الى اجزاء البحار

الى المكتبة الهاشمية

الى الصفحة الرئيسية

بحار الانوار الجزء 6

 بسمه تعالى
بحار الانوار جلد: 6 من صفحه 1 سطر 1 إلى صفحه 9 سطر 19
[ 1 ]
بسم الله الرحمن الرحيم

( باب 19 ) * ( عفو الله تعالى وغفرانه وسعة رحمته ونعمه على العباد ) *
الايات البقرة " 2 " فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين 64
" وقال تعالى " : إن الله غفور رحيم " في موضعين " 173 و 182 " وقال تعالى " :
والله رؤف بالعباد 207 " وقال تعالى " : والله غفور رحيم 218 " وقال تعالى " : والله
يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون 221 " وقال
تعالى " : والله غفور حليم 225 " وقال تعالى " : فإن الله غفور رحيم 226 " وقال " :
واعلموا أن الله غفور حليم 235 " وقال " : ولكن الله ذو فضل على العالمين 251 .
آل عمران " 3 " والله رؤف بالعباد 30 " وقال تعالى " : قل إن الفضل بيدالله
يؤتيه من يشاء والله واسع عليم * يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم 73 - 74
" وقال تعالى " : ولله ما في السموات وما في الارض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله
غفور رحيم 129 " وقال " : والله ذو فضل على المؤمنين 152 " وقال " : ولقد عفا الله عنهم
إن الله غفور حليم 155 " وقال تعالى " : والله ذو الفضل عظيم 174 .
النساء " 4 " إن كان غفورا رحيما 23 " وقال " : والله غفور رحيم 25 " وقال " :
والله يريد أن يتوب عليكم 27 " وقال " : يريد الله أن يخفف عنكم 28 " وقال " إن الله
كان بكم رحيما 29 " وقال " إن الله كان عفوا غفورا 43 " وقال تعالى " : إن الله لا يغفر
أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء 48 " وقال " : لوجدوا الله توابا رحيما 64
" وقال " : فاولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا 99 .
[ 2 ]
المائدة " 5 " فإن الله غفور رحيم 3 " وقال " : يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء 18
" وقال تعالى " فاعلموا أن الله غفور رحيم 34 " وقال تعالى " : ألم تعلم أن الله له ملك
السموات والارض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شئ قدير 40 .
الانعام " 6 " فقل ربكم ذو رحمة واسعة 147 .
الاعراف " 7 " قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شئ فسأكتبها
للذين يتقون 156 .
الانفال " 8 " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف 38 .
التوبة " 9 " استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم
ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين 80 " وقال تعالى " : وآخرون
اعترفوا بذبوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور
رحيم 102 " وقال تعالى " : وآخرون مرجون لامر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم
والله عليم حكيم 106 " وقال تعالى " : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين
ولو كانوا اولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم 113 " وقال تعالى " :
إنه بهم رؤف رحيم 117 " وقال تعالى " : إن الله لا يضيع أجر المحسنين 120 " وقال تعالى " :
ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون 121 .
يوسف " 12 " قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين 92 .
ابراهيم " 14 " يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى 10 .
الحجر " 15 " نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو العذاب
الاليم 49 - 50 .
الاسرى " 17 " ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحكم أو إن يشأ يعذبكم 54 .
النور " 24 " ولو لا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم 10 " وقال تعالى " :
ولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤف رحيم 20 " وقال تعالى " : ألا تحبون أن
يغفر الله لكم والله غفور رحيم 22 .
القصص " 28 " من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين
عملوا السيئات إلا ما كانوا يعلمون 84 .
[ 3 ]
الاحزاب " 33 " وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا 47 .
فاطر " 35 " ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن
يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا 45 .
الزمر " 39 " قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن
الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم 53 .
المؤمن " 40 " إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون 61 .
حمعسق " 42 " ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور 23 .
الفتح " 48 " ولله ملك السموات والارض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء و
كان الله غفورا رحيما 14 .
الحجرات " 49 " والله غفور رحيم 5 .
النجم " 53 " إن ربك واسع المغفرة 32 .
الحديد " 57 " وإن الله بكم لرؤف رحيم 9 " وقال تعالى " : ويغفر لكم والله غفور
* لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شئ من فضل الله وأن الفضل بيد الله
يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم 28 - 29 .
1 - ن : القطان والنقاش والطالقاني ، عن أحمد الهمداني ، عن علي بن الحسن
ابن فضال ، عن أبيه قال : قال الرضا عليه السلام في قول الله عزوجل : " إن أحسنتم أحسنتم
لانفسكم وإن أسأتم فلها " قال : إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم ، وأن أسأتم فلها رب
يغفر لها . " ص 163 "
بيان : قيل : اللام بمعنى على ، أي إن أسأتم فعلى أنفسكم ، وقيل : أي فلها
الجزاء والعقاب ، وما في الخبر مبني على الاكتفاء ببعض الكلام وهو شائع .
2 - ما : المفيد ، عن عمر بن محمد ، عن الحسين بن إسماعيل ، عن عبدالله بن شبيب
عن أبي العينا ، عن محمد بن مسعر قال : كنت عند سفيان بن عيينة فجاءه رجل فقال له : روي
عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : إن العبد إذا أذنب ذنبا ثم علم أن الله عزوجل يطلع عليه
غفر له ، فقال ابن عيينة : هذا كتاب الله عزوجل قال الله تعالى : " وما كنتم تستترون أن
[ 4 ]
يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما
تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرديكم " ( 1 ) فإذا كان الظن هو المردي
كان ضد هو المنجي . " 33 "
3 - ما : المفيد ، عن الحسين بن علي بن محمد ، عن أحمد بن محمد المقري ، عن
يعقوب بن إسحاق ، عن عمرو بن عاصم ، عن معمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن أبي عثمان
النهدي ( 2 ) عن جندب ( 3 ) الغفاري أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : إن رجلا قال يوما : والله
لا يغفر الله لفلان ، قال الله عزوجل : من ذا الذي تألى على أن لا أغفر لفلان ؟ فإني
قد غفرت لفلان ، وأحبطت عمل المتألي بقوله : لا يغفر الله لفلان . " 36 - 37 "
بيان : قال الجزري : فيه : من يتألى على الله يكذبه أي من حكم عليه وحلف
كقولك : والله ليدخلن الله فلانا النار ، وهو من الالية : اليمين ، يقال : آلى يؤلي
أيلاءا ، وتألي يتألي تأليا ، والاسم الالية ، ومنه الحديث : من المتألي على الله ؟ .
4 - ما المفيد ، عن الحسين بن محمد التمار ، عن محمد بن القاسم الانباري ، عن أبيه ،
عن الحسين بن سليمان الزاهد قال : سمعت أبا جعفر الطائي الواعظ يقول : سمعت وهب
ابن منبه يقول : قرأت في زبور داود أسطرا : منها ما حفظت ، ومنها ما نسيت ، فما حفظت
قوله : يا داود اسمع مني ما أقول - والحق أقول - من أتاني وهو يحبني أدخلته الجنة ،
* ( هامش ) * ( 1 ) حم السجدة : 22 - 23 أرداكم أي أهلككم ، نسب الهلاك إلى الظن لانه كان سببا
لهلاكهم ، وإنما أهلكهم الله سبحانه جزاءا على أفعالهم القبيحة ، وظنونهم السيئة .
( 2 ) بفتح النون وسكون الهاء ، هو عبدالرحمن بن مل - بلام ثقيلة والميم مثلثة - قال ابن حجر
في التقريب : مشهور بكنيته ، مخضرم ، من كبار الثانية ، ثقة ، ثبت ، عابد ، مات سنة 95 وقيل :
بعدها ، وعاش 130 سنة ، وقيل : أكثر .
( 3 ) بضم الجيم ، وسكون النون ، وفتح الدال المهملة ، هو جندب بن جنادة ، أبوذر الغفارى ،
الصحابى الكبير ، أول من حيى رسول الله صلى الله عليه وآله بتحية الاسلام ، وفيه قال النبى
صلى ا لله عليه وآله وسلم : ما أظلت الخضراء ، ولا أقلت الغبراء على ذى لهجة أصدق من أبى ذر ،
كثيرة جدا ، نفاه عثمان إلى الربذة فمات فيها سنة 32 وصلى الله عليه ابن مسعود ، له خطبة يشرح فيها
الامور بعد النبى صلى الله عليه وآله . [ * ]
[ 5 ]
ياداود اسمع مني ما أقول - والحق أقول - من أتاني وهو مستحي من المعاصي التي
عصاني بها غفرتها له وأنسيتها حافظيه ، ياداود اسمع مني ما أقول - والحق أقول -
من أتاني بحسنة واحدة أدخلته الجنة . قال داود : يارب وما هذه الحسنة ؟ قال :
من فرج عن عبد مسلم ، فقال داود : إلهي لذلك لا ينبغي لمن عرفك أن ينقطع ( 1 ) رجاءه
منك . " ص 65 "
5 - ما : المفيد ، عن الجعابي ، عن ابن عقدة ، عن جعفر بن محمد بن هشام ، عن
محمد بن إسماعيل البزاز ، عن إلياس بن عامر ، عن أبان بن عثمان ، عن أبي بصير
قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : إذا دخل أهل الجنة الجنة بأعمالهم فأين عتقاء الله
من النار ؟ . ( 2 ) " ص 112 "
6 - ين : فضيل بن عثمان ، عن أبي عبيدة قال : قلت : جعلت فداك ادع الله لي فإن
لي ذنوبا كثيرة ، فقال : مه يا أبا عبيدة لا يكون الشيطان عونا على نفسك ، ( 3 ) إن عفو الله
لا يشبهه شئ .
7 - ين : ابن محبوب ، عن الثمالي ، عن أبي إسحاق قال : قال علي عليه السلام لاحدثنكم
بحديث يحق على كل مؤمن أن يعيه ، ( 4 ) فحدثنا به غداة ونسيناه عشية ، قال :
فرجعنا إليه فقلنا له : الحديث الذي حدثتناه به غداة نسيناه وقلت : هو حق كل
مؤمن أن يعيه فأعده علينا ، فقال : إنه ما من مسلم يذنب ذنبا فيعفو الله عنه في الدنيا إلا
كان أجل وأكرم من أن يعود عليه بعقوبة في الآخرة ، وقد أجله في الدنيا ، وتلا هذه
الآية : " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير " . ص 94
8 - ما : ابن مخلد ، عن الرزاز ، عن محمد بن الهيثم القاضي ، عن محمد بن إسماعيل بن
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : كذلك لا ينبغى لمن عرفك ان يقطع .
( 2 ) في المصدر بعد ذلك : ان لله عتقاءا من النار . م
( 3 ) أى عونا على هلاك نفسك بيأسك وقنوطك عن رحمة الله .
( 4 ) أى جدير لكل مسلم وحقيق عليه أن يقبله ويتدبره ويحفظه . [ * ]
[ 6 ]
عباس ، عن أبيه ، عن صمصم بن زرعة ، عن شريح بن عبيد قال : كان جبير بن نفير ( 1 )
يحدث أن رجالا سألوا النواس بن سمعان ( 2 ) فقالوا : ما أرجى شئ سمعت لنا من
رسول الله صلى الله عليه واله ؟ فقال النواس : سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول : من مات وهو لا يشرك بالله
عزوجل شيئا فقد حلت له مغفرته ، إن شاء أن يغفر له ، قال نواس عند ذلك : إني لارجو
أن لا يموت أحد تحل له مغفرة الله عزوجل إلا غفر له . " 249 - 250 "
9 - ثو : أبي ، عن سعد ، عن البرقي ، عن محمد بن بكر ، عن زكريا بن محمد ، عن
محمد بن عبدالعزيز ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : قال النبي صلى الله عليه واله : قال الله
جل جلاله : من أذنب ذنبا فعلم أن لي أن اعذبه وأن لي أن أعفو عنه عفوت
عنه . " ص 173 " سن : أبي ، عمن ذكره ، عن العلاء ، عن محمد بن مسلم مثله . " ص 27 "
10 - ين : بعض أصحابنا ، عن حنان بن سدير ، عن رجل يقال له : روزبه ، وكان
من الزيدية ، عن الثمالي قال : قال أبوجعفر عليه السلام : ما من عبد يعمل عملا لا يرضاه الله
إلا ستره الله عليه أولا ، فإذا ثنى ستر الله ، فإذا ثلث أهبط الله ملكا في صورة آدمي
يقول للناس : فعل كذا وكذا .
11 - شى : عن حسين بن هارون - شيخ من أصحاب أبي جعفر - عنه عليه السلام قال :
سمعته يقرأ هذ الآية : " وآتيكم من كل ما سألتموه " قال : ثم قال أبوجعفر عليه السلام :
الثوب والشئ لم تسأله إياه أعطاك .
12 - يج : قال أبوهاشم : سمعت أبا محمد يقول : إن الله ليعفو يوم القيامة عفوا
يحيط على العباد ، ( 3 ) حتى يقول أهل الشرك : " والله ربنا ما كنا مشركين " فذكرت
* ( هامش ) * ( 1 ) بالنون والفاء مصغرا ، هو جبير بن نفير بن مالك الحضرمي ، وثقه ابن حجر وقال : جليل من
الثانية ، مخضرم ولابيه صحبة ، مات سنة 80 وقيل : بعدها .
( 2 ) بالنون المفتوحة والواو المشددة ، هو ابن سمعان بن خالد الكلابى أو الانصارى ،
صحابى مشهور ، سكن الشام ، قاله ابن حجر . ويوجد ذكره في باب أصحاب النبى صلى الله عليه و
آله وسلم من رجال الشيخ .
( 3 ) في الخرائج المطبوع هكذا : عفوا لا يخطر على بال العباد . [ * ]
[ 7 ]
في نفسى حديثا حدثني به رجل من أصحابنا من أهل مكة : أن رسول الله صلى الله عليه واله قرأ ( 1 ) :
" إن الله يغفر الذنوب " فقال الرجل : ومن أشرك ؟ ( 2 ) فأنكرت ذلك وتنمرت ( 3 )
للرجل فأنا أقول في نفسي إذ أقبل علي فقال : " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون
ذلك لمن يشاء " بئسما قال هذا ، ( 4 ) وبئسما روى ! . " ص 109 "
13 - شى : عن أبي معمر السعدي قال : قال علي بن أبي طالب عليه السلام في قوله :
" إن ربي على صراط مستقيم " : يعني أنه على حق يجزي بالاحسان إحسانا وبالسيئ
سيئا ، يعفو عمن يشاء ويغفر سبحانه وتعالى .
14 - نوادر الراوندى : بإسناده عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول
الله صلى الله عليه وآله قال الله : إني لاستحيي من عبدي وأمتى يشيبان في الاسلام ثم اعذبهما .
15 - دعوات الراوندى : روي أن في العرش تمثالا لكل عبد فإذا اشتغل العبد
بالعبادة رأت الملائكه تمثاله ، وإذا اشتغل العبد بالمعصية أمر الله بعض الملائكة حتى
يحجبوه بأجنحتهم لئلا تراه الملائكة ، فذلك معنى قوله صلى الله عليه واله : يامن أظهر الجميل وستر
القبيح .
16 - وقال الصادق عليه السلام : سمعت الله يقول : " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث
الله من يموت " أفتراك يجمع بين أهل القسمين في دار واحدة وهي النار ؟ .
17 - عدة : عن النبي صلى الله عليه واله قال : ينادي مناد يوم القيامة تحت ا لعرش : يا امة
محمد ما كان لي قبلكم فقد وهبته لكم ، وقد بقيت التبعات ( 5 ) بينكم فتواهبوا وادخلوا
الجنة برحمتي .
أقول : سيأتي الاخبار في ذلك في أبواب الحشر .
فائدة : قال العلامة الدواني في شرح العقائد : المعتزلة والخوارج أوجبوا عقاب
صاحب الكبيرة إذا مات بلا توبة ، وحرموا عليه العفو ، واستدلوا عليه بأن الله تعالى
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : قد قرأ . م ( 2 ) في نسخة : ومن المشرك .
( 3 ) أى تنكرت وتغيرت . وفى الخرائج المطبوع : وهمزت للرجل ، وانتهرت الرجل خ ل .
( 4 ) في المصدر : قال ذلك الرجل : م
( 5 ) التبعة : ما يترتب على الفعل من الخير أو الشر ، الا أن استعماله في الشر أكثر ، وهو المراد ههنا . [ * ]
[ 8 ]
أو عد مرتكب الكبيرة بالعقاب ، فلو لم يعاقب لزم الخلف في وعده والكذب في خبره ،
وهما محالان . ثم قال بعد ذكر أجوبة مردودة : الوجه في الجواب ما أشرنا إليه سابقا
من أن الوعد والوعيد مشروطان بقيود وشروط معلومة من النصوص ، فيجوز التخلف
بسبب انتفاء بعض تلك الشروط ، وأن الغرض منها إنشاء الترغيب والترهيب .
ثم قال : واعلم أن بعض العلماء ذهب إلى أن الخلف في الوعيد جائز على الله
تعالى ، وممن صرح به الواحدي في التفسير الوسيط في قوله تعالى في سورة النساء : " ومن
يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم " ( 1 ) الآية ، حيث قال : والاصل في هذا أن الله تعالى
يجوز أن يخلف الوعيد وإن كان لا يجوز أن يخلف الوعد ، وبهذا وردت السنة عن رسول
الله صلى الله عليه واله فيما أخبرنا أبوبكر أحمد بن محمد الاصبهاني ، حدثنا زكريا بن يحيى الساجي ،
وأبوجعفر السلمي ، وأبويعلى الموصلى قالوا : حدثنا هدبة بن خالد ، حدثنا سهل بن
أبي حزم ، حدثنا ابن الميالي ، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه واله قال : من وعده
الله على عمله ثوابا فهو منجز له ، ومن أوعده على عمله عقابا فهو بالخيار .
وأخبرنا أبوبكر ، حدثنا محمد بن عبدالله بن حمزة ، حدثنا أحمد بن الخليل الاصمعي ،
قال : جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن العلاء وقال : يا أبا عمرو يخلف الله ما وعده ؟ قال : لا
قال : أفرأيت من أوعده الله على عمل عقابا أيخلف الله وعيده فيه ؟ فقال أبوعمرو : من
العجمة أتيت يا أبا عثمان ، إن الوعد غير الوعيد ، إن العرب لا يعد عيبا ولا خلفا أن يعد شرا
ثم لم يفعله ، بل يرى ذلك كرما وفضلا ، وإنما الخلف أن يعد خيرا ثم لم يفعله . ( 2 ) قال :
فأوجدني هذا العرب ؟ قال : نعم ، أما سمعت قول الشاعر :
* ( هامش ) * ( 1 ) النساء : 93 .
( 2 ) وهذا مما اشتبه فيه الامر على أبى عمرو فعد حكم المعنى حكما للفظ حتى أنشد فيه الشعر
مع أن البحث عقلى لا لفظى واى ربط لمسألة خلف الوعيد باللغة حتى يختلف الحكم بالعربية والعجمية ؟
ولهذا الاشتباه نظائر كثيرة في الابحاث الكلامية يعثر عليه المتتبع ، وحقيقة الامر أن الوفاء بالوعد
واجب بحسب قضاء الفطرة غير أن كرامة النفس ونشر الرحمة ربما يحكمان على هذا الحكم بحسب
المصلحة فيقدمان عليه أثرا وهو العفو عند المجازاة من غير أن يبطلا أصل الامر والنهى حتى يعود إلى
التناقض أو ما يشبهه فافهم ذلك . ط [ * ]
[ 9 ]
وإني إذا أوعدته أو وعدته * لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
والذي ذكره أبوعمرو مذهب الكرام ، ومستحسن عند كل أحد خلف الوعيد ،
كما قال السري الموصلي :
إذا وعد السراء أنجز وعده * وإن أوعد الضراء فالعفو مانعه
وأحسن يحيى بن معاذ في هذا المعنى حيث قال : الوعد والوعيد حق ، فالوعد
حق العباد على الله تعالى ، إذ من ضمن أنهم إذا فعلوا ذلك أن يعطيهم كذا فالوفاء حقهم
عليه ، ومن أولى بالوفاء من الله ؟ والوعيد حق على العباد ، قال : لا تفعلوا كذا فاعذبكم ،
ففعلوا فإن شاء عفا وإن شاء أخذ لانه حقه وهو أولى بالعفو والكرم ، إنه غفور
رحيم . انتهى لفظه .
وقيل : إن المحققين على خلافه ، كيف وهو تبديل للقول ؟ وقد قال الله تعالى " ما يبدل
القول لدي وما أنا بظلام للعبيد " . ( 1 )
قلت : إن حمل آيات الوعيد على إنشاء التهديد فلا خلف لانه حينئذ ليس خبرا
بحسب المعنى ، وإن حمل على الاخبار كما هو الظاهر فيمكن أن يقال : بتخصيص المذنب
المغفور عن عمومات الوعيد بالدلائل المنفصلة ، ولا خلف على هذا التقدير أيضا ، فلا يلزم
تبدل القول ، وأما إذا لم نقل بأحد هذين الوجهين فيشكل التفصي عن لزوم التبدل
والكذب ، اللهم إلا أن يحمل آيات الوعيد على استحقاق ما أوعد به ، لا على وقوعه
بالفعل وفي الآية المذكورة إشارة إلى ذلك حيث قال : " فجزاؤه جهنم خالدا فيها " انتهى .
وقال الشيخ المفيد قدس الله روحه في كتاب العيون والمحاسن : حكى أبوالقاسم
الكعبي في كتاب الغرر عن أبي الحسين الخياط قال : حدثني أبومجالد قال : مر


............................................................................
-بحار الانوار جلد: 6 من صفحه 9 سطر 20 إلى صفحه 17 سطر 2

أبوعمرو بن العلاء بعمرو بن عبيد وهو يتكلم في الوعيد قال : إنما أتيتم من العجمة لان
العرب لا يرى ترك الوعيد ذما ، وإنما يرى ترك الوعد ذما ، وأنشد :
وإني وإن أوعدته ووعدته * لاخلف إيعادي وانجز موعدي
قال : فقال له عمرو : أفليس تسمى تارك الايعاد مخلفا ؟ قال : بلى ، قال : فتسمي
* ( هامش ) * . ( 1 ) ق : 29 . [ * ]
[ 10 ]
الله تعالى مخلفا إذا لم يفعل ما أوعده ؟ قال : لا ، قال : فقد أبطلت شهادتك .
قال الشيخ رحمه الله : ووجدت أبا القاسم قد اعتمد على هذا الكلام واستحسنه
ورأيته قد وضعه في أماكن شتى من كتبه ، واحتج به على أصحابنا الراجئة ، فيقال له
إن عمرو بن عبيد ذهب عن موضع الحجة في الشعر ، وغالط أبا عمرو بن العلاء ، وجهل
موضع المعتمد من كلامه وذلك أنه إذا كانت العرب والعجم وكل عاقل يستحسن العفو
بعد الوعيد ولا يعقلون بصاحبه ذما فقد بطل أن يكون العفو من الله تعالى مع الوعيد
قبيحا لانه لو جاز أن يكون منه قبيحا ما هو حسن في الشاهد عند كل عاقل لجاز أن
يكون منه حسنا ما هو قبيح في الشاهد عند كل عاقل ، وهذا نقض العدل والمصير إلى
قول أهل الجور والجبر ، مع أنه إذا كان العفو مستحسنا مع الخلف فهو أولى بأن يكون
حسنا مع عدم الخلف ، ونحن إذا قلنا : إن الله سبحانه يعفو مع الوعيد فإنما نقول :
إنه توعد بشرط يخرجه من الخلف في وعيده لانه حكيم لا يبعث ، وإذا كان حسن
العفو في الشاهد منا يغمر قبح الخلف حتى يسقط الذم عليه ، وهو لو حصل في موضع لم
يجزيه العفو ، أو ما حاصل في معناه من الحسن لكان الذم عليه قائما ، ويجعل وجود
الخلف كعدمه في ارتفاع اللوم عليه فهو في إخراج الشرط المشهور عن القبح إلى صفة
الحسن وإيجاب الحمد والشكر لصاحبه أحرى وأولى من إخراجه الخلف عما كان يستحق
عليه من الذم عند حسن العفو وأوضح في باب البرهان ، وهذا بين لمن تدبره .
وشئ آخر وهو أنا لا نطلق على كل تارك للايعاد الوصف بأنه مخلف لانه
يجوز أن يكون قد شرط في وعيده شرطا أخرجه به عن الخلف ، وإن أطلقنا ذلك في
البعض فلاحاطة العلم به ، أو عدم الدليل على الشرط فنحكم على الظاهر ، فإن كان أبو
عمرو بن العلاء أطلق القول في الجواب إطلاقا فإنما أراد به الخصوص دون العموم ، وتكلم
على معنى البيت الذي استشهد به ، وما رأيت أعجب من متكلم يقطع على حسن معنى
مع مضامته لقبيح ويجعل حسنه مسقطا للذم على القبيح ، ثم يمتنع من حسن ذلك المعنى
مع تعريه من ذلك القبيح ثم يفتخر بهذه النكتة عند أصحابه ويستحسن احتجاجه
المؤدي إلى هذه المناقضة ، ولكن العصبية ترين القلوب .
[ 11 ]
( باب 20 )
* ( التوبة وأنواعها وشرائطها ) *
الايات ، البقرة " 2 " فتلقى آدم من ربه كلمات ( 1 ) فتاب عليه إنه هو التواب
الرحيم 37 " وقال تعالى " : وإذ قال موسى لقومه ياقوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم
العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم
إنه هو التواب الرحيم 54 " وقال " : وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم
128 " وقال تعالى " : إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فاولئك أتوب عليهم وأنا التواب
الرحيم 160 " وقال تعالى " : إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين 222 " وقال تعالى " :
وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم 279 .
آل عمران " 3 " إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم 89
" وقال تعالى " : ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون 128 .
النساء " 4 " واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن
الله كان توابا رحيما * إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون
من قريب فاولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما * وليست التوبة للذين
يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون
وهم كفار اولئك أعتدنا لهم عذابا اليما 16 - 18 " وقال تعالى " : يريد الله ليبين لكم و
يهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله حكيم * والله يريد أن يتوب
عليكم 26 - 27 " وقال تعالى " : إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله
فاولئك مع المؤمنين 146 .
المائدة " 5 " ولهم في الآخرة عذاب عظيم * إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم
فاعلموا أن الله غفور رحيم 33 - 34 " وقال تعالى " : فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن
* ( هامش ) * ( 1 ) تلقى الكلمات : استقبالها بالاخذ والقبول والعمل بها ، أى أخذها من ربه على سبيل الطاعة
ورغب إلى الله فيها . وياتى الكلمات في محله . [ * ]
[ 12 ]
الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم 39 " وقال تعالى " : وحسبوا أن لا تكون فتنة فعموا
وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون 71 " وقال
تعالى " : أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم 74 .
الانعام " 6 " وإذا جائك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم
على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوء بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور
رحيم 54 .
الاعراف " 7 " فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين 143
" وقال تعالى " : والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها
لغفور رحيم 153 .
التوبة " 9 " فإن تبتم فهو خير لكم 3 " وقال تعالى " : فإن تابوا وأقاموا الصلوة و
آتوا الزكوة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم 5 " وقال تعالى " : فإن تابوا وأقاموا
الصلوة وآتوا الزكوة فإخوانكم في الدين " وقال عزوجل : ويتوب الله على من يشاء 15
" وقال تعالى " : فإن يتوبوا يك خيرا لهم 74 " وقال سبحانه " : وآخرون اعترفوا
بذبوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم 102
" وقال جل شأنه " : ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات
وإن الله هو التواب الرحيم 104 " وقال تعالى " : وآخرون مرجون لامر الله إما يعذبهم
وإما يتوب عليهم 106 " وقال سبحانه " : التائبون العابدون 112 " وقال تعالى " : ثم
تاب عليهم إنه بهم رؤف رحيم 117 " وقال سبحانه " ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو
التواب الرحيم 118 .
هود " 11 " وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل
مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله 3 " وقال تعالى - ناقلا عن هود - " : ويا قوم استغفروا
ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم 52 " وقال
- ناقلا عن صالح عليه السلام - " : فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربى قريب مجيب 61 .
[ 13 ]
النحل " 6 " ثم إن ربك للذين عملو السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك
وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم 119 .
مريم " 19 " إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فاولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون
شيئا 60 .
طه " 20 " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى 82 " وقال سبحانه " :
ثم اجتبيه ربه فتاب عليه وهدى 122 .
النور " 24 " إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم 5
" وقال سبحانه " : ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم 10 " وقال تعالى :
وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون 31 .
الفرقان " 25 " إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فاولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات
وكان الله غفورا رحيما * ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا 70 - 71 .
القصص " 28 " قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور
الرحيم 16 " وقال تعالى " : فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من
المفلحين 67 .
التنزيل " 32 " قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون 29 .
الاحزاب " 32 " ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما 24
" وقال تعالى " : ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله
على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما 73 .
الزمر " 39 " وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم
لا تنصرون 54 .
المؤمن " 40 " غافر الذنب وقابل التوب 3 " وقال تعالى " : فاغفر للذين تابوا
واتبعوا سبيلك 7 .
حمعسق " 42 " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم
ما تفعلون 25 .
[ 14 ]
الاحقاف " 46 " إني تبت إليك وإني من المسلمين 15 .
الحجرات " 49 " ومن لم يتب فاولئك هم الظالمون 11 " وقال تعالى " : واتقوا الله
إن الله تواب رحيم 12 .
المجادلة " 58 " فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم 13 .
التحريم " 66 " إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ( 1 ) 4 " وقال تعالى " : قانتات
تائبات 5 " وقال سبحانه " : يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم
أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الانهار 8 .
المزمل " 73 " علم أن لن تحصوه فتاب عليكم 20 .
البروج " 85 " إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب
جهنم 10 .
النصر " 110 " واستغفره إنه كان توابا 3 .
تفسير : قال الطبرسي رحمه الله : " إلا الذين تابوا " أي ندموا على ما قدموا
وأصلحوا نياتهم فيما يستقبل من الاوقات ، " وبينوا " اختلف فيه : فقال أكثر المفسرين :
بينوا ما كتموه من البشارة بالنبي صلى الله عليه واله ، وقيل : بينوا التوبة وإصلاح السريرة بالاظهار
لذلك ، فإن من ارتكب المعصية سرا كفاه التوبة سرا ، ومن أظهر المعصية يجب عليه أن
يظهر التوبة . وقيل : بينوا التوبة بإصلاح العمل " فاولئك أتوب عليهم " أي أقبل توبتهم
" وأنا التواب الرحيم " هذه اللفظة للمبالغة ، إما لكثرة ما يقبل التوبة ، وإما لانه لا يرد
تائبا منيبا أصلا ، ووصفه نفسه بالرحيم عقيب التواب يدل على أن إسقاط العقاب بعد التوبة
تفضل من الله سبحانه ورحمة من جهته على ما قاله أصحابنا ، وإنه غير واجب عقلا على ما ذهب
* ( هامش ) * ( 1 ) قال الطبرسى رحمه الله : ثم خاطب سبحانه عائشة وحفصة فقال : " إن تتوبا إلى الله " من
التعاون على النبى صلى الله عليه وآله بالايذاء والتظاهر عليه فقد حق عليكما التوبة ووجب
عليكما الرجوع إلى الحق ، فقد " صغت " أى مالت " قلوبكما " إلى الاثم عن ابن عباس ومجاهد .
وقيل : معناه : ضاقت قلوبكما عن سبيل الاستقامة وعدلت عن الثواب إلى ما يوجب الاثم . وقيل :
تقديره : إن تتوبا إلى الله يقبل توبتكما . وقيل : إنه شرط في معنى الامر ، أى توبا إلى الله فقد
صغت قلوبكما . [ * ]
[ 15 ]
إليه المعتزلة ، فإن قالوا : قد يكون الفعل الواجب نعمة إذا كان منعما بسببه كالثواب
والعوض لما كان منعما بالتكليف وبالآلام التي يستحق بها الاعواض جاز أن يطلق
عليهما اسم النعمة ، فالجواب أن ذلك إنما قلناه في الثواب والعوض ضرورة ، ولا ضرورة
ههنا تدعو إلى ارتكابه .
وقال رحمه الله في قوله تعالى " إنما التوبة " : معناه لا توبة مقبولة على الله ، أي
عند الله إلا " للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب " واختلف في معنى قوله
بجهالة على وجوه : أحدها أن كل معصية يفعلها العبد جهالة وإن كانت على سبيل العمد
لانه يدعو إليها الجهل ويزينها للعبد ، عن ابن عباس وعطاء ومجاهد وقتادة ، وهو
المروي عن أبي عبدالله عليه السلام .
وثانيها أن معنى قوله تعالى : " بجهالة " أنهم لا يعلمون كنه ما فيه من العقوبة كما
يعلم الشئ ضرورة ، عن الفراء .
وثالثها أن معناه أنهم يجهلون أنها ذنوب ومعاص فيفعلونها ، إما بتأويل
يخطؤون فيه ، وإما بأن يفرطوا في الاستدلال على قبحها عن الجبائي . وضعف الرماني
هذا القول لانه بخلاف ما أجمع عليه المفسرون ، ولانه يوجب أن لا يكون لمن علم أنها
ذنوب توبة لان قوله : " إنما التوبة " يفيد أنها لهؤلاء دون غيرهم . وقال أبوالعالية وقتادة
أجمعت الصحابة على أن كل ذنب أصابه العبد فبجهالة . وقال الزجاج : إنما قال :
بجهالة لانهم في اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية جهال فهو جهل في الاختيار
ومعنى " يتوبون من قريب " أي يتوبون قبل الموت لان ما بين الانسان وبين الموت قريب ،
فالتوبة مقبولة قبل اليقين بالموت . وقال الحسن والضحاك وابن عمر : القريب ما لم يعاين
الموت . وقال السدي : هو ما دام في الصحة قبل المرض والموت .
وروي عن أميرالمؤمنين صلوات الله عليه أنه قيل : فإن عاد وتاب مرارا ؟ قال :
يغفر الله له ، قيل : إلى متى ؟ قال : حتى يكون الشيطان هو المحسور . وفي كتاب من لا
يحضره الفقيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله في آخر خطبة خطبها : من تاب قبل موته بسنة
تاب الله عليه ، ثم قال : وإن السنة لكثيرة من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه ، ثم قال
[ 16 ]
وإن الشهر لكثير من تاب قبل موته بيوم تاب الله عليه ، ثم قال : وإن يوما لكثير
من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه ، ثم قال : وإن الساعة لكثيرة ، من تاب وقد بلغت
نفسه هذه - وأهوى بيده إلى حلقه - تاب الله عليه . " ص 32 "
وروى الثعلبي بإسناده عن عبادة بن الصامت ، عن النبي صلى الله عليه واله هذا الخبر بعينه
إلا أنه قال في آخره : وإن الساعة لكثيرة من تاب قبل أن يغرغر بها تاب الله عليه .
وروى أيضا بإسناده عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله : لما هبط إبليس
قال : وعزتك وجلالك وعظمتك لا افارق ابن آدم حتى تفارق روحه جسده ، فقال
الله سبحانه : وعزتي وجلالي وعظمتي لا أحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغر بها .
" فاولئك يتوب الله عليهم " أي يقبل توبتهم ، " وكان الله عليما " بمصالح العباد " حكيما "
فيما يعاملهم به ، " وليست التوبة " المقبولة التي تنفع صاحبها " للذين يعملون
السيئات " أي المعاصي ويصرون عليها ويسوفون التوبة " حتى إذا حضر أحدهم الموت "
أي أسبابه : من معاينة ملك الموت ، وانقطع الرجاء من الحياة وهو حال اليأس التي لا يعلمها
أحد غير المحتضر " قال إني تبت الآن " أي فليس عند ذلك توبة . وأجمع أهل التأويل
على أن هذه قد تناولت عصاة أهل الاسلام ، إلا ما روي عن الربيع أنه قال : إنها في
المنافقين ، وهذا لا يصح لان المنافقين من جملة الكفار ، وقد بين الكفار بقوله :
" ولا الذين يموتون وهم كفار " أي وليست التوبة أيضا للذين يموتون على الكفر
ثم يندمون بعد الموت " اولئك أعتدنا " أي هيأنا " لهم عذابا أليما " أي موجعا . إنما
لم يقبل الله عز اسمه التوبة في حال البأس واليأس من الحياة لانه يكون العبد
ملجئا هناك إلى فعل الحسنات وترك القبائح فيكون خارجا من حد التكليف إذ لا يستحق
على فعله المدح ولا الذم ، وإذا زال عنه التكليف لم تصح منه التوبة ، ولهذا لم يكن
أهل الآخرة مكلفين ولا تقبل توبتهم . انتهى كلامه رفع الله مقامه .
أقول : قال بعض المفسرين : ومن لطف الله بالعباد أن أمر قابض الارواح بالابتداء
في نزعها من أصابع الرجلين ، ثم يصعد شيئا فشيئا إلى أن تصل إلى الصدر ، ثم تنتهي
إلى الحلق ليتمكن في هذه المهلة من الاقبال بالقلب على الله تعالى ، والوصية والتوبة ما
[ 17 ]
لم يعاين والاستحلال وذكر الله تعالى ، فيخرج روحه وذكر الله على لسانه فيرجى بذلك
حسن خاتمته ، رزقنا الله ذلك بمنه وكرمه .


............................................................................
-بحار الانوار جلد: 6 من صفحه 17 سطر 3 إلى صفحه 25 سطر 3

قوله تعالى : " قل يوم الفتح " قال المفسرون : أي يوم القيامة فإنه يوم نصر
المسلمين على الكفرة ، والفصل بينهم . وقيل : يوم بدر ، أو يوم فتح مكة ، والمراد
بالذين كفروا المقتولون منهم فيه فإنه لا ينفعهم إيمانهم حال القتل ولا يمهلون .
ثم اعلم أن المفسرين اختلفوا في تفسير التوبة النصوح على أقوال :
منها أن المراد توبة تنصح الناس أي تدعوهم إلى أن يأتوا بمثلها ، لظهور آثارها
الجميلة في صاحبها ، أو ينصح صاحبها فيقلع عن الذنوب ثم لا يعود إليها أبدا .
ومنها أن النصوح ما كانت خالصة لوجه الله سبحانه من قولهم ، عسل نصوح :
إذا كان خالصا من الشمع ، بأن يندم على الذنوب لقبحها ، وكونها خلاف رضى الله
تعالى لا لخوف النار مثلا
ومنها أن النصوح من النصاحة وهي الخياطة لانها تنصح من الدين ما مزقته
الذنوب ، أو يجمع بين التائب وبين أوليائه وأحبائه ، كما تجمع الخياطة بين قطع
الثوب . ( 1 )
ومنها أن النصوح وصف للتائب ، وإسناده إلى التوبة من قبيل الاسناد المجازي
أي توبة تنصحون بها أنفسكم بأن تأتوا بها على أكمل ما ينبغي أن تكون عليه ، حتى
تكون قالعة لآثار الذنوب من القلوب بالكلية ، وسيأتي في الاخبار تفسيرها ببعض
تلك الوجوه .
* ( هامش ) * ( 1 ) أو من نصح الغيث البلد : إذا سقاه حتى اتصل نبته فلم يكن فيه فضاء ، لان التوبة تسقى
وتحيى القلب الميت بارتكاب المعاصى والمحرمات ، وتصفيه من الكدورات العارضة من مزاولة
القبائح والمنكرات ، وتصقله وتجلوه عن رين الشبهات ، فتحيط به وتشغله ولم تترك فيه محلا للعزم
على الرجوع ، والعود إلى المحظور . وقيل : توبة نصوح أى صادقة . وقال الجزرى في النهاية :
وفى حديث ابي : سألت النبى صلى الله عليه وآله وسلم عن التوبة النصوح ، فقال : هى الخالصة
التى لا يعاود بعدها الذنب . وفعول من أبنية المبالغة يقع على الذكر والانثى ، فكأن الانسان
بالغ في نصح نفسه بها .
[ 18 ]
ثم اعلم أن من القوم من استدل بالخبر الذي نقله من الفقيه على جواز النسخ
قبل الفعل لانه عليه السلام نسخ السنة بالشهر ، والشهر باليوم ، وفيه نظر إذ يمكن أن يكون
هذا التدريج لبيان اختلاف مراتب التوبة ، فإن التوبة الكاملة هي ما كانت قبل الموت
بسنة ليأتي منه تدارك لما فات منه من الطاعات ، وإزالة لما أثرت فيه الذنوب من
الكدورات والظلمات ، ثم إن لم يتأت منه ولم يمهل لذلك فلابد من شهر لتدارك
شئ مما فات ، وإزالة قليل من آثار السيئات وهكذا ، وأما توبة وقت الاحتضار فهي
لاهل الاضطرار . والغرغرة : تردد الماء وغيره من الاجسام المائعة في الحلق ، والمراد هنا
تردد الروح وقت النزع .
1 - ك : أبي ، عن سعد ، وعبدالله بن جعفر الحميري ، عن أيوب بن نوح ، عن الربيع
ابن محمد المسلي ، وعبدالله بن سليمان العامري ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : ما زالت الارض
إلا ولله تعالى ذكره فيها حجة يعرف الحلال والحرام ، ويدعو إلى سبيل الله عزوجل ،
ولا تنقطع الحجة من الارض إلا أربعين يوما قبل القيامة ، فإذا رفعت الحجة
اغلقت أبواب التوبة ، ولم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أن ترفع الحجة ،
اولئك شرار من خلق الله وهم الذين تقوم عليهم القيامة . " ص 133 "
2 - كا : علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل بن دراج ، عن بكير ، عن أبي
عبدالله ، أو عن أبي جعفر عليهما السلام قال : إن آدم عليه السلام قال : يارب سلطت علي الشيطان و
اجريته مني مجرى الدم ( 1 ) فاجعل لي شيئا ، فقال : يا آدم جعلت لك أن من هم من
* ( هامش ) * ( 1 ) روى العامة أيضا ( ان الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم ) قال بعضهم : ذهب قوم
ممن ينتمى إلى ظاهر العلم إلى أن المراد به أن الشيطان لا يفارق ابن آدم ما دام حيا ، كما
لا يفارقه دمه ، وحكى هذا عن الازهرى ، وقال : هذا طريق ضرب المثل ، والجمهور من علماء
الامة أجروا ذلك على ظاهره ، وقالوا : إن الشيطان جعل له هذا القدر من التطرق إلى باطن
الادمي بلطافة هيئته ، لمحنة الابتلاء ، ويجري في العروق التي هي مجاري الدم من الادمي إلى
ان يصل إلى قلبه فيوسوسه على حسب ضعف إيمان العبد وقلة ذكره وكثرة غفلته ، ويبعد عنه ويقل
تسلطه وسلوكه إلى باطنه بمقدار قوة إيمانه ويقظته ودوام ذكره وإخلاص عمله ، وما رواه المفسرون
عن ابن عباس قال : ( ان الله جعل الشياطين من بنى آدم مجرى الدم ، وصدور بنى آدم مساكن لهم ) * [ * ]
[ 19 ]
ذريتك بسيئة لم تكتب عليه ، فإن عملها كتبت عليه سيئة ، ومن هم منهم بحسنة فإن
لم يعملها كتبت له حسنة ، وإن هو عملها كتبت له عشرا . قال : يارب زدني ، قال :
جعلت لك أن من عمل منهم سيئة ثم استغفر غفرت له ، قال : يارب زدني ، قال : جعلت
لهم التوبة وبسطت لهم التوبة ( 1 ) حتى تبلغ النفس هذه ، قال : يارب حسبي . " ج 2 ص 44 "
ين : ابن أبي عمير مثله .
3 - يه : سئل الصادق عليه السلام عن قول الله عزوجل : " وليست التوبة للذين يعملون
السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن " قال : ذلك إذا عاين أمر
الآخرة . " ص 32 "
4 - كا : العدة ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن فضال ، عمن ذكره ، عن أبي عبدالله عليه السلام
قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله : من تاب قبل موته بسنة قبل الله توبته ، ثم قال : إن السنة
لكثيرة من تاب قبل موته بشهر قبل الله توبته ، ثم قال : إن الشهر لكثير من تاب قبل
موته بجمعة قبل الله توبته ، ثم قال : إن الجمعة لكثيرة من تاب قبل موته بيوم قبل
الله توبته ، ثم قال : إن اليوم لكثير ( 2 ) من تاب قبل أن يعاين قبل الله توبته . " ج 2 ص 44 "
5 - دعوات الراوندى : قال النبي صلى الله عليه واله إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر ،
توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا ، وبادروا بالاعمال الزاكية قبل أن تشتغلوا ، وصلوا الذي
بينكم وبينه بكثرة ذكركم إياه .
6 - ف ، لى : عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : لا شفيع أنجح من التوبة .
" ص 93 ، ص 193 "
* ( هامش ) * * يؤيد لما ذهب إليه الجمهور ، وهم يسمون وسوسته لمة الشيطان . ومن ألطافه تعالى أنه هيأ ذوات
الملائكة على ذلك الوصف من أجل لطافتهم ، وأعطاهم قوة الحفظ لبنى آدم وقوة الالمام في بواطنهم
وتلقين الخير لهم في مقابلة لمة الشيطان ، كما روى أن للملك لمة بابن آدم ، وللشيطان لمة ،
لمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق ، ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق . قاله المصنف
في شرحه على الكافى .
( 1 ) في الكافي : أو قال : بسطت .
( 2 ) في المصدر : إن يوما لكثير . م [ * ]
[ 20 ]
لى : أبي ، عن سعد ، عن ابن عيسى ، عن ابن المغيرة ، عن طلحة بن زيد ، عن
أبي عبدالله عليه السلام قال : مر عيسى بن مريم عليه السلام على قوم يبكون فقال : على ما يبكي هؤلاء ؟
فقيل : يبكون على ذنوبهم ، قال : فليدعوها يغفر لهم . " ص 297 "
ثو : أبي ، عن محمد بن يحيى ، عن الحسين بن إسحاق ، عن علي بن مهزيار ، عن
الحسين بن سعيد ، عن محمد بن خالد ، عن ابن المغيرة مثله . " ص 129 "
8 - فس : الحسين بن محمد ، عن محمد بن الفضيل ، عن أبي الحسن عليه السلام في قول الله :
" يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا " قال : يتوب العبد ثم لا يرجع فيه ،
وأحب ( 1 ) عباد الله إلى الله المتقي التائب . ( 2 ) " ص 688 "
9 - ل : أبي ، عن سعد ، عن ابن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن علي الجهضمي ، عن
أبي جعفر عليه السلام قال : كفى بالندم توبة . " ج 1 ص 11 "
بيان : إذ الندامة الصادقة تستلزم العزم على الترك في المستقبل غالبا ، أو المعنى
أنه فرد من التوبة وإن لم يؤثر ما تؤثر التوبة الكاملة .
10 - ل : حمزة العلوي ، عن علي ، عن أبيه ، عن ابن معبد ، عن عبدالله بن القاسم ،
عن عبدالله بن سنان ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : قال النبي صلى الله عليه واله : يلزم لامتي
في أربع : يحبون التائب ، ويرحمون الضعيف ، ويعينون المحسن ، ويستغفرون
للمذنب . ( 3 ) ج 1 ص 114
11 - ل : أبي ، عن سعد ، عن النهدي ، عن ابن محبوب ، عن ابن رئاب ، عن
الحلبي قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : إن المؤمن لا تكون سجيته ( 4 ) الكذب ،
ولا البخل ، ولا الفجور ، ولكن ربما ألم ( 5 ) بشئ من هذا لا يدوم عليه . فقيل له :
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : وان احب .
( 2 ) في نسخة : المفتن التواب . وفى اخرى : المتقى الثابت .
( 3 ) في نسخة : للذنب .
( 4 ) السجية : الطبيعة والخلق .
( 5 ) ألم : باشر اللمم أى صغار الذنوب . [ * ]
[ 21 ]
أفيزني ؟ قال نعم ، هو مفتن تواب ، ولكن لا يولد له من تلك النطفة . " ج 1 ص 64 "
12 - ل : العسكري ، عن بدر بن الهيثم ، عن علي بن منذر ، عن محمد بن الفضيل
عن أبي الصباح قال : قال جعفر بن محمد عليهما السلام ، من اعطي أربعا لم يحرم أربعا : من اعطي
الدعاء لم يحرم الاجابة ، ومن اعطي الاستغفار لم يحرم التوبة ، ومن اعطي الشكر لم
يحرم الزيادة ، ومن اعطي الصبر لم يحرم الاجر . " ج 1 ص 94 "
13 - ل : العطار : عن سعد ، عن البرقي ، عن أبيه ، عن يونس ، عن عمرو بن
أبى المقدام ، عن أبي عبدالله ، عن أبيه عليهما السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله :
أربع من كن فيه كان في نور الله الاعظم : من كانت عصمة أمره شهادة أن لا إله إلا
الله وأني رسول الله ، ومن إذا أصابته مصيبة قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ومن
إذا أصاب خيرا قال : الحمد لله رب العالمين ، ومن إذا أصاب خطيئة قال : أستغفر الله و
أتوب إليه . " ج 1 ص 105 - 106 "
14 - ل : الاربعمائة قال أمير المؤمنين عليه السلام : توبوا إلى الله عزوجل
وادخلوا في محبته ، فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ، والمؤمن
تواب . " ج 2 ص 162 "
15 - ن : بالاسانيد الثلاثة عن الرضا ، عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول
الله صلى الله عليه واله : مثل المؤمن عند الله عزوجل كمثل ملك مقرب ، وإن المؤمن عند الله
عزوجل أعظم من ذلك ، وليس شئ أحب إلى الله من مؤمن تائب ، أو مؤمنة
تائبة . " ص 198 "
صح : عن الرضا ، عن آبائه عليهم السلام مثله .
16 - ن : بالاسناد إلى دارم ، عن الرضا ، عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وآله : التائب من الذنب كمن لا ذنب له . " ص 230 "
17 - ما : المفيد ، عن محمد بن الحسين المقري ، عن عبدالله بن محمد البصري ، عن
عبدالعزيز بن يحيى ، عن موسى بن زكريا ، عن أبي خالد ، عن العيني ، عن الشعبي قال
[ 22 ]
سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام يقول : العجب ممن يقنط ومعه الممحاة ! فقيل له : وما
الممحاة ؟ قال : الاستغفار . " ص 54 "
18 - ما : بإسناد أخي دعبل ، عن الرضا ، عن آبائه عليهم السلام قال : قال أمير المؤمنين
عليه السلام تعطروا بالاستغفار لا تفضحكم روائح الذنوب . " ص 237 "
19 - مع : أبي ، عن سعد ، عن محمد بن الحسين ، عن ابن فضال ، عن ابن عقبة ، عن
أبيه ، عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله عزوجل " تم تاب عليهم " قال : هي
الاقالة . ( 1 ) " ص 65 "
20 - مع : أبي ، عن محمد العطار ، عن الاشعري ، عن أحمد بن هلال قال : سألت
أبا الحسن الاخير عليه السلام عن التوبة النصوح ما هي ؟ فكتب عليه السلام : أن يكون الباطن
كالظاهر وأفضل من ذلك . " ص 54 "
21 - مع : ابن الوليد ، عن الصفار ، عن ابن عيسى ، عن موسى بن القاسم ، عن
البطائني ، عن أبي بصير ، عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله عزوجل : " توبوا إلى الله توبة
نصوحا " قال : هو صوم الاربعاء ( 2 ) والخميس والجمعة . " ص 54 "
قال الصدوق رحمه الله : معناه أن يصوم هذه الايام ثم يتوب .
22 - مع : ابن المتوكل ، عن علي بن إبراهيم ، عن اليقطيني ، عن يونس ، عن
عبدالله بن سنان وغيره ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : التوبة النصوح هو أن يكون باطن الرجل
كظاهره وأفضل . " ص 54 "
23 - وقد روي أن توبة النصوح ( 3 ) هو أن يتوب الرجل من ذنب وينوي أن لا يعود
إليه أبدا . " ص 54 "
24 - فس : " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه
* ( هامش ) * ( 1 ) أي هى الصفح عنه والاعراض عن ذنبه .
( 2 ) في المصدر : يوم الاربعاء ويوم في الخميس ويوم في الجمعة . م
( 3 ) في المصدر . ان التوبة النصوح . م [ * ]
[ 23 ]
ولعنه وأعد له عذابا عظيما " قال : من قتل مؤمنا على دينه لم تقبل توبته ، ومن قتل
نبيا أو وصي نبي فلا توبة له لانه لا يكون مثله فيقاد به ، ( 1 ) وقد يكون الرجل بين
المشركين واليهود والنصارى يقتل رجلا من المسلمين على أنه مسلم فإذا دخل في الاسلام
محاه الله عنه لقول رسول الله صلى الله عليه واله : الاسلام يجب ما كان قبله - أي يمحوا - لان
أعظم الذنوب عند الله هو الشرك بالله ( 2 ) فإذا قبلت توبته في الشرك قبلت فيما سواه ، فأما
قول الصادق عليه السلام ليست له توبة فإنه عنى من قتل نبيا أو وصيا فليست له توبة لانه
لا يقاد أحد بالانبياء وبالاوصياء إلا الاوصياء والانبياء ، والانبياء والاوصياء لا يقتل
بعضهم بعضا ، وغير النبي والوصي لا يكون مثل النبي والوصي فيقاد به ، وقاتلهما لا يوفق
بالتوبة . " ص 136 " .
25 - ع ، ن : ابن عبدوس ، عن ابن قتيبة ، عن حمدان بن سليمان ، عن إبراهيم بن
محمد الهمدانى قال : قلت للرضا عليه السلام : لاي علة أغرق الله فرعون وقد آمن به وأقر
بتوحيده ؟ قال : لانه آمن عند رؤية البأس ، والايمان عند روية البأس غير مقبول ،
وذلك حكم الله تعالى ذكره في السلف والخلف ، قال الله عزوجل : " فلما رأوا بأسنا قالوا
آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا " وقال
عزوجل : " يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت
في إيمانها خيرا " وهكذا فرعون لما أدركه الغرق قال : " آمنت أنه لا إله إلا الذي
آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين " فقيل له : " الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين "
الخبر " ص 31 ، ص 232 - 233 "
26 - لى : الطالقاني ، عن أحمد الهمداني ، عن أحمد بن صالح ، عن موسى بن
داود ، عن الوليد بن هشام ، عن هشام بن حسان ، عن الحسن بن أبي الحسن البصري ،
عن عبدالرحمن بن غنم الدوسي قال : دخل معاذ بن جبل على رسول الله صلى الله عليه واله باكيا
فسلم فرد عليه السلام ثم قال : ما يبكيك يامعاذ ؟ فقال : يا رسول الله إن بالباب شابا
* ( هامش ) * ( 1 ) في النهاية : اى لا يكون مثله فيقتل به بدلا منه . م
( 2 ) في المصدر : الا ان اعظم الذنوب عند الله هو الشرك بالله . م [ * ]
[ 24 ]
طري الجسد ، ( 1 ) نقي اللون ، حسن الصورة ، يبكي على شبابه بكاء الثكلى على ولدها ،
يريد الدخول عليك ، فقال النبي صلى الله عليه واله : ادخل علي الشاب يا معاذ ، فأدخله عليه فسلم
فرد عليه السلام ، ثم قال : ما يبكيك ياشاب ؟ قال : كيف لا أبكي وقد ركبت ذنوبا ( 2 ) إن
أخذني الله عزوجل ببعضها أدخلني نار جهنم ؟ ولا أراني إلا سيأخذني بها ولا يغفر لي
أبدا ، فقال رسول الله صلى الله عليه واله : هل أشركت بالله شيئا : قال : أعوذ بالله أن اشرك بربي
شيئا ، قال : أقتلت النفس التي حرم الله ؟ قال : لا ، فقال النبي صلى الله عليه واله : يغفر الله لك ذنوبك
وإن كانت مثل الجبال الرواسي ، ( 3 ) فقال الشاب : فإنها أعظم من الجبال الرواسي ،
فقال النبي صلى الله عليه واله : يغفر الله لك ذنوبك وإن كانت مثل الارضين السبع وبحارها ورمالها
وأشجارها وما فيها من الخلق ، قال : فإنها أعظم من الارضين السبع وبحارها ورمالها
وأشجارها وما فيها من الخلق ! فقال النبي صلى الله عليه واله : يغفر الله لك ذنوبك وإن كانت مثل
السماوات ونجومها ومثل العرش والكرسي ، قال : فإنها أعظم من ذلك ، قال : فنظر
النبي صلى الله عليه واله إليه كهيئة الغضبان ثم قال : ويحك ( 4 ) ياشاب ذنوبك أعظم أم ربك ؟
فخر الشاب لوجهه وهو يقول : سبحان ربي ما شئ أعظم من ربي ، ربي أعظم يانبي الله
من كل عظيم ، فقال النبي صلى الله عليه واله : فهل يغفر الذنب العظيم إلا الرب العظيم ؟ قال الشاب :
لا والله يا رسول الله ، ثم سكت الشاب فقال له النبي صلى الله عليه واله : ويحك ياشاب ألا تخبرني
بذنب واحد من ذنوبك ؟ قال : بلى اخبرك : إني كنت أنبش القبور سبع سنين ، أخرج
الاموات ، وأنزع الاكفان ، فماتت جارية من بعض بنات الانصار فلما حملت إلى قبرها
ودفنت وانصرف عنها أهلها وجن عليهم الليل أتيت قبرها فنبشتها ثم استخرجتها
ونزعت ما كان عليها من أكفانها وتركتها متجردة على شفير قبرها ، ومضيت منصرفا
* ( هامش ) * ( 1 ) طرى الغصن أو اللحم غضا لينا فهو طرى .
( 2 ) أى اقترفتها .
( 3 ) الرواسي : الجبال الثوابت الرواسخ .
( 4 ) كلمة ترحم وتوجع ، وقد يأتى بمعنى المدح والتعجب ، وقيل : إنها بمعنى الويل ، تقول :
ويح لزيد ، وويحا لزيد ، وويحه ، على الابتداء أو باضمار فعل ، كأنك قلت : ألزمه الله ويحا . [ * ]
[ 25 ]
فأتاني الشيطان فأقبل يزينها لي ، ويقول : أما ترى بطنها وبياضها ؟ أما ترى وركيها ؟ ( 1 )
فلم يزل يقول لي هذا حتى رجعت إليها ، ولم أملك نفسي حتى جامعتها وتركتها
مكانها ، فإذا أنا بصوت من ورائي يقول : ياشاب ويل ( 2 ) لك من ديان يوم الدين ،


............................................................................
-بحار الانوار جلد: 6 من صفحه 25 سطر 4 إلى صفحه 33 سطر 4

يوم يقفني وإياك كما تركتني عريانة في عساكر الموتى ، ونزعتنى من حفرتي وسلبتنى
أكفاني ، وتركتني أقوم جنبة إلى حسابى ، فويل لشبابك من النار ! . فما أظن أني
أشم ريح الجنة أبدا فما ترى لي يارسول الله ؟ فقال النبي صلى الله عليه واله : تنح عني يافاسق ،
إني أخاف أن أحترق بنارك ، فما أقربك من النار ! ثم لم يزل عليه السلام يقول ويشير إليه
حتى امعن من بين يديه ، فذهب فأتى المدينة فتزود منها ثم أتى بعض جبالها فتعبد
فيها ، ولبس مسحا ( 3 ) وغل يديه جميعا إلى عنقه ، ونادى : يارب هذا عبدك بهلول ، ( 4 )
بين يديك مغلول ، يارب أنت الذي تعرفني ، وزل مني ما تعلم سيدي ! يارب أصبحت ( 5 )
من النادمين ، وأتيت نبيك تائبا فطردني وزادني خوفا ، فأسألك باسمك وجلالك
وعظمة سلطانك أن لا تخيب رجائي ، سيدي ! ولا تبطل دعائي ولا تقنطنى من رحمتك .
فلم يزل يقول ذلك أربعين يوما وليلة ، تبكي له السباع والوحوش ، فلما تمت له
أربعون يوما وليلة رفع يديه إلى السماء ، وقال : اللهم ما فعلت في حاجتي ؟ إن كنت
استجبت دعائي وغفرت خطيئتي فأوح إلى نبيك ، وإن لم تستجب لي دعائي ولم
تغفر لي خطيئتي وأردت عقوبتي فعجل بنار تحرقني ، أو عقوبة في الدنيا تهلكني ،
وخلصني من فضيحة يوم القيامة . فأنزل الله تبارك وتعالى على نبيه صلى الله عليه واله : " والذين
إذا فعلوا فاحشة " يعني الزنا " أو ظلموا أنفسهم " يعني بارتكاب ذنب أعظم من الزنا ،
* ( هامش ) * ( 1 ) الورك بالفتح والكسر وككتف : ما فوق الفخذ ، والجمع أوراك .
( 2 ) الويل : حلول الشر . الهلاك . ويدعى به لمن وقع في هلكة يستحقها ، وكلمة عذاب وواد في
جهنم ، أو بئر أو باب لها .
( 3 ) بكسر الميم وسكون السين ما يلبس من نسيج الشعر على البدن تقشفا وقهرا للجسد .
( 4 ) لعله بمعنى المبتهل والمتضرع ، أو بمعنى الملعون ، أو كان الرجل يسمى بذلك . وأما ما في
المعاجم وكتب اللغة من أنه بمعنى الضحاك والسيد الجامع لكل خير فلا يناسب المقام .
( 5 ) في المصدر : انى اصبحت . م [ * ]
[ 26 ]
ونبش القبور ، وأخذ الاكفان " ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم " يقول : خافوا الله فعجلوا
التوبة " ومن يغفر الذنوب إلا الله " يقول عزوجل : أتاك عبدي يا محمد تائبا فطردته ،
فأين يذهب ؟ وإلى من يقصد ؟ ومن يسأل أن يغفر له ذنبا غيري ؟ ثم قال عزوجل : " ولم
يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون " يقول : لم يقيموا على الزنا ونبش القبور وأخذ
الاكفان " اولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الانهار خالدين
فيها ونعم أجر العاملين " فلما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه واله خرج وهو يتلوها
ويتبسم ، فقال لاصحابه : من يدلني على ذلك الشاب التائب ؟ فقال معاذ : يارسول
الله بلغنا أنه في موضع كذا وكذا ، فمضى رسول الله صلى الله عليه واله بأصحابه حتى انتهوا إلى
ذلك الجبل فصعدوا إليه يطلبون الشاب فإذا هم بالشاب قائم بين صخرتين ، مغلولة
يداه إلى عنقه ، قد اسود وجهه ، وتساقطت أشفار عينيه من البكاء ، وهو يقول : سيدي :
قد أحسنت خلقي وأحسنت صورتي ، فليت شعري ماذا تريد بي ؟ أفي النار تحرقني ؟
أو في جوارك تسكنني ؟ اللهم إنك قد أكثرت الاحسان إلي وأنعمت علي ، فليت شعري
ماذا يكون آخر أمري ؟ إلى الجنة تزفني ؟ ( 1 ) أم إلى النار تسوقني ؟ اللهم إن خطيئتي
أعظم من السماوات والارض ومن كرسيك الواسع وعرشك العظيم ، فليت شعري تغفر
خطيئتي أم تفضحنى بها يوم القيامة ؟ فلم يزل يقول نحو هذا وهو يبكي ويحثو التراب
على رأسه ( 2 ) وقد أحاطت به السباع ! وصفت فوقه الطير ! وهم يبكون لبكائه ! فدنا
رسول الله صلى الله عليه واله فأطلق يديه من عنقه ، ونفض التراب عن رأسه ، وقال : يا بهلول !
أبشر فإنك عتيق الله من النار . ثم قال عليه السلام لاصحابه : هكذا تداركوا الذنوب كما
تداركها بهلول . ثم تلا عليه ما أنزل الله عزوجل فيه وبشره بالجنة . " ص 26 - 29 "
27 - ما : أبي ، عن سعد ، عن ابن عيسى ، عن محمد بن خالد ، عن أحمد بن النضر ،
عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : كان غلام من اليهود يأتي النبي صلى الله عليه واله
كثيرا حتى استخفه وربما أرسله في حاجته ، وربما كتب له الكتاب إلى قومه ،
* ( هامش ) * ( 1 ) من زف العروس إلى زوجها أى أهداها .
( 2 ) أى يصب التراب على رأسه . [ * ]
[ 27 ]
فافتقده أياما ، فسأل عنه فقال له قائل : تركته في آخر يوم من أيام الدنيا ، فأتاه
النبي صلى الله عليه واله في اناس من أصحابه - وكان له عليه السلام بركة لا يكلم أحدا إلا أجابه -
فقال : يا فلان ( 1 ) ففتح عينه وقال : لبيك يا أبا القاسم ! قال : قل : أشهد أن لا إله إلا
الله ، وأني رسول الله ، فنظر الغلام إلى أبيه فلم يقل له شيئا ، ثم ناداه رسول الله صلى الله عليه واله
ثانية وقال له مثل قوله الاول ، فالتفت الغلام إلى أبيه فلم يقل له شيئا ، ثم ناداه
رسول الله صلى الله عليه واله الثالثة فالتفت الغلام إلى أبيه ، فقال : إن شئت فقل وإن شئت فلا ، فقال
الغلام : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله ، ومات مكانه . فقال رسول الله صلى الله عليه واله
لابيه : اخرج عنا ، ثم قال عليه السلام لاصحابه : اغسلوه وكفنوه ، وآتوني به اصلي عليه ،
ثم خرج وهو يقول : الحمد لله الذي أنجى بي اليوم نسمة من النار . " ص 280 "
28 - ف : عن كميل بن زياد قال : قلت لامير المؤمنين عليه السلام : ياأمير المؤمنين العبد
يصيب الذنب فيستغفر الله منه فما حد الاستغفار ؟ قال يابن زياد : التوبة ، قلت : بس ؟ ( 2 )
قال : لا ، قلت : فكيف ؟ قال : إن العبد إذا أصاب ذنبا يقول : استغفر الله بالتحريك ،
قلت : وما التحريك ؟ قال : الشفتان واللسان يريد أن يتبع ذلك بالحقيقة ، قلت : وما
الحقيقة ؟ قال : تصديق في القلب وإضمار أن لا يعود إلى الذنب الذي استغفر منه ، قال
كميل : فإذا فعل ذلك فإنه من المستغفرين ؟ ( 3 ) قال : لا ، قال كميل : فكيف ذاك ؟
قال : لانك لم تبلغ إلى الاصل بعد ، قال كميل : فأصل الاستغفار ما هو ؟ قال : الرجوع
إلى التوبة من الذنب الذي استغفرت منه ، وهي أول درجة العابدين ، وترك الذنب ،
والاستغفار اسم واقع لمعان ست :
أولها الندم على ما مضى ، والثاني العزم على ترك العود أبدا ، والثالث أن تؤدي
حقوق المخلوقين التي بينك وبينهم ، والرابع أن تؤدي حق الله في كل فرض ، والخامس
أن تذيب اللحم الذي نبت على السحت والحرام حتى يرجع الجلد إلى عظمه ، ثم
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : ياغلام . م
( 2 ) أى حسب وكفاية ، كلمة مأخوذة من الفارسية .
( 3 ) في المصدر : فاذا فعلت ذلك فأنا من المستغفرين ؟ . م [ * ]
[ 28 ]
تنشئ فيما بينهما لحما جديدا ، والسادس أن تذيق البدن ألم الطاعات كما أذقته لذات
المعاصي . " ص 197 "
29 - عدة : روي عن العالم عليه السلام أنه قال : والله ما اعطي مؤمن قط خير الدنيا
والآخرة إلا بحسن ظنه بالله عزوجل ، ورجائه له ، وحسن خلقه ، والكف عن اغتياب
المؤمنين ، والله تعالى لا يعذب عبدا بعد التوبة والاستغفار إلا بسوء ظنه ، وتقصيره في
رجائه لله عزوجل ، وسوء خلقه ، واغتيابه المؤمنين . الخبر .
30 - ثو : ابن المتوكل ، عن محمد بن جعفر ، عن موسى بن عمران ، عن الحسين بن
يزيد ، عن البطائني ، عن أبي بصير ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : أوحى الله عزوجل إلى
داوود النبي على نبينا وآله وعليه السلام : يا داوود إن عبدي المؤمن إذا أذنب ذنبا
ثم رجع وتاب من ذلك الذنب واستحيى مني عند ذكره غفرت له ، وأنسيته الحفظة ،
وأبدلته الحسنة ، ولا ابالي وأنا أرحم الراحمين . " ص 125 "
31 - ثو : أبي ، عن أحمد بن إدريس ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن معاوية
ابن وهب قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : إذا تاب العبد المؤمن توبة نصوحا أحبه
الله ، فستر عليه في الدنيا والآخرة ، قلت : وكيف يستر عليه ؟ قال : ينسي ملكيه ما كتبا
عليه من الذنوب ، وأوحى إلى جوارحه : اكتمي عليه ذنوبه ، وأوحى إلى بقاع الارض :
اكتمي عليه ما كان يعمل عليك من الذنوب ، فيلقى الله حين يلقاه وليس شئ يشهد
عليه بشئ من الذنوب . ( 1 ) " ص 165 - 166 "
32 - ثو : ابن الوليد ، عن الصفار ، عن ابن أبي الخطاب ، عن ابن أسباط ،
عن يحيى بن بشير ، عن المسعودي قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام : من تاب تاب الله عليه ،
وامرت جوارحه أن تستر عليه ، وبقاع الارض أن تكتم عليه ، وانسيت الحفظة ما
كانت تكتب عليه . ( 2 ) " ص 173 "
33 - ثو أبي ، عن سعد ، عن ابن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن سلمة بياع
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : عليه بالذنوب . م
( 2 ) في نسخة : ما كانت كتبت عليه . [ * ]
[ 29 ]
السابري ، عن رجل ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله : من تاب في سنة
تاب الله عليه ، ثم قال : إن السنة لكثيرة ، ثم قال : من تاب في شهر تاب الله عليه ، ثم
قال : إن الشهر لكثير ، ثم قال : من تاب في يومه تاب الله عليه ، ثم قال : إن يوما لكثير ،
ثم قال : من تاب إذا بلغت نفسه هذه - يعني حلقه - تاب الله عليه . " ص 173 "
ين : ابن أبي عمير ، عن سلمة ، عن جابر ، عنه عليه السلام مثله .
34 - ثو : ماجيلويه ، عن علي ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن
الصادق ، عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله : إن لله عزوجل فضولا من رزقه
ينحله من يشاء من خلقه ، ( 1 ) والله باسط يديه عند كل فجر لمذنب الليل هل يتوب فيغفر له ؟
ويبسط يديه ( 2 ) عند مغيب الشمس لمذنب النهار هل يتوب فيغفر له ؟ " ص 173 - 174 "
35 - سن : أبي رفعه قال : إن أميرالمؤمنين عليه السلام صعد المنبر بالكوفة فحمد الله
وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ! إن الذنوب ثلاثة ، ثم أمسك ، فقال له حبة
العرني : ( 3 ) يا أمير المؤمنين ( 4 ) فسرها لي ، فقال : ما ذكرتها إلا وأنا اريد أن
افسرها ، ولكنه عرض لي بهر ( 5 ) حال بيني وبين الكلام ، نعم الذنوب ثلاثة : فذنب
مغفور ، وذنب غير مغفور ، وذنب نرجو لصاحبه ونخاف عليه . قيل : يا أميرالمؤمنين
فبينها لنا ، قال : نعم ، أما الذنب المغفور فعبد عاقبه الله تعالى على ذنبه في الدنيا فالله
أحكم وأكرم أن يعاقب عبده مرتين ، وأما الذنب الذي لا يغفر فظلم العباد بعضهم
* ( هامش ) * ( 1 ) أى يعطيه من يشاء .
( 2 ) بسط اليد هنا كناية عن البذل والاعطاء .
( 3 ) هو حبة - بالحاء المفتوحة والباء المشددة المفتوحة - ابن جوين - بالنون مصغرا كما في
رجال الشيخ وتقريب ابن حجر ، أو بالراء كما في القاموس - أبوقدامة العرنى - بضم العين المهملة
وفتح الراء ، منسوب إلى عرينة كجهينة قبيلة من العرب - عده الشيخ والعلامة وغيرهما من أصحاب
أميرالمؤمنين عليه السلام من اليمن ، وقال ابن حجر في التقريب بعد عنوانه وضبطه : صدوق ، له
أغلاط ، وكان غاليا في التشيع ، من الثانية ، مات سنة ست وقيل : تسع وسبعين .
( 4 ) في المصدر : يا أميرالمؤمنين قلت : الذنوب ثلاثة ثم امسكت ، فقال له : ما ذكرتها ا ه . م
( 5 ) البهر بضم الباء وسكون الهاء : انقطاع النفس من الاعياء . [ * ]
[ 30 ]
لبعض ، إن الله تبارك وتعالى إذا برز لخلقه أقسم قسما على نفسه فقال : وعزتي وجلالي
لا يجوزني ظلم ظالم ولو كف بكف ، ولو مسحة بكف ، ونطحة ( 1 ) ما بين الشاة القرناء
إلى الشاة الجماء ، فيقتص الله للعباد بعضهم من بعض ، حتى لا يبقى لاحد عند أحد
مظلمة ، ثم يبعثهم الله إلى الحساب ، وأما الذنب الثالث فذنب ستره الله على عبده و
رزقه التوبة فأصبح خاشعا من ذنبه ، راجيا لربه فنحن له كما هو لنفسه نرجو له الرحمة
ونخاف عليه العقاب . " ص 7 "
بيان : لعل المراد بالكف أولا المنع والزجر ، وبالثاني اليد ، ويحتمل أن
يكون المراد بهما معا اليد أي تضرر كف إنسان بكف آخر بغمز وشبهه ، أو تلذذ كف
بكف ، والمراد بالمسحة بالكف ما يشتمل على إهانة وتحقير أو تلذذ ، ويمكن حمل
التلذذ في الموضعين على ما إذا كان من امرأة ذات بعل ، أو قهرا بدون رضي الممسوح ،
ليكون من حق الناس ، والجماء : التي لا قرن لها . قال في النهاية : فيه : إن الله ليدين
الجماء من ذوات القرن . الجماء التي لا قرن لها . ويدين أي يجزي انتهى .
وأما الخوف بعد التوبة فلعله لاحتمال التقصير في شرائط التوبة .
36 - ف : عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قال : تأخير التوبة اغترار ، وطول التسويف
حيرة ، والاعتلال على الله هلكة ، والاصرار على الذنب أمن لمكر الله ، ولا يأمن مكر الله
إلا القوم الخاسرون " ص 456 "
37 - يج : روي أن أبا جعفر عليه السلام كان في الحج ومعه ابنه جعفر عليه السلام فأتاه رجل
فسلم عليه وجلس بين يديه ثم قال : إنى اريد أن أسألك ، قال : سل ابني جعفرا ،
قال : فتحول الرجل فجلس إليه ثم قال : أسألك ؟ قال : سل عما بدالك ، قال : أسألك
عن رجل أذنب ذنبا عظيما ، قال : أفطر يوما في شهر رمضان متعمدا ؟ قال : أعظم من
ذلك ، قال : زنى في شهر رمضان ؟ قال : أعظم من ذلك ، قال : قتل النفس ؟ قال : أعظم من
ذلك ، قال : إن كان من شيعة علي عليه السلام مشى إلى بيت الله الحرام وحلف أن لا يعود ، و
إن لم يكن من شيعته فلا بأس ، فقال له الرجل : رحمكم الله يا ولد فاطمة - ثلاثا - هكذا
* ( هامش ) * ( 1 ) نطح الثور ونحوه : أصابه بقرنه . [ * ]
[ 31 ]
سمعته من رسول الله صلى الله عليه واله . ثم إن الرجل ذهب فالتفت أبوجعفر فقال : عرفت الرجل ؟
قال : لا ، قال : ذلك الخضر إنما أردت أن اعرفكه .
بيان ، لعل في الخبر سقطا وإنما أوردته كما وجدته ، ويحتمل أن يكون
السائل غرضه السؤال عن حال من جمع بين تلك الاعمال ، ويكون سؤاله عليه السلام على
الاعجاز ، لعلمه بالمراد ، ويكون المراد بالجواب أن المقتول إن كان من الشيعة فليمش
إلى البيت لكمال قبول التوبة وإلا فلا بأس ، ولو كان الضمير راجعا إلى القاتل فلابد من
ارتكاب تكلف في قوله عليه السلام : فلا بأس به .
38 - مص : قال الصادق عليه السلام : التوبة حبل الله ومدد عنايته ، ولابد للعبد من
مداومة التوبة على كل حال ، وكل فرقة من العباد لهم توبة ، فتوبة الانبياء من اضطراب
السر ، وتوبة الاصفياء من التنفس ، وتوبة الاولياء من تلوين الخطرات ، وتوبة
الخاص من الاشتغال بغير الله ، وتوبة العام من الذنوب ، ولكل واحد منهم معرفة وعلم
في أصل توبته ومنتهى أمره ، وذلك يطول شرحه ههنا ، فأما توبة العام فأن يغسل
باطنه بماء الحسرة ، والاعتراف بالجناية دائما ، واعتقاد الندم على ما مضى ، والخوف
على ما بقي من عمره ، ولا يستصغر ذنوبه فيحمله ذلك إلى الكسل ، ويديم البكاء والاسف
على ما فاته من طاعة الله ، ويحبس نفسه عن الشهوات ، ويستغيث إلى الله تعالى ليحفظه
على وفاء توبته ، ويعصمه عن العود إلى ما سلف ويروض نفسه في ميدان الجهد والعبادة ،
ويقضي عن الفوائت من الفرائض ، ويرد المظالم ، ويعتزل قرناء السوء ، ويسهر ليله ، و
يظمأ نهاره ، ويتفكر دائما في عاقبته ، ويستهين بالله سائلا منه الاستقامة في سرائه و
ضرائه ، ويثبت عند المحن والبلاء كيلا يسقط عن درجة التوابين ، فإن في ذلك طهارة
من ذنوبه ، وزيادة في عمله ، ورفعة في درجاته ، قال الله عزوجل : " وليعلمن الله الذين
صدقوا وليعلمن الكاذبين " .
بيان : من التنفس أي بغير ذكر الله ، وفي بعض النسخ على بناء التفعيل من تنفيس
الهم أي تفريجه أي من الفرح والنشاط ، والظاهر أنه مصحف ، وتلوين الخطرات :
إخطار الامور المتفرقة بالبال ، وعدم اطمينان القلب بذكر الله . [ * ]
[ 32 ]
39 - شى : عن أبي عمرو الزبيري ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : رحم الله عبدا لم
يرض من نفسه أن يكون إبليس نظيرا له في دينه ، وفي كتاب الله نجاة من الردى ، وبصيرة
من العمى ، ودليل إلى الهدى ، وشفاء لما في الصدور ، فيما أمركم الله به من الاستغفار
مع التوبة قال الله : " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا
لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون " وقال : " ومن
يعمل سوء أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما " فهذا ما أمر الله به من
الاستغفار ، واشترط معه بالتوبة والاقلاع عما حرم الله ، فإنه يقول : " إليه يصعد
الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه " وهذه الآية تدل على أن الاستغفار لا يرفعه إلى
الله إلا العمل الصالح والتوبة .
40 - شى : عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله : " ومن يغفر الذنوب إلا الله
ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون " قال : الاصرار أن يذنب العبد ولا يستغفر ولا
يحدث نفسه بالتوبة ، فذلك الاصرار .
41 - شى : عن أبي عمرو الزبيري ، عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله : " وإني لغفار
لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى " قال : لهذه الآية تفسير ، يدل ذلك التفسير
على أن الله لا يقبل من عمل عملا إلا ممن لقيه بالوفاء منه بذلك التفسير ، وما اشترط فيه
على المؤمنين ، وقال : " إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة " يعني كل ذنب
عمله العبد وإن كان به عالما فهو جاهل حين خاطر بنفسه في معصية ربه ، وقد قال في ذلك
تبارك وتعالى - يحكي قول يوسف لاخوته - : " هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم
جاهلون " فنسبهم إلى الجهل لمخاطرتهم بأنفسهم في معصية الله .
42 - شى : عن الحلبي ، عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله : " وليست التوبة للذين
يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن " قال : هو الفرار تاب
حين لم ينفعه التوبة ولم يقبل منه .
43 - شى : عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : إذا بلغت النفس هذه - وأهوى
بيده إلى حنجرته - لم يكن للعالم توبة ، وكانت للجاهل توبة .
ين : ابن أبي عمير ، عن جميل بن دراج ، عنه عليه السلام مثله .
[ 33 ]
بيان : ظاهره الفرق بين العالم والجاهل في قبول التوبة عند مشاهدة أحوال الآخرة
وهو مخالف لما ذهب إليه المتكلمون من عدم قبول التوبة في ذلك الوقت مطلقا ، وعدم
الفرق في التوبة مطلقا بين العالم والجاهل ، ويمكن توجيهه بوجهين : الاول أن يكون
المراد بالعالم من شاهد أحوال الآخرة ، وبالجاهل من لم يشاهدها لان بلوغ النفس


............................................................................
-بحار الانوار جلد: 6 من صفحه 33 سطر 5 إلى صفحه 41 سطر 5

إلى الحنجرة قد ينفك عن المشاهدة .
الثاني أن يكون المراد نفي التوبة الكاملة عن العالم في هذا الوقت دون
الجاهل ، مع حمل تلك الحالة على عدم المشاهدة ، إذ العالم غير معذور في تأخيرها إلى
هذا الوقت .
44 - شى : عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه واله قال : كان إبليس أول من ناح ، وأول من
من تغنى ، وأول من حدا ، قال : لما أكل آدم من الشجرة تغنى ، قال : فلما اهبط
حدا به ، قال : فلما استقر على الارض ناح فأذكره ما في الجنة ، فقال آدم : رب !
هذا الذي جعلت بيني وبينه العداوة ، لم أقو عليه وأنا في الجنة ، وإن لم تعني عليه
لم أقوا عليه ، فقال الله : السيئة بالسيئة ، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ، قال :
رب زدني ، قال : لا يولد لك ولد إلا جعلت معه ملكا أو ملكين يحفظانه ، قال : رب
زدني ، قال : التوبة معروضة ( 1 ) في الجسد ما دام فيها الروح ، قال : رب ! زدني ، قال
أغفر الذنوب ولا ابالي ، قال حسبي .
45 - شى : عن أبى عمرو الزبيري ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : رحم الله عبدا
تاب إلى الله قبل الموت ، فإن التوبة مطهرة من دنس الخطيئة ، ومنقذة من شفا ( 2 )
الهلكة ، فرض الله بها على نفسه لعباده الصالحين ، فقال : " كتب ربكم على نفسه الرحمة
إنه من عمل منكم سوء بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم ومن يعمل
سوء أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما .
* ( هامش ) * ( 1 ) في نسخة : مفروضة .
( 2 ) شفا كعصا : طرف كل شئ وجانبه ، ويضرب به المثل في القرب من الهلاك . [ * ]
[ 34 ]
46 - م : أتى أعرابي إلي النبي صلى الله عليه واله فقال : أخبرني عن التوبة إلى متى تقبل ؟
فقال صلى الله عليه واله : إن بابها مفتوح لابن آدم لا يسد حتى تطلع الشمس من مغربها ، وذلك
قوله : " هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك "
وهي طلوع الشمس من مغربها " يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن
آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا " .
47 - شى : عن أبي بصير قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول - في قوله : إنه كان
للاوابين غفورا - : قال هم التوابون المتعبدون .
48 - شى : عن أبى بصير قال : كنت عند أبي عبدالله عليه السلام فقال له رجل : بأبي و
امي إني أدخل كنيفا لي ولي جيران ، وعندهم جوار يتغنين ويضربن بالعود ، فربما
أطلت الجلوس استماعا مني لهن ، فقال : لا تفعل ، فقال الرجل : والله ما هو شئ آتيه
برجلي إنما هو سماع أسمعه باذني ! فقال له " أنت أما سمعت الله : " إن السمع والبصر
والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤلا " ؟ قال : بلى والله ، فكأني لم أسمع هذه الآية
قط من كتاب الله من عجمي ولا من عربي ، لا جرم ( 1 ) إني لا أعود إن شاء الله ، وإني أستغفر الله
فقال له : قم فاغتسل وصل ما بدالك ، فإنك كنت مقيما على أمر عظيم ما كان أسرأ حالك
لو مت على ذلك ! احمد الله وسله التوبة من كل ما يكره ، إنه لا يكره إلا القبيح ، ( 2 ) والقبيح
دعه لاهله فإن لكل أهلا .
49 - ين : بعض أصحابنا ، عن علي بن شجرة ، عن عيسى بن راشد ، عن أبي عبدالله
عليه السلام قال : سمعته يقول : ما من مؤمن يذنب ذنبا إلا اجل سبع ساعات ، فإن
استغفر الله غفر له ، وإنه ليذكر ذنبه بعد عشرين سنة فيستغفر الله فيغفر له ، وإن الكافر
لينسى ذنبه لئلا يستغفر الله .
50 - ما : جماعة ، عن أبي المفضل ، عن ابن عقدة ، عن محمد بن الفضل بن إبراهيم
* ( هامش ) * ( 1 ) لا جرم بفتح الجيم والراء ، أو بضم الجيم وسكون الراء ، أو ككرم أى لابد ، أو لا محالة
أو حقا ، وقد تحول إلى معنى القسم فيقال : لا جرم لافعلن .
( 2 ) في نسخة : إلا كل القبيح . [ * ]
[ 35 ]
الاشعري ، عن علي بن حسان ، عن عبدالرحمن بن كثير ، عن الصادق ، عن آبائه
عن الحسن بن علي عليهم السلام في خبر طويل احتج فيه على معاوية قال : فأما القرابة فقد نفعت
المشرك وهي والله للمؤمن أنفع ، قال رسول الله صلى الله عليه واله لعمه أبي طالب - وهو في الموت - :
لا إله إلا الله أشفع لك بها يوم القيامة ، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه واله يقول له ويعد إلا ما
يكون منه على يقين ، وليس ذلك لاحد من الناس كلهم غير شيخنا - أعني أبا طالب -
يقول الله عزوجل : " وليست التوبة للذين يعلمون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت
قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار اولئك أعتدنا لهم عذابا أليما "
الخبر . " ص 14 "
بيان : لعل هذا للالزام على العامة لقولهم بكفر أبي طالب عليه السلام ، ويحتمل أن
يكون المراد أنه لما كان السؤال في ذلك الوقت مع علمه صلى الله عليه واله بإيمانه لعلم الناس
بإيمانه ، فلو لم يكن للايمان في هذا الوقت فائدة لم يحصل الغرض .
51 - جع : قال النبي صلى الله عليه واله : التائب إذا لم يستبن أثر التوبة فليس بتائب : يرضي
الخصماء ، ويعيد الصلوات ، ويتواضع بين الخلق ، ويتقي نفسه عن الشهوات ، ويهزل رقبته
بصيام النهار ، ويصفر لونه بقيام الليل ، ويخمص بطنه ( 1 ) بقلة الاكل ، ويقوس ظهره
من مخافة النار ، ويذيب عظامه شوقا إلى الجنة ، ويرق قلبه من هول ملك الموت ، و
يجفف جلده على بدنه بتفكر الاجل ، فهذا أثر التوبة ، وإذا رأيتم العبد على هذه الصورة
فهو تائب ناصح لنفسه .
52 - وقال رسول الله صلى الله عليه واله : أتدرون من التائب ؟ قالوا : اللهم لا ، قال : إذا تاب
العبد ولم يرض الخصماء فليس بتائب ، ومن تاب ولم يزد في العبادة فليس بتائب ، ومن
تاب ولم يغير لباسه فليس بتائب ، ومن تاب ولم يغير رفقاءه فليس بتائب ، ومن تاب
ولم يغير مجلسه ( 2 ) فليس بتائب ، ومن تاب ولم يغير فراشه ووسادته ( 3 ) فليس بتائب
* ( هامش ) * ( 1 ) خمص بطنه : فرغ وضمر .
( 2 ) في نسخة : مجلسه وطعامه .
( 3 ) مثلثة الواو : المخدة أو أعم منها كما في ففه اللغة للثعالبي ، فانه قال : المصدغة والمخدة * [ * ]
[ 36 ]
ومن تاب ولم يغير خلقه ونيته فليس بتائب ، ومن تاب ولم يفتح قلبه ولم يوسع كفه
فليس بتائب ، ومن تاب ولم يقصر أمله ولم يحفظ لسانه فليس بتائب ، ومن تاب ولم يقدم ( 1 )
فضل قوته بدنه فليس بتائب ، وإذا استقام على هذه الخصال فذاك التائب .
53 - نبه : جابر بن يزيد الجعفي ، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله تبار ك وتعالى :
" ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون " قال : الاصرار أن يذنب ولا يحدث نفسه بتوبة ،
فذاك الاصرار .
54 - سيف بن يعقوب ، ( 2 ) عن أبي عبدالله عليه السلام : المقيم على الذنب وهو منه مستغفر
كالمستهزئ .
55 - ابن فضال عمن ذكره ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : لا والله ما أراد الله من
الناس إلا خصلتين : أن يقروا له بالنعم فيزيدهم ، وبالذنوب فيغفرها لهم .
56 - وعنه عليه السلام قال : والله ما ينجو من الذنب إلا من أقر به . ( 3 )
57 - وعن جعفر بن محمد عليهما السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله : من أذنب ذنبا وهو
ضاحك دخل النار وهو باك .
58 - نهج : ما كان الله ليفتح على عبد باب الشكر ويغلق عنه باب الزيادة ، ولا ليفتح
على عبد باب الدعاء ويغلق عنه باب الاجابة ، ولا ليفتح على عبد باب التوبة ويغلق عنه
باب المغفرة .
59 نهج : قال عليه السلام - لقائل بحضرته : أستغفر الله - : ثكلتك امك ، أتدري
ما الاستغفار ؟ إن الاستغفار درجة العليين وهو اسم واقع على ستة معان ، أولها الندم
* ( هامش ) * * للرأس المنبذة التى تنبذ أى تطرح للزائر وغيره . النمرقة واحدة النمارق وهى التى تصف ،
- وقد نطق بها القرآن - المسند : الوسادة التى يستند إليها ، المسورة : التى يتكأ عليها ، الحسبانة
ما صغر منها ، الوسادة تجمعها كلها .
( 1 ) في النسخ كلها : " ولم يقدم " بالقاف ، ولعله بالفاء من قولهم : فدم الابريق وعلى الابريق
وضع الفدام عليه ، والفدام مصفاة صغيرة أو خرقة تجعل على فم الابريق ليصفى بها ما فيه .
( 2 ) الظاهر : يوسف بن يعقوب .
( 3 ) يأتى الحديث مسندا تحت رقم 66 عن الاحمسى عمن ذكره . [ * ]
[ 37 ]
على ما مضى ، والثاني العزم على ترك العود إليه أبدا ، والثالث أن تؤدي إلى المخلوقين
حقوقهم حتى تلقى الله أملس ( 1 ) ليس عليك تبعة ، والرابع أن تعمد إلى كل فريضة عليك
ضيعتها فتؤدي حقها ، والخامس أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت ( 2 ) فتذيبه
بالاحزان حتى يلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد ، والسادس أن تذيق الجسم
ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية ، فعند ذلك تقول : أستغفر الله .
بيان : ما سوى الاولين عند جمهور المتكلمين من شرائط كمال التوبة كما ستعرف .
60 - نهج : وقال عليه السلام لرجل سأله أن يعظه : لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير
العمل ، ويرجئ التوبة ( 3 ) بطول الامل - وساق الكلام إلى أن قال عليه السلام - : إن عرضت
له شهوة أسلف المعصية ، وسوف التوبة . ( 4 )
61 - نهج : وقال عليه السلام من اعطي أربعا لم يحرم أربعا : من اعطي الدعاء لم يحرم
الاجابة ، ومن اعطي التوبة لم يحرم القبول ، ومن اعطي الاستغفار لم يحرم المغفرة
ومن اعطي الشكر لم يحرم الزيادة ، وتصديق ذلك في كتاب الله سبحانه ، قال الله عز
وجل في الدعاء : " ادعوني أستجب الكم " وقال في الاستغفار : " ومن يعمل سوء أو يظلم نفسه
ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما " وقال في الشكر : " إن شكرتم لازيدنكم "
وقال في التوبة : " إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب
فاولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما " .
ما : الحسين بن إبراهيم ، عن محمد بن وهبان ، عن محمد بن أحمد بن زكريا ،
عن الحسن بن فضال ، عن علي بن عقبة ، عن أبي كهمش ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي
عبدالله عليه السلام مثله . ( 5 ) " ص 47 "
* ( هامش ) * ( 1 ) الاملس : ضد الخشن ، قال ابن ميثم : استعار لفظ ألاملس لنفاء الصحيحة من الاثام .
( 2 ) بالضم : المال من كسب حرام ، وقال الثعالبي في فقه اللغة : كل حرام قبيح الذكر يلزم
منه العار كثمن الكلب فهو سحت .
( 3 ) يرجئ بالتشديد أى يؤخر المعصية .
( 4 ) أسلف : قدم ، وسوف : أخر . والموعظة بتمامه في ص 181 من ج 2 ط مصر .
( 5 ) إلى قوله : وتصديق ذلك اه . م [ * ]
[ 38 ]
62 - نهج : وسئل عليه السلام عن الخير ماهو ؟ فقال : ليس الخير أن يكثر مالك و
ولدك ولكن الخير أن يكثر علمك ، ( 1 ) ويعظم حلمك ، وأن تباهي الناس بعبادة ربك ،
فإن أحسنت حمدت الله ، وإن أسأت استغفرت الله ، ولا خير في الدنيا إلا لرجلين : رجل
أذنب ذنوبا فهو يتداركها بالتوبة ، ورجل يسارع في الخيرات . ( 2 ) ولا يقل عمل مع التقوى
وكيف يقل ما يتقبل ؟ .
63 - ين : النضر ، عن ابن سنان ، عن حفص قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول :
ما من عبد مؤمن يذنب ذنبا إلا أجله الله سبع ساعات من النهار ، فإن هو تاب لم يكتب
عليه شيئا وإن لم يفعل كتبت عليه سيئة ، فأتاه عباد البصري فقال له : بلغنا أنك قلت :
ما من عبد يذنب ذنبا إلا أجله الله سبع ساعات من النهار ؟ فقال : ليس هكذا قلت : ولكني
قلت : ما من عبد مؤمن يذنب ذنبا إلا أجله الله سبع ساعات من نهاره ، هكذا قلت .
64 - ين : فضالة ، عن القاسم بن يزيد ، عن محمد بن مسلم قال : قال أبوجعفر عليه السلام
إن من أحب عباد الله إلى الله المفتن التواب . ( 3 )
65 - ين : ابن أبي عمير ، عن أبي أيوب ، عن أبي بصير ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال :
من عمل سيئة اجل فيها سبع ساعات من النهار ، فإن قال : " أستغفر الله الذي لا إله
إلا هو الحي القيوم " ثلاث مرات لم يكتب عليه .
66 - ين : ابن أبي عمير ، عن علي الاحمسي ، عمن ذكره ، عن أبي جعفر عليه السلام إنه
قال : والله ما ينجو من الذنب إلا من أقر به .
67 - ين : علي بن المغيرة ، عن ابن مسكان ، عن أبي عبيدة الحذاء قال : سمعت
أبا جعفر عليه السلام : ألا إن الله أفرح بتوبة عبده حين يتوب من رجل ضلت راحلته في
أرض قفر وعليها طعامه وشرابه ، فبينما هو كذلك لا يدري ما يصنع ولا أين يتوجه
حتى وضع رأسه لينام فأتاه آت فقال له : هل لك في راحلتك ؟ قال : نعم ، قال : هوذه
* ( هامش ) * ( 1 ) في نسخة : علمك وعملك .
( 2 ) الظاهر أن ما يأتى بعد كلام آخر له ، وليس ملحقا بما قبله .
( 3 ) في نسخة : المحسن التواب . [ * ]
[ 39 ]
فاقبضها ، فقام إليها فقبضها ، فقال أبوجعفر عليه السلام : والله أفرح بتوبة عبده حين يتوب من
ذلك الرجل حين وجد راحلته . ( 1 )
68 - كا : العدة ، عن البرقي ، عن محمد بن علي ، عن محمد بن الفضيل ، عن الكناني
قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام عن قول الله عزوجل ، " يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله
توبة نصوحا " قال : يتوب العبد من الذنب ثم لا يعود فيه . قال محمد بن الفضيل سألت عنها
أبا الحسن عليه السلام فقال : يتوب من الذنب ثم لا يعود فيه ، وأحب العباد إلى الله المفتنون
التوابون . " ج 2 ص 432 "
69 - كا : علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي أيوب ، عن أبي بصير قال :
قلت لابي عبدالله عليه السلام : " يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا " قال : هو
الذنب الذي لا يعود فيه أبدا ، قلت : وأينا لم يعد ؟ فقال : يا أبا محمد إن الله يحب من
عباده المفتن ( 2 ) التواب . " ج 2 ص 432 "
ين ابن أبي عمير مثله .
70 - كا : علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابنا رفعه قال : إن الله عز
وجل أعطى التائبين ثلاث خصال لو أعطى خصلة منها جميع أهل السماوات والارض لنجوا بها :
قوله عزوجل : " إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين " فمن أحبه الله لم يعذبه ،
وقوله : " الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون
للذين آمنوا ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم
عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم
وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته
وذلك هو الفوز العظيم " وقوله عزوجل " والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون
النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب
* ( هامش ) * ( 1 ) يأتى الحديث باسناد آخر عن ابى عبيدة تحت رقم 73 .
( 2 ) قال الجزرى في النهاية : " إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات " قال : فتنوهم بالنار ، أى
امتحنوهم وعذبوهم ، ومنه الحديث " المؤمن خلق مفتنا " أى ممتحنا يمتحنه الله بالذنب ثم يتوب ، ثم يعود
ثم يتوب ، يقال : فتنته افتنه فتنا وفتونا : إذا امتحنته . ويقال فيها : أفتنته أيضا ، وهو قليل . [ * ]
[ 40 ]
يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعملا صالحا فاولئك يبدل الله سيئاتهم
حسنات وكان الله غفورا رحيما " . " ج 2 ص 432 - 433 "
71 - كا : محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن العلاء ، عن محمد بن
مسلم ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : يا محمد بن مسلم ذنوب المؤمن إذا تاب منها مغفورة له ،
فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد التوبة والمغفرة ، أما والله إنها ليست إلا لاهل الايمان .
قلت : فإن عاد بعد التوبة والاستغفار من الذنوب وعاد في التوبة ؟ فقال : يا محمد بن
مسلم أترى العبد المؤمن يندم على ذنبه ويستغفر الله تعالى منه ويتوب ثم لا يقبل الله
توبته ؟ قلت : فإنه فعل ذلك مرارا يذنب ثم يتوب ويستغفر ، فقال : كلما عاد المؤمن
بالاستغفار والتوبة عاد الله عليه بالمغفرة وإن الله غفور رحيم يقبل التوبة ويعفو عن السيئات ،
فإياك أن تقنط المؤمنين من رحمة الله . " ج 2 ص 434 " .
72 - كا : أبوعلي الاشعري ، عن محمد بن عبدالجبار ، عن ابن فضال ، عن ثعلبة
ابن ميمون ، عن أبي بصير ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : سألته عن قول الله عزوجل :
" وإذا مسهم طائف ( 1 ) من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون " قال : هو العبد يهم
بالذنب ثم يتذكر فيمسك فذلك قوله : " تذكروا فإذا هم مبصرون " . ج 2 ص 434 - 435 "
73 - كا : علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن اذينة ، عن أبي عبيدة قال :
سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : إن الله تعالى أشد فرحا بتوبة عبده من رجل أضل راحلته
وزاده في ليلة ظلماء فوجدها فالله أشد فرحا بتوبة عبده من ذلك الرجل براحتله حين
وجدها . ( 2 ) " ج 2 ص 435 "
74 - كا : محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن إسماعيل ، عن عبدالله
ابن عثمان ، عن أبي جميلة قال : قال أبوعبدالله : إن الله يجب المفتن التواب ( 3 )
* ( هامش ) * ( 1 ) الطوف : المشى حول الشئ ، ومنه الطائف : لمن يدور حول البيت حافظا ، ومنه استعير
الطائف من الجن والخيال والحادثة وغيرها ، قال تعالى : " إذا مسهم طائف من الشيطان " وهو الذى
يدور على الانسان من الشيطان يريد اقتناصه . قاله الراغب في مفرداته .
( 2 ) تقدم الحديث باسناد آخر عن أبى عبيدة تحت رقم 67 أبسط من هذا .
( 3 ) في المصدر : العبد المفتن التواب . م [ * ]
[ 41 ]
ومن لا يكون ذلك ( 1 ) منه كان أفضل . " ج 2 ص 435 " .
75 - كا : محمد ، عن أحمد ، عن علي بن النعمان ، عن محمد بن سنان ، عن يوسف بن
أبي يعقوب بياع الارز ، ( 2 ) عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : سمعته يقول : التائب من
الذنب كمن لا ذنب له ، والمقيم على الذنب وهو مستغفر منه كالمستهزئ . " ج 2 ص 435 "
76 - كا : علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن محمد بن حمران ، عن زرارة قال :


............................................................................
-بحار الانوار جلد: 6 من صفحه 41 سطر 6 إلى صفحه 49 سطر 6

سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : إن العبد إذا أذنب ذنبا اجل من غداة إلى الليل فإن
استغفر الله لم يكتب عليه . " ج 2 ص 437 "
ين : ابن أبي عمير مثله .
77 - كا ، علي ، عن أبيه ، وأبوعلي الاشعري ، ومحمد بن يحيى جميعا ، عن
الحسين بن إسحاق ، عن علي بن مهزيار ، عن فضالة ، عن عبدالصمد بن بشير ، عن
أبى عبدالله عليه السلام قال : العبد المؤمن إذا أذنب ذنبا أجله الله سبع ساعات فإن استغفر الله
لم يكتب عليه ، ( 3 ) وإن مضت الساعات ولم يستغفر كتبت عليه سيئة ، وإن المؤمن
ليذكر ذنبه بعد عشرين سنة حتى يستغفر ربه فيغفر له ، وإن الكافر لينساه من ساعته .
" ج 2 ص 437 "
78 - كا : علي ، عن أبيه ، والعدة ، عن سهل ، ومحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد
جميعا ، عن ابن محبوب ، عن محمد بن النعمان الاحول ، عن سلام بن المستنير قال : كنت
عند أبي جعفر عليه السلام فدخل عليه حمران بن أعين وسأله عن أشياء ، فلما هم حمران بالقيام
قال لابي جعفر عليه السلام : اخبرك أطال الله بقاءك لنا وأمتعنا بك ( 4 ) : أنا نأتيك فما نخرج
* ( هامش ) * ( 1 ) أى المراجعة إلى الذنب بعد التوبة
( 2 ) هو يوسف بن السخت ، أورده العلامة في القسم الثانى من الخلاصة وترجمه بقوله : يوسف بن
السخت - بالسين المهملة ، والخاء المعجمة ، والتاء المنقطة فوقها النقطتين - بصرى ، ضعيف ، مرتفع
القول ، استثناء القميون من نوادر الحكمة . انتهى . وأضاف الفاضل المامقانى إلى الضبط ضم السين
وسكون الخاء ، وحكى أن الوحيد مال إلى إصلاح حاله .
( 3 ) في المصدر : عليه شئ .
( 4 ) أى صيرنا ننتفع ونلتذ بك زمانا طويلا . [ * ]
[ 42 ]
من عندك حتى ترق قلوبنا ، وتسلو أنفسنا عن الدنيا ، ويهون علينا ما في أيدي الناس
من هذه الاموال ، ثم نخرج من عندك فإذا صرنا مع الناس والتجار أحببنا الدنيا ! قال : فقال أبوجعفر عليه السلام : إنما هي القلوب ( 1 ) مرة تصعب ، ومرة تسهل ، ثم قال
أبوجعفر عليه السلام : أما إن أصحاب محمد صلى الله عليه واله قالوا : يارسول الله نخاف علينا النفاق ،
قال : فقال : ولم تخافون ذلك ؟ قالوا : إذا كنا عندك فذكرتنا ورغبتنا وجلنا ونسينا
الدنيا وزهدنا حتى كأننا نعاين الآخرة والجنة والنار ونحن عندك ، فإذا خرجنا
من عندك ودخلنا هذه البيوت وشممنا الاولاد ورأينا العيال والاهل يكاد أن نحول عن
الحالة التي كنا عليها عندك ، حتى كأنا لم نكن على شئ ، أفتخاف علينا أن يكون
ذلك نفاقا ؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه واله : كلا إن هذه خطوات الشيطان فيرغبكم
في الدنيا ، والله لو تدومو على الحالة التي وصفتم أنفسكم بها لصافحتكم الملائكة
ومشيتم على الماء ولولا أنكم تذنبون فتستغفرون الله لخلق الله خلقا حتى يذنبوا
ثم يستغفروا لله فيغفر لهم ، إن المؤمن مفتن تواب ، أما سمعت قول الله عزوجل : " إن
الله يحب التوابين ويحب المتطهرين " وقال : " استغفروا ربكم ثم توبوا إليه " .
" ج 2 ص 423 - 424 "
* ( اختتام فيه مباحث رائقة ) *
الاول : في وجوب التوبة ، ولا خلاف في وجوبها في الجملة ، والاظهر أنها إنما
تجب لما لم يكفر من الذنوب ، كالكبائر والصغائر التي أصرت عليها ، فإنها ملحقة
بالكبائر ، والصغائر التي لم يجتنب معها الكبائر ، فأما مع اجتناب الكبائر فهي مكفرة
إذا لم يصر عليها ولا يحتاج إلى التوبة عنها ، لقوله تعالى : " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون
عنه نكفر عنكم سيئاتكم " وسيأتي تحقيق القول في ذلك في باب الكبائر إن شاء الله تعالى .
قال المحقق الطوسي قدس الله روحه في التجريد : التوبة واجبة لدفعها الضرر .
ولوجوب الندم على كل قبيح أو إخلال بواجب .
* ( هامش ) * ( 1 ) قال المصنف قدس سره في شرح الحديث في كتابه مرآت العقول : إنما هي القلوب أى
إنما سمى بالقلب لتقلب أحواله ، مرة تصعب اه . [ * ]
[ 43 ]
وقال العلامة رحمه الله في شرحه : التوبة هي الندم على المعصية لكونها معصية ،
والعزم على ترك المعاودة في المستقبل لان ترك العزم يكشف عن نفي الندم ، وهي واجبة
بالاجماع ، لكن اختلفوا فذهب جماعة من المعتزلة إلى أنها تجب من الكبائر المعلوم
كونها كبائر أو المظنون فيها ذلك ، ولا تجب من الصغائر المعلوم أنها صغائر ، وقال
آخرون : إنها لا تجب من ذنوب تاب عنها من قبل ، وقال آخرون : إنها تجب من
كل صغير وكبير من المعاصي ، أو الاخلال بالواجب ، سواء تاب منها قبل أو لم يتب .
وقد استدل المصنف على وجوبها بأمرين : الاول أنها دافعة للضرر الذي
هو العقاب أو الخوف فيه ، ودفع الضرر واجب . الثاني أنا نعلم قطعا وجوب الندم على
فعل القبيح أو الاخلال بالواجب ، إذا عرفت هذا فنقول : إنها تجب من كل ذنب ، لانها
تجب من المعصية لكونها معصية ، ومن الاخلال بواجب لكونه كذلك ، وهذا عام في كل
ذنب وإخلال بواجب . انتهى .
أقول : ظاهر كلامه وجوب التوبة عن الذنب الذي تاب منه ، ولعله نظر إلى أن
الندم على القبيح واجب في كل حال وكذا ترك العزم على الحرام واجب دائما ، وفيه
أن العزم على الحرام ما لم يأت به لا يترتب عليه إثم ، كما دلت عليه الاخبار الكثيرة ،
إلا أن يقول : إن العفو عنه تفضلا لا ينافي كونه منهيا عنه كالصغائر المكفرة ، وأما الندم
على ما صدر عنه فلا نسلم وجوبه بعد تحقق الندم سابقا وسقوط العقاب ، وإن كان
القول بوجوبه أقوى .
الثانى : اختلف المتكلمون في أنه هل تتبعض التوبة أم لا ، والاول أقوى لعموم
النصوص وضعف المعارض .
قال المحقق في التجريد : ويندم على القبيح لقبحه ، وإلا انتفت ، وخوف النار
إن كان الغاية فكذلك ، وكذا الاخلال ، فلا تصح من البعض ، ولا يتم القياس على
الواجب ، ولو اعتقد فيه الحسن صحت وكذا المستحقر ، والتحقيق أن ترجيح الداعي
إلى الندم عن البعض يبعث عليه ، وإن اشترك الداعي في الندم على القبيح كما في الداعي
إلى الفعل ، ولو اشترك الترجيح اشترك وقوع الندم ، وبه يتأول كلام أمير المؤمنين وأولاده
[ 44 ]
عليهم السلام ، وإلا لزم الحكم ببقاء الكفر على التائب منه ، المقيم على صغيرة .
وقال العلامة : اختلف شيوخ المعتزلة هنا فذهب أبوهاشم ( 1 ) إلى أن التوبة لا تصح
من قبيح دون قبيح ، وذهب أبوعلي ( 2 ) إلى جواز ذلك ، والمصنف رحمه الله استدل على
مذهب أبي هاشم بأنا قد بينا بأنه يجب أن يندم على القبيح لقبحه ، ولولا ذلك لم
تكن مقبولة ، والقبح حاصل في الجميع ، فلو تاب من قبيح دون قبيح كشف ذلك عن كونه
تائبا عنه لا لقبحه ، واحتج أبوعلي بأنه لو لم تصح التوبة من قبيح دون قبيح لم يصح
الاتيان بواجب دون واجب ، والتالي باطل ، بيان الشرطية أنه كما يجب عليه ترك
القبيح لقبحه كذا يجب عليه فعل الواجب لوجوبه فلو لزم من اشتراك القبائح في القبح
عدم صحة التوبة من بعضها لزم من اشتراك الواجبات في الوجوب عدم صحة الاتيان
بواجب دون آخر ، وأما بطلان التالي فبإلاجماع ، إذ لا خلاف في صحة صلاة من أخل
بالصوم .
وأجاب أبوهاشم بالفرق بين ترك القبيح لقبحه ، وفعل الواجب لوجوبه بالتعميم في
الاول دون الثاني ، فإن من قال لا آكل الرمانه لحموضتها فإنه لا يقدم على أكل كل
حامض لاتحاد الجهة في المنع ، ولو أكل الرمانة لحموضتها لم يلزم أن يأكل كل رمانة
حامضة فافترقا .
وإليه أشار المصنف رحمه الله ، ولا يتم القياس على الواجب أي لا يتم قياس ترك
القبيح لقبحه على فعل الواجب لوجوبه ، وقد تصح التوبة من قبيح دون قبيح إذا اعتقد
التائب في بعض القبائح أنها حسنة وتاب عما يعتقده قبيحا ، فإنه تقبل توبته لحصول الشرط
فيه ، وهو ندمه على القبيح لقبحه ، وإذا كان هناك فعلان أحدهما عظيم القبح والآخر
صغيره وهو مستحقر بالنسبة إليه حتى لا يكون معتدا به ، ويكون وجوده بالنسبة إلى
* ( هامش ) * ( 1 ) هو عبدالسلام بن أبى على محمد بن عبدالوهاب ، يلقب هو وأبوه أبوعلى بالجبائى ، وكلاهما
من رؤساء المعتزلة ولهما مقالات في الكلام على مذهب الاعتزال ، توفى أبوهاشم سنة 321 .
وكانت ولادته سنة 247 .
( 2 ) أى محمد بن عبدالوهاب الجبائى المتوفى سنة 303 ، وقد أوعزنا سابقا إلى ترجمته . [ * ]
[ 45 ]
العظيم كعدمه حتى تاب فاعل القبيح عن العظيم فإنه تقبل توبته ، ومثال ذلك أن
الانسان إذا قتل ولد غيره وكسر له قلما ثم تاب وأظهر الندم على قتل الولد دون كسر
القلم فإنه تقبل توبته ، ولا يعتد العقلاء بكسر القلم وإن كان لابد من أن يندم على جميع
إساءته ، وكما أن كسر القلم حال قتل الولد لا يعد إساءة فكذا العزم .
ثم قال رحمه الله : ولما فرغ من تقرير كلا م أبي هاشم ذكر التحقيق في هذا المقام ،
وتقريره أن نقول : الحق أنه يجوز التوبة عن قبيح دون قبيح لان الافعال تقع بحسب
الدواعي ، وتنتفي الصوارف فإذا ترجح الداعي وقع الفعل . إذا عرفت هذا فنقول : يجوز
أن يرجح فاعل القبائح دواعيه إلى الندم على بعض القبائح دون بعض ، وإن كانت القبائح
مشتركة في أن الداعي يدعو إلى الندم عليها ، وذلك بأن يقترن ببعض القبائح قرائن
زائدة كعظم الذنب ، أو كثرة الزواجر عنه ، أو الشناعة عند العقلاء عند فعله ، ولا تقترن
هذه القرائن ببعض القبائح فلا يندم عليها ، وهذا كما في دواعي الفعل فإن الافعال
الكثيرة قد تشترك في الدواعي ، ثم يؤثر صاحب الدواعي بعض تلك الافعال على بعض ،
بأن يترجح دواعيه إلى ذلك الفعل بما يقترن به من زيادة الدواعي ، فلا استبعاد في
كون قبح الفعل داعيا إلى العدم ثم يقترن ببعض القبائح زيادة الدواعي إلى الندم عليه
فيرجح لاجلها الداعي إلى الندم على ذلك البعض ، ولو اشتركت القبائح في قوة
الدواعي اشتركت في وقوع الندم عليها ولم يصح الندم على البعض دون الآخر ، وعلى هذا
ينبغي أن يحمل كلام أميرالمؤمنين علي عليه السلام وكلام أولاده كالرضا وغيره عليهم السلام حيث نقل
عنهم نفي تصحيح التوبة عن بعض القبائح دون بعض ، لانه لولا ذلك لزم خرق الاجماع
والتالى باطل فالمقدم مثله ، بيان الملازمة أن الكافر إذا تاب عن كفره وأسلم وهو مقيم
على الكذب إما أن يحكم بإسلامه وتقبل توبته من الكفر أولا ، والثاني خرق الاجماع
لاتفاق المسلمين على إجراء حكم المسلم عليه ، والاول هو المطلوب ، وقد التزم أبو هاشم
استحقاقه عقاب الكفر وعدم قبول توبته وإسلامه ، ولكن لا يمتنع إطلاق اسم
الاسلام عليه .
[ 46 ]
الثالث : اعلم أن العزم على عدم العود إلى الذنب فيما بقي من العمر لابد منه في
التوبة كما عرفت ، وهل إمكان صدوره منه في بقية العمر شرط ، حتى لو زنى ثم جب ( 1 )
وعزم على أن يعود إلى الزنا على تقدير قدرته عليه لم تصح توبته ، أم ليس بشرط فتصح ؟
الاكثر على الثاني ، بل نقل بعض المتكلمين إجماع السلف عليه ، وأولى من هذا بصحة
التوبة من تاب في مرض مخوف غلب على ظنه الموت فيه وأما التوبة عند حضور الموت
وتيقن الفوت وهو المعبر عنه بالمعاينة فقد انعقد الاجماع على عدم صحتها ، وقد مر
ما يدل عليه من الآيات والاخبار .
الرابع : في أنواع التوبة ، قال العلامة رحمه الله : التوبة إما أن تكون من ذنب
يتعلق به تعالى خاصة ، أو يتعلق به حق الآدمي .
والاول إما أن يكون فعل قبيح كشرب الخمر والزنا ، أو إخلالا بواجب كترك
الزكاة والصلاة ، فالاول يكفى في التوبة منه الندم عليه والعزم على ترك العود إليه .
وأما الثاني فتختلف أحكامه بحسب القوانين الشرعية ، فمنه ما لابد مع التوبة
من فعله أداءا كالزكاة ، ومنه ما يجب معه القضاء كالصلاة ، ومنه ما يسقطان عنه
كالعيدين ، وهذا الاخير يكفي فيه الندم والعزم على ترك المعاودة كما في فعل القبيح ،
وأما ما يتعلق به حق الآدمي فيجب فيه الخروج إليهم منه ، فإن كان أخذ مال وجب
رده على مالكه أو ورثته إن مات ، ولو لم يتمكن من ذلك وجب العزم عليه ، وكذا إن
كان حد قذف ، وإن كان قصاصا وجب الخروج إليهم منه ، بأن يسلم نفسه إلى أولياء المقتول
فإما أن يقتلوه أو يعفوا عنه بالدية أو بدونها ، وإن كان في بعض الاعضاء وجب تسليم
نفسه ليقتص منه في ذلك العضو إلى المستحق من المجني عليه أو الورثة ، وإن كان إضلالا
وجب إرشاد من أضله ورجوعه مما اعتقده بسببه من الباطل إن أمكن ذلك . واعلم
إن هذه التوابع ليست أجزاءا من التوبة فإن العقاب سقط بالتوبة ، ثم إن قام المكلف
بالتبعات كان ذلك إتماما للتوبة من جهة المعنى لان ترك التبعات لا يمنع من سقوط العقاب
بالتوبة عما تاب منه ، بل يسقط العقاب ويكون ترك القيام بالتبعات بمنزلة ذنوب
مستأنفة يلزمه التوبة منها ، نعم التائب إذا فعل التبعات بعد إظهار توبته كان ذلك دلالة
* ( هامش ) * ( 1 ) أى استؤصل ذكره وخصياه . [ * ]
[ 47 ]
على صدق الندم ، وإن لم يقم بها أمكن جعله دلالة على عدم صحة الندم . ثم قال رحمه الله
المغتاب إما أن يكون قد بلغه اغتيابه أولا ، ويلزم الفاعل للغيبة في الاول الاعتذار عنه إليه
لانه أوصل إليه ضرر الغم فوجب عليه الاعتذار منه والندم عليه ، وفي الثاني لا يلزمه
الاعتذار ولا الاستحلال منه لانه لم يفعل به ألما ، وفي كلا القسمين يجب الندم
لله تعالى لمخالفة النهي ، والعزم على ترك المعاودة
وقال المحقق في التجريد ، وفي إيجاب التفصيل مع الذكر إشكال . وقال العلامة
ذهب قاضي القضاة ( 1 ) إلى أن التائب إن كان عالما بذنوبه على التفصيل وجب عليه التوبة
عن كل واحدة منها مفصلا وإن كان يعلمها على الاجمال وجب عليه التوبة كذلك مجملا ،
وإن كان يعلم بعضها على التفصيل وبعضها على الاجمال وجب عليه التوبة عن المفصل بالتفصيل
وعن المجمل بالاجمال ، واستشكل المصنف رحمه الله إيجاب التفصيل مع الذكر لامكان
الاجتزاء بالندم على كل قبيح وقع منه وإن لم يذكره مفصلا .
ثم قال المحقق رحمه الله : وفي وجوب التجديد إشكال ، وقال العلامة قدس سره
إذا تاب المكلف عن معصية ثم ذكرها هل يجب عليه تجديد التوبة ؟ قال أبوعلي : نعم
بناءا على أن المكلف القادر بقدرة لا ينفك عن الضدين ، إما الفعل ، أو الترك ، فعند
ذكر المعصية إما أن يكون نادما عليها ، أو مصرا عليها ، والثاني قبيح فيجب الاول .
وقال أبوهاشم : لا يجب لجواز خلو القادر بقدرة عنهما .
ثم قال المحقق : وكذا المعلول مع العلة . وقال الشارح : إذا فعل المكلف العلة
قبل وجود المعلول هل يجب عليه الندم على المعلول ، أو على العلة ، أو عليهما ؟ مثاله الرامي
إذا رمي قبل الاصابة ، قال الشيوخ : عليه الندم على الاصابة لانها هي القبيح ، وقد صارت
في حكم الموجود ، لوجوب حصوله عند حصول السبب ، وقال القاضي : يجب عليه ندمان
أحدهما على الرمي لانه قبيح ، والثاني على كونه مولدا للقبيح ، ولا يجوز أن يندم
على المعلول ، لان الندم على القبيح إنما هو لقبحه ، وقبل وجوده لا قبح .
* ( هامش ) * ( 1 ) هو عبد الجبار المعتزلى ، ابن احمد بن عبدالجبار الهمدانى الاسد آبادي ، شيخ معتزلة
عصره ، المتوفي سنه 415 . [ * ]
[ 48 ]
الخامس : اعلم أنه لا خلاف بين المتكلمين في وجوب التوبة سمعا ، واختلفوا في
وجوبها عقلا ، فأثبته المعتزلة لدفعها ضرر العقاب . قال الشيخ البهائي رحمه الله : هذا لا
يدل على وجوب التوبة عن الصغائر ممن يجتنب الكبائر لكونها مكفرة ، ولهذا ذهبت
البهشمية ( 1 ) إلى وجوبها عن الصغائر سمعا لا عقلا ، نعم الاستدلال بأن الندم على
القبيح من مقتضيات العقل الصحيح يعم القسمين ، وأما فورية الوجوب فقد صرح بها
المعتزلة ، فقالوا : يلزم بتأخيرها ساعة إثم آخر ، تجب التوبة منه أيضا ، حتى أن من
أخر التوبة عن الكبيرة ساعة واحدة فقد فعل كبيرتين ، وساعتين أربع كبائر : الاولتان
وترك التوبة عن كل منهما ، وثلاث ساعات ثمان كبائر وهكذا ، وأصحابنا يوافقونهم
على الفورية ، لكنهم لم يذكروا هذا التفصيل فيما رأيته من كتبهم الكلامية .
السادس : سقوط العقاب بالتوبة مما أجمع عليه أهل الاسلام ، وإنما الخلاف في
أنه هل يجب على الله حتى لو عاقب بعد التوبة كان ظلما ، أو هو تفضل يفعله سبحانه
كرما منه ورحمة بعباده ؟ فالمعتزلة على الاول ، والاشاعرة على الثاني ، وإلى الثاني
ذهب شيخ الطائفة في كتاب الاقتصاد ، والعلامة الحلي رحمه الله في بعض كتبه الكلامية
وتوقف المحقق الطوسي طاب ثراه في التجريد ، ومختار الشيخين هو الظاهر من الاخبار
وأدعية الصحيفة الكاملة وغيرها ، وهو الذي اختاره الشيخ الطبرسي رحمه الله ، ونسبه
إلى أصحابنا كما عرفت ، ودليل الوجوب ضعيف مدخول ، كما لا يخفى على من
تأمل فيه .
أقول : أثبتنا بعض أخبار التوبة في باب الاستغفار ، وباب صفات المؤمن ، وباب
صفات خيار العباد وباب جوامع المكارم ، وسيأتي تحقيق الكبائر والصغائر والذنوب
وأنواعها وحبط الصغائر بترك الكبائر في أبوابها إن شاءالله تعالى .
* ( هامش ) * ( 1 ) اتباع أبى على وأبى هاشم الجبائيين ، وهؤلاء فرقة من المعتزلة ، انفردوا عنهم بامور
كاتبات إرادات حادثة لا في محل يكون البارى تعالى بها موصوفا ، وتعظيما لا في محل إذا أراد أن
يعظم ذاته ، وفناء لا في محل إذا أراد أن يفنى العالم ، وقالا : بأنه تعالى متكلم بكلام يخلقه في
محل وحقيقة الكلام أصوات مقطعة ، وحروف منظومة ، والمتكلم من فعل الكلام ، وقالا بأنه تعالى
لا يرى بالابصار في دار القرار ، وإن المعرفة وشكر المنعم ومعرفة الحسن والقبح واجبات عقلية وأن
الذم والعقاب ليسا على الفعل ، وإن التوبة لا تصح من العاجز بعد العجز عن مثله إلى غير ذلك مما هو
مذكور في تراجم الفرق ، وكتب الملل والنحل ، كالملل للشهرستانى ، والفرق بين الفرق للبغدادي . [ * ]
[ 49 ]
( باب 21 )
* ( نفى العبث وما يوجب النقص من الاستهزاء والسخرية والمكر ) *
* ( والخديعة عنه تعالى وتأويل الايات فيها ) *
الايات البقرة " 2 " الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون 15 .
النساء " 4 " يخادعون الله وهو خادعهم 142 .
الانفال " 8 " ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين 30 .


............................................................................
-بحار الانوار جلد: 6 من صفحه 49 سطر 7 إلى صفحه 57 سطر 7

التوبة " 9 " فيسخرون منهم سخر الله منهم 79 .
يونس " 10 " قل الله أسرع مكرا 21 .
الرعد " 13 " وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا 42 .
النمل " 27 " ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون 50 .
الطارق " 86 " إنهم يكيدون كيدا * وأكيد كيدا * فمهل الكافرين أمهلهم
رويدا 15 - 17 .
تفسير : قال البيضاوي : " الله يستهزئ بهم " ( 1 ) : يجازيهم على استهزائهم ، سمي جزاء
* ( هامش ) * ( 1 ) قال الرضى رضوان الله عليه في تلخيص البيان في مجازات القرآن : وهاتان استعارتان :
فالاولى منهما إطلاق صفة الاستهزاء على الله سبحانه ، والمراد بها أنه يجازيهم على استهزائهم
بارصاد العقوبة لهم فسمى الجزاء على الاستهزاء باسمه ، إذ كان واقعا في مقابلته ، وإنما قلنا :
إن الوصف بحقيقة الاستهزاء غير جائز عليه تعالى لانه عكس أوصاف الحكيم وضد طرائق الحليم .
والاستعارة الاخرى قوله تعالى : " ويمدهم في طغيانهم يعمهون " إى يمد لهم كأنه يخليهم ، والامتداد
عمههم والجماح في غيهم إيجابا للحجة وانتظارا للمراجعة ، تشبيها بمن أرخى الطول للفرس
أو الراحلة ليتنفس خناقها ويتسع مجالها . وربما حمل قوله سبحانه : " يخادعون الله والذين آمنوا "
على أنه استعارة في بعض الاقوال ، وهو أن يكون المعنى : أنهم يمنون أنفسهم أن لا يعاقبوا وقد
علموا أنهم مستحقون للعقاب ، فقد أقاموا أنفسهم بذلك مقام المخادعين ، ولذلك قال سبحانه : " وما
يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون " لان الله تعالى لا يجوز عليه الخداع ولا تخفى عنه الاسرار ، و
إذا حمل قوله سبحانه : " يخادعون الله " على أن المراد به يخادعون رسول الله كان من باب إسقاط
المضاف ، وجرى مجرى قوله : " واسئل القرية " وأراد أهل القرية . [ * ]
[ 50 ]
الاستهزاء باسمه كما سمي جزاء السيئة سيئة إما لمقابلة اللفظ باللفظ ، أو لكونه مماثلا له
في القدر ، أو يرجع وبال الاستهزاء عليهم ، فيكون كالمستهزئ بهم ، أو ينزل بهم الحقارة
والهوان الذي هو لازم الاستهزاء والغرض منه ، أو يعاملهم معاملة المستهزئ : أما في الدنيا
فبإجراء أحكام المسلمين عليهم ، واستدراجهم بالامهال وزيادة في النعمة على التمادي في
الطغيان ، وأما في الآخرة فبأن يفتح لهم وهم في النار بابا إلى الجنة فيسرعون نحوه ،
فإذا صاروا إليه سد عليهم الباب ، وذلك قوله تعالى : " فاليوم الذين آمنوا من الكفار
يضحكون " . " ويمدهم في طغيانهم يعمهون " من مد الجيش وأمده : إذا زاده وقواه ،
لا من المد في العمر ، فإنه يعدى باللام ، والمعتزلة قالوا : لما منعهم الله ألطافه التي
يمنحها المؤمنين وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم وسدهم طريق التوفيق على أنفسهم
فتزايدت بسببه قلوبهم رينا وظلمة ، وتزايد قلوب المؤمنين انشراحا ونورا ، أو مكن
الشيطان من إغوائهم فزادهم طغيانا ، اسند ذلك إلى الله تعالى إسناد الفعل إلى المسبب ،
وأضاف الطغيان إليهم لئلا يتوهم أن إسناد الفعل إليه على الحقيقة ، ومصداق ذلك
أنه لما أسند المد إلى الشياطين أطلق الغي ، وقال : " وإخوانهم يمدونهم في الغي " وقيل :
أصله : نمد لهم بمعنى نملي لهم ، ونمد في أعمارهم كي ينتبهوا ويطيعوا ، فما زادوا إلا طغيانا
وعمها ، فحذفت اللام وعدي الفعل بنفسه ، كما في قوله تعالى : " واختار موسى قومه " أو التقدير : يمدهم استصلاحا وهم مع ذلك يعمهون في طغيانهم .
وقال في قوله تعالى : " يخادعون الله " : الخدع أن توهم غيرك خلاف ما تخفيه
من المكروه لتنزله عما هو بصدده ، وخداعهم مع الله ليس على ظاهره لانه لا تخفى عليه
خافية ، ولانهم لم يقصدوا خديعته ، بل المراد إما مخادعة رسوله على حذف المضاف
أو على أن معاملة الرسول معاملة الله من حيث إنه خليفته كما قال : " ومن يطع الرسول
فقد أطاع الله " وإما أن صورة صنعهم مع الله من إظهار الايمان واستبطان الكفر وصنع الله
معهم بإجراء أحكام المسلمين عليهم استدراجا لهم ، وامتثال الرسول والمؤمنين أمر الله
في إخفاء حالهم مجازاة لهم بمثل صنيعهم صورة صنيع المتخادعين .
وقال في قوله تعالى : " ويمكر الله " : برد مكرهم ، أو بمجازاتهم عليه ، أو بمعاملة
[ 51 ]
الماكرين معهم ، بأن أخرجهم إلى بدر وقلل المسلمين في أعينهم حتى حملوا عليهم
فقتلوا . " والله خير الماكرين " إذ لا يؤبه بمكرهم دون مكره ، وإسناد أمثال هذا إنما يحسن
للمزاوجة ، ولا يجوز إطلاقها ابتداءا لما فيه من إيهام الذم . وقال في قوله : " سخر الله
منهم " : جازاهم على سخريتهم .
1 - يد ، مع ، ن : المعاذي ، عن أحمد الهمداني ، عن علي بن الحسن بن فضال
عن أبيه قال : سألت الرضا عليه السلام عن قول الله عزوجل : " سخر الله منهم " وعن قوله : " الله
يستهزئ بهم " وعن قوله : " ومكروا ومكر الله " وعن قوله : " يخادعون الله وهو خادعهم "
فقال : إن الله عزوجل لا يسخر ولا يستهزئ ولا يمكر ولا يخادع ولكنه عزوجل
يجازيهم جزاء السخرية وجزاء الاستهزاء وجزاء المكر والخديعة ، تعالى الله عما يقول
الظالمون علوا كبيرا . " يد ص 154 ، ن ص 71 - 72 "
ج : مرسلا مثله . " ص 224 "
2 - م : " يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون " قال
موسى بن جعفر عليهما السلام : لما نصب النبي صلى الله عليه واله عليا عليه السلام يوم غدير خم ( 1 ) وأمر عمر وتمام
تسعة من رؤساء المهاجرين والانصار أن يبايعوه بإمرة المؤمنين ففعلوا ذلك وتواطؤوا
بينهم أن يدفعوا هذا الامر عن علي عليه السلام وأن يهلكوهما ، كان من مواطاتهم أن قال
أولهم : ما اعتددت بشئ كاعتدادي بهذه البيعة ولقد رجوت أن يفسح الله بها لي في قصور
الجنان ويجعلني فيها من أفضل النزال والسكان ! . وقال ثانيهم : بأبي أنت وأمي
يارسول الله ما وثقت بدخول الجنة والنجاة من النار إلا بهذه البيعة والله ما يسرني
إن نقضتها أو نكثت بعدما اعطيت وإن لي طلاع ما بين الثرى إلى العرش لآلي رطبة
وجواهر فاخرة . وقال ثالثهم : والله يارسول الله لقد صرت من الفرح بهذه البيعة ومن
السرور الفسيح من الآمال في رضوان الله ما أيقنت أنه لو كانت ذنوب أهل الارض كلها
علي لمحصت عني بهذه البيعة - وحلف على ما قال من ذلك - ثم تتابع بمثل هذا الاعتذار
من بعدهم من الجبابرة والمتمردين ، فقال الله عزوجل لمحمد صلى الله عليه واله : " يخادعون الله
* ( هامش ) * ( 1 ) قال الفيروز آبادى في القاموس : غدير خم : موضعه على ثلاثة أميال من الجحفة بين الحرمين . [ * ]
[ 52 ]
يعني يخادعون رسول الله صلى الله عليه وآله بأيمانهم خلاف ما في جوانحهم " والذين
آمنوا " كذلك أيضا الذين سيدهم وفاضلهم علي بن أبي طالب عليه السلام . ثم قال :
" وما يخدعون إلا أنفسهم " ما يضرون بتلك الخديعة إلا أنفسهم فإن الله غني عنهم وعن
نصرتهم ، ولولا إمهاله لهم ما قروا على شئ من فجورهم وطغيانهم " وما يشعرون "
أن الامر كذلك وأن الله يطلع نبيه على نفاقهم وكذبهم وكفرهم ويأمره بلعنهم في
لعنة الظالمين الناكثين ، وذلك اللعن لا يفارقهم ، في الدنيا يلعنهم خيار عباد الله ، وفي
الآخرة يبتلون بشدائد عقاب الله " وإذا لقوا الذين آمنوا " إلى قوله : " يعمهون "
قال موسى عليه السلام : وإذا لقي هؤلاء الناكثون للبيعة ، المواطؤن ( 1 ) على مخالفة علي عليه السلام
ودفع الامر عنه ، الذين آمنوا قالوا آمنا كإيمانكم ، إذا لقوا سلمان والمقداد و
أباذر وعمار قالوا آمنا بمحمد وسلمنا له بيعة علي وفضله كما آمنتم ، وأن أولهم
وثانيهم وثالثهم إلى تاسعهم ربما كانوا يلتقون في بعض طرقهم مع سلمان وأصحابه
فإذا لقوهم اشمأزوا منهم وقالوا : هؤلاء أصحاب الساحر والاهوج - يعنون محمدا و
عليا عليهما السلام - فيقول أولهم : انظروا كيف أسخر منهم وأكف عاديتهم عنكم ، فإذا
التقوا قال أولهم : مرحبا بسلمان بن الاسلام ، ويمدحه بما قال النبي صلى الله عليه واله فيه ، وكذا
كان يمدح تمام الاربعة ، فلما جازوا عنهم كان يقول الاول كيف رأيتم سخريتي لهؤلاء
وكفي عاديتهم عني وعنكم ، فيقول له : لا نزال بخير ما عشت لنا ، فيقول لهم : فهكذا
فلتكن معاملتكم لهم إلى أن تنتهزوا الفرصة فيهم مثل هذا ، فإن اللبيب العاقل من
تجرع على الغصة حتى ينال الفرصة ، ثم يعودون إلى أخدانهم من المنافقين المتمردين
المشاركين لهم في تكذيب رسول الله صلى الله عليه واله فيما أداه إليهم عن الله عزوجل من ذكر
تفضيل أميرالمؤمنين عليه السلام ونصبه إماما على كافة المسلمين ، قالوا لهم : إنا معكم فيما
واطأناكم عليه من دفع علي عن هذا الامر إن كانت لمحمد كائنة ، فلا يغرنكم ولا
يهولنكم ما تسمعونه منا من تقريظهم وترونا نجترئ عليهم من مداراتهم فإنا نحن
مستهزؤون بهم ، فقال الله عزوجل : " الله يستهزئ بهم " يجازيهم جزاء استهزائهم في الدنيا
* ( هامش ) * ( 1 ) أى الموافقون والمساهمون . [ * ]
[ 53 ]
والآخرة " ويمدهم في طغيانهم يعمهون " يمهلهم ويتأتى بهم ويدعوهم إلى التوبة ، ويعدهم
إذا تابوا المغفرة ، وهم يعمهون لا يرعوون عن قبيح ولا يتركون أذى بمحمد وعلي
يمكنهم إيصاله إليهما إلا بلغوه .
قال العالم عليه السلام : أما استهزاء الله بهم في الدنيا فهو إجراؤه إياهم على ظاهر
أحكام المسلمين لاظهارهم السمع والطاعة ، وأما استهزاؤه بهم في الآخرة فهو أن الله
عزوجل إذا أقرهم في دار اللعنة والهوان وعذبهم بتلك الالوان العجيبة من العذاب
وأقر هؤلاء المؤمنين في الجنان بحضرة محمد صفي الله الملك الديان أطلعهم على هؤلاء
المستهزئين بهم في الدنيا حتى يروا ما هم فيه من عجائب اللعائن وبدائع النقمات فيكون
لذتهم وسرورهم بشماتتهم كلذتهم وسرورهم بنعيمهم في جنان ربهم ، فالمؤمنون
يعرفون اولئك الكافرين المنافقين بأسمائهم وصفاتهم ، والكافرون والمنافقون ينظرون
فيرون هؤلاء المؤمنين الذين كانوا بهم في الدنيا يسخرون لما كانوا من موالاة محمد وعلي و
آلهما يعتقدون ، فيرونهم في أنواع الكرامة والنعيم ، فيقول هؤلاء المؤمنون المشرفون على
هؤلاء الكافرين المنافقين : يافلان ! ويا فلان ! ويا فلان ! - حتى ينادوهم بأسمائهم -
ما بالكم في مواقف خزيكم ماكثون ؟ هلموا إلينا نفتح لكم أبواب الجنان لتخلصوا من
عذابكم وتلحقوا بنا ، فيقولون : ياويلنا أنى لنا هذا ؟ فيقول المؤمنون : انظروا إلى هذه
الابواب ، فينظرون إلى أبواب من الجنان مفتحة يخيل إليهم أنها إلى جهنم التي
فيها يعذبون ، ويقدرون أنهم يتمكنون من أن يخلصوا إليها فيأخذون في السباحة
في بحار حميمها ، وعدوا من بين أيدي زبانيتها ، ( 1 ) وهم يلحقونهم يضربونهم بأعمدتهم و
مرزباتهم ( 2 ) وسياطهم فلا يزالون هكذا يسيرون هناك ، وهذه الاصناف من العذاب
تمسهم حتى إذا قدروا أن قد بلغوا تلك الابواب وجدوها مردومة ( 3 ) عنهم ، و
* ( هامش ) * ( 1 ) قال الجوهرى : الزبانية عند العرب : الشرط . وسموا بها بعض الملائكة لدفعهم أهل
النار إليها . ( 2 ) جمع ( المرزبة ) وقد يشدد الباء : عصية من حديد .
( 3 ) أى مسدودة . [ * ]
[ 54 ]
تدهدههم الزبانية ( 1 ) بأعمدتها فتنكسهم إلى سواء الجحيم ، ويستلقي اولئك المؤمنون
على فرشهم في مجالسهم يضحكون منهم ، مستهزئين بهم ، فذلك قول الله عزوجل :
" فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الارائك ينظرون " .
بيان : قال في القاموس : الهوج محركة : طول في حمق وطيش وتسرع ، والهوجاء :
الناقة المسرعة .
أقول : سيأتي تمام الخبر في موضعه إن شاء الله تعالى .
( باب 22 )
* ( عقاب الكفار والفجار في الدنيا ) *
الايات ، الرعد " 13 " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم 11 .
الكهف " 18 " واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لاحدهما جنتين . الآيات 32 - 44
طه " 20 " فإن لك في الحيوة أن تقول لا مساس 97 . ( 2 )
حمعسق " 42 " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير *
وما أنتم بمعجزين في الارض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير 30 - 31 .
ن " 68 " إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين *
ولا يستثنون * فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون * فأصبحت كالصريم * فتنادوا
مصبحين * أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين * فانطلقوا وهم يتخافتون * أن لا
يدخلنها اليوم عليكم مس