| فهرس تكملة المنهاج | الى فهرس المعاملات | الى فهرس العبادات |
ــ[360]ــ
الجهاد
وفيه فصول
الفصل الاول
فيمن يجب قتاله ، وهم طوائف ثلاث :
الطائفة الاولى
والروايات المأثورة في الحث على الجهاد - وأنه مما بني عليه الاسلام ومن أهم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النساء الآية 74 .
(2) سورة الانفال الآية 39 .
(3) سورة الانفال ، الآية 65 .
(4) سورة التوبة ، الآية 5 .
(5) سور التوبة ، الآية 36 .
ــ[361]ــ
الواجبات الالهية ، كثيرة ، والقدر المتيقن من مواردها هو الجهاد مع المشركين(1) .
الطائفة الثانية
الطائفة الثالثة : البغاة ، وهم طائفتان :
* * *
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل ج 11 ب 1 من أبواب جهاد العدو وغيره .
(2) سورة التوبة ، الآية 29 .
(3) سورة الحجرات ، الآية 9 .
ــ[362]ــ
الفصل الثاني
في الشرائط :
يشترط في وجوب الجهاد امور :
الاول : التكليف ، فلا يجب على المجنون ولا على الصبي .
الثالث : الحرية على المشهور ، ودليله غير ظاهر ، والاجماع المدعى على ذلك غير ثابت .
نعم ، إن هنا روايتين : إحداهما رواية يونس بن يعقوب ، قال : قلت لابي عبدالله ( عليه السلام ) : إن معنا مماليك لنا وقد تمتعوا ، علينا أن نذبح عنهم ؟ قال : فقال : " إن المملوك لا حج له ولا عمرة ولا شئ " (2) .
والاخرى رواية آدم بن علي ، عن أبي الحسن عليه السلام ، قال : " ليس على المملوك حج ولا جهاد " الحديث ( 3 ) ولا يمكن الاستدلال بشئ منها على اعتبار الحرية .
أما الرواية الاولى فهي ضعيفة سندا ودلالة .
أما سندا ، فلان الموجود في التهذيب وإن كان هو رواية الشيخ بسنده عن العباس عن سعد بن سعد ، إلا أن الظاهر وقوع التحريف فيه ، والصحيح : عباد ، عن سعد بن سعد ، وهو عباد بن سليمان ، حيث إنه راو لكتاب سعد بن سعد وقد أكثر
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل ج 11 باب 4 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1 .
(2 و 3) الوسائل ج 8 باب 15 من وجوب الحج ، الحديث 3 و 4 .
ــ[363]ــ
الرواية عنه ، وطريق الشيخ إلى عباد مجهول ، فالنتيجة أن الرواية ضعيفة سندا .
وأما دلالة ، فلانه لا يمكن الاخذ بإطلاقها لاستلزامه تخصيص الاكثر المستهجن لدى العرف .
هذا مضافا إلى أنه لا يبعد أن يكون المراد من الشئ في نفسه ما هو راجع إلى الحج .
وأما الرواية الثانية فهي وإن كانت تامة دلالة ، إلا أنها ضعيفة سندا ، فإن آدم ابن علي لم يرد فيه توثيق ولا مدح .
الرابع : القدرة ، فلا يجب على الاعمى والاعرج والمقعد والشيخ الهم والزمن والمريض والفقير الذي يعجز عن نفقه الطريق والعيال والسلاح ونحو ذلك ، ويدل عليه قوله تعالى : ( ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج )(1) وقوله تعالى : (ليس على الضعفاء ولا على الذين لايجدون ما ينفقون حرج)(2) .
( مسألة 1 ) : الجهاد واجب كفائي ، فلا يتعين على أحد من المسلمين إلا أن يعينه الامام عليه السلام لمصلحة تدعو إلى ذلك ، أو فيما لم يكن من به الكفاية موجودا إلا بضمه ، كما أنه يتعين بالنذر وشبهه .
( مسألة 2 ) : إن الجهاد مع الكفار من أحد أركان الدين الاسلامي وقد تقوى الاسلام وانتشر أمره في العالم بالجهاد مع الدعوة إلى التوحيد في ظل راية النبي الاكرم صلى الله عليه وآله ، ومن هنا قد اهتم القرآن الكريم به في ضمن نصوصه التشريعية ، حيث قد ورد في الآيات الكثيرة وجوب القتال والجهاد على المسلمين مع الكفار المشركين حتى يسلموا أو يقتلوا ، ومع أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ، ومن الطبيعي أن تخصيص هذا الحكم بزمان موقت وهو زمان
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الفتح ، الاية 17.
(2) سورة التوبة ، الآية 91 .
ــ[364]ــ
الحضور لا ينسجم مع اهتمام القرآن وأمره به من دون توقيت في ضمن نصوصه الكثيرة، ثم إن الكلام يقع في مقامين :
المقام الاول : هل يعتبر إذن الامام ( عليه السلام ) أو نائبه الخاص في مشروعية أصل الجهاد في الشريعة المقدسة ؟ فيه وجهان:
المشهور بين الاصحاب هو الوجه الاول . وقد استدل عليه بوجهين :
الوجه الاول : دعوى الاجماع على ذلك .
وفيه : إن الاجماع لم يثبت ، إذ لم يتعرض جماعة من الاصحاب للمسألة ، ولذا استشكل السبزواري في الكفاية في الحكم بقوله:
ويشترط في وجوب الجهاد وجود الامام ( عليه السلام ) أو من نصبه على المشهور بين الاصحاب ، ولعل مستنده أخبار لم تبلغ درجة الصحة مع معارضتها بعموم الآيات ، ففي الحكم به إشكال(1) .
ثم على تقدير ثبوته فهو لا يكون كاشفا عن قول المعصوم عليه السلام، لاحتمال أن يكون مدركه الروايات الآتية فلا يكون تعبديا .
نعم ، الجهاد في عصر الحضور يعتبر فيه إذن ولي الامر ، النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم أو الامام عليه السلام بعده .
الوجه الثاني : الروايات التي استدل بها على اعتبار إذن الامام عليه السلام في مشروعية الجهاد ، والعمدة منها روايتان :
الاولى : رواية سويد القلاء ، عن بشير ، عن أبي عبدالله عليه السلام ، قال : قلت له : إني رأيت في المنام أني قلت لك : ان القتال مع غير الامام المفترض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير ، فقلت لي : نعم هو كذلك . فقال أبوعبدالله عليه السلام : " هو كذلك ، هو كذلك "(2) .
وفيه : إن هذه الرواية مضافا إلى إمكان المناقشة في سندها على أساس أنه لا
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاحكام : 74 .
(2) الوسائل ج 11 باب 12 من ابواب جهاد العدو ، الحديث 1 .
ــ[365]ــ
نعم ، روى في الكافي هذه الرواية مرسلا عن بشير الدهان(1)
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل ج 11 باب 12 من ابواب جهاد العدو ، ذيل الحديث 1 .
(2) الوسائل ج 11 باب 12 من ابواب جهاد العدو ، حديث 5 .
ــ[366]ــ
وأما ما ورد في عدة من الروايات من حرمة الخروج بالسيف على الحكام وخلفاء الجور قبل قيام قائمنا صلوات الله عليه فهو أجنبي عن مسألتنا هذه وهي الجهاد مع الكفار رأسا ، ولا يرتبط بها نهائيا .
المقام الثاني : أنا لو قلنا بمشروعية أصل الجهاد في عصر الغيبة فهل يعتبر فيها إذن الفقيه الجامع للشرائط أولا ؟ يظهر من صاحب الجواهر ( قدس سره ) اعتباره بدعوى عموم ولايته بمثل ذلك في زمن الغيبة .
وهذا الكلام غير بعيد بالتقريب الآتي ، وهو أن على الفقيه أن يشاور في هذا الامر المهم أهل الخبرة والبصيرة من المسلمين حتى يطمئن بأن لدى المسلمين من العدة والعدد ما يكفي للغلبة على الكفار الحربيين ، وبما أن علمية هذا الامر المهم في الخارج بحاجة إلى قائد وآمر يرى المسلمين نفوذ أمره عليهم ، فلا محالة يتعين ذلك في الفقيه الجامع للشرائط ، فإنه يتصدى لتنفيذ هذا الامر المهم منباب الحسبة على أساس أن تصدى غيره لذلك يوجب الهرج المرج ويؤدي إلى عدم تنفيذه بشكل مطلوب وكامل .
( مسألة 3 ) : إذا كان الجهاد واجبا على شخص عينا على أساس عدم وجود من به الكفاية ، لم يكن الدين الثابت على ذمته مانعا عن وجوب الخروج إليه ، بلا فرق بين كون الدين حالا أو مؤجلا ، وبلا فرق بين إذن الغريم فيه وعدم إذنه ، نعم لو تمكن - والحالة هذه - من التحفظ على حق الغريم بإيصاء أو نحوه وجب ذلك .
وأما إذا كان من به الكفاية موجودا لم يجب عليه الخروج إلى الجهاد مطلقا وإن كان دينه مؤجلا أو كان حالا ولكن لم يكن موسرا ، بل لا يجوز إذا كان موجبا لتفويت حق الغير .
ــ[367]ــ
( مسألة 4 ) : إذا منع الابوان ولدهما عن الخروج إلى الجهاد فإن كان عينيا وجب عليه الخروج ولا أثر لمنعهما ، وإن لم يكن عينيا - لوجود من به الكفاية - لم يجز له الخروج إليه إذا كان موجبا لايذائهما لا مطلقا .
وفي اعتبار كون الابوين حرين إشكال بل منع لعدم الدليل عليه .
( مسألة 5 ) : إذا طرأ العذر على المقاتل المسلم أثناء الحرب فإن كان مما يعتبر عدمه في وجوب الجهاد شرعا كالعمى والمرض ونحوهما سقط الوجوب عنه ، وأما إذا كان العذر مما لا يعتبر عدمه فيه ، وإنما كان اعتباره لاجل المزاحمة مع واجب آخر كمنع الابوين أو مطالبة الغريم أو نحو ذلك فالظاهر عدم السقوط، وذلك لان الخروج إلى الجهاد وإن لم يكن واجبا عليه إلا أنه إذا خرج ودخل فيه لم يجز تركه والفرار عنه ، لانه يدخل في الفرار من الزحف والدبر عنه وهو محرم .
( مسألة 6 ) : إذا بذل للمعسر ما يحتاج إليه في الحرب ، فإن كان من به الكفاية موجودا لم يجب عليه القبول مجانا فضلا عما إذا كان بنحو الاجارة ، وإن لم يكن موجودا وجب عليه القبول ، بل الظاهر وجوب الاجارة عليه على أساس أن المعتبر في وجوب الجهاد على المكلف هو التمكن ، والفرض أنه متمكن ولو بالاجارة .
( مسألة 7 )
( مسألة 8 ) : الجهاد مع الكفار يقوم على أساس أمرين :
الاول : الجهاد بالنفس.
الثاني : الجهاد بالمال .
ــ[368]ــ
من تمكن من الجهاد بها كفاية أو عينا ، وبالمال فقط على من تمكن من الجهاد به كذلك . وتدل على ذلك عدة من الآيات .
منها قوله تعالى : ( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون )( 1 ) .
ومنها قوله تعالى : ( فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله )(2) .
وتدل على ذلك ايضا معتبرة الاصبغا المتقدمة في الشرط الثاني من شرائط وجوب الجهاد .
حرمة الجهاد في الاشهر الحرام
( مسألة 9 ) :
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة التوبة، الآية 41 .
(2) سورة التوبة ، الآية 81 .
(3) سورة الصف الآية 10 و 11 .
ــ[369]ــ
القادمة ، ويدل على ذلك قوله تعالى : ( الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرامات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم )(1) .
( مسألة 10 ) : المشهور أن من لا يرى للاشهر الحرم حرمة جاز قتالهم في تلك الاشهر ابتداء ولكن دليله غير ظاهر عندنا .
( مسألة 11 )
( مسألة 12 ) : يحرم قتال الكفار في الحرم إلا أن يبدأ الكفار بالقتال فيه فعندئذ يجوز قتالهم فيه ، ويدل عليه قوله تعالى : (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم )(2) .
( مسألة 13 ) : لا يجوز البدء بقتال الكفار إلا بعد دعوتهم إلى الاسلام ، فإذا قام المسلمون بدعوتهم إليه ولم يقبلوا وجب قتالهم .
وأما إذا بدؤا بالقتلا قبل الدعوة وقتلوهم ، فإنهم وإن كانوا آثمين إلا أنه لا ضمان عليهم ، على أساس أنه لا حرمة لهم نفسا ولا مالا .
نعم ، لو كانوا مسبوقين بالدعوة أو عارفين بها لم يجب عليهم دعوتهم مرة ثانية ، بل يجوز البدء بالقتال معهم ، حيث إن احتمال الموضوعية في وجوب الدعوة غير محتمل .
( مسألة 14 ) : إذا كان الكفار المحاربون على ضعف من المسلمين ، بأن يكون واحد منهم في مقابل اثنين من هؤلاء الكفار وجب عليهم أن يقاتلوهم ، وذلك لقوله
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة البقرة، الاية 194 .
(2) سورة البقرة ، الآية 191 .
ــ[370]ــ
( مسألة 15 )
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الانفال ، الآية 65 - 66 .
(2) الوسائل ج 11 باب 27 من ابواب جهاد العدو ، الحديث 2 .
ــ[371]ــ
المصير )(1) .
( مسألة 16 ) : يجوز قتال الكفار المحاربين بكل وسيلة ممكنة من الوسائل والادوات الحربية في كل عصر حسب متطلبات ذلك العصر ، ولا يختص الجهاد معهم بالادوات القتالية المخصوصة .
( مسألة 17 )
وأما الكفارة فهل تجب أولا ؟ فيه وجهان : المشهور بين الاصحاب وجوبها ، وقد يستدل على الوجوب بقوله تعالى : ( فان كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة )(4) .
بدعوى أن الآية تدل على الوجوب في المقام : الاولوية ، وفيه أنه لا أولوية ،
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الانفال ، الآية 15 - 16 .
(2) الوسائل ج 19 باب 24 من قصاص النفس ، الحديث 2 .
(3) الوسائل ج 11 باب 16 من جهاد العدو ، الحديث 2 .
(4) سورة النساء الآية 92 .
ــ[372]ــ
فإن القتل في مورد الآية قتل خطئي ولا يكون بمأمور به ، والقتل في المقام يكون مأمورا به ، على أنه لو تم الاستدلال بالآية في المقام فظاهرها هو وجوب الكفارة على القاتل كما نص على ذلك غير واحد من الاصحاب وهو على خلاف مصلحة الجهاد، فإنه يوجب التخاذل فيه كما صرح به الشهيد الثاني ( قدس سره ) فالصحيح هو عدم وجوب الكفارة في المقام المؤيد برواية حفص المتقدمة .
( مسألة 18 ) : المشهور كراهة طلب المبارز في الحرب بغير إذن الامام ( عليه السلام ) وقيل : يحرم وفيه إشكال، والاظهر جواز طلبه إذا كان أصل الجهاد مشروعا.
( مسألة 19 )
( مسألة 20 ) : لا يجوز القتال مع الكفار بعد الامان والعهد ، حيث إنه نقض لهما وهو غير جائز .
ومنها معتبرة السكوني عن أبي عبدالله ( عليه السلام ) ، قال : قلت له : ما معنى قول النبي ( صلى الله عليه وآله ) ( يسعى بذمتهم أدناهم ) ؟ قال : " لو أن جيشا من المسلمين حاصروا قوما من المشركين فأشرف رجل فقال : أعطوني الامان حتى ألقى صاحبكم واناظره ، فأعطاه أدناهم الامان وجب على أفضلهم الوفاء به "(2) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل ج 11 باب 15 من جهاد العدو ، ذيل الحديث 1.
(2) الوسائل ج 11 باب 20 من جهاد العدو ، الحديث 1 .
ــ[373]ــ
( مسألة 21 ) : لا يجوز الغلول من الكفار بعد الامان ، فإنه خيانة ، وقد ورد في صحيحة جميل المتقدمة آنفا ، وفي معتبرة مسعدة بن صدقة نهى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن الغلول(2) وكذا لا تجوز السرقة من الغنيمة على أساس أنها ملك عام لجميع المقاتلين .
( مسألة 22 )
الفصل الثالث
في أحكام الاسارى
( مسألة 23 )
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل ج 11 باب 53 من جهاد العدو ، الحديث 1 .
(2) الوسائل ج 11 باب 15 من جهاد العدو ، الحديث 3 .
(3) الوسائل ج 11 باب 16 من جهاد العدو ، الحديث 1 .
ــ[374]ــ
وأما إذا كانوا ذكورا بالغين فيتعين قتلهم إلا إذا أسلموا ، فإن القتل حينئذ يسقط عنهم .
وهل عليهم بعد الاسلام من أو فداء أو الاسترقاق ؟ الظاهر هو العدم ، حيث إن كل ذلك بحاجة إلى دليل ، ولا دليل عليه .
وأما إذاكان الاسر بعد الاثخان والغلبة عليهم فلا يجوز قتل الاسير منهم وإن كانوا ذكورا ، وحينئذ كان الحكم الثابت عليهم أحد امور : إما المن أو الفداء أو الاسترقاق .
وهل تسقط عنهم هذه الاحكام الثلاثة إذا اختاروا الاسلام ؟ الظاهر عدم سقوطها بذلك ، ويدل عليه قوله تعالى : ( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها )(2) بضميمة معتبرة طلحة بن زيد الآتية الوادرة في هذا الموضوع .
ومن الغريب أن الشيخ الطوسي - قدس سره - في تفسيره ( التبيان ) نسب إلى الاصحاب أنهم رووا تخيير الامام عليه السلام في الاسير إذا انفضت الحرب بين
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل ج 13 الباب 1 و2 و 3 من أبواب بيع الحيوان .
(2) سورة محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، والآية 4 .
ــ[375]ــ
والحكم الاخر إذا وضعت الحرب أوزارها واثخن أهلها فكل أسير اخذ على تلك الحال
( مسألة 24 )
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل ج 11 باب 23 من أبواب جهاد العدو ، الحديث 1.
(2) سورة النساء ، الآية 97 - 99 .
ــ[376]ــ
( المرابطة )
وهي الارصاد الحدود وثغور بلاد المسلمين من هجمة الكفار .
( مسألة 25 )
( مسألة 26 ) : إذا نذر شخص الخروج للمرابطة فإن كانت لحفظ بيضة الاسلام وحدود بلاده وجب عليه الوفاء به ، وإن لم تكن لذلك وكانت غير مشروعة لم يجب الوفاء به . وكذا الحال فيما إذا نذر أن يصرف مالا للمرابطين . ومن ذلك يظهر حال الاجارة على المرابطة .
( الامان )
( مسألة 27 ) : يجوز جعل الامان للكافر الحربي على نفسه أو ماله أو عرضه برجاء أن يقبل الاسلام ، فإن قبل فهو ، وإلا رد إلى مأمنه ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون من قبل ولي الامر أو من قبل آحاد سائر المسلمين ، ويدل عليه قوله تعالى : (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله )(1) وكذا صحيحة جميل ومعتبرة السكوني المتقدمتين في المسألة ( 20 ) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة التوبة الآية 6 .
ــ[377]ــ
( مسألة 28 )
وكذا الحال إذا دخل المشرك دار الاسلام بتخيل الامان بجهة من الجهات .
( مسألة 29 )
( مسألة 30 ) : لا يعتبر في صحة عقد الامان من قبل آحاد المسلمين الحرية بل يصح من العبد أيضا إذا مضافا إلى ما في معتبرة مسعدة(4)
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل ج 11 باب 20 من جهاد العدو ، الحديث 2 .
(2) الوسائل ج 11 باب 20 من جهاد العدو ، الحديث 4 .
(3) الوسائل ج 13 باب 2 من أحكام الحجر ، الحديث 5 .
(4) الوسائل ج 11 باب 20 من جهاد العدو ، الحديث 2 .
ــ[378]ــ
هو بعنوان أنه مسلم ، ومن هنا لا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة أيضا .
( مسألة 31 ) : لا يعتبر في صحة عقد الامان صيغة خاصة ، بل يتحقق بكل ما دل عليه من لفظ أو غيره .
( مسألة 32 ) : وقت الامان إنما هو قبل الاستيلاء على الكفار المحاربين وأسرهم ، وأما بعد الاسر فلا موضوع له .
( مسألة 33 )
( مسألة 34 )
نعم ، لو ادعى الحربي على من جاء به أنه عالم بالحال فحينئذ إن اعترف الجائي بذلك ثبت الامان له وإن أنكره قبل قوله، ولا يبعد توجه اليمين عليه على أساس أن إنكاره يوجب تضييع حقه .
وأما إذا ادعى الحربي الامان على من جاء به فإن اقر بذلك فهو مسموع ، حيث أن تحت يده واستيلائه ، ويترتب على إقراره به وجوب حفظه عليه ، وإن أنكر ذلك قدم قوله مع اليمين على الاظهر كما عرفت .
( مسألة 35 ) : لو ادعى الحربي على الذي جاء به الامان له، ولكن حال مانع من الموانع كالموت أو الاغماء أو نحو ذلك بين دعوى الحربي ذلك وبين جواب المسلم ، لم تسمع مالم تثبت دعواه بالبينة أو نحوها، وحينئذ يكون حكمه حكم الاسير ، وقال
ــ[379]ــ
المحقق في الشرائع: إنه يرد إلى مأمنه ثم هو حرب، ووجهه غير ظاهر(1) .
( الغنائم )
( مسألة 36 ) : إن ما استولى عليه المسلمون المقاتلون من الكفار بالجهاد المسلح يكون على ثلاثة أنواع :
النوع الاول : ما يكون منقولا كالذهب والفضة والفرش والاواني والحيوانات وما شاكل ذلك .
النوع الثاني : ما يسبى كالاطفال والنساء .
النوع الثالث : ما لا يكون منقولا كالاراضي والعقارات . أما النوع الاول : فيخرج منه الخمس وصفايا الاموال وقطايع الملوك إذا كانت ، ثم يقسم الباقي بين المقاتلين على تفصيل يأتي في ضمن الابحاث الآتية .
نعم ، لولي الامر حق التصرف فيه كيفما يشاء حسب ما يرى فيه من المصلحة قبل التقسيم فإن ذاك مقتضى ولايته المطلقة على تلك الاموال ، ويؤكده قوله زرارة في الصحيح : " الامام يجري وينفل ويعطي ما يشاء قبل أن تقع السهام ، وقد قاتل رسول الله صلى الله عليه وآله بقوم لم يجعل لهم في الفئ نصيبا، وإن شاء قسم ذلك بينهم "(2) .
ويؤيد ذلك مرسلة حماد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح في حديث قال : " وللامام صفو المال - إلى أن قال - وله أن يسد بذلك المال جميع ما ينويه من مثل إعطاء المؤلفة قلوبهم وغير ذلك " الحديث(3) .
وأما رواية حفص بن غياث عن أبي عبدالله عليه السلام ، قلت : فهل يجوز للامام أن ينفل ؟ فقال له : " أن ينفل قبل القتال، وأما بعد القتال والغنيمة فلا يجوز ذلك ، لان الغنيمة قد احرزت "(4) فلا يمكن الاخذ بها لضعف الرواية سندا .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرائع الاسلام : 139 .
(2) الوسائل ج 6 باب 1 من أبواب الانفال ، الحديث 2 .
(3) الوسائل ج 6 باب 1 من أبواب الانفال وما يختص بالامام ، الحديث 4 .
(4) الوسائل ج 11 باب 38 من جهاد العدو ، الحديث 1 .
ــ[380]ــ
( مسألة 37 ) : لا يجوز للمقاتلين الذين استولوا عليه أن يتصرفوا فيه قبل القسمة وضعا ولا تكليفا . نعم، يجوز التصرف فيما جرت السيرة بين المسلمين على التصرف في أثناء الحرب كالمأكولات والمشروبات وعلف الدواب وما شاكل ذلك بمقدار ما كانت السيرة عليه دون الزائد .
( مسألة 38 )
( مسألة 39 )
( مسألة 40 )
( مسألة 41 )
وأما النوع الثالث
( الارض المفتوحة عنوة وشرائطها وأحكامها )
( مسألة 42 ) : المشهور بين الاصحاب في كون الارض المفتوحة عنوة ملكا عاما للامة باعتبار كون الفتح بإذن الامام عليه السلام، وإلا فتدخل في نطاق ملكية الامام عليه السلا لا ملكية المسلمين ، ولكن اعتباره في ذلك لا يخلو عن إشكال بل منع، فإن ما دل على اعتبار إذن الامام عليه السلام كصحيحة معاوية بن وهب ورواية العباس الوراق(1) مورده الغنائم المنقولة التي تقسم على المقاتلين مع الاذن ، وتكون للامام عليه السلام بدونه، على أن رواية العباس ضعيفة .
( مسألة 43 ) : الارض المفتوحة عنوة التي هي ملك عام للمسلمين أمرها بيد ولي الامر في تقبيلها بالذي يرى ، ووضع الخراج عليها حسب ما يراه فيه من المصلحة كما وكيفا .
( مسألة 44 ) : لا يجوز بيع رقبتها ولا شراؤها على أساس ما عرفت من أنها ملك عام للامة ، نعم ، يجوز شراء الحق المتعلق بها من صاحبه ، وقد دلت على كلا الحكمين - مضافا إلى أنهما على القاعدة - عدة من الروايات ، منها صحيحة الحلبي، قال: سئل أبوعبدالله ( عليه السلام ) عن السواد ما منزلته ؟ فقال : " هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم ، ولمن يدخل في الاسلام بعد اليوم ، ولمن لم يخلق بعد " فقلت :
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل ج 6 باب 1 من ابواب الانفال الحديث 4 و 16 .
ــ[382]ــ
ولذلك لا يصح وقفها ولا هبتها وغير ذلك من التصرفات المتوقفة على الملك إلا إذا كان بإذن ولي الامر.
( مسألة 45 ) : يصرف ولي الامر الخراج المأخوذ من الاراضي في مصالح المسلمين العامة كسد الثغور للوطن الاسلامي وبناء القناطر وما شاكل ذلك .
( مسألة 46 )
وعلى تقدير الاطلاق فلا يمكن أن يعارض ما دل على أن كل أرض خربة للامام عليه السلام(3) حيث إن دلالته عليها بالاطلاق ومقدمات الحكمة ، وهو لا يمكن أن يعارض ما دل عليها بالعموم وضعا، وعليه فتدخل الارض التي عرض عليها الموت في عموم ما دل عليه أن من أحيى أرضا مواتا فهي له .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل ج 12 باب 21 من أبواب عقد البيع ، الحديث 4 .
(2) الوسائل ج 17 باب 1 من إحياء المواتا ، الحديث 1 .
(3) الوسائل ج 6 باب 1 من أبواب الانفال .
ــ[383]ــ
للمتصرف فيها فعلا ، على أساس أن احتمال خروجها عن ملك المسلمين بالشراء أو نحوه أو عروض الموت عليها وقيام هذا الشخص بإحيائها موجود وهو يحقق موضوع قاعدة اليد فتكون محكمة في المقام ، ومقتضاها كون الارض المزبورة ملكا له فعلا .
ثم إن أقسام الموات وأحكام وشرائطها مذكورة في كتاب إحياء الموات من المنهاج .
( أرض الصلح )
( مسألة 47 ) : أرض الصلح تابعة في كيفية الملكية لمقتضى عقد الصلح وبنوده، فإن كان مقتضاه صيرورتها ملكا عاما للمسلمين كان حكمها حكم الارض المفتوحة عنوة ، وتجرى عليها ما تجري على تلك الارض من الاحكام والآثار .
وإن كان مقتضاه صيروتها ملكا للامام عليه السلام كان حكمها حكم الارض التي لا رب لها من هذه الجهة .
وإن كان مقتضاه بقاؤها في ملك أصحابها ظلت في ملكهم كما كانت غاية الامر أن ولي الامر يضع عليها الطسق والخراج من النصف أو الثلث أو أكثر أو أقل .
( الارض التي أسلم أهلها بالدعوة )
( مسألة 48 ) : الارض التي أسلم عليها أهلها تركت في يده إذا كانت عامرة ، وعليهم الزكاة من حاصلها، العشر أو نصف العشر، وأما إذا لم تكن عامرة فيأخذها الامام عليه السلام ويقبلها لمن يعمرها وتكون للمسلمين ، وتدل على ذلك صحيحة البزنطي ، قال : ذكرت لابي الحسن الرضا عليه السلام وما سار به أهل بيته ، فقال : " العشر ونصف العشر على من أسلم طوعا ، تركت أرضه في يده ، واخذ منه العشر ونصف العشر فيما عمر منها ، وما لم يعمر منها أخذه الوالي فقبله ممن يعمر " الحديث(1) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل ج 11 باب 72 من جهاد العدو ، حديث 2 .
ــ[384]ــ
( فصل في قسمة الغنائمالمنقولة )
( مسألة 49 ) : يخرج من هذه الغنائم قبل تقسيمها بين المقاتلين ما جعله الامام عليه السلام جعلا لفرد على حسب ما يراه من المصلحة، ويستحق ذاك الفرد الجعل بنفس الفعل الذي كان الجعل بإزائه ، وهو في الكم والكيف يتبع العقد الواقع عليه ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الفرد المزبور ( المجعول له ) مسلما أو كافرا ، وكذا لا فرق بين كونه من ذوي السهام أو لا، فإن الامر بيد الامام عليه السلام وهو يتصرف فيها حسب ما يرى فيه من المصلحة ، يؤكد ذلك - مضافا إلى هذا - قول زرارة في الصحيحة المتقدمة في المسألة الحادية والاربعين ، ويدخل فيه السلب أيضا .
( مسألة 50 ) : ويخرج منها أيضا قبل القسمة ما تكون الغنيمة بحاجة إليه في بقائها من المؤن كاجرة النقل والحفظ والرعي وما شاكل ذلك .
( مسألة 51 ) : المرأة التي حضرت ساحة القتال والمعركة لتداوي المجروحين أو ما شابه ذلك بإذن الامام عليه السلام لا تشترك مع الرجال المقاتلين في السهام من الغنائم المأخوذة من الكفار بالقهر والغلبة .
نعم ، يعطي الامام عليه السلام منها لها مقدار ما يرى فيه مصلحة ، وتدل على ذلك معتبرة سماعة عن أحدهما عليه السلام قال: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج بالنساء في الحرب يداوين الجرحى ولم يقسم لهن من الفئ شيئا ولكنه نفلهن "(1) .
وأما العبيد والكفار الذين يشتركون في القتال بإذن الامام عليه السلام فالمشهور بين الاصحاب ، بل ادعي عليه الاجماع ، أنه لا سهم لهم في الغنائم ، ولكن دليله غير ظاهر .
( مسألة 52 ) : يخرج من الغنائم قبل القسمة - كما مر - صفو المال أيضا وقطائع
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل ج 11 باب 41 من جهاد العدو ، حديث 6 .
ــ[385]ــ
الملوك والجارية الفارهة والسيف القاطع وما شاكل ذلك على أساس أنها ملك طلق للامام عليه السلام بمقتضى عدة من الروايات ، منها معتبرة داود بن فرقد ، قال ، قال أبوعبدالله عليه السلام : " قطائع الملوك كلها للامام عليه السلام ، وليس للناس فيها شئ ".
ومنها معتبرة أبي بصير ، عن أبي عبدالله عليه السلام ، قال: سألته عن صفو المال ؟ قال : " الامام يأخذ الجارية الروقة والمركب الفاره والسيف القاطع والدرع قبل أن تقسم الغنيمة ، فهذا صفو المال "(1) .
( مسألة 53 ) : يخرج من الغنائم خمسا أيضا قبل تقسيمها بين المسلمين المقاتلين، ولا يجوز تقسيم الخمس بينهم ، حيث إن الله تعالى قد جعل له موارد خاصة ومصارف مخصوصة ، قال عز من قائل : ( واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكينوابن السبيل )(2) والروايات الدالة على ذلك كثيرة .
( مسألة 54 ) : تقسم الغنائم بعد إخراج المذكورات على المقاتلين ومن حضر ساحة القتال ولو لم يقاتل ، فإنه لا يعتبر في تقسيم الغنيمة على جيش المسلمين دخول الجميع في القتال مع الكفار ، فلو قاتل بعض منهم وغنم ، وكان الآخر حاضرا في ساحة القتال والمعركة ومتهيئا للقتال معهم إذا اقتضى الامر ذلك ، كانت الغنيمة مشتركة بين الجميع ولا اختصاص بها للمقاتلين فقط ، وهذا بخلاف ما إذا ارسل فرقة إلى جهة وفرقة اخرى إلى جهة اخرى ، فلا تشارك إحداهما الاخرى في الغنيمة . وفي حكم المقاتلين الطفل إذا ولد في أرض الحرب، وتدل عليه معتبرة مسعدة ابن صدقة، عن جعفر ، عن أبيه ، عن آبائه أن عليا عليه السلام قال : " إذا ولد المولود في أرض الحرب قسم له مما أفاء الله عليهم "(3) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل ج 6 باب 1 من أبواب الانفال ، حديث 6 و 15 .
(2) سورة الانفال ، الآية 41 .
(3) الوسائل ج 11 باب 41 من أبواب جهاد العدو ، حديث 8 .
ــ[386]ــ
والمشهور أنه تشترك مع المقاتلين في الغنائم فئة حضروا أرض الحرب للقتال وقد وضعت الحرب أوزارها بغلبة المسلمين علىالكفار وأخذهم الغنائم منهم قبل خروجهم إلى دار الاسلام ، فإن الغنيمة حينئذ تقسم بين الجميع رغم عدم اشتراك تلك الفئة معهم في القتال ، ومدركهم في ذلك رواية حفص بن غياث ، قال : كتب إلي بعض إخواني أن أسأل أبا عبدالله عليه السلام عن مسائل من السيرة ، فسألته وكتبت بها إليه ، فكان فيما سألت : أخبرني عن الجيش إذا غزوا أرض الحرب فغنموا غنيمة ثم لحقهم جيش آخر قبل أن يخرجوا إلى دار الاسلام ، ولم يلقوا عدوا حتى خرجوا إلى دار الاسلام ، هل يشاركونهم فيها ؟ قال : " نعم "(1) .
ولكن بما أن الرواية ضعيفة باعتبار أن القاسم بن محمد الواقع في سندها مردد بين الثقة وغيرها فالحكم لا يخلو عن إشكال بل منع ، وقد يستدل على ذلك بمعتبرة طلحة بن زيد ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن علي عليه السلام ، في الرجل يأتي القوم وقد غنموا ولم يكن ممن شهد القتال قال : فقال : " هؤلاء المحرومون ، فأمر أن يقسم لهم "(2) بتقريب أن المراد المحرومون من ثواب القتال لا أنهم محرومون من الغنيمة ، وفيه :
أولا : أنه لا يمكن أن تكون كلمة ( هؤلاء ) إشارة إلى الرجل الذي يأتي القوم بعد أخذهم الغنيمة من الكفار .
وثانيا : أن تحريمهم من الثواب لا يدل على أن لهم نصيبا في الغنيمة ، فإن ضمير ( لهم ) في قوله عليه السلام ( فأمر أن يقسم لهم ) ظاهر في رجوعه إلى القوم ، وكيف كان فالرواية مجملة ، فلا دلالة لها على المقصود أصلا .
ثم إنهبناء على الاشتراك إذا حضروا دار الحرب قبل القسمة، فهل هم مشتركون فيها معهم أيضا إذا حضروها بعدها ؟ المشهور عدم الاشتراك ، وهو الظاهر ، لانصراف الرواية عن هذه الصورة وظهورها بمناسبة الحكم والموضوع في حضورهم دار الحرب قبل القسمة .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل ج 11 باب 37 من أبواب جهاد العدو ، حديث 1 .
(2) الوسائل ج 11 باب 37 من أبواب جهاد العدو ، حديث 2 .
ــ[387]ــ
( مسألة 55 ) : المشهور بين الاصحاب انه يعطى من الغنيمة للراجل سهم ، وللفارس سهمان ، بل ادعي عدم الخلاف في المسألة ، واعتمدوا في ذلك على رواية حفص بن غياث ، ولكن قد عرفت آنفا أن الرواية ضعيفة فلا يمكن الاعتماد عليها ، فحينئذ إن ثبت الاجماع في المسألة فهو المدرك وإلا فما نسب إلى ابن جنيد من أنه يعطى للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم هو القوي ، وذلك لاطلاق معتبرة إسحاق ابن عمار ، عن جعفر ، عن أبيه أن عليا عليه السلام كان يجعل للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما(1) وصحيحة مسعدة بن زياد ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يجعل للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما "(2) وعدم المقيد لهما .
وعليه فلا فرق في ذلك بين أن يكون المقاتل صاحب فرس واحد أو أكثر فما عن المشهور من أن لصاحب فرس واحد سهمين وللاكثر ثلاثة أسهم فلا يمكن إتمامه بدليل ، ولا فرق فيما ذكرناه بين أن تكون المقاتلة مع الكفار في البر أو البحر .
( مسألة 56 ) : لا يملك الكافر الحربي أموال المسلمين بالاستغنام ، فلو أخذها المسلم منه سرقة أو هبة أو شراء أو نحو ذلك فلا إشكال في لزوم عودها إلى أصحابها من دون غرامة شئ ، وإن كان الآخذ جاهلا بالحال حيث إن الحكم - مضافا إلى أنه على القاعدة - قد دل عليه قوله عليه السلام في صحيحة هشام : " المسلم أحق بماله أينما وجده "(3) .
وأما إذا أخذ تلك الاموال منه بالجهاد والقوة ، فإن كان الاخذ قبل القسمة رجعت إلى أربابها أيضا بلا إشكال ولا خلاف .
وأما إذا كان بعد القسمة ، فنسب إلى العلامة في النهاية أنها تدخل في الغنيمة ، ولكن المشهور بين الاصحاب أنها ترد إلى أربابها وهو الصحيح ، إذا يكفي في ذلك قوله
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل ج 11 باب 42 من أبواب جهاد العدو ، حديث 2 .
(2) الوسائل ج 11 باب 38 من أبواب جهاد العدو ، حديث 2 .
(3) الوسائل ج 11 باب 35 من أبواب جهاد العدو ، حديث 3 .
ــ[388]ــ
عليه السلام في صحيحة هشام الآنفة الذكر المؤيدة بخبر طربال ، والدليل على الخلاف غير موجودة في المسألة .
وأما صحيحة الحلبي، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: سألته عن رجل لقيه العدو وأصاب منه مالا أو متاعا، ثم إن المسلمين أصابوا ذلك ، كيف يصنع بمتاع الرجل ؟ فقال : " إذا كانوا أصابوه قبل أن يحوزوا متاع الرجل رد عليه، وإن كانوا أصابوه بعد ما حازوا فهو فئ للمسلمين ، فهو أحق بالشفعة "(1) فهي بظاهرها ، وهو التفصيل بين ما قبل الحيازة وما بعدها، فعلى الاول ترد إلى أربابها ، وعلى الثاني تدخل في الغنيمة مقطوعة البطلان ، فإنه لا إشكال كما لا خلاف في وجوب الرد قبل القسمة فلا تدخل في الغنيمة بالحيازة ، وحمل الحيازة على القسمة بحاجة إلى قرينة وهي غير موجودة .
وعليه فالقسمة باطلة ، فمع وجود الغانمين تقسم ثانيا عليهم بعد إخراج أموال المسلمين ، ومع تفرقهم يرجع من وقعت تلك الاموال في حصته إلى الامام عليه السلام .
الدفاع
( مسألة 57 ) : يجب على كل مسلم الدفاع عن الدين الاسلامي إذا كان في معرض الخطر ، ولا يعتبر فيه إذن الامام عليه السلام بلا إشكال ولا خلاف في المسألة . ولا فرق في ذلك بين أن يكون في زمن الحضور أو الغيبة ، وإذا قتل فيه جرى عليه حكم الشهيد في ساحة الجهاد مع الكفار ، على أساس أنه قتل في سبيل الله الذي قد جعل في صحيحة أبان موضوعا للحكم المزبور ، قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : " الذي يقتل في سبيل الله يدفن في ثيابه ولا يغسل إلا أن يدركه المسلمون وبه رمق ثم يموت " الحديث ، وقريب منها صحيحته الثانية(2) .
( مسألة 58 ) : تجري على الاموال المأخوذة من الكفار في الدفاع عن بيضة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل ج 11 باب 35 من أبواب جهاد العدو ، حديث 2 .
(2) الوسائل ج 2 الباب 14 من أبواب غسل الميت ، الحديث 7 و 9 .
ــ[389]ــ
الاسلام أحكام الغنيمة ، فإن كانت منقولة تقسم بين المقاتلين بعد إخراج الخمس ، وإن كانت غير منقولة فهي ملك للامة على تفصيل تقدم ، وتدل على ذلك إطلاقات الادلة من الآية والرواية .
فما عليه المحقق القمي - قدس سره - من عدم جريان أحكام الغنيمة عليها وأنها لآخذها خاصة بدون حق الآخرين فيما لا يمكن المساعدة عليه .
قتال أهل البغي
وهم الخوارج على الامام المعصوم عليه السلام الواجب إطاعته شرعا، فإنه لا إشكال في وجوب مقاتلتهم إذا أمر الامام عليه السلام بها ، ولا يجوز لاحد المخالفة ، ولا يجوز الفرار لانه كالفرار عن الزحف في حرب المشركين ، والحاصل أنه تجب مقاتلتهم حتى يفيئوا أو يقتلوا .
وتجري على من قتل فيها أحكام الشهيد لانه قتل في سبيل الله .
( مسألة 59 ) : المشهور - بل ادعي عليه الاجماع - أنه لا يجوز قتل اسرائهم ، ولا الاجهاز عل يجريحهم ، ولا يتبع مدبرهم إذا لم تبق منهم فئة يرجعون إليها ، وأما إذا كانت لهم فئة كذلك فيقتل اسراؤهم ويجهز على جريحهم، ويتبع مدبرهم ، ولكن إتمام ذلك بالدليل مشكل ، فإن رواية حفص بن غياث التي هي نص في هذا التفصيل ضعيفة سندا كما مر، قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الطائفتين من المؤمنين إحداهما باغية والاخرى عادلة ، فهزمت العادلة الباغية ؟ قال عليه السلام: " ليس لاهل العدل أن يتبعوا مدبرا ، ولا يقتلوا أسيرا، ولا يجهزوا على جريح ، وهذا إذا لم يبق من أهل البغي أحد ولم يكن فئة يرجعون إليها " الحديث(1) .
وعليه فلا يمكن الاعتماد عليها .
وأما معتبرة أبي حمزة الثمالي ، قال : قلت لعلي بن الحسين عليه السلام : إن عليا
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل ج 11 باب 23 من جهاد العدو ، الحديث 1 .
ــ[390]ــ
عليه السلام سار في أهل القبلة بخلاف سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله في أهل الشرك ! قال : فغضب ثم جلس ثم قال: " سار والله فيهم بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الفتح، إن عليا كتب إلى مالك وهو على مقدمته في يوم البصرة بأن لا يطعن في غير مقبل ، ولا يقتل مدبرا ، ولا يجهز على جريح ، ومن أغلق بابه فهو آمن " الحديث(1) فهي قضية في واقعة ، فلا يستفاد منها الحكم الكلي كما يظهر من روايته الاخرى قال : قلت لعلي بن الحسين عليه السلام : بما سار علي بن ابي طالب عليه السلام ؟ فقال : " إن أبا اليقظان كان رجلا حادا فقال : يا أمير المؤمنين: بم تسير في هؤلاء غدا ؟ فقال : بالمن كما سار رسول الله صلى الله عليه وآله في أهل مكة "(2) فحينئذ إن تم الاجماع في المسألة فهو ، وإلا فالامر كما ذكرناه، فإذن القضية في كل واقعة راجعة إلى الامام عليه السلام نفيا وإثباتا حسب ما يراه من المصلحة .
( مسألة 60 ) : لا تسبى ذراري البغاة وإن كانوا متولدين بعد البغي ، ولا تملك نساؤهم وكذا لا يجوز أخذ أموالهم التي لم يحوها العسكر كالسلاح والدواب ونحوهما.
وهل يجوز أخذ ما حواه العسكر من الاموال المنقولة ؟ فيه قولان : عن جماعة القول الاول ، وعن جماعة اخرى القول الثاني ، بل نسب ذلك إلى المشهور ، وهذا القول هو الصحيح ، ويدل على كلا الحكمين عدة من الروايات، منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال : " لولا أن عليا عليه السلام سار في أهل حربه بالكف عن السبي والغنيمة للقيت شيعته من الناس بلاء عظيما " ثم قال : " والله لسيرته كانت خيرا لكم مما طلعت عليه الشمس "(3) .
( مسألة 61 ) : يجوز قتل ساب النبي الاكرم صلىالله عليه وآله أو أحد الائمة الاطهار عليهم السلام لكل من سمع ذلك ، وكذا الحال في ساب فاطمة الزهراء سلام الله عليها ، على تفصيل ذكرناه في مباني تكملة المنهاج .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل ج 11 باب 24 من جهاد العدو ، الحديث 2 .
(2) التهذيب ج 6 ص 154 ، الحديث 272 .
(3) الوسائل ج 11 باب من جهاد العدو ، الحديث 8 .
ــ[391]ــ
أحكام أهل الذمة
( مسألة 62 )
ومنها قوله تعالى : ( قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله )(3)
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة البقرة ، الآية 62 .
(2) سورة محمد صلى الله عليه وآله ، الآية 4 .
(3) سورة الانفال ، الآية 39 .
ــ[392]ــ
فإن أبوا هاتين فادعوهم إلى إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون " الحديث(1) .
( مسألة 63 ) : الظاهر أنه لا فرق في مشروعية أخذ الجزية من أهل الكتاب بين أن يكون في زمن الحضور أو في زمن الغيبة لاطلاق الادلة وعدم الدليل على التقييد ، ووضعها عليهم في هذا الزمان إنما هو بيد الحاكم الشرعي كما وكيفا حسب ما تقتضيه المصلحة العامة للامة الاسلامية .
( مسألة 64 ) : إذا التزم أهل الكتاب بشرائط الذمة يعاملون معاملة المسملين في ترتيب أحكامهم عليهم كحقن دمائهم وأموالهم وأعراضهم ، وإذا أخلوا بها خرجوا عن الذمة على تفصيل يأتي في المسائل القادمة .
( مسألة 65 ) : إذا ادعى الكفار أنهم من أهل الكتاب ولم تكن قرينة على الخلاف سمعت في ترتيب أحكام أهل الذمة عليهم وعدم الحاجة فيه إلى إقامة البينة على ذلك . نعم ، إذا علم بعد ذلك خلافها كشف عن بطلان عقد الذمة .
( مسألة 66 ) : الاقوى أن الجزية لا تؤخذ من الصبيان والمجانين والنساء ، وذلك لمعتبرة حفص بن غياث التي تدل على كبرى كلية ، وهي أن أي فرد لم يكن قتله في الجهاد جائزا لم توضع عليه الجزية ، فقد سأل أبا عبدالله عليه السلام عن النساء كيف سقطت الجزية عنهن ورفعت عنهن ؟ قال : فقال : " لان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن قتل النساء والولدان في دار الحرب - إلى أن قال - ولو امتنعت أن تؤدي الجزية لم يمكن قتلها ، فلما لم يمكن قتلها رفعت الجزية عنها - إلى أن قال - وكذلك المقعد من أهل الذمة والاعمى والشيخ الفاني والمرأة والولدان في أرض الحرب ، فمن أجل ذلك رفعت عنهم الجزية "(2) .
وتدل على ذلك في خصوص المجانين معتبرة طلحة بن زيد الآتية .
وأما المملوك سواء كان مملوكا لمسلم أم كان لذمي فالمشهور أنه لا تؤخذ الجزية
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل ج 11 باب 15 من جهاد العدو ، حديث 3 .
(2) الوسائل ج 11 باب 18 من أبواب جهاد العدو ، الحديث 1 .
ــ[393]ــ
منه ، وقد علل ذلك في بعض الكلمات بأنه داخل في الكبرى المشار إليها آنفا ، وهي أن لم يجز قتله لم توضع عليه الجزية ، ولكن الاظهر أن الجزية توضع عليه ، وذلك لمعتبرة أبي الورد، فقد روى الشيخ الصدوق بسنده المعتبر عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم ، عن أبي الورد ، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : سألته عن مملوك نصراني لرجل مسلم عليه جزية ؟ قال: " نعم ، إنما هو مالكه يفتديه إذا اخذ يؤدي عنه "(1) وروى قريبا منه بإسناده عن أبي الورد نفسه(2) إلا أن في بعض النسخ في الرواية الثانية ( أبا الدرداء ) بدل ( أبي الورد ) والظاهر أنه من غلط النساخ .
ونسب هذا القول إلى الصدوق في المقنع وإلى العلامة في التحرير .
وأما الشيخ الهم والمقعد والاعمى فالمشهور بين الاصحاب أنه تؤخذ الجزية منهم لعموم أدلة الجزية وضعف رواية حفص ، ولكن الاقوى عدم جواز أخذها منهم ، فإن رواية حفص وإن كانت ضعيفة في بعض طرقها إلا أنها معتبرة في بعض طرقها الاخر وهو طريق الشيخ الصدوق إليه ، وعليه فلا مانع من الاعتماد عليها في الحكم المزبور .
( مسألة 67 ) : إذا حاصر المسلمون حصنا من حصون أهل الكتاب فقتل الرجال منهم وبقيت النساء ، فعنذئذ إن تمكن المسلمون من فتح الحصن فهو ، وإن لم يتمكنوا منه فلهم أن يتوسلوا إلى فتحه بأية وسيلة ممكنة، ولو كانت تلك الوسيلة بالصلح معهن إذا رأى ولي الامر مصلحة فيه ، وبعد عقد الصلح لا يجوز سبيهن لعموم الوفاء بالعقد ، فما قيل من جواز إظهار عقد الصلح معهن صورة وبعد العقد المزبور يجوز سبيهن فلا دليل عليه ، بل هو غير جائز ، لانه داخل في الغدر .
وأما إذا فتحه المسلمون بأيديهم فيكون أمرهن بيد ولي الامر ، فإن رأى مصلحة في إعطاء الامان لهن وأعطاه لم يجز حينئذ استرقاقهن، وإن رأى مصلحة في الاسترقاق والاستعباد تعين ذلك
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الفقيه ج 3 باب نوادر العتق ، الحديث 9 .
(2) الوسائل ج 11 باب 49 من جهاد العدو ، الحديث 6 .
ــ[394]ــ
( مسألة 68 ) : إذا كان الذمي عبدا فاعتق وحينئذ إن قبل الجزية ظل في دار الاسلام ، وإن لم يقبل منع من الاقامة فيها واجبر على الخروج إلى مأمنه ، ولا يجوز قتله ولا استعباده على أساس أنه دخل دار الاسلام آمنا .
( مسألة 69 ) : تقدم عدم وجوب الجزية على المجنون مطبقا ، وأما إذا كان أدواريا فهل تجب عليه أو لا ؟ أو فيه تفصيل ؟ وجوه ، وعن شيخ الطائفة الشيخ الطوسي - قدس سره - اختيار التفصيل بدعوى أنه يعمل في هذا الفرض بالاغلب ، فإن كانت الافاقة أكثر وأغلب من عدمها وجبت الجزية عليه ، وإن كان العكس فبالعكس .
نعم ، لو أفاق حولا كاملا وجبت الجزية عليه في هذا الحول على كل حال .
( مسألة 70 ) : إذا بلغ صبيان أهل الذمة عرض عليهم الاسلام ، فإن قبلوا فهو ، وإلا وضعت الجزية عليهم ، وإن امتنعوا منها أيضا ردوا إلى مأمنهم ولا يجوز قتلهم ولا استعبادهم باعتبار أنهم دخلوا في دار الاسلام آمنين .
( مسألة 71 ) : المشهور بين الاصحاب قديما وحديثا هو أنه لا حد للجزية ، بل أمرها إلى الامام عليه السلام كما وكيفا حسب ما يراه فيه من المصلحة ، ويدل على ذلك - مضافا إلى عدم تحديدها في الروايات - ما في صحيحة زرارة : أن أمر الجزية إلى الامام عليه السلام ، يأخذ من كل إنسان منهم ما شاء على قدر ما يطيق(2) .
( مسألة 72 ) : إذا وضع ولي الامر الجزية على رؤوسهم لم يجز وضعها على
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل ج 11 باب 18 من جهاد العدو ، حديث 3 .
(2) الوسائل ج 11 باب 68 من جهاد العدو ، حديث 1 .
ــ[395]ــ
أراضيهم ، حيث إن المشروع في الشريعة المقدسة وضع جزية واحدة حسب إمكاناتهم وطاقاتهم المالية التي بها حقنت دماؤهم وأموالهم ، فإذا وضعت على رؤوسهم انتفى موضوع وضعها على الاراضي وبالعكس .
وصحيحتا محمد بن مسلم ناظرتان إلى هذه الصورة فقد قال : قلت لابي عبدالله عليه السلام : أرأيت ما يأخذ هؤلاء من هذا الخمس - إلى أن قال - وليس للامام أكثر من الجزية إن شاء الامام وضع على رؤوسهم وليس على أموالهم شئ ، وإن شاء فعلى أموالهم وليس على رؤوسهم شئ الحديث .
وقال : سألته عن أهل الذمة ماذا عليه مما يحقنون به دماءهم وأموالهم ؟ قال : " الخراج ، وإن أخذ من رؤوسهم الجزية فلا سبيل على أرضهم ، وإن أخذ من أرضهم فلا سبيل على رؤوسهم "(1) .
وأما إذا وضع ولي الامر قسطا من الجزية على الرؤوس وقسطا منها على الاراضي فلا مانع فيه ، على أساس أن أمر وضع الجزية بيد ولي الامر من حيث الكم والكيف، والصحيحتان المزبورتان لا تشملان هذه الصورة فإنها ناظرتان إلى أن وضع الجزية كملا إذا كان على الرؤوس انتفى موضوع وضعها على الاراضي وبالعكس . وأما تبعيض تلك الجزية ابتداء عليهما معا فلا مانع منه .
( مسألة 73 ) : لولي الامر أن يشترط عليهم - زائدا على الجزية - ضيافة المارة عليهم من العساكر أو غيرهم من المسلمين حسب ما يراه فيه مصلحة ، من حيث الكم والكيف ، على قدر طاقاتهم وإمكاناتهم المالية ، وما قيل من أنه لابد من تعيين نوع الضيافة كما وكيفا بحسب القوت والادام ونوع علف الدواب وعدد الايام فلا دليل عليه ، بل هو راجع إلى ولي الامر .
( مسألة 74 ) : ظاهر فتاوى الاصحاب في كلماتهم أن الجزية تؤخذ سنة بعد سنة وتتكرر بتكرر الحول ولكن إثبات ذلك بالنصوص مشكل جدا ، فالصحيح أن أمرها
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل ج 11 باب 68 من جهاد العدو ، حديث 2 ، 3 .
ــ[396]ــ
بيد الامام عليه السلام، وله أن يضع الجزية في كل سنة وله أن يضعها في أكثر من سنة مرة واحدة حسب ما فيه من المصلحة.
( مسألة 75 ) : إذا أسلم الذمي قبل تمامية الحول أو بعد تماميته وقبل الاداء سقطت عنه بسقوط موضوعها ، فإن موضوعها حسب ما في الآية الكريمة وغيرها هو الكافر ، فإذا أصبح مسلما ولو بعد الحول سقطت الجزية عنه ولا تجب عليه تأديتها ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون هو الداعي لقبوله الاسلام أن يكون الداعي له أمرا آخر .
( مسألة 76 ) : المشهور بين الاصحاب أنه لو مات الذمي وهو ذمي بعد الحول لم تسقط الجزية عنه واخذت من تركته كالدين ، ولكن ذلك مبني على أن يكون جعل الجزية من قبيل الوضع كجعل الزكاة والخمس على الاموال ، ولازم ذلك هو أن الذمي لو مات في أثناء الحول مثلا لاخذت الجزية من تركته بالنسبة ، وهذا وإن كان مذكورا في كلام بعضهم إلا أنه غير منصوص عليه في كلمات المشهور ، ومن هنا لا يبعد أن يقال إنها ليس كالدين الثابت على ذمته حتى تخرج من تركته بعد موته مطلقا، بل المستفاد من الدليل هو أن الواجب عليه إنما هو الاعطاء عن يد وهو صاغر ، فإذا مات انتفى بانتفاء موضوعه، وبذلك يظهر حال ما إذا مات في أثناء الحول ، بل هو أولى بالسقوط .
( مسألة 77 ) : يجوز أخذ الجزية من ثمن الخمور والخنازير والميتة من الذمي حيث أن وزره عليه لا على غيره ، وتدل عليه صحيحة محمد بن مسلم ، قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الصدقات أهل الذمة وما يؤخذ من جزيتهم من ثمن خمورهم وخنازيرهم وميتتهم ؟ قال : " عليهم الجزية في أموالهم ، تؤخذ من ثمن لحم الخنزير أو خمر، فكل ما أخذوا منهم من ذلك فوزر ذلك عليهم وثمنه للمسلمين حلال ، يأخذونه في جزيتهم "(1) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل ج 11 باب 70 من جهاد العدو ، الحديث 1 .
ــ[397]ــ
( مسألة 78 ) : لا تتداخل جزية سنين متعددة إذا اجتمعت على الذمي بل عليه أن يعطي الجميع إلا إذا رأى ولي الامر مصلحة في عدم الاخذ .
( شرائط الذمة )
( مسألة 79 ) : من شرائط الذمة أن يقبل أهل الكتاب إعطاء الجزية لولي الامر على الكيفية المذكورة ، فإنه مضافا إلى التسالم بين الاصحاب يدل عليه الكتاب والسنة .
ومنها : أن لا يرتكبوا ما ينافي الامان ، كالعزم على حرب المسلمين وإمداد المشركين في الحرب وما شاكل ذلك ، وهذا الشرط ليس من الشروط الخارجية بل هو داخل في مفهوم الذمة فلا يحتاج إثباته إلى دليل آخر .
( مسألة 80 ) : المشهور بين الاصحاب أن التجاهر بالمنكرات كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير والربا والنكاح بالاخوات وبنات الاخ وبنات الاخت وغيرها من المحرمات كالزنا واللواط ونحوهما يوجب نقض عقد الذمة .
ومن هذا القبيل عدم إحداث الكنائس والبيع وضرب الناقوس وما شاكل ذلك مما يوجب إعلان أديانهم وترويجها بين المسلمين.
هذا فيما إذا اشترط عدم التجاهر بتلك المحرمات والمنكرات في ضمن عقد الذمة واضح.
وأما إذا لم يشترط عدم التجاهر بها في ضمن العقد المزبور فهل التجاهر بها يوجب النقض ؟ فيه وجهان ، فعن العلامة في التذكرة والتحرير والمنتهى الوجه الثاني ، ولكن الاظهر هو الوجه الاول ، وذلك لصحيحة زرارة ، فقد روى عن أبي عبدالله عليه السلام قال : " إن رسول الله صلى الله عليه وآله قبل الجزية من أهل الذمة على أن لا يأكلوا الربا ، ولا يأكلوا لحم الخنزير، ولا ينكحوا الاخوات ولا بنات الاخ ولا بنات الاخت ، فمن فعل ذلك منهم برئت منه ذمة الله ورسوله
ــ[398]ــ
صلى الله عليه وآله " قال : " وليست لهم اليوم ذمة "(1) .
فإن مقتضى ذيل الصحيحة وهو قوله عليه السلام : " ليس لهم اليوم ذمة " هو أن التجاهر بها يوجب نقض الذمة وانتهاءها وأنها لا تنسجم معه ، وبما أن أهل الكتاب كانوا في زمان الخلفاء متجاهرين بالمنكرات المزبورة فلاجل ذلك نفى عنهم الذمة .
وأما غير ذلك كارتفاع جدرانهم على جدران المسلمين وعدم تميزهم في اللباس والشعر والركوب والكنى والالقاب ونحو ذلك مما لا ينافي مصلحة عامة للاسلام أو المسلمين فلا دليل على أنه يوجب نقض الذمة .
نعم لولي الامر اشتراط ذلك في ضمن العقد إذا رأى فيه مصلحة .
( مسألة 81 ) : يشترط على أهل الذمة أن لا يربوا أولادهم على الاعتناق بأديانهم - كاليهودية أو النصرانية أو المجوسية أو نحوها - بأن يمنعوا من الحضور في مجالس المسلمين ومراكز تبليغاتهم والاختلاط مع أولادهم ، بل عليهم تخلية سبيلهم في اختيار الطريقة ، وبطبيعة الحال أنهم يختارون الطريقة الموافقة للفطرة وهي الطريقة الاسلامية ، وقد دلت على ذلك صحيحة فضيل بن عثمان الاعور عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال : " ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه اللذان يهودانه وينصرانه ويمجسانه ، وإنما أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذمة وقبل الجزية عن رؤوس أولئك باعيانهم على أن لا يهودوا أولادهم ولا ينصروا ، وأما أولاد أهل الذمة اليوم فلا ذمة لهم "(2) .
( مسألة 82 ) : إذا أخل أهل الكتاب بشرائط الذمة بعد قبولها خرجوا منها ، وعندئذ هل على ولي الامر ردهم إلى مأمنهم أو له قتلهم أو استرقاقهم ؟ فيه قولان : الاقوى هو الثاني حيث إنه لا أمان لهم بعد خروجهم عن الذمة، ويدل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 11 باب 48 من جهاد العدو ، الحديث 1 .
(2) الوسائل ج 11 باب 48 من جهاد العدو ، حديث 3 .
ــ[399]ــ
على ذلك قوله عليه السلام في ذيل صحيحة زرارة المتقدمة آنفا : " فمن فعل ذلك منهم برئت منه ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم " فإن ظاهر البراءة هو أنه لا أمان له ، ومن الظاهر أن لزوم الرد إلى مأمنه نوع أمان له .
فإذن ، على ولي الامر أن يدعوهم إلى الاعتناق بالاسلام فإن قبلوا فهو ، وإلا فالوظيفة التخيير بين قتلهم وسبي نسائهم وذراريهم ، وبين استرقاقهم أيضا .
( مسألة 83 ) : إذا أسلم الذمي بعد إخلاله بشرط من شرائط الذمة سقط عنه القتل ولاسترقاق ونحوهما مما هو ثابت حال كفره ، نعم لا يسقط عنه القود والحد ونحوهما مما ثبت على ذمته ، حيث لا يختص ثبوته بكونه كافرا ، وكذا لا ترتفع رقيته بالاسلام إذا أسلم بعد الاسترقاق .
( مسألة 84 ) : يكره الابتداء بالسلام على الذمي ، وهو مقتضى الجمع بين صحيحة غياث بن إبراهيم عن أبي عبدالله عليه السلام ، قال : " قال أمير المؤمنين عليه السلام لا تبدؤا أهل الكتاب بالتسليم ، وإذا سلموا عليكم فقولوا : وعليكم "(1) وصحيحة ابن الحجاج ، قال : قلت لابي الحسن عليه السلام: أرأيت إن احتجت إلى طبيب وهو نصراني اسلم عليه وادعو له؟ قال : نعم ، إنه لا ينفعه دعاؤك "(2) فإن مورد الصحيحة الثانية وإن كان فرض الحاجة إلا أن الحاجة إنما هي في المراجعة إلى الطبيب النصراني لا في السلام عليه ، إذ يمكن التحية له بغير لفظ السلام مما هو متعارف عنده، على أن التعليل في ذيل الصحيحة شاهد على أنه لا مانع منه مطلقا حيث أن الدعاء لا يفيده .
وأما إذا ابتدأ الذمي بالسلام على المسلم فالاحوط وجوب الرد عليه بصيغة عليك أو عليكم أو بصيغة " سلام " فقط .
( مسألة 85 ) : لا يجوز لاهل الذمة إحداث الكنائس والبيع والصوامع وبيوت
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل ج 8 باب 49 من أحكام العشرة حديث 1 .
(2) الوسائل ج 8 باب 53 من أحكام العشرة الحديث 1 .
ــ[400]ــ
النيران في بلاد الاسلام، وإذا أحدثوها خرجوا عن الذمة فلا أمان لهم بعد ذلك.
هذا إذا اشترط عدم إحداثها في ضمن العقد ، وأما إذا لم يشترط لم يخرجوا منها ، ولكن لولي الامر هدمها إذا رأى فيه مصلحة ملزمة .
وأما إذا كانت هذه الامور موجودة قبل الفتح فحينئذ إن كان إبقاؤها منافيا لمظاهر الاسلام وشوكته فعلى ولي الامر هدمها وإزالتها ، وإلا فلا مانع من إقرارهم عليها ، كما أن عليهم هدمها إذا اشترط في ضمن العقد .
( مسألة 86 ) : المشهور أنه لا يجوز للذمي أن يعلو بما استجده من المساكين على المسلمين ، وعن المسالك أنه موضع وفاق بين المسلمين ، ولكن دليله غير ظاهر فإن تم الاجماع فهو ، وإلا فالامر راجع إلى ولي الامر . نعم ، إذا كان في ذلك مذلة للمسلمين وعزة للذمي لم يجز :
( مسألة 87 ) : المعروف بين الاصحاب عدم جواز دخول الكفار أجمع في المساجد كلها، ولكن إتمام ذلك بالدليل مشكل ، إلا إذا أوجب دخولهم الهتك فيها أو تلوثها بالنجاسة .
نعم ، لا يجوز دخول المشركين خاصة في المسجد الحرام جزما .
( مسألة 88 ) : المشهور بين الفقهاء أن على المسلمين أن يخرجوا الكفار من الحجاز ولا يسكنوهم فيه ولكن إتمامه بالدليل مشكل .
( المهادنة )
( مسألة 89 ) : يجوز المهادنة مع الكفار المحاربين إذا اقتضتها المصلحة للاسلام أو المسلمين ، ولا فرق في ذلك بين أن تكون مع العوض أو بدونه ، بل لا بأس بها مع إعطاء ولي الامر العوض لهم إذا كانت فيه مصلحة عامة .
نعم إذا كان المسلمون فيمكان القوة والكفار في مكان الضعف بحيث يعلم الغلبة عليهم لم تجز المهادنة .
ــ[401]ــ
( مسألة 90 )
( مسألة 91 )
( مسألة 92 )
نعم، يجب اعطاء أزواجهن ما أنفقوا من المهور عليهن .
( مسألة 93 ) : لو ارتدت المرأة المسلمة بعد الهجرة من دار الكفر إلى دار الاسلام لم ترجع إلى دار الكفر ويجرى عليها حكم المسلمة المرتدة في دار الاسلام ابتداء من الحبس والضرب في أوقات الصلاة حتى تتوب أو تموت .
( مسألة 94 ) : إذا ماتت المرأة المسلمة المهاجرة بعد مطالبة زوجها المهر منها وجب رده إليه إن كان حيا وإلى ورثته إن كان ميتا .
وأما إذا كانت المطالبة بعد موت الزوجة فالظاهر عدم وجوب رده إليه ، لان ظاهر الآية الكريمة هو أن رد المهر إنما هو عوض رد الزوجة بعد مطالبة الزوج إياها ، وإذا ماتت انتفى الموضوع .
ــ[402]ــ
بإرجاعها حينئذ .
وهذا بخلاف ما إذا طلقها رجعيا حيث أن له حق المطالبة بإرجاعها في العدة باعتبار أنها زوجة له، فإذا طالب فيها وجب رد مهرها إليه.
( مسألة 95 )
وأما إذا أسلم بعد انقضاء العدة فليس له حق الرجوع بها فإنه - مضافا إلى أنه مقتضى القاعدة - تدل عليه رد معتبرة السكوني وغيرها .
( مسألة 96 )
هذا إذا لم يشترط في ضمن العقد إعادة الرجال ، وأما إذا اشترط في ذلك ضمن العقد فحينئذ إن كانوا متمكنين بعد إعادتهم إلى موطنهم من إقامة شعائر الاسلام
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التهذيب ج 7 صفحة 301 الحديث 1257 .
ــ[403]ــ
والعمل بوظائفهم الدينية بدون خوف فيجب الوفاء بالشرط المذكور وإلا فالشرط باطل .
( مسألة 97 ) : إذا هاجرت نساء الحربيين من دار الكفر إلى دار الاسلام وأسلمت لم يجب إرجاع مهورهن إلى أزواجهن ، لاختصاص الآية الكريمة الدالة على هذا الحكم بنساء الكفار المعاهدين بقرينة قوله تعالى : ( واسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا ما أنفقوا )(1) باعتبار أن السؤال لايمكن عادة إلا من هؤلاء الكفار على أن الحكم على القاعدة .
والحمد لله أولا وآخرا .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الممتحنة 60 : 10.