صحيحة الحلبي المتقدّمة بناءً على تفسير الحيازة بالقسمة كما
احتمله في الجواهر ، المعتضدة بمرسلة جميل . لكن عرفت أنّ شيئاً منهما لا ينطبق على
مقالة الشيخ ، بل مفادهما جواز استرداد المالك بعد دفع الثمن لا غرامة الإمام
قيمتها من بيت المال .
فالأقوى ما عليه المشهور من استرداد المالك ماله حيثما وجده ، من غير فرق بين ما
قبل القسمة وما بعدها ، عملاً بإطلاقات احترام المال حسبما عرفت .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 15 : 98 / أبواب جهاد العدو ب 35 ح 4 .
(2) النهاية : 294 ـ 295 .
(3) الجواهر 21 : 225 .
(4) الجواهر 21 : 225 .
أصل عدمه ، ونتيجته وجوب التخميس ابتداءً من غير إخراج مؤونة السنة ، فيكون الحكم
التكليفي أيضاً ثابتاً كالوضعي .
عدم اعتبار النصاب في الغنائم عند تخميسها - حكم السَّلَب من الغنيمة
الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 15:الخُمس || القسم : الفقه ||
القرّاء : 47
ــ[30]ــ
[ 2880 ] مسألة 4 : لا يعتبر في وجوب الخمس في الغنائم بلوغ النصاب عشرين ديناراً ،
فيجب إخراج خمسه قليلاً كان أو كثيراً على الأصحّ (1) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وتؤيّد المشهور رواية طربال عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سُئل عن رجل كان له
جارية فأغار عليه المشركون فأخذوها منه ، ثمّ إنّ المسلمين بعد غزوهم فأخذوها فيما
غنموا منهم «فقال : إن كانت في الغنائم وأقام البيّنة أنّ المشركين أغاروا عليهم
فأخذوها منه رُدّت عليه ، وإن كانت قد اشتُرِيت وخرجت من المغنم فأصابها رُدّت عليه
برمّتها ، واُعطي الذي اشتراها الثمن من المغنم من جميعه» قيل له : فإن لم يصبها
حتى تفرّق الناس وقسّموا جميع الغنائم فأصابها بعد ؟ «قال : يأخذها من الذي هي في
يده إذا أقام البيّنة ، ويرجع الذي هي في يده إذا أقام البيّنة على أمير الجيش
بالثمن» (1) .
فإنّها توافق المشهور من حيث أخذ المالك ماله مجّاناً حيث وجده وإن تضمّنت رجوع
المأخوذ منه بالثمن إلى أمير الجيش أو إلى المغنم .
(1) كما هو المعروف والمشهور ، خلافاً للمفيد في الغريّة (2) ، حيث اعتبر النصاب ،
ولكن لم يعرف له موافق كما صرّح به في الجواهر(3) ، كما أ نّه لم يعلم له أيّ مستند
حتى رواية ضعيفة . فالمتّبع إذن إطلاقات الأدلّة من الكتاب والسنّة القاضية بلزوم
التخميس في مطلق الغنيمة من غير تحديد بحدّ .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 15 : 99 / أبواب جهاد العدو ب 35 ح 5 .
(2) حكاه في الجواهر 16 : 13 .
(3) الجواهر 16 : 13 .
ــ[31]ــ
[ 2881 ] مسألة 5 : السَّلَب من الغنيمة فيجب إخراج خُمسه على السالب ((1)) (1) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قد وقع الخلاف في حكم السَّلَب وأ نّه هل يختصّ بالمقاتل السالب ، أو أ نّه
غنيمة كسائر الغنائم يشترك فيها جميع المقاتلين بعد إخراج خمسه ؟
والمعروف بين العامّة هو الأوّل ، لما رووه عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من أنّ
من قتل قتيلاً فله سَلَبه وسلاحه (2) ، ولكن الرواية لم تثبت من طرقنا ، ومن ثمّ
كان المعروف بيننا هو الثاني فيجب تخميسه كسائر الغنائم، عملاً بالإطلاقات .
نعم ، لو ثبتت الرواية أو فرضنا أ نّه من الجعائل بحيث جعله الإمام (عليه السلام)
للسالب وخصّه به لمصلحة حيث إنّه وليّ الأمر ويجوز له ذلك كما تقدّم (3) ، لم يجب
تخميسه حينئذ ، لاستثنائه بالجعل عن الغنائم كما سبق ، فينصرف دليل الخمس عن مثله .
وبعبارة اُخرى : ظاهر أدلّة الخمس أ نّه إنّما يجب في غنيمة تقسّم أربعة أخماسها
الباقية بين المقاتلين لا ما إذا كانت مختصّة بمقاتل خاصّ ، بل ظاهر ما دلّ على
الاختصاص به أ نّه له بتمامه وكماله ، ولأجله تنصرف عنه أدلّة التخميس من حيث
الغنيمة .
نعم ، لا إشكال في وجوب خمسه من حيث الفائدة ، أي الغنيمة بالمعنى
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بناءً على أنّ السلب للسالب فالظاهر عدم وجوب الخمس فيه من حيث الغنيمة ، إلاّ
أنّ المبنى ممنوع .
(2) انظر صحيح مسلم 3 : 1371 / 1751 ، سنن البيهقي 6 : 306 و 307 ، سنن ابن ماجة 2
: 947 / 2838 .
(3) في ص 11 .
ــ[32]ــ
الأعمّ ، وهو أمر آخر .
ثمّ إنّه قد ورد في صحيحة ابن سنان : أ نّه «ليس الخمس إلاّ في الغنائم خاصّة» (1)
.
وهذا بظاهره غير قابل للتصديق ، بل مقطوع العدم ، ولا يمكن الأخذ به ، لمنافاته مع
ما ثبت من الخارج بالنصوص القطعيّة من ثبوت الخمس في غير الغنائم أيضاً كالمعادن
والغوص والكنز ونحوها ممّا ستعرف إن شاء الله . فلا بدّ من العلاج :
إمّا بإرادة مطلق الفائدة من الغنيمة الشامل لجميع تلك الموارد .
أو يراد خصوص الخمس الواجب فرضاً الثابت في ظاهر القرآن ، بناءً على أنّ المراد
بالغنيمة في الآية المباركة هي غنائم دار الحرب بقرينة الآيات السابقة واللاّحقة
الواردة في القتال مع الكفّار ، فلا ينافي وجوب غيرها بحسب السنّة القطعيّة ،
فالخمس في الغنيمة فريضة إلهيّة ثبتت بحسب الجعل الأولي وفيما عداها سنّة نبويّة .
وإن كان المبنى سقيماً عندنا كما سيتّضح لك في محلّه إن شاء الله تعالى .
أو يراد وجه آخر (2) كما ذكر ذلك كلّه الشيخ (3) وغيره .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 9 : 485 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 2 ح 1 .
(2) في رسالة شيخنا الوالد (طاب ثراه) التي كتبها في الخمس ما لفظه : والأظهر في
الجمع أن يقال : إنّ الحصر المذكور قابل للتخصيص فيخصَّص بما دلّ على ثبوته في غيره
، ألا ترى ما ورد في باب الصوم من أ نّه لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب أربع خصال
: الطعام والشراب والنِّساء والارتماس في الماء ، مع عدم انحصار المفطر بالأربعة
المذكورة .
(3) التهذيب 4 : 124 / 359 .
الثاني:المعادن \ تحديد المعادن - كلام في موارد الشكّ في صدق المعدن
الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 15:الخُمس || القسم : الفقه ||
القرّاء : 39
ــ[33]ــ
الثاني : المعادن(1) من الذهب والفضّة والرصاص والصُّفر والحديد والياقوت
والزَّبَرْجَد والفيروزَج والعقيق والزئبَق والكِبريت والنفط والقير والسَّبخ
والزاج والزَّرنيخ والكُحل والملح بل والجصّ والنورة وطين الغَسل وحجر الرَّحى
والمَغْرَة ـ وهي الطين الأحمر ـ على الأحوط ، وإن كان الأقوى عدم الخمس فيها من
حيث المعدنيّة ، بل هي داخلة في أرباح المكاسب فيعتبر فيها الزيادة عن مؤونة السنة
.
والمدار على صدق كونه معدناً عرفاً ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعلى أيّ حال ، فلابدّ من الحمل على أحد المحامل بعد امتناع الأخذ بالظاهر حسبما
عرفت .
(1) بلا خلاف فيه ولا إشكال ، بل إجماعاً كما عن غير واحد ، وتشهد له جملة وافرة من
النصوص بين معتبر وغيره دلّت على تعلّق الخمس بالمعدن من حيث هو وبعنوانه ، لا
بعنوان الفائدة لتلاحظ الزيادة على المؤونة .
وقد اختلفت كلمات الفقهاء في تفسير المعدن كما تضارب فيه تعريف اللغويّين، وقد
اشتملت النصوص على ذكر جملة منها كالذهب والفضّة ونحوهما.
ولا ينبغي الإشكال في أنّ ما يتكوّن في جوف الأرض ويستخرج منها ويعظم الانتفاع بها
كالفلزات من الذهب والفضّة والنحاس والرصاص ونحوها من النفط والكبريت من مصاديق هذا
العنوان عرفاً . والظاهر عدم اختصاصه بما كان مستوراً ومتكوّناً في جوف الأرض ، بل
يشمل الظاهر المتكوّن فوقها كالملح ، كما صرّح به في صحيح ابن مسلم ، قال : سألت
أبا جعفر (عليه السلام) عن الملاحة «فقال : وما الملاحة ؟ » فقلت : أرض سبخة مالحة
يجتمع فيها الماء فيصير ملحاً «فقال : هذا المعدن فيه الخمس» فقلت : والكبريت
والنفط يخرج
ــ[34]ــ
من الأرض ؟ قال : «فقال : هذا وأشباهه فيه الخمس» (1) .
فهذا مصداق شرعي للمعدن بمقتضى هذه الصحيحة ، سواء أصدق عليه المعدن عرفاً أم لا .
كما أنّ ما صدق عليه الاسم عرفاً يلحقه حكمه وإن لم يكن مذكوراً في النصوص كالقير ،
إلاّ أن يكون مشمولاً لقوله : «وأشباهه» الوارد في ذيل هذه الصحيحة .
كما أنّ الظاهر عدم اعتبار خروجه عن صدق مسمّى الأرض ، فلا فرق فيما يستخرج بين
كونه من غير جنس الأرض كالذهب والفضّة ونحوهما حيث إنّها ماهيّة اُخرى مباينة لها
بحيث لو فرضنا أنّ قطعة من الكرة الأرضيّة كانت ذهباً لا يصدق عليها عنوان الأرض
بتاتاً، أو كانت من جنس الأرض ومسمّاها كالعقيق والفيروزج والياقوت والزبرجد ونحوها
من الأحجار الكريمة التي لا فرق بينها وبين غيرها من الحصى وسائر الأحجار في اتّخاذ
اُصولها من التراب ، غايته أ نّه تغيّرت صورتها بسبب الأمطار وإشراق الشمس وعلل
اُخرى فأصبحت ملوّنة شفّافة واتّصفت بكونها ثمينة كريمة تبذل الأموال الطائلة
بإزائها لعلّة لم نعرفها لحدّ الآن، إذ ربّ حجر يكون أبدع وأجمل وأشدّ صفاءً ولا
يعدّ كريماً.
وكيفما كان، فهذه أيضاً معادن وإن كانت من جنس الأرض ولم تكن مغايرة لها ـ وقد حكي
أنّ في بلاد الهند وادياً من عقيق ـ مع ضرورة صدق اسم الأرض عليها .
ومن ثمّ ذكرنا في محلّه جواز السجود عليها ، لصدق اسم الأرض على هذه الأحجار وإن
صدق اسم المعدن عليها أيضاً ، إذ المعتبر في المسجد أن يكون أرضاً لا أن لا يكون
معدناً .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 9 : 492 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3 ح 4 .
ــ[35]ــ
وإذا شكّ في الصدق (1) لم يلحقه حكمها فلا يجب خمسه من هذه الحيثيّة ، بل يدخل في
أرباح المكاسب ويجب خمسه إذا زادت عن مؤونة السنة من غير اعتبار بلوغ النصاب فيه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وكيفما كان ، فالعبرة بالصدق العرفي أو التعبّد الشرعي ، وقد ورد في صحيح زرارة :
أنّ «كلّ ما كان ركازاً ففيه الخمس» (1) ، الشامل لكلّ ما كان له ثبات وقرار
ومرتكزاً في مكان حتى مثل الملح ونحوه كما تقدّم .
فإن تحقّق ذلك واُحرز الصدق فلا كلام .
(1) إنّما الكلام في موارد الشكّ كالجصّ والنورة وطين الرأس والطين الأحمر ونحوها .
والمتعيّن حينئذ الرجوع إلى الاُصول العمليّة، ومقتضاها أصالة عدم وجوب التخميس
فعلاً بعد الأخذ بعموم ما دلّ على أنّ «كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير ففيه
الخمس بعد المؤونة» (2) ـ أي مؤونة السنة ـ فإنّ ما يشكّ في صدق اسم المعدن عليه
مشمول لهذا العامّ ، لصدق الفائدة عليه بلا كلام ، وقد خرج عن هذا العامّ بالمخصّص
المنفصل عناوين خاصّة كالمعدن ونحوها ، حيث يجب تخميسها ابتداءً من غير ملاحظة
المؤونة ، والمفروض الشكّ في سعة مفهوم المخصّص بحيث يشمل هذا الفرد ـ المشكوك فيه
ـ وضيقه ، وقد تقرّر في محلّه الاقتصار في المخصّص المنفصل المجمل الدائر بين
الأقلّ والأكثر على المقدار المتيقّن والرجوع فيما عداه إلى عموم العامّ الذي
مقتضاه في المقام عدم وجوب التخميس إلاّ بعد إخراج المؤونة حسبما عرفت .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 9 : 492 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3 ح 3 .
(2) الوسائل 9 : 503 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 6 .
عدم الفرق في وجوب إخراج خمس المعدن في أرض مباحة كان أو مملوكة، تحتها أو على
ظهرها، مسلم كان المخرج أو كافراً ذميّاً ، بالغاً أو صبيّاً وعاقلاً أو مجنوناً
الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 15:الخُمس || القسم : الفقه ||
القرّاء : 40
ــ[36]ــ
ولا فرق في وجوب إخراج خمس المعدن بين أن يكون في أرض مباحة أو مملوكة (1) ، وبين
أن يكون تحت الأرض أو على ظهرها ، ولا بين أن يكون المخرج مسلماً أو كافراً (2)
ذمّيّاً بل ولو حربيّاً ، ولا بين أن يكون بالغاً أو صبيّاً وعاقلاً أو مجنوناً (3)
، فيجب ((1)) على وليّهما إخراج الخمس ، ويجوز للحاكم الشرعي إجبار الكافر ((2))
على دفع الخمس ممّا أخرجه وإن كان لو أسلم سقط عنه مع عدم بقاء عينه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لإطلاق الأدلّة الشامل لهما . وأمّا المغصوب فسيأتي الكلام عليه عند تعرّض
الماتن (3) ، كما أنّ مقتضى الإطلاق عدم الفرق أيضاً بين أن يكون تحت الأرض أم على
ظهرها كالملح كما تقدّم .
(2) بناءً على تكليف الكافر بالفروع كالاُصول كما هو المشهور ، وأمّا بناءً على
عدمه كما لعلّه الأظهر ـ حسبما تقدّم في كتاب الزكاة ـ فلا .
(3) على المشهور من عدم سقوط الخمس عن الصغير والمجنون فيتصدّى وليّهما للإخراج ،
ولكن تقدّم في كتاب الزكاة أنّ الأظهر سقوطه عنهما ، فإنّ الخمس كالزكاة وإن كانا
من قبيل الوضع وأنّ مقداراً معيّناً من المال ملك للغير ، إلاّ أنّ إطلاق حديث رفع
القلم يشمل التكليف والوضع ولا موجب للتخصيص بالأوّل ، بل مفاده أنّ الصبي والمجنون
ممّن رفع عنه قلم التشريع ولم يكتب عليهما في دفتر القانون شيء .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا يخلو عن إشكال بل منع كما سيأتي .
(2) الحال فيه كما تقدّم في الزكاة [ في المسألة 2628 ] .
(3) بل تقدم في ص 26 ـ 29 .
اعتبار النصاب وتحديده في المعدن عند تخميسه
الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 15:الخُمس || القسم : الفقه ||
القرّاء : 42
ــ[37]ــ
ويشترط في وجوب الخمس في المعدن بلوغ ما أخرجه عشرين ديناراً (1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعلى الجملة : لا يزيد المقام على ما تقدّم في كتاب الزكاة بشيء ، لعدم ورود نصّ
خـاصّ فيه ، فيجري في الكافر والصغير والمجنون كلّما أسلفناه هناك ، فلاحظ .
(1) كما اختاره الشيخ في النهاية وابن حمزة في الوسيلة (1) ، وهو المشهور بين
المتأخّرين ، بل نسب إلى عامّتهم تارةً وقاطبتهم اُخرى . وأمّا القدماء فالمشهور
بينهم عكس ذلك ، إذ لم ينسب اعتبار النصاب منهم إلاّ إلى الشيخ في النهاية وابن
حمزة في الوسيلة كما سمعت ، بل أنّ الشيخ بنفسه يدّعي في كتاب الخلاف الإجماع على
عدم اعتبار النصاب (2) ، وعن أبي الصلاح الحلبي أنّ نصابه دينار واحد (3) .
وكيفما كان ، فالمتّبع هو الدليل ، ولا شكّ أنّ مقتضى الإطلاقات في غير واحد من
الروايات هو عدم الاعتبار ، إلاّ أنّ صحيح البزنطي قد تضمّن التقييد به ، قال :
سألت أبا الحسن (عليه السلام) عمّا أخرج المعدن من قليل أو كثير ، هل فيه شيء ؟
«قال : ليس فيه شيء حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين ديناراً» (4) ، وبه
يقيّد إطلاق النصوص كما هو مقتضى صناعة الإطلاق والتقييد .
ولكن قد يناقش في الصحيح من وجوه :
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النهاية : 197 و 177 ، الوسيلة : 138 ، 127 .
(2) الخلاف 2 : 119 ـ 120 / 142 .
(3) الكافي في الفقه : 170 .
(4) الوسائل 9 : 494 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 4 ح 1 .
ــ[38]ــ
أحدها : أ نّه موهون بإعراض قدماء الأصحاب فيسقط عن درجة الاعتبار.
والجواب عنه واضح ، فإنّه بعد تسليم كبرى الوهن بالإعراض فالصغرى ممنوعة ، فإنّ
جمهور المتأخّرين قد عملوا به كما أنّ الشيخ وابن حمزة من القدماء عملوا أيضاً .
نعم ، جماعة منهم بين أربعة أشخاص أو خمسة لم يعملوا ، ولا ريب في عدم تحقّق
الإعراض بهذا المقدار كما لا يخفى .
ثانيها : أ نّه لا تعرّض في الصحيح إلى الخمس بوجه لا سؤالاً ولا جواباً ، بل
الظاهر من سياقه أ نّه ناظر إلى السؤال عن زكاة الذهب والفضّة بعد الإخراج من
معدنهما ، وبما أ نّهما غير مسكوكين حينئذ ولا زكاة إلاّ في المسكوك فجوابه (عليه
السلام) بالوجوب بعد بلوغ النصاب محمولٌ على التقيّة ، لموافقته لمذهب الشافعي (1)
.
وفيه أوّلاً : أنّ المعدن المذكور في السؤال مطلق يشمل عامّة المعادن ، فتخصيصه
بالذهب والفضّة بلا موجب ، بل عار عن كل شاهد .
وثانياً : أنّ حمل كلمة «شيء» الواردة في السؤال على خصوص الزكاة أيضاً بلا موجب ،
بل هو يشمل كلّ ما افترضه الله في هذا المال الشامل للخمس ، فقوله (عليه السلام) في
الجواب : «ليس فيه شيء» أي ليس فيه شيء من حقّ الله إلاّ أن يبلغ النصاب لا الزكاة
بخصوصها ، إذ لا قرينة عليها كما عرفت .
وثالثاً : أنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) : «ما يكون في مثله الزكاة» أنّ موضوع
البحث ومورد السؤال والجواب شيء آخر غير زكاة الذهب والفضّة ، ولذا جعله مماثلاً
لها، وإلاّ لكانت هذه الجملة ملغيّة وأصبحت مستدركة ، وكان الأحرى أن يقول : حتى
يبلغ عشرين ديناراً، الذي هو أخصر وأسلس ، وليس ذلك الشيء إلاّ الخمس كما لا يخفى .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأُم 2 : 40 ، المجموع 6 : 2 .
ــ[39]ــ
ويؤكِّده أ نّه لو اُريد به الزكاة فلا وجه لتخصيص النصاب بعشرين ديناراً ، إذ هو
نصاب الذهب ، وأمّا الفضّة فمائتا درهم ، فكان اللاّزم التعرّض له أيضاً وعطفه عليه
، وهما وإن كانا غالب المطابقة سيّما في الأزمنة السابقة التي كان فيها كلّ عشرة
دراهم تسوى بدينار كما قيل ، إلاّ أ نّهما بالآخرة عنوانان بينهما عموم من وجه ،
وقد يفترقان فلا وجه لتخصيص أحدهما بالذكر دون الآخر .
وهذا بخلاف ما لو اُريد الخمس ، ضرورة أنّ التحـديد ببلوغ ما في مثله الزكاة إحالة
على أمر مجمل، لاختلاف الماليّة باختلاف مراتب النصب في الأعيان الزكويّة ، ومن ثمّ
احتاج إلى التعيين وأ نّه عشرون ديناراً نصاب الذهب ليرتفع به الإجمال المزبور .
ويؤيِّده أنّ البزنطي بنفسه سأل الرضا (عليه السلام) في صحيحته الاُخرى عن الكنز
فأجابه (عليه السلام) بمثل الجواب المتقدِّم ، أعني التحديد بما يجب في مثله الزكاة
مصرّحاً بأنّ فيه الخمس ، قال : سألته عمّا يجب فيه الخمس من الكنز ؟ «فقال : ما
يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس» (1) ، فيكشف ذلك عن أنّ السؤال في هذه الصحيحة
أيضاً ناظر إلى الخمس ، ولعلّ مسبوقيّة ذهنه بحكم الكنز دعته إلى السؤال عن نظيره
في المعادن .
ويؤيِّده أيضاً التصريح بالخمس في روايته الثالثة عن محمّد بن علي ابن أبي عبدالله
عن أبي الحسن (عليه السلام) ، قال : سألته عمّا يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت
والزبرجد وعن معادن الذهب والفضّة ، هل فيها زكاة؟ «فقال : إذا بلغ قيمته ديناراً
ففيه الخمس» (2) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 9 : 495 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 5 ح 2 .
(2) الوسائل 9 : 493 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3 ح 5 .
ــ[40]ــ
والمتحصِّل من جميع ما قدّمناه : أ نّه لا مجال للخدش في هذه الصحيحة لا بالإعراض
ولا بالحمل على التقيّة ، وهي ظاهرة في إرادة الخمس ، فلا مناص إذن من رفع اليد عن
المطلقات وتقييدها بها ، وتكون النتيجة اعتبار النصاب في المعادن عشرين ديناراً .
نعم ، قد يعارضها روايته الاُخرى المتضمّنة لتحديد النصاب بدينار واحد المتقدِّمة
آنفاً التي استند إليها الحلبي كما تقدّم (1) .
وفيه أوّلاً : أ نّها رواية شاذّة وقد تفرّد بالعمل بها الحلبي ولم يوافقه غيره ،
فلا تنهض للمقاومة مع تلك الرواية المشهورة بين الأصحاب .
وثانياً : أ نّها ضعيفة السند بمحمّد بن علي بن أبي عبدالله ، فإنّه مجهول ، بل لم
يرد عنه في مجموع الفقه إلاّ روايتان : أحدهما هذه التي يروي عنه البزنطي ،
والاُخرى ما يروي عنه علي بن أسباط .
نعم ، بناءً على المسلك المعروف من أنّ أصحاب الإجماع ـ ومنهم البزنطي ـ لا يرسلون
ولا يروون إلاّ عن الثقة فالرجل محكوم بالوثاقة ، إذ الرواية عنه حينئذ توثيقٌ له ،
ولكن المبنى بمراحل عن الواقع كما أشرنا إليه في مطاوي هذا الشرح مراراً . إذن
فالرواية ضعيفة ولا تصلح لمعارضة ما سبق .
بل يمكن أن يقال : إنّ الدلالة أيضاً قاصرة وأنّ الجواب ناظر إلى الغوص فقط دون
المعدن كما أشار إليه في الوسائل ، كما يكشف عنه تذكير الضمير في قوله : «قيمته»
الراجع إلى ما يخرج من البحر دون المعادن ، وإلاّ كان مقتضى القواعد تأنيثه كما لا
يخفى ، فكأ نّه (عليه السلام) أعرض عن بيان حكم المعادن لوجود من يُتّقى منه بحيث
لو بيّن الواقع وأنّ فيها النصاب عشرين ديناراً لكان
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص 37 .
ــ[41]ــ
على خلاف التقيّة ، ولو بيّن خلافه لكان كذباً ، ومن ثمّ أعرض واقتصر على حكم
الأوّل .
وكيفما كان ، فهذه الرواية غير صالحة للاستناد إليها بوجه ، فتبقى صحيحة البزنطي
سليمة عن المعارضة .
ثالثها : أنّ إرادة الخمس من الصحيح يستلزم ارتكاب التقييد ببلوغ العشرين في صحيحة
ابن مسلم المصرّحة بوجوب الخمس في الملح المتّخذ من الأرض السبخة المالحة (1) .
وهو كما ترى ، إذ قلّما يتّفق في مثله بلوغ النصاب المزبور ، فيلزم منه حمل المطلق
على الفرد النادر، ولا سيّما إذا اعتبرنا في الإخراج أن يكون دفعة واحدة ، فإنّ فرض
كون الخارج بمقدار عشرين ديناراً نادرٌ جدّاً ، فلا مناص من إنكار النصاب في
المعادن ، وحمل الصحيح على إرادة الزكاة تقيّةً كما سبق .
وفيه أوّلاً : منع الندرة، سيّما في الأمكنة التي يعزّ وجود الملح فيها وخصوصاً
فيمن اتّخذ الملاحة مكسباً ومتجراً له يستعين للاستخراج بعمّال خاصّة ، بل لعلّ
الغالب في ذلك بلوغ ما يتّخذ من معدنه حدّ النصاب ، سواء اتّخذ من صفحة الجبل ـ وهو
الملح الحجري ـ أم من سطح الأرض ، ولعلّ البلوغ في الأوّل أسرع . وكيفما كان ،
فالندرة غير مسلّمة ، ولا أقلّ أ نّها غير مطّردة حسبما عرفت .
وثانياً : سلّمنا ذلك ، ولكن المحذور إنّما يتوجّه لو كان الحكم في الصحيحة
متعلّقاً بالملح بما هو ملح ، وليس كذلك ، بل عُلِّق عليه بما أ نّه معدن ، حيث قال
(عليه السلام) : «هذا المعدن فيه الخمس» ، فموضوع الحكم هو المعدن ، والملح
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 9 : 492 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3 ح 4 .
هل يجب التخميس في مجموع ما أخرجه من المعدن أو في ما يبقى بعد استثناء مؤونة
الإخراج والتصفية ونحوها؟
الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 15:الخُمس || القسم : الفقه ||
القرّاء : 37
ــ[42]ــ
بعد استثناء مؤونة الإخراج((1)) (1) والتصفية ونحوهما، فلا يجب إذا كان المخرَج
أقلّ منه، وإن كان الأحوط إخراجه إذا بلغ ديناراً بل مطلقاً .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فرد من أفراد الموضوع لا أ نّه بنفسه الموضوع ، ولا شكّ أنّ العبرة في الندرة
وعدمها ملاحظتها بالإضافة إلى نفس الموضوع والطبيعي الذي تعلّق به الحكم ، فإذا لم
يلزم من تقييده الحمل على الفرد النادر يرتكب التقييد وإن تضمّن الندرة بالإضافة
إلى بعض أفراده ، ومن المعلوم أنّ تقييد المعدن بما هو معدن ببلوغ النصاب لا ندرة
فيه بوجه ، لكثرة أفراد البالغ من هذه الطبيعة وإن قلّ وندر البالغ في خصوص فرد منه
وهو الملح ، فغاية ما هناك استلزام التقييد للندرة في بعض أفراد الطبيعة ، ولا ضير
فيه بوجه حسبما عرفت .
(1) يقع الكلام في مقامين :
الأوّل : هل يجب التخميس في مجموع ما أخرجه المعدن ، أو في خصوص ما يبقى بعد
استثناء المؤن المصروفة في سبيل الإخراج والتصفية ونحوهما ، فلو كان الخارج ثلاثين
ديناراً والمؤن المصروفة عشرة فهل يخمّس الثلاثون أو العشرون ؟
الظاهر هو الثاني ، بل لا ينبغي الإشكال فيه ، لمطابقته للقاعدة ، حتى وإن لم ترد
في البين أيّة رواية خاصّة ، ضرورة أنّ موضوع الخمس في جميع موارده وشتّى أقسامه
إنّما هو الغنيمة والفائدة وما يعود للغانم ويستفيده ، دون ما لم يكن مغنماً وربحاً
، سواء اُريد به المعنى الأخصّ أم الأعمّ كما اُشير إليه في صحيحة ابن سنان من قوله
(عليه السلام) : إنّه لا خمس إلاّ في الغنائم خاصّة ،
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الظاهر كفاية بلوغ قيمة المخرَج عشرين ديناراً قبل استثناء المؤونة ، وإن كان
ما يجب فيه الخمس إنّما هو بعد استثنائها .
ــ[43]ــ
على بعض محاملها كما تقدّم في ص 32 .
ولا شكّ في عدم استحقاق إطلاق الفائدة وعدم صدق الغنيمة إلاّ بعد استثناء المؤونة
المصروفة في سبيل تحصيلها ، فمن اشترى صوفاً بعشرين وبذل اُجرة العامل خمسة لينسجه
سجّاداً ثمّ باعه بمائة لا يقال : إنّه ربح مائة ، بل لم يربح إلاّ خمساً وسبعين .
وعليه ، ففي المثال المتقدِّم لم يستفد من المعدن إلاّ عشرين ديناراً ، ولا تعدّ
تلك العشرة المصروفة فائدة وغنيمة بوجه ، ولأجله لم يجب الخمس إلاّ في العشرين لا
الأكثر ، والظاهر أنّ الحكم متسالم عليه ولم يستشكل فيه أحد ، ولا ينبغي أن يستشكل
فيه كما عرفت . هذا أوّلاً .
وثانياً : ما ورد في جملة من النصوص من أنّ الخمس بعد المؤونة ، حيث إنّ الظاهر
منها مؤونة تحصيل الخمس وما يصرف في سبيل الاسترباح لا مؤونة السنة كما لا يخفى .
هذا، مضافاً إلى صحيحة زرارة التي هي كالصريحة في ذلك، قال (عليه السلام) فيه: «ما
عالجته بمالك ففيه ـ ما أخرج الله سبحانه من حجارته مصفّى ـ الخمس»(1) .
فإنّه صريح في اختصاص الخمس بالمصفّى وما يبقى بعد إخراج مصرف العلاج المبذول من
ماله ، كما نبّه عليه المحقّق الهمداني وصاحب الحدائق (2) .
المقام الثاني : في أنّ النصاب ـ الذي هو شرط في وجوب الخمس ـ هل يلاحظ ابتداءً ـ
أي في جميع ما أخرجه المعدن ـ أو بعد استثناء المؤن ، فلا يجب الخمس إلاّ إذا كان
الباقي بعد الاستثناء بالغاً حدّ النصاب ولا عبرة بالبلوغ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 9 : 492 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3 ح 3 .
(2) مصباح الفقيه 14 : 16 و 114 ، الحدائق 12 : 329 .
ــ[44]ــ
قبله ، فلو كان الخارج من المعدن خمساً وعشرين والمؤونة عشرة لم يجب ، لكون الباقي
ـ وهي الخمسة عشرة ـ دون النصاب وإن كان مجموع الخارج فوقه ؟
فيه خلاف بين الأعلام ، والمشهور هو الثاني ، بل عن بعض نفي الخلاف فيه .
وعن جماعة ـ منهم صاحب المدارك (1) ـ اختيار الأوّل ، وهو الصحيح ، أخذاً بإطلاق
البلوغ في صحيح البزنطي .
واستدلّ في الجواهر (2) للمشهور بعد اختياره بأصالة البراءة عن وجوب الخمس ، فإنّ
المتيقّن منه ما كان بالغاً حدّ النصاب بعد الاستثناء ، وأمّا قبله فمشكوك يدفع
بالأصل .
وفيه : أنّ ثبوت الخمس مقطوع به على كلّ تقدير ولو من باب مطلق الفائدة وأرباح
المكاسب كما لا يخفى ، فلا معنى للرجوع إلى الأصل .
إلاّ أن يريد (قدس سره) ـ وهو كذلك قطعاً ـ أنّ تعلّق الخمس بعنوان المعدن ليترتّب
عليه وجوب الإخراج فعلاً ومن غير ملاحظة مؤونة السنة مشكوك ، فيكون مجرى الأصل
فوريّة الوجوب وفعليّته لا أصله .
وهذا له وجه لولا الإطلاق في صحيح البزنطي المقتضي لوجوب الإخراج فعلاً بعد بلوغ
المجموع حدّ النصاب ، سواء أكان كذلك بعد استثناء المؤن أيضاً أم لا ، إذ من
المعلوم عدم وصول النوبة إلى التمسّك بالأصل العملي بعد وجود الإطلاق اللفظي .
فتحصّل : أنّ الأقوى عدم استثناء المؤن هنا وإن استثنيناها في المقام الأوّل ،
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المدارك 5 : 392 .
(2) الجواهر 16 : 83 .
لو كان الإخراج على دفعات وبلغ المجموع نصاباً - لو أخرج أقلّ من النصاب فأعرض ثمّ
عاد وبلغ المجموع نصاباً
الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 15:الخُمس || القسم : الفقه ||
القرّاء : 35
ــ[45]ــ
ولا يعتبر في الإخراج أن يكون دفعةً ((1)) (1) ، فلو أخرج دفعات وكان المجموع
نصاباً وجب إخراج خمس المجموع ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فمتى بلغ المجموع حدّ النصاب وجب الخمس فيما بقي بعد الاستثناء بلغ ما بلغ وإن كان
الباقي ديناراً واحداً أو أقلّ ، عملاً بإطلاق البلوغ في صحيح البزنطي حسبما عرفت .
ثمّ لا يخفى أنّ المدار في النصاب على ما يتبادر من النصّ إنّما هو قيمة عشرين
ديناراً وقت الإخراج ، لا القيمة القديمة في صدر الإسلام المعادلة لمائتي درهم كما
قيل ، فإنّ ظاهر الدليل أنّ لهذا العنوان ـ أعني : عشرين ديناراً ـ خصوصيّة
وموضوعيّة في تشخيص النصاب ، فلا جرم يدور مدار القيمة الفعليّة التي تختلف باختلاف
الأزمنة والأمكنة ، فالعبرة بملاحظة الدينار الذهبي المساوي للمثقال الشرعي الذي هو
ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي ، أي المعادل لثمانية عشر حمّصة ، فالماليّة الفعليّة
لهذا المقدار هو المدار في تقدير النصاب ، سواء أطابق المائتي درهم أم خالفها .
فمتى بلغت ماليّة المخرج هذا الحدّ وجب الخمس بعنوان المعدن ، وإلاّ لم يجب بهذا
العنوان وإن وجب بعنوان مطلق الفائدة مشروطاً بعدم الصرف في مؤونة السنة ، وإلاّ
فلا شيء عليه ، كما هو الشأن في عامّة أرباح المكاسب على ما سيأتي في محلّه إن شاء
الله .
(1) لا ريب في وجوب الخمس إذا بلغ المخرَج النصاب بإخراج واحد ، سواء أكانت الوحدة
حقيقيّة أم حكميّة ، أي المشتمل على دفعات لا تضرّ بصدق الوحدة العرفيّة ، كما في
إخراج النفط بالدلاء ، فإنّ المجموع يعدّ عرفاً إخراجاً
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا يبعد اعتبار الوحدة العرفيّة .
ــ[46]ــ
واحداً وإن كان متعدّداً بحسب الدقّة ، وهذا ظاهر ، فإنّه القدر المتيقّن من النصّ
المتضمّن لاعتبار النصاب .
وإنّما الكلام فيما لو تعدّد الإخراج حتى عرفاً، لما بينهما من فاصل زماني بمقدار
معتدّ به ، كما لو أخرج في هذا اليوم كمِّيّة دون النصاب ، ثمّ أخرج في اليوم الآتي
أو في الاُسبوع أو الشهر الآتي كمِّيّة اُخرى يبلغ المجموع منهما حدّ النصاب ، فهل
ينضمّ اللاّحق إلى السابق ليشكل النصاب ويجب الخمس ، أو يلاحظ كلّ إخراج بحياله فلا
يجب في شيء منهما ؟
فيه خلاف بين الأعلام :
وقد ذهب جمع ـ وفيهم بعض المحقّقين ـ إلى الانضمام ، أخذاً بإطلاق البلوغ الوارد في
الصحيح .
ولكن الأقوى تبعاً لجمع آخرين عدم الانضمام ، نظراً إلى أنّ المنسبق من النصّ بحسب
الفهم العرفي في أمثال المقام كون الحكم انحلاليّاً ومجعولاً على سبيل القضيّة
الحقيقيّة ، فيلاحظ كلّ إخراج بانفراده واستقلاله بعد انعزاله عن الإخراج الآخر كما
هو المفروض ، فهو بنفسه موضوع مستقلّ بالإضافة إلى ملاحظة النصاب في مقابل الفرد
الآخر من الإخراج ، نظير ما لو علّق حكم على الشراء ـ مثلاً ـ فقيل : إنّه متى
اشتريت منّاً من الحنطة فتصدّق بكذا ، فاشترى نصف من ثمّ اشترى ثانياً نصف من آخر ،
فإنّ شيئاً من الشراءين غير مشمول للدليل ، لعدم صدق المنّ وإن صدق على المجموع ،
وليس ذلك إلاّ لأجل لزوم ملاحظة كلّ فرد بحياله واستقلاله ، نظراً إلى الانحلال
والتعدّد وعدم الانضمام كما عرفت .
والذي يكشف عن ذلك بوضوح أ نّه لو أخرج ما دون النصاب بانياً على الاكتفاء به فصرفه
وأتلفه من غير تخميسه لعدم وجوبه حينئذ على الفرض ، ثمّ
ــ[47]ــ
وإن أخرج أقلّ من النصاب فأعرض(1) ثمّ عاد وبلغ المجموع نصاباً فكذلك على الأحوط .
وإذا اشترك جماعة في الإخراج(2) ولم يبلغ حصّة كلّ واحدة منهم النصاب ولكن بلغ
المجموع نصاباً فالظاهر وجوب خمسه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بدا له فأخرج الباقي ، فإنّ هذا الإخراج الثانوي لا يحدث وجوباً بالإضافة إلى
السابق التالف بلا إشكال ، لظهور النصّ في عروض الوجوب مقارناً للإخراج ، لا في
آونة اُخرى بعد ذلك كما لا يخفى ، فإذا تمّ ذلك في صورة التلف تمّ في صورة وجوده
أيضاً ، لوحدة المناط ، وهو ظهور النصّ في المقارنة .
(1) يظهر حكم ذلك ممّا قدّمناه آنفاً .
ولا خصوصيّة للإعراض ، فإنّ العود بعدما أعرض إن كان متّصلاً بسابقه بحيث عدّ عرفاً
متمّماً ومكمّلاً له والمجموع عمل واحد ، نظير المسافر الذي يعرض أثناء السير عن
السفر ثمّ يعود ويستمرّ بلا فصل معتدّ به ـ بناءً على عدم قدحه ـ أو المصلّي أو
الخطيب الذي يعرضه الإعراض عن الإتمام ثمّ يعود إلى ما كان عليه مسترسلاً، حكم
حينئذ بالانضمام ولوحظ النصاب في المجموع .
وإن كان منفصلاً عنه بمثابة يعدّ في نظر العرف عملاً مستقلاًّ وإخراجاً ثانياً
مغايراً للأوّل لم يحكم حينئذ بالانضمام .
وعلى الجملة : لا أثر للإعراض ، والمدار على الصدق العرفي في تشخيص الوحدة والتعدّد
، ونتيجته التفصيل حسبما عرفت .
(2) فهل يلاحظ النصاب في المجموع ، أو في حصّة كلّ واحد منهم ؟
نسب الثاني إلى المشهور . ولكنّه غير واضح ، فإنّ مقتضى إطلاق صحيح البزنطي أنّ
العبرة بالإخراج لا بالمخرج وأنّ المدار ببلوغ ما أخرجه المعدن حدّ النصاب سواء
أكان المخرج واحداً أم متعدّداً .
عدم اعتبار اتّحاد جنس المخرج في بلوغ النصاب - لو كان هناك معادن متعدّدة
الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 15:الخُمس || القسم : الفقه ||
القرّاء : 48
ــ[48]ــ
وكذا لايعتبر اتّحاد جنس المخرج(1)، فلو اشتمل المعدن على جنسين أو أزيد وبلغ قيمة
المجموع نصاباً وجب إخراجه .
نعم ، لو كان هناك معادن متعدّدة اعتبر في الخارج من كلّ منها بلوغ النصاب (2) دون
المجموع ، وإن كان الأحوط كفاية بلوغ المجموع ، خصوصاً مع اتّحاد جنس المخرج منها ،
لا سيّما مع تقاربها ، بل لا يخلو عن قوّة ((1)) مع الاتّحاد والتقارب . وكذا لا
يعتبر استمرار التكوّن ودوامه ، فلو كان معدن فيه مقدار ما يبلغ النصاب فأخرجه ثمّ
انقطع جرى عليه الحكم بعد صدق كونه معدناً .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقياسه بباب الزكاة مع الفارق، لاختلاف لسان الدليل، فإنّ موضوع الحكم هناك النتاج
الحاصل في ملك المالك فيلاحظ النصاب في ملكه الشخصي ، وأمّا في المقام فالاعتبار
بنفس الإخراج كما عرفت ، من غير نظر إلى المخرج ، سواء أكان ما أخرج ملكاً لشخص
واحد أم لأشخاص عديدين ، على ما هو مقتضى إطلاق النصّ .
(1) أخذاً بإطلاق صحيح البزنطي الشامل لما إذا كان الخارج من جنس واحد أو جنسين
كالذهب والفضّة والحديد والنحاس ونحو ذلك ، فإنّ عنوان ما أخرج المعدن المذكور فيه
صادقٌ على التقديرين فيشملهما معاً كما هو ظاهر من غير خلاف وإشكال .
(2) سواء أكان الخارج من جنسين أم من جنس واحد ، لأنّ ذلك هو مقتضى الانحلال وظهور
القضية في كونها حقيقيّة كما سبق بعد فرض تعدّد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في القوّة إشكال ، نعم هو الأحوط .
لو أخرج خمس تراب المعدن قبل التصفية - إذا وجد مقداراً من المعدن مخرَجاً مطروحاً
في الصحراء
الكتاب : المستند في شرح العروة الوثقى-الجزء 15:الخُمس || القسم : الفقه ||
القرّاء : 42
ــ[49]ــ
[ 2882 ] مسألة 6 : لو أخرج خمس تراب المعدن قبل التصفية (1) فإن علم بتساوي
الأجزاء في الاشتمال على الجوهر أو بالزيادة فيما أخرجه خمساً أجزأ ، وإلاّ فلا ،
لاحتمال زيادة الجوهر فيما يبقى عنده .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المعدن ، فلا بدّ وأن يلاحظ كلّ معدن بحياله من غير فرق بين صورتي التقارب والتباعد
.
نعم ، استثنى الماتن صورة واحدة ، وهي صورة الاتّحاد والتقارب ، فذكر أنّ كفاية
بلوغ المجموع هنا لا يخلو عن قوّة .
ولكنّه لا يتمّ على إطلاقه ، وإنّما يتمّ فيما إذا أوجب ذلك صدق وحدة المعدن عرفاً
ولو باعتبار وحدة المادّة والانبعاث عن منبع مشترك قد تعدّدت طرق استخراجه كما في
آبار النفط المتقاربة جدّاً .
وأمّا بدون البلوغ هذا الحدّ بحيث كانت المعادن متعدّدة بحسب الصدق العرفي فكلاّ ،
لما عرفت من ظهور الحكم في الانحلال وكون القضيّة حقيقيّة المقتضية للحاظ كلّ معدن
بحياله وانفراده ، ولا أثر للاتّحاد والتقارب في نفي ذلك أبداً كما لعلّه ظاهر لا
يخفى .
(1) فصّل (قدس سره) بين العلم بتساوي أجزاء التراب بحيث يقطع باشتمال خمس التراب
على خمس الجوهر الموجود في المجموع أو الزيادة فيجزئ حينئذ ، وبين صورة الشكّ
واحتمال النقص فلا ، عملاً بقاعدة الاشتغال ، للزوم إحراز الخروج عن عهدة التكليف
المعلوم .
وقد ذكر مثل ذلك صاحب المدارك (1) ، إلاّ أ نّه أشكل عليه في الجواهر
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المدارك 5 : 368 .
ــ[50]ــ
بظهور ذيل صحيحة زرارة المتقدّمة ـ أعني قوله (عليه السلام) : «ما عالجته بمالك
ففيه ـ ما أخرج الله سبحانه منه من حجارته مصفّى ـ الخمس» (1) ـ في تعلّق الخمس بعد
التصفية وبعد ظهور الجوهر ، فقبل التصفية لا وجوب ، فكيف يجزئ الإخراج قبل مجيء وقت
الخطاب والإيجاب ، قال (قدس سره) : بل قد يدّعى ظهور غيره في ذلك أيضاً (2) .
ولكن ما ذكره (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه بوجه ، فإنّ لازم ذلك أ نّه لو أخرج
المعدن عن ملكه قبل التصفية بناقل مع بيع أو هبة ونحوهما لم يجب الخمس حينئذ لا على
البائع ـ لأجل إخراجه عن ملكه قبل تعلّق الخمس به ، لفرض عدم الوجوب قبل التصفية ـ
ولا على المشتري ، بناءً على اختصاص الوجوب بالمستفيد من المعدن ومن يملكه عن طريق
الإخراج لا بسائر الأسباب ، فيكون هذا نحو تخلّص وفرار عن أداء الخمس ، ولا يظنّ أن
يلتزم به الفقيه .
وأمّا صحيحة زرارة فلا دلالة لها على ما استظهره (قدس سره) بوجه ، فإنّها مسوقة
لتعيين مورد الخمس ومركزه وأ نّه خالص الجوهر ومصفّاه ، أي بعد استثناء المؤن
المصروفة في سبيل العلاج والاستخراج ، كما استظهرناه فيما سبق ، ولا نظر فيها
بتاتاً لتعيين وقت الوجوب وظرف الخطاب وأ نّه زمان التصفية أو حال الإخراج .
وبعبارة اُخرى : التصفية المذكورة فيها قيد للواجب لا شرط للوجوب .
وأمّا سائر الروايات فلم تتحقّق دلالتها على ما ذكره ، بل الظاهر من غير واحد منها
أنّ ظرف التعلّق هو حال الإخراج كما لا يخفى على من لاحظها .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 9 : 492 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3 ح 3 .
(2) الجواهر 16 : 21 .
ــ[51]ــ
[ 2883 ] مسألة 7 : إذا وجد مقداراً من المعدن مخرَجاً مطروحاً في الصحراء (1) فإن
علم أ نّه خرج من مثل السّيل أو الريح أو نحوهما أو علم أنّ المخرِج له حيوان أو
إنسان لم يخرج خمسه وجب عليه إخراج خمسه على الأحوط إذا بلغ النصاب ، بل الأحوط ذلك
وإن شكّ في أنّ الإنسان المخرِج له أخرج خمسه أم لا .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والذي يكشف عمّا استظهرناه من صحيح زرارة من أنّ المراد بالمصفّى : وضع مؤونة
العلاج ـ تبعاً للمحقّق الهمداني وصاحب الحدائق (1) ـ لا التصفية من الخلط من حجارة
ونحوها ، كما قد يتوهّم من أجل ذكر لفظ الحجارة أنّ المعدن إنّما يختلط بها في مثل
الذهب ونحوه لا في مثل العقيق ونحوه من الأحجار الكريمة ، فإنّه بنفس حجر فلا يحتاج
إلى التصفية وإن احتاج إلى التجلية .
(1) لا يخفى أنّ هاهنا جهتين من البحث لا ترتبط إحداهما بالاُخرى :
فتارةً : يبحث عن أنّ المعدن هل يختصّ بما اُخرج من باطن الأرض ، أو يعمّ الإخراج
من الظاهر كالملح ؟ فيبحث عن متعلِّق الإخراج بعد التحفّظ على أصل الإخراج ، وقد
تقدّم البحث حول هذه الجهة سابقاً (2) .
واُخرى : يبحث عن المال الخارج إمّا من الباطن أو الظاهر ، والمطروح على وجه الأرض
إمّا لزلزلة أو سيل أو هبوب ريح أو إخراج حيوان ونحو ذلك من أسباب الإخراج ، وأنّ
الاستيلاء على مثل هذا المعدن المخرَج الملقى على سطح الأرض هل يستوجب التخميس أو
لا ؟
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع ص 43 .
(2) في ص 33 ـ 34 .
ــ[52]ــ
فإحدى الجهتين أجنبيّة عن الاُخرى ولا وجه للخلط بينهما .
وكيفما كان ، فالكلام هنا يقع في مقامين :
أحدهما : ما إذا كان المتصدِّي لإخراج المطروح عن معدنه شيء غير الإنسان من سيل أو
ريح أو زلزلة أو حيوان ونحو ذلك . والمشهور وجوب إخراج الخمس على واجده ، ولكن
المحقّق الأردبيلي ناقش في ذلك فتردّد أو جزم بالعدم (1) .
ومنشأ الخلاف التردّد في أنّ الخمس الثابت بعنوان المعدن هل يختصّ بمن تملّكه عن
طريق الاستخراج عن مقرّه الأصلي ، أو يعمّ مطلق التملّك كيفما اتّفق ولو بحيازته
بعدما خرج عن مركزه ومستقرّه ؟
وقد يقرب الثاني بأنّ المعدن وإن كان في اللغة اسماً لمنبت الجوهر كما مرّ ، إلاّ
أنّ المراد به في الروايات الشيء المأخوذ من المعدن ولو بسبب غير اختياري ، أعني :
ذات المخرج من غير مدخليّة لخصوصيّة الإخراج .
ولكنّه غير ظاهر، فإنّه في الروايات أيضاً كالعُرف واللّغة بمعنى منبت الجوهر، إلاّ
أنّ في إسناد الخمس إليه تجوّزاً ، فيراد به ما يخرج منه تسميةً للحال باسم المحلّ
بعد وضوح عدم تخميس نفس المنبت ، فخصوصيّة الإخراج وإفصال الحال عن محلّه ملحوظة في
هذا الإطلاق لا محالة .
ومن هنا ترى عدم صدق اسم المعدن على مثل الذهب بعدما اُخرج وصرف في مصرفه ، فلا
يقال : إنّ هذا معدن ، وإنّما هو شيء مأخوذ من المعدن .
ويكشف عن ذلك التعبير بالركاز في صحيحة زرارة ، قال (عليه السلام) فيها : «كلّ ما
كان ركازاً ففيه الخمس» (2) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجمع الفائدة والبرهان 4 : 308 .
(2) الوسائل 9 : 492 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 3 ح 3 .
ــ[53]ــ
فإنّ المراد به ما كان مركوزاً ، أي ثابتاً ونابتاً في الأرض ، فلا يشمل المطروح
المنفصل عنه .
والوصف وإن لم يكن له مفهوم بالمعنى المصطلح ، إلاّ أ نّه يدلّ لا محالة على عدم
تعلّق الحكم بالطبيعي الجامع ، وإلاّ لأصبح التقييد لغواً محضاً .
ومن ثمّ كان الظاهر من القيد أن يكون احترازيّاً ، فهو مشعر بالعلّيّة وإن لم تكن
منحصرة ، كما أوضحناه في الاُصول (1) .
إذن فما ذكره المحقّق الأردبيلي من المناقشة في ذلك ـ نظراً إلى أنّ المتبادر من
الأدلّة اختصاص الخمس بما استخرج من معدنه لا ما استولي عليه ولو بغير الإخراج ـ هو
الصحيح الحقيق بالقبول حسبما عرفت .
المقام الثاني : ما إذا كان المباشر للإخراج هو الانسان ، ويتصوّر هذا على وجوه :
أحدها : أن لا يكون ناوياً لاستخراج المعدن وحيازته ، بل حفر الأرض لغاية اُخرى من
شقّ النهر أو الظفر على عين ماء أو تحصيل بئر ونحو ذلك ، فاتّفق مصادفة المعدن
فأخذه وطرحه في الصحراء دون أن يستملكه ، ولأجله لم يجب عليه الخمس ، إذ هو فرع
الإخراج والتملّك ، المنفيّ حسب الفرض ، ومن ثمّ كان حكم هذه الصورة حكم ما تقدّم
في المقام الأوّل من ابتناء تعلّق الخمس بالواجد على اعتبار الإخراج وعدمه ، وقد
عرفت أنّ الأظهر الأوّل ، فلا خمس عليه من حيث المعدن وإن وجب من باب مطلق الفائدة
بشروطه ، لكن هذه الصورة غير مرادة للماتن قطعاً ، لقوله : أو إنسان لم يخرج خمسه .
إذ هو فرع تعلّق الخمس به ، والمفروض هنا عدمه كما عرفت ، فهو سالبة بانتفاء
الموضوع .
الثاني : ما لو أخرجه بقصد الحيازة فتملّكه ثمّ طرحه وأعرض عنه من غير
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في اُصول الفقه 5 : 129 ـ 135 .
ــ[54]ــ
أن يخمّسه إمّا قطعاً أو احتمالاً ، وحكمه جواز حيازته واستملاكه وإن لم نقل
بخروجـه عن ملك المالك الأوّل بالإعراض، من غير أن يجب الخمس على الواجد بعنوان
المعدن ، سواء قلنا باعتبار الإخراج في تعلّق هذا الوجوب ـ كما هو الأظهر على ما
مرّ (1) ـ أم لم نقل كما عليه المشهور ، ضرورة اختصاص الخمس بهذا العنوان بأوّل ملك
طارئ على المعدن ، فهو وظيفة المالك الأوّل الذي يقع المعدن في يده ويتلقّاه من
منبته . وأمّا المالك الثاني ومن بعده الذي يتلقّاه من المالك الأوّل لا من نفس
المعدن فلا يجب الخمس عليه بعنوان المعدن بالضرورة ، لقصور الأدلّة عن الشمول له
جزماً .
نعم ، إنّما يحقّ له استملاك أربعة أخماس المطروح ، وأمّا خمسه فبما أنّ المالك
الأوّل لم يؤدّه ـ بعد فرض تعلّقه به ـ إمّا قطعاً أو احتمالاً ملحقاً به بمقتضى
الاستصحاب فيبتني استملاكه على شمول أخبار التحليل للمقام وأمثاله ممّن يتلقّى
الملك ممّن لم يخمّسه ، وسيجيء البحث عنه في محلّه إن شاء الله (2) .
وبعبارة اُخرى : حكم المقام حكم من يشتري ملكاً يعلم بأنّ البائع لم يؤدّ خمسه ،
فإن قلنا بشمول أخبار الإباحة والتحليل لمثله لم يجب الخمس على المشتري ، وإلاّ وجب
، ولا يزيد المقام على ذلك بشيء أبداً .
الثالث : ما لو قصد تملّكه بالإخراج فطرحه في الصحراء من غير إعراض ، بل ذهب ليرجع
فلم يرجع لمانع حال دونه ، وهذا يلحقه حكم اللقطة إن اتّصف بالضياع ، وإلاّ فهو من
قبيل مجهول المالك . وعلى التقديرين فلا يجوز استملاكه كما لا يجب تخميسه ، بل يجري
عليه حكم أحد البابين على النهج المقرّر في محلّه .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص 52 .
(2) في ص 354 .