بجار الانوار الجزء 16
بسمه تعالى
بحار الانوار مجلد: 16 من ص 1 سطر 1 الى ص 9 سطر 21
[ 1 ]
بسم الله الرحمن الرحيم
* ( باب 5 ) *
* ( تزوجه صلى الله عليه وآله بخديجة رضى الله عنها ) *
* ( وفضائلها وبعض أحوالها ) *
أقول : سيأتي بعض فضائلها في باب أحوال أبي طالب .
1 - ما : المفيد ، عن ابن قولويه ، عن أبيه ، عن سعد ، عن ابن عيسى ، عن العباس بن
عامر ، عن أبان ، عن بريد ، عن الصادق عليه السلام قال ( 1 ) : لما توفيت خديجة رضي
الله عنها
جعلت فاطمة عليها السلام تلوذ برسول الله صلى الله عليه وآله وتدور حوله ، وتقول :
أبه ( 2 ) أين أمي ؟ قال :
فنزل جبرئيل عليه السلام فقال له : ربك يأمرك أن تقرء فاطمة السلام وتقول لها : إن
أمك
في بيت من قصب ( 3 ) كعابه من ذهب ، وعمده ياقوت أحمر ، بين آسية ومريم بنت عمران ،
فقالت فاطمة عليها السلام : إن الله هو السلام ، ومنه السلام ، وإليه السلام ( 4 )
.
2 - ما : أبوعمرو ( 5 ) ، عن ابن عقدة ، عن أحمد بن محمد بن يحيى الجعفي ، عن جابر
ابن الحر النخعي ، عن عبدالرحمن بن ميمون ، عن أبيه قال : سمعت ابن عباس يقول : أول
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : سمعت أبا عبدالله جعفر بن محمد عليهما السلام يقول
.
( 2 ) في المصدر : يا أبه .
( 3 ) القصب : ما كان مستطيلا من الجوهر . الدر الرطب . الزبرجد الرطب المرصع .
( 4 ) المجالس : 110 .
( 5 ) في المصدر : أبوعمر عبدالواحد بن محمد بن عبدالله بن محمد بن مهدى . وفيه :
محمد
ابن يحيى الجعفي قال : حدثنا أبى قال : حدثنا الحسين بن عبدالكريم وهو أبوهلال
الجعفي قال :
حدثنا جابر بن الحر الجعفي . ( * )
[ 2 ]
من آمن برسول الله صلى الله عليه وآله من الرجال علي عليه السلام ، ومن النسآء
خديجة عليها السلام ( 1 ) .
3 - ل : محمد بن علي بن إسماعيل ، عن أبي القاسم بن منيع ، عن شيبان بن فروخ ، عن
داود بن أبي الفرات ، عن علباء بن أحمر ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : خط رسول الله
صلى الله عليه وآله أربع
خطط في الارض ، وقال : أتدرون ما هذا ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وآله :
أفضل نسآء الجنة أربع : خديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ، ومريم بنت عمران ،
وآسية
بنت مزاحم امرأة فرعون ( 2 ) .
4 - ل : سليمان بن أحمد اللخمي ( 3 ) ، عن علي بن عبدالعزيز ، عن حجاج بن
المنهال ، عن داود بن أبي الفرات عن علباء ( 4 ) ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : خط
رسول
الله صلى الله عليه وآله أربع خطوط ، ثم قال : خير نسآء الجنة مريم بنت عمران ،
وخديجة بنت خويلد
وفاطمة بنت محمد ، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون ( 5 ) .
5 - ل : ابن إدريس ، عن أبيه ، عن الاشعري ، عن أبي عبدالله الرازي ، عن ابن
أبي عثمان ، عن موسى بن بكر ، عن أبي الحسن الاول عليه السلام قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وآله :
إن الله اختار من النسآء أربعا : مريم ، وآسية ، وخديجة ، وفاطمة ( 6 ) .
أقول : سيأتي فيما أجاب أمير المؤمنين عليه السلام اليهودي الذي سأل عن خصال
الاوصياء ،
فقال عليه السلام فيما قال : كنت أول من أسلم ، فمكثنا بذلك ثلاث حجج ، وما على وجه
الارض خلق يصلي ويشهد لرسول الله صلى الله عليه وآله بما أتاه غيري ، وغير ابنة
خويلد رحمها الله
وقد فعل .
* ( هامش ) * ( 1 ) المجالس : 162 .
( 2 ) الخصال 1 : 96 .
( 3 ) اللخمى بالخاء نسبة إلى لخم ، وهو بطن عظيم ينتسب إلى لخم واسمه مالك بن عدى
بن
الحارث بن مرة بن ادد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن
يعرب بن
قحطان ، والرجل من مشايخ الصدوق كتب إليه من اصبهان .
( 4 ) علباء بالكسر فالسكون ثم الباء والمد ، وهو علباء بن أحمر اليشكرى البصرى ،
كان من
القراء .
( 5 ) الخصال 1 : 96 .
( 6 ) المصدر 1 : 107 . ( * )
[ 3 ]
6 - ل : ابن الوليد ، عن الصفار ، عن البرقي ، عن أبي علي الواسطي ، عن عبدالله
ابن عصمة ، عن يحيى بن عبدالله ، عن عمرو بن أبي المقدام ، عن أبيه ، عن أبي
عبدالله عليه السلام
قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وآله منزله ، فاذا عائشة مقبلة على فاطمة
تصايحها وهي تقول : والله
يا بنت خديجة ما ترين إلا أن لامك علينا فضلا ، وأى فضل كان لها علينا ؟ ! ما هي
إلا
كبعضنا ، فسمع مقالتها لفاطمة فلما رأت فاطمة رسول الله صلى الله عليه وآله بكت ،
فقال : ما يبكيك
يا بنت محمد ؟ ! قالت : ذكرت امي فتنقصتها فبكيت ، فغضب رسول الله صلى الله عليه
وآله ثم قال : مه يا
حميراء ، فإن الله تبارك وتعالى بارك في الودود الولود ، وإن خديجة رحمها الله ولدت
مني
طاهرا وهو عبدالله وهو المطهر ، وولدت مني القاسم وفاطمة ورقية وام كلثوم وزينب ،
وأنت ممن أعقم الله رحمه فلم تلدي شيئا ( 1 ) .
7 - ص : تزوج النبي صلى الله عليه وآله بخديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة ، وتوفيت
خديجة بعد أبي طالب بثلاثة أيام .
8 - يج : روي عن جابر قال : كان سبب تزويج خديجة محمدا أن أبا طالب قال :
يا محمد إني اريد أن ازوجك ولا مال لي اساعدك به ، وإن خديجة قرابتنا ، وتخرج كل
سنة قريشا في مالها مع غلمانها يتجر لها ويأخذ وقر بعير ( 2 ) مما أتى به ، فهل لك
أن
تخرج ؟ قال : نعم ، فخرج أبوطالب إليها وقال لها : ذلك ، ففرحت وقالت لغلامها ميسرة
:
أنت وهذا المال كله بحكم محمد صلى الله عليه وآله ، فلما رجع ميسرة حدث أنه ما مر
بشجرة ولا
مدرة إلا قالت : السلام عليك يا رسول الله ، وقال : جاء بحيرا الراهب ، وخدمنا لما
رأى
الغمامة على رأسه تسير حيثما سار تظله بالنهار ، وربحا في ذلك السفر ( 3 ) ربحا
كثيرا ،
فلما انصرفا قال ميسرة : لو تقدمت يا محمد إلى مكة وبشرت خديجة بما قد ربحنا لكان
أنفع لك ، فتقدم محمد على راحلته ، فكانت خديجة في ذلك اليوم جالسة على غرفة مع
نسوة
فظهر لها محمد راكبا ( 4 ) ، فنظرت خديجة إلى غمامة عالية على رأسه تسير بسيره ،
ورأت ملكين
* ( هامش ) * ( 1 ) المصدر 2 : 37 و 38 .
( 2 ) أى حمل بعير .
( 3 ) في المصدر : وربحنا في هذه السفرة .
( 4 ) في المصدر : راكبا على راحلته . ( * )
[ 4 ]
عن يمينه وعن شماله ( 1 ) ، في يد كل واحد سيف مسلول ، يجيئان ( 2 ) في الهواء
معه ، فقالت : إن لهذا الراكب لشأنا عظيما ليته جاء إلى داري ، فإذا هو محمد صلى
الله عليه وآله
قاصد لدارها ( 3 ) ، فنزلت حافية إلى باب الدار ، وكانت إذا أرادت التحول من مكان
إلى
مكان حولت الجواري السرير الذي كانت عليه ، فلما دنت منه قالت : يا محمد اخرج و
واحضرني ( 4 ) عمك أبا طالب الساعة ، وقد بعثت إلى عمها ( 5 ) أن زوجني من محمد إذا
دخل عليك ، فلما حضر أبوطالب قالت : اخرجا إلى عمي ليزوجني من محمد فقد قلت له
في ذلك ، فدخلا على عمها ، وخطب أبوطالب الخطبة المعروفة ، وعقد النكاح ، فلما قام
محمد صلى الله عليه وآله ليذهب مع أبي طالب قالت ( 6 ) خديجة : إلى بيتك ، فبيتي
بيتك ، وأنا
جاريتك ( 7 ) .
9 - د ، قب : زوج أبوطالب خديجة من النبي ، وذلك أن نسآء قريش اجتمعن
في المسجد في عيد ، فإذا هن بيهودي يقول : ليوشك أن يبعث فيكن نبي ، فأيكن
استطاعت أن تكون له أرضا يطأها فلتفعل ، فحصبنه ، وقر ذلك القول في قلب خديجة ،
وكان النبي صلى الله عليه وآله قد استأجرته خديجة على أن تعطيه بكرين ، ويسير مع
غلامها ميسرة
إلى الشام ، فلما أقبلا في سفرهما ( 8 ) نزل النبي صلى الله عليه وآله تحت شجرة
فرآه راهب يقال له :
نسطور ، فاستقبله وقبل يديه ورجليه وقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن
محمدا
رسول الله ، لما رأى منه علامات ، وإنه نزل تحت الشجرة ، ثم قال لميسرة : طاوعه في
أوامره ونواهيه فإنه نبي ، والله ما جلس هذا المجلس بعد عيسى عليه السلام أحد غيره
، ولقد
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : ملك عن يمينه ، وملك عن شماله .
( 2 ) في المصدر : يحثان .
( 3 ) في المصدر : إلى دارها .
( 4 ) في المصدر : واحضر لى .
( 5 ) في المصدر : عمها ورقة .
( 6 ) في المصدر : قالت له .
( 7 ) الخرائج : 186 و 187 .
( 8 ) من سفرهما خ ل . ( * )
[ 5 ]
بشر به عيسى عليه السلام ، ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ، وهو يملك الارض
بأسرها ، وقال ميسرة : يا محمد لقد جزنا عقبات بليلة كنا نجوزها بأيام كثيرة ،
وربحنا في
هذه السفرة ما لم نربح من أربعين ( 1 ) سنة ببركتك يا محمد ، فاستقبل خديجة ،
وأبشرها
بربحنا ، وكانت وقتئذ جالسة على منظرة لها ، فرأت راكبا على يمينه ملك مصلت سيفه ،
وفوقه سحابة معلق عليها قنديل من زبرجدة ، وحوله قبة من ياقوتة حمرآء فظنت ملكا
يأتي بخطبتها وقالت : اللهم إلي وإلى داري ، فلما أتى كان محمدا وبشرها بالارباح ،
فقالت : وأين ميسرة ؟ قال : يقفو أثري ، قالت : فارجع إليه وكن معه ، ومقصودها
لتستيقن حال السحابة ، فكانت السحابة تمر معه ، فأقبل ميسرة إلى خديجة وأخبرها
بحاله ، وقال لها : إني كنت آكل معه حتى يشبع ( 2 ) ويبقي الطعام كما هو ، وكنت
أرى وقت الهاجرة ملكين يظللانه ، فدعت خديجة بطبق عليه رطب ، ودعت رجالا ورسول
الله صلى الله عليه وآله فأكلوا حتى شبعوا ، ولم ينقص شيئا ، فأعتقت ميسرة وأولاده
وأعطته عشرة
آلاف درهم لتلك البشارة ، ورتبت الخطبة من عمرو بن أسد عمها .
قال النسوي في تاريخه : أنكحه إياها أبوها خويلد بن أسد ، فخطب أبوطالب
بما رواه الخركوشي في شرف المصطفى ، والزمخشري في ربيع الابرار ، وفي تفسيره الكشاف
،
وابن بطة في الابانة ، والجويني في السير عن الحسن ، والواقدي وأبي صالح والعتبي
فقال :
" الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم الخليل ، ومن ذرية الصفي إسماعيل ، وصئصئ (
3 )
معد ، وعنصر مضر ، وجعلنا حضنة بيته ، وسواس ( 4 ) حرمه ، وجعل مسكننا بيتا محجوجا
،
وحرما أمنا ، وجعلنا الحكام على الناس ، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبدالله لا
يوازن
برجل من قريش إلا رجح به ، ولا يقاس بأحد منهم إلا عظم عنه ، وإن كان في المال مقلا
،
* ( هامش ) * ( 1 ) في أربعين خ ل .
( 2 ) في المناقب : حتى نشبع ويبقى الطعام بحاله .
( 3 ) ضئصئ خ ل .
( 4 ) قوله : حضنة البيت أى مربيه وكافله . وسواس جمع السائس : المدبر والمتولى
لامر القوم
ومن يصلح الخلق بارشادهم إلى الطريق المنجى في عاجلهم وآجلهم . ( * )
[ 6 ]
فإن المال ورق حائل ( 1 ) ، وظل زائل ، وله والله خطب عظيم ، ونبأ شائع ، وله رغبة
في خديجة ، ولها فيه رغبة ، فزوجوه والصداق ما سألتموه من مالي عاجلة وآجلة " فقال
خويلد : زوجناه ورضينا به .
وروي أنه قال بعض قريش : يا عجبا أيمهر النسآء الرجال ، فغضب أبوطالب وقال :
إذا كانوا مثل ابن أخي هذا طلبت الرجال بأغلى الاثمان ، وإذا كانوا أمثالكم لم
تزوجوا ( 2 )
إلا بالمهر الغالي ، فقال رجل من قريش يقال له : عبدالله بن غنم :
هنيئا مريئا يا خديجة قد جرت * لك الطير فيما كان منك بأسعد
تزوجته ( 2 ) خير البرية كلها * ومن ذا الذي في الناس مثل محمد ؟
وبشر به المرءآن ( 4 ) عيسى بن مريم * وموسى بن عمران فيا قرب موعد
أقرت به الكتاب قدما بأنه * رسول من البطحاء هاد ومهتد ( 5 )
بيان : قوله : فحصبنه أي رمينه بالحصباء ، وصئصئ بالمهملتين والمعجمتين :
الاصل ، قال في النهاية : في حديث الخوارج يخرج من ضئضئ هذا قوم يمرقون من
الدين ، الضئضئ : الاصل ، يقال : ضئصئ صدق ، وضؤضؤ صدق ، وحكى بعضهم
ضئضيئ بوزن قنديل ، يريد أنه يخرج من نسله ومن عقبه ، ورواه بعضهم بالصاد المهملة
وهو بمعنا انتهى .
وفي القاموس : الورق مثلثة ، وككتف وجبل : الدارهم المضروبة ، ومحركة الحي
من كل حيوان ، والمال من إبل ودراهم وغيرها انتهى . وفي الفقية : رزق كما سيأتي ، و
الحائل : المتغير .
10 - قب : خرج النبي صلى الله عليه وآله إلى الشام في تجارة لخديجة وله خمس وعشرون
* ( هامش ) * ( 1 ) في العدد : أمر حائل .
( 2 ) في المناقب : لم يزوجوا .
( 3 ) تزوجت خ ل .
( 4 ) البران خ ل .
( 5 ) مناقب آل أبي طالب 1 : 29 و 30 . العدد مخطوط . ( * )
[ 7 ]
سنة ، وتزوج بها بعد أشهر ، قال الكليني : تزوج خديجة وهو ابن بضع وعشرين سنة
ولبث بها أربعا وعشرين سنة وأشهرا ، وبنيت الكعبة ورضيت قريش بحكمه فيها وهو ابن
خمس وثلاثين سنة ( 1 ) .
أقول : أوردنا تاريخ وفاتها في باب المبعث .
11 - شى : عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : حدث
أبوسعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : إن جبرئيل عليه السلام قال
لي ليلة اسري بي حين
رجعت وقلت : يا جبرئيل هل لك من حاجة ؟ قال : حاجتى أن تقرأ على خديجة من الله ومني
السلام ، وحدثنا عند ذلك أنها قالت حين لقاها نبي الله صلى الله عليه وآله فقال لها
:
الذي قال جبرئيل ، فقالت : إن الله هو السلام ، ومنه السلام ، وإليه السلام ، وعلى
جبرئيل السلام ( 2 ) .
12 - كشف : من مسند أحمد بن حنبل ، عن عبدالله ابن جعفر ، عن علي بن أبي طالب
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : خير نسائها خديجة ، وخير نسائها مريم .
ومنه ، عن عبدالله بن جعفر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله امرت أن ابشر
خديجة
ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب .
ومنه ، عن ابن عباس : إن أول من صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله بعد خديجة علي
عليه السلام ،
وقال مرة : أسلم .
وقد تقدم ذكر إسلامها رضي الله عنها ، وأنها سبقت الناس كافة ، فلا حاجة
إلى إعادة ذلك ، وهو مشهور .
ومن المسند عن أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وآله قال : حسبك من نسآء
العالمين
مريم بنت عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ، وآسية بنت مزاحم امرأة
فرعون .
ومنه ، عن عبدالله بن أبي أوفى قال : بشر رسول الله صلى الله عليه وآله خديجة ببيت
في الجنة
* ( هامش ) * ( 1 ) المناقب 1 : 119 .
( 2 ) تفسير العياشى : مخطوط . ( * )
[ 8 ]
لا صخب فيه ( 1 ) ولا نصب .
وروي أن جبرئيل أتى النبي صلى الله عليه وآله فسأل عن خديجة فلم يجدها ، فقال : إذا
جاءت فأخبرها أن ربها يقرؤها السلام .
وروى أبوهريرة قال : أتى جبرئيل النبي صلى الله عليه وآله فقال : هذه خديجة قد أتتك
معها
إنآء مغطى فيه إدام أو طعام أو شراب ، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ،
ومني
السلام ، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب ( 2 ) .
وقال شريك : وقد سئل عن القصب قصب الذهب ( 3 ) .
وقال الجوهري : القصب : أنابيب من جوهر وذكر الحديث .
وقال غيره : اللؤلؤ ، وقال صاحب النهاية في غريب الحديث : القصب : لؤلؤ مجوف
واسع كالقصر المنيف في هذا الحديث . والقصب من الجوهر : ما استطال منه في تجويف .
وروي أن عجوزا دخلت على النبي صلى الله عليه وآله فألطفها ، فلما خرجت سألته عائشة
فقال :
إنها كانت تأتينا في زمن خديجة ، وإن حسن العهد من الايمان .
وعن علي عليه السلام قال : ذكر النبي صلى الله عليه وآله خديجة يوما وهو عند نسائه
فبكى ،
فقالت عائشة : ما يبكيك على عجوز حمراء من عجائز بني أسد ؟ فقال : صدقتني إذ كذبتم
،
وآمنت بي إذ كفرتم ، وولدت لي إذ عقمتم ، قالت عائشة : فما زلت أتقرب إلى رسول الله
صلى الله عليه وآله بذكرها .
ونقلت من كتاب معالم العترة النبوية لابي محمد بن عبدالعزيز بن الاخضر الجنابذي
الحنبلي ذكر خديجة بنت خويلد ام المؤمنين ، وتقدم إسلامها ، وحسن موازرتها ، وخطر
فضلها ، وشرف منزلتها ، ذكر مرفوعا عن محمد بن إسحاق ( 4 ) قال . كانت خديجة بنت
خويلد
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : من قصب لا صخب فيه .
( 2 ) قلت : الاحاديث كلها موجودة في مسند أحمد في باب مسند علي عليه السلام ومسند
عبدالله
جعفر وابن عباس وأنس وعبدالله بن أبي أوفى وأبي هريرة .
( 3 ) في المصدر : انه قصب الذهب . قلت : ولعل الصحيح : قال : إنه قصب الذهب .
( 4 ) وأخرجه أيضا ابن هشام في السيرة النبوية 1 : 203 باسناده عن ابن اسحاق . ( *
)
[ 9 ]
امرأة تاجرة ذات شرف ومال ، تستأجر الرجال في مالها ، وتضاربهم إياه بشئ تجعله
لهم منه ، وكانت قريش قوما تجارا ، فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وآله من
صدق حديثه و
عظيم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه وعرضت عليه أن يخرج في مالها تاجرا إلى الشام ،
وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار ، مع غلام لها يقال له : ميسرة ، فقبله
منها
رسول الله صلى الله عليه وآله ، وخرج في مالها ذلك ، ومعه غلامها ميسرة حتى قدم
الشام ، فنزل
رسول الله صلى الله عليه وآله في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب ، فاطلع الراهب إلى
ميسرة فقال :
من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة ؟ فقال ميسرة : هذا رجل من قريش من أهل
الحرم ، فقال له الراهب : ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي ، ثم باع رسول الله صلى
الله عليه وآله
سلعته التي خرج فيها ( 1 ) ، واشترى ما أراد أن يشتري ، ثم أقبل قافلا إلى مكة ومعه
ميسرة ، وكان ميسرة فيما يزعمون قال : إذا كانت الهاجرة ( 2 ) واشتد الحر نزل ملكان
يظلانه من الشمس ، وهو يسير على بعيره ، فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء
به فأضعف أو قريبا ، وحدثها ميسرة عن قول الراهب وعما كان يرى من إظلال الملكين ،
فبعثت إلى رسول الله فقالت له فيما يزعمون : يا ابن عم قد رغبت فيك لقرابتك مني ، و
شرفك في قومك ، وسطتك ( 3 ) فيهم ، وأمانتك عندهم ، وحسن خلقك وصدق حديثك ، ثم
عرضت عليه نفسها ، وكانت خديجة امرأة حازمة لبيبة ، وهي يومئذ أوسط قريش نسبا
وأعظمهم شرفا ، وأكثرهم مالا ، وكل قومها قد كان حريصا على ذلك لو يقدر عليه ،
فلما قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله ما قالت ذكر ذلك لاعمامه ، فخرج معه منهم
حمزة بن عبدالمطلب
حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله .
وروى بإسناده عن ابن شهاب الزهري قال : لما استوى رسول الله صلى الله عليه وآله
وبلغ أشده
وليس له كثير مال استأجرته خديجة بنت خويلد إلى سوق حباشة ، وهو سوق بتهامة ، و
استأجرت معه رجلا آخر من قريش ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ما رأيت من
صاحبة لاجير
............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 16 من ص 9 سطر 22 الى ص 17 سطر 2
* ( هامش ) * ( 1 ) في السيرة : خرج بها .
( 2 ) الهاجرة : نصف النهار في القيظ ، أو من عند زوال الشمس إلى العصر .
( 3 ) سطتك بكسر السين وفتح الطاء أى شرفك وسامى منزلتك . ( * )
[ 10 ]
خيرا من خديجة ، ما كنا نرجع أنا وصاحبي إلا وجدنا عندها تحفة من طعام تخبأه لنا .
ومنه ، قال الدولابي يرفعه عن رجاله : إنه كان من بدء أمر رسول الله صلى الله عليه
وآله أنه
رأى في المنام رؤيا فشق عليه ، فذكر ذلك لصاحبته خديجة ، فقالت له : أبشر ، فإن
الله
تعالى لا يصنع بك إلا خيرا ، فذكر لها أنه رأى أن بطنه اخرج فطهر وغسل ثم اعيد
كما كان ، قالت : هذا خير فأبشر ، ثم استعلن له جبرئيل فأجلسه على ما شاء الله أن
يجلسه
عليه ، وبشره برسالة الله حتى اطمأن ، ثم قال : اقرأ ، قال كيف أقرء ؟ قال : " اقرأ
باسم ربك الذي خلق * خلق الانسان من علق * اقرأ وربك الاكرم " فقبل رسول الله
صلى الله عليه وآله رسالة ربه واتبع الذي جاء به جبرئيل من عند الله ، وانصرف إلى
أهله ،
فلما دخل على خديجة قال : أرأيتك الذي كنت احدثك ورأيته في المنام فإنه
جبرئيل استعلن ، وأخبرها بالذي جاءه من عند الله وسمع ، فقالت : أبشر يا رسول الله
،
فو الله لا يفعل الله بك إلا خيرا ، فاقبل الذي أتاك الله ، وأبشر فإنك رسول الله
حقا .
وروي مرفوعا إلى الزهري قال : كانت خديجة أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وآله
.
وعن ابن شهاب : أنزل الله على رسوله القرآن والهدى وعنده خديجة بنت خويلد .
وقال ابن حماد : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله تزوج خديجة على اثنتى عشرة
أوقية
ذهبا وهي يومئذ ابنة ثماني وعشرين سنة .
وحدثني ابن البرقي أبوبكر ، عن ابن هشام ، عن غير واحد ، عن أبي عمرو بن
العلاء قال : تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله خديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة .
وعن قتادة بن دعامة قال : كانت خديجة قبل أن يتزوج بها رسول الله صلى الله عليه
وآله عند عتيق
ابن عائذ بن عبدالله بن عمرو بن مخزوم ، يقال : ولدت له جارية وهي ام محمد بن صيفي
المخزومي ، ثم خلف عليها بعد عتيق أبوهالة هند بن زرارة التيمي ، فولدت له هند بن
هند ، ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله .
وبإسناده يرفعه إلى محمد بن إسحاق قال : كانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله
وصدقت بما جاء من الله ، ووازرته على أمره ، فخفف الله بذلك عن رسول الله صلى الله
عليه وآله ، وكان
لا يسمع شيئا يكرهه من رد عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرج الله ذلك عن رسول الله
[ 11 ]
صلى الله عليه وآله بها ، إذا رجع إليها تثبته ، وتخفف عنه ، وتهون عليه أمر الناس
حتى
ماتت رحمها الله .
وعن إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير أنه حدث عن حديجة أنها قالت
لرسول الله صلى الله عليه وآله : أي ابن عم أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي
يأتيك إذا جاءك ؟
قال : نعم ، قالت : فإذا جاءك فأخبرني ، فجاء جبرئيل عليه السلام فقال رسول الله
صلى الله عليه وآله لخديجة :
يا خديجة هذا جبرئيل قد جاءني ، قالت : قم يا بن عم فاجلس على فخذي اليسرى ، فقام
رسول الله صلى الله عليه وآله فجلس عليها ، قالت : هل تراه ؟ قال : نعم ، قالت :
فتحول فاقعد على فخذي
اليمنى ، فتحول ، فقالت : هل تراه ؟ قال : نعم ، قالت : فاجلس في حجري ، ففعل ،
قالت :
هل تراه ؟ قال : لا ، قالت : يا بن عم اثبت وأبشر ، فو الله إنه لملك ( 1 ) وما هو
بشيطان .
قال ابن إسحاق : قد حدثت بهذا الحديث عبدالله بن حسن قال : سمعت امي فاطمة
بنت حسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة إلا أني سمعتها تقول : أدخلت رسول الله صلى
الله عليه وآله
بينها وبين درعها ، فذهب عند ذلك جبرئيل ، فقالت خديجة لرسول الله صلى الله عليه
وآله : إن هذا
لملك وما هو بشيطان .
وعن ابن إسحاق أن خديجة بنت خويلد وأبا طالب ماتا في عام واحد ، فتتابع
على رسول الله صلى الله عليه وآله هلاك خديجة وأبي طالب ، وكانت خديجة وزيرة صدق
على الاسلام ،
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يسكن إليها .
وعن عروة بن الزبير قال : توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة ، وقال رسول الله
صلى الله عليه وآله : اريت بخديجة بيتا من قصب لا صخب فيه ولا نصب .
وقال ابن هشام : حدثني من أثق به أن جبرئيل أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال :
أقرء
خديجة من ربها السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا خديجة هذا جبرئيل
يقرئك من ربك
السلام ، فقالت خديجة : الله السلام ، ومنه السلام . وعلى جبرئيل السلام .
وروي أن آدم عليه السلام قال : إني لسيد البشر يوم القيامة إلا رجل من ذريتي
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : إن هذا الملك كريم . ( * )
[ 12 ]
نبي من الانبياء يقال له : محمد صلى الله عليه وآله ( 1 ) ، فضل علي باثنتين :
زوجته عاونته وكانت له
عونا ، وكانت زوجتي على عونا ، وإن الله أعانه على شيطانه فأسلم ، وكفر شيطاني ( 2
) .
وعن عائشة قالت : كان رسول الله إذا ذكر خديجة لم يسأم من ثناء عليها واستغفار
لها : فذكرها ذات يوم فحملتني الغيرة فقلت : لقد عوضك الله من كبيرة السن ، قالت :
فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله غضب غضبا شديدا ، فسقطت في يدي ( 3 ) ، فقلت :
اللهم إنك
إن أذهبت بغضب رسولك صلى الله عليه وآله لم اعد بذكرها ( 4 ) بسوء ما بقيت ، قالت :
فلما رأى
رسول الله صلى الله عليه وآله ما لقيت قال : كيف قلت ؟ والله لقد آمنت بي إذ كفر
الناس ، وآوتني
إذ رفضني الناس ، وصدقتني إذ كذبني الناس ، ورزقت مني ( 5 ) حيث حرمتموه ، قالت :
فغدا وراح علي بها شهرا .
وروي أن خديجة رضوان الله عليها كانت تكنى ام هند .
وعن ابن عباس أن عم خديجة عمرو بن أسد زوجها رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأن
أباها
مات قبل الفجار .
وعن ابن عباس أنه تزوجها صلى الله عليه وآله وهي ابنة ثماني وعشرين سنة ، ومهرها (
6 ) اثنتي
عشرة أوقية ، وكذلك كانت مهور نساؤه ، وقيل : إنها ولدت قبل الفيل بخمسة عشر سنة ،
وتزوجها صلى الله عليه وآله وهي بنت أربعين سنة ، ورسول الله صلى الله عليه وآله
ابن خمس وعشرين سنة .
وحديث عفيف ورؤيته النبي صلى الله عليه وآله وخديجة وعليا يصلون حين قدم تاجرا إلى
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : أحمد .
( 2 ) لعل المراد بالشيطان النفس الامارة ، أى أن الله أعانه على نفسه ووفقه فغلب
عليها ، و
أدخلها تحت قيادة التسليم لامر مولاها ، ولكنى لم اوفق على قيادتها فعصت وصدرت عنها
ما يخالف
رضى الله تعالى ، هذا ما تحمتله ألفاظ الحديث ، لكنه غير موافق لما عليه الامامية
من عصمة الانبياء
عليهم السلام ، فيجب طرحه أو حمله على غير ذلك مما تقدم في بابه .
( 3 ) أى ندمت على ذلك .
( 4 ) في المصدر : لم أعد لذكر لها بسوء ما بقيت .
( 5 ) في المصدر : ورزقت منى الولد .
( 6 ) في المصدر : ومهرها النبي صلى الله عليه وآله . ( * )
[ 13 ]
العباس ، وقوله : لا والله ما علمت على ظهر الارض كلها على هذا الدين غير هؤلاء
الثلاثة
قد تقدم ذكره بطريقه فلا حاجة لنا إلى ذكره ، لانه لم يختلف في أنها رضي الله عنها
أول الناس إسلاما .
وقال ابن سعد يرفعه إلى حكم بن حزام ( 1 ) : قال : توفيت خديجة في شهر رمضان
سنة عشرة من النبوة ، وهي ابنة خمس وستين سنة ، فخرجنا بها من منزلها حتى دفناها
بالحجون ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله في حفرتها ، ولم يكن يومئذ صلاة على
الجنازة ، قيل :
ومتى ذلك يا أبا خالد ؟ قال : قبل الهجرة بسنوات ثلاث أو نحوها ، وبعد خروج بني
هاشم
من الشعب بيسير ، قال : فكانت أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله ،
وأولاده كلهم منها
إلا إبراهيم ، فأنه من مارية القبطية .
هذا آخر ما نقلته من كتاب الجنابذي ( 2 ) .
بيان : قوله : وسطتك بكسر السين ، أي كونك وسطهم ومتوسطا بينهم ، أي
أشرفهم ، قال الجوهري : وسطت القوم أسطهم وسطا ووسطة ، أي توسطتهم ، وفلان
وسيط في قومه : إذا كان أوسطهم نسبا وأرفعهم محلا انتهى .
قوله صلى الله عليه وآله : ورزقت مني ، أي الولد ، أو الاسلام ( 3 ) . قولها : فغدا
وراح علي بها
شهرا ، لعل المعنى أنه صلى الله عليه وآله كان إلى شهر يذكر خديجة وفضلها في الغدو
والرواح ،
أو لما علم ندامتي في أمرها كان يغدو ويروح إلي لطفا بي ( 4 ) .
13 - كا : بعض أصحابنا ، عن علي بن الحسين ، عن علي بن حسان ، عن
عبدالرحمن بن كثير ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : لما أراد رسول الله صلى الله
عليه وآله أن يتزوج خديجة
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : حكيم بن حزام ، وهو الصحيح ، وهو حكيم بن حزام بن
خويلد بن أسد بن عبد
العزى الاسدى ، أبوخالد المكى ، ابن أخى خديجة أم المؤمنين رضى الله عنها ، وحزام
بالحاء
المهملة والزاء المعجمة .
( 2 ) كشف الغمة : 151 - 153 .
( 3 ) قد عرفت أن الموجود في المصدر : ورزقت منى الولد . فلا مجال لاحتمال الثاني ،
مع
أن الاسلام قد ذكر قبلا فلا وجه للاعادة .
( 4 ) والاظهر أن المعنى كان يغدو ويروح شهرا بهذه الحالة أى بحالة الغضب . وأخرج
ابن
الاثير الحديث مسندا باختلاف في ألفاظه في اسد الغابة 5 : 438 . ( * )
[ 14 ]
بنت خويلد أقبل أبوطالب في أهل بيته ومعه نفر من قريش حتى دخل على ورقة بن نوفل
عم خديجة ، فابتدأ أبوطالب بالكلام فقال : " الحمد لرب ( 1 ) هذا البيت الذي جعلنا
من زرع إبراهيم ، وذرية إسماعيل وأنزلنا حرما آمنا ، وجعلنا الحكام على الناس ،
وبارك لنا في بلدنا الذي نحن فيه ، ثم إن ابن أخي هذا يعني رسول الله صلى الله عليه
وآله ممن لا يوزن
برجل من قريش إلا رجح به ، ولا يقاس به رجل إلا عظم عنه ، ولا عدل له في الخلق ،
وإن كان مقلا في المال ، فإن المال رفد جار ، وظل زائل ، وله في خديجة رغبة ، ولها
فيه
رغبة ، وقد جئناك ( 2 ) لنخطبها إليك برضاها وأمرها ، والمهر علي في مالي الذي
سألتموه
عاجله وآجله ، وله ورب هذا البيت حظ عظيم ، ودين شائع ، ورأي كامل " ثم سكت
أبوطالب فتكلم عمها وتلجلج ، وقصر عن جواب أبي طالب وأدركه القطع والبهر ، وكان
رجلا من القسيسين ، فقالت خديجة مبتدئة : يا عماه إنك وإن كنت أولى ( 3 ) بنفسي
مني في الشهود فلست أولى بى من نفسي ، قد زوجتك يا محمد نفسي ، والمهر علي في مالي
،
فأمر عمك فلينحر ناقة فليولم بها ، وأدخل على أهلك ، قال ( 4 ) أبوطالب : اشهدوا
عليها
بقبولها محمدا وضمانها المهر في مالها ، فقال بعض قريش : يا عجباه ( 5 ) المهر على
النسآء
للرجال ؟ فغضب أبوطالب غضبا شديدا وقام على قدميه ، وكان ممن يهابه الرجال ويكره
غضبه ( 6 ) ، فقال : إذا كانوا مثل ابن أخي هذا طلبت الرجال بأغلى الاثمان ، وأعظم
المهر ،
وإذا كانوا أمثالكم لم يزوجوا إلا بالمهر الغالي ، ونحر أبوطالب ناقة ودخل رسول
الله
صلى الله عليه وآله بأهله ، فقال رجل من قريش يقال له : عبدالله ( 7 ) بن غنم :
هنيئا مرئيا يا خديجة قد جرت * لك الطير فيما كان منك بأسعد
* ( هامش ) * ( 1 ) الحمد لله خ ل .
( 2 ) ولقد جئناك خ ل .
( 3 ) أولى لى خ ل .
( 4 ) فقال خ ل .
( 5 ) واعجباه خ ل .
( 6 ) في المصدر : وكان ممن تهابه الرجل وتكره غضبه .
( 7 ) أبوعبدالله خ ل وفي المصدر : فقال رجل من قريش يقال له : عبدالله بن غنم شعرا
. ( * )
[ 15 ]
تزوجت خير البرية كلها * ومن ذا الذي في الناس مثل محمد ؟
وبشر به البر ان عيسى بن مريم * وموسى بن عمران فياقرب موعد
أقرت به الكتاب قدما بأنه * رسول من البطحاء هاد ومهتد ( 1 )
بيان : الزرع : الولد . قوله : فإن المال رفد جار أي عطاء مستمر ، يجريه الله على
عباده بقدر حاجتهم ، وقد مر مكانه : ورق حائل ، وسيأتي من الفقيه : رزق حائل .
والبهر بالضم : انقطاع النفس من الاعياء ، قولها : وإن كنت أولى بنفسي مني ،
لعل المعنى إنك وإن كنت أولى بأمري في محضر الناس عرفا ، فلست أولى بأمري واقعا ،
أو
إن كنت أولى في الحضور والتكلم بمحضر الناس ، فلست أولى مني في أصل الرضا والقبول ،
أو إن كنت قادرا على إهلاكي وامكنك فيه ، لكني لا امكنك في ترك هذا الامر ،
ولعل الاوسط أظهر ، قوله : قد جرت لك الطير ، يقال للحظ من الخير والشر : طائر ،
لقول العرب : جرى لفلان الطائر بكذا من الخير والشر ، على طريقة التفأل والطيرة ،
وأصله أنهم كانوا يتفألون ويتطيرون بالسوانح والبوارح ( 2 ) من الطير عند توجههم
إلى
مقاصدهم ويحتمل أن يكون المعنى انتشر أسعد الاخبار منك في الآفاق سريعا بسبب ما كان
منك من حسن الاختيار ، فإن الطير أسرع في إيصال الاخبار من غيرها ، والاول أظهر .
والبر بالفتح : الصادق ، والكثير البر . والقدم بالكسر : خلاف الحدوث ، يقال :
قد ما كان كذا .
14 - كا : أبوعلي الاشعري ، عن محمد بن سالم ، عن أحمد بن النضر ، عن عمرو بن
شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : دخل رسول الله صلى الله عليه واله
على خديجة حيث مات ( 3 )
القاسم ابنها وهي تبكي ، فقال لها : ما يبكيك ، فقالت : درت دريرة فبكيت ، فقال :
يا خديجة أما ترضين إذا كان يوم القيامة أن تجئ إلى باب الجنة وهو قائم فيأخذ بيدك
* ( هامش ) * ( 1 ) الفروع 2 : 19 و 20 .
( 2 ) السوانح جمع السانح : الذى يأتى من جانب اليمين ، ويقابله البارح وهو الذى
يأتى من
جانب اليسار ، والعرب تتيمن بالسوانح ، وتتشأم بالبوارح .
( 3 ) في المصدر : حين مات . ( * )
[ 16 ]
فيدخلك الجنة ، وينزلك أفضلها ؟ وذلك لكل مؤمن ، إن الله عزوجل أحكم وأكرم
أن يسلب المؤمن ثمرة فؤاده ثم يعذبه بعدها أبدا ( 1 ) .
15 - كا : العدة ، عن البرقي ، عن إسماعيل بن مهران ، عن عمرو بن شمر ،
عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : توفي طاهر ابن رسول الله صلى الله عليه
واله فنهى رسول الله صلى الله عليه واله
خديجة عن البكاء ، فقالت : بلى يا رسول الله ، ولكن درت عليه الدريرة فبكيت ، فقال
لها :
أما ترضين أن تجديه قائما على باب الجنة ، فإذا رآك أخذ بيدك فأدخلك ( 2 ) أطهرها
مكانا ، وأطيبها ؟ قالت : وإن ذلك كذلك ؟ قال : فإن الله أعز وأكرم من أن يسلب عبدا
ثمرة فؤاده فيصبر ويحتسب ويحمد الله عزوجل ثم يعذبه ( 3 ) .
16 - نهج : ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول الله صلى الله عليه واله
وخديجة وأنا ثالثها ( 4 ) .
17 - يه : خطب أبوطالب رحمه الله لما تزوج النبي صلى الله عليه واله خديجة بنت
خويلد
رحمها الله بعد أن خطبها إلى أبيها ، ومن الناس من يقول : إلى عمها ، فأخذ بعضادتي
( 5 )
الباب ومن شاهده من قريش حضور ، فقال : " الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم و
ذرية إسماعيل ، وجعل لنا بيتا محجوجا ، وحرما آمنا ، يجبى ( 6 ) إليه ثمرات كل
شئ وجعلنا الحكام على الناس في بلدنا الذي نحن فيه ( 7 ) ثم إن ابن أخي محمد بن
عبدالله بن
عبدالمطلب لا يوزن برجل من قريش إلا رجح ، ولا يقاس بأحد منهم إلا عظم عنه ، وإن
كان في المال قل فإن المال رزق حائل ، وظل زائل ، وله في خديجة رغبة ، ولها فيه
* ( هامش ) * ( 1 ) الفروع 1 : 59 .
( 2 ) فادخلك الجنة خ ل .
( 3 ) الفروع 1 : 60 .
( 4 ) نهج البلاغة : الجزء الاول : 417 .
( 5 ) عضادتا الباب : خشبتاه من جانبيه .
( 6 ) أى يجمع .
( 7 ) في تاريخ اليعقوبى : بعد قوله : على الناس : وبارك لنا في بلدنا الذى نحن به
. ( * )
[ 17 ]
رغبة ، والصداق ما سألتم عاجله وآجله ( 1 ) من مالي ، وله خطر ( 2 ) عظيم ، وشأن
رفيع ،
ولسان شافع جسيم ، فزوجه ودخل بها من الغد ، فأول ما حملت ولدت عبدالله بن
............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 16 من ص 17 سطر 3 الى ص 25 سطر 3
محمد صلى الله عليه واله ( 3 ) .
18 - اقول : قال الكازروني في المنتقى : روي أن خزيمة بن حكيم السلمي كانت
بينه وبين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها قرابة ، وإنه قدم عليها ، وكان إذا قدم
عليها أصابته
بخير ، فوجهته مع رسول الله صلى الله عليه واله وغلام لها يقال له : ميسرة في تجارة
إلى بصرى من
أرض الشام ، فأحب خزيمة رسول الله صلى الله عليه واله حبا شديدا ، فكان لا يفارقه
في نومه ولا في
يقظته ، فساروا حتى إذا كانوا بين الشام والحجاز قام على ميسرة بعيران لخديجة ،
وكان
رسول الله صلى الله عليه واله في أول الركب فخاف ميسرة على نفسه وعلى البعرين ،
فانطلق يسعى إلى
رسول الله صلى الله عليه واله فأخبره بذلك فأقبل النبي صلى الله عليه واله إلى
البعيرين فوضع يديه على أخفافهما
وعوذهما ، فانطلق البعيران يسعيان في أول الركب لهما رغاء ( 4 ) ، فلما رأى خزيمة
ذلك علم أن له شأنا عظيما ، فحرص على لزومه ومحافظته ، وساروا حتى إذا دخلوا الشام
نزلوا براهب من رهبان الشام ، فنزل رسول الله صلى الله عليه واله تحت شجرة ، ونزل
الناس متفرقين ،
وكانت الشجرة التي نزل تحتها شجرة يابسة قحلة ( 5 ) ، قد تساقط ورقها ، ونخر عودها
،
فلما نزل رسول الله صلى الله عليه واله واطمأن تحتها أنورت وأشرقت واعشوشب ماحولها
، وأينع ( 6 )
ثمرها ، وتدلت أغصانها ، فرفرفت ( 7 ) على رسول الله صلى الله عليه واله ، وكان ذلك
بعين الراهب فلم
يتمالك أن انحدر من صومعته ، فقال له : سألتك باللات والعزى ( 8 ) ، فقال : إليك
عني
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : عاجلة وآجلة .
( 2 ) الخطر : الشرف وارتفاع القدر . وفي تاريخ اليعقوبي : وله والله خطب عظيم ونبأ
شايع .
( 3 ) من لا يحضره الفقيه : 413 . واخرج نحوه اليعقوبي في تاريخه 2 : 15 .
( 4 ) الرغاء : صوت الابل .
( 5 ) قحل الشئ : يبس .
( 6 ) أينع الثمر : أدرك وطاب وحان قطافه .
( 7 ) أى فبسطت أغصانها عليه .
( 8 ) في المصدر : سألتك باللات والعزى ما اسمك ؟ ( * )
[ 18 ]
ثكلتك امك ، فما تكلمت العرب بكلمة أثقل علي من هذه الكلمة ، وكان ذلك مكرا من
الراهب ، وكان معه حين نزل من صومعته رق ( 1 ) أبيض ، فجعل ينظر فيه مرة وإلى النبي
صلى الله عليه واله اخرى ، ثم أكب ينظر فيه مليا ، فقال : هو هو ومنزل الانجيل ،
فلما
سمع بذلك خزيمة ظن أن الراهب يريد بالنبي صلى الله عليه واله مكرا ، فضرب بيده إلى
قائمة
سيفه فانتزعه وجعل يصيح بأعلى صوته : يا آل غالب ، فأقبل الناس يهرعون إليه من كل
ناحية يقولون : ما الذي راعك ؟ فلما نظر الراهب إلى ذلك أقبل يسعى إلى صومعته
فدخلها
وأغلق عليه بابها ، ثم أشرف عليهم فقال : يا قوم ما الذي راعكم مني ؟ فوالذي رفع
السماوات
بغير عمد ما نزل بي ركب هو أحب إلي منكم ، وإني لاجد في هذه الصحيفة أن النازل تحت
هذه الشجرة - وأومأ بيده إلى الشجرة التي تحتها رسول الله صلى الله عليه واله - هو
رسول رب العالمين ،
يبعث بالسيف المسلول ، وبالذبح الاكبر ، وهو خاتم النبيين ، فمن أطاعه نجا ، ومن
عصاه
غوى ، ثم أقبل على خزيمة فقال : ما تكون من هذا الرجل ؟ أرجلا من قومه ؟ قال : لا ،
ولكن خادم له ، وحدثه بحديث البعيرين ، فقال له الراهب : أيها الرجل إنه النبي الذي
يبعث في آخر الزمان ، وإني مفوض إليك أمرا ، ومستكتمك خبرا ، وعاهد إليك عهدا ،
فقال : ما هو ؟ فإني سامع لقولك ، وكاتم لسرك ، ومطيع لامرك ، فقال : إني أجد في
هذه الصحيفة أنه يظهر على البلاد ، وينصر على العباد ، ولا ترد له راية ، ولا تدرك
له
غاية ، وإن له أعداء أكثرهم اليهود أعداء الله ، فأحذرهم عليه ، فأسر خزيمة ذلك في
نفسه ، ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه واله فقال : يا محمد إني لارى فيك شيئا
ما رأيته في أحد
من الناس ، إني لاحسبك النبي الذي يذكر أنه يخرج من تهامة ، وإنك لصريح ( 2 )
في ميلادك ، والامين في أنفس قومك ، وإني لارى عليك من الناس محبة ، وإني مصدقك
في قولك ، وناصرك على عدوك ، فانطلقوا يؤمون الشام ، فقضوا بها حوائجهم ، ثم رجعوا
،
* ( هامش ) * ( 1 ) الرق : جلد رقيق يكتب فيه . الصحيفة البيضاء .
( 2 ) الصريح : الخالص ، ولعل المراد أن ميلادك لم يشب بشئ من رسوم الجاهلية ، أو
أن
نسبك الخالص ، أو أنك خرجت من النكاح لم يدنسك السفاح . قال الكازرونى في المنتقى :
أى لست
بكاذب عندهم . ( * )
[ 19 ]
ثم قال : فأرسلت خديجة إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها ، فحضر ، ودخل رسول الله
صلى الله عليه وآله في عمومته فتزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة ، وخديجة يومئذ
بنت أربعين سنة .
وقد روى قوم أنه زوجها أبوها في حال سكره ( 1 ) .
قال الواقدي : هذا غلط ، والصحيح أن عمها زوجها ، وأن أباها مات
قبل الفجار .
وذكر أن أبا طالب خطب يومئذ ، وذكر ما مر ، فلما أتم أبوطالب خطبته تكلم
ورقة بن نوفل ، فقال : " الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت ، وفضلنا على ما عددت ،
فنحن سادة العرب وقادتها ، وأنتم أهل ذلك كله ، لا تنكر العشيرة فضلكم ، ولا يرد
أحد من الناس فخركم وشرفكم ، وقد رغبنا بالاتصال بحبلكم وشرفكم ، فاشهدوا علي
معاشر قريش بأني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبدالله على أربعمأة دينار ،
ثم سكت ورقة ، وتكلم أبوطالب وقال : قد أحببت أن يشركك عمها ، فقال عمها ، اشهدوا
علي يا معشر قريش إني قد أنكحت محمد بن عبدالله خديجة بنت خويلد ، وشهد علي بذلك
صناديد قريش ، فأمرت خديجة جواريها أن يرقصن ويضربن بالدفوف ، وقالت : يا محمد مر
عمك أبا طالب ينحر بكرة من بكراتك ، وأطعم الناس على الباب ، وهلم فقل ( 2 ) مع
* ( هامش ) * ( 1 ) ذكره الطبري في تاريخه 2 ، 36 عن الواقدى ، وروى اليعقوبى في
تاريخه 2 : 14 و 15
ذلك عن عمار بن ياسر في عمه عمرو بن أسد ، إلا أنه قال فلما أصبح عمها عمرو بن أسد
أنكر ما رأى
فقيل له : هذا ، فقال : متى زوجته ؟ قيل له : بالامس ، قال : ما فعلت ، قيل له :
بلى نشهد أنك
قد فعلت ، فلما رأى عمرو رسول الله قال : اشهدوا أنى لم أكن زوجته بالامس ، فقد
زوجته
اليوم اه . قلت : فيهما غرابة وشذوذ ، ولم يرد ذلك من طرق الامامية . بل ورد من طرق
لا يعتمد
عليها الامامية ، وقد عرفت قبل ذلك في رواية الكلينى أن خديجة لما رأت أن عمها
تلجلج وقصر عن
الجواب قالت : يا عم لست أولى من نفسى ، قد زوجتك يا محمد نفسى ، وان ثبت في حديث
صحيح
أن غيرها كان المزوج لها فلا ينافى ذلك بل يجمع بوقوع العقد منهما جميعا ، كما يأتى
نظير ذلك
في عقد ورقة بن نوفل .
( 2 ) من قال يقيل قيلولة : نام في القائلة أى منتصف النهار . ( * )
[ 20 ]
أهلك فأطعم الناس ، ودخل رسول الله صلى الله عليه واله ، فقال مع أهله خديجة ( 1 )
.
19 - اقول : قال أبوالحسن البكري في كتاب الانوار : مر النبي صلى الله عليه واله
يوما
بمنزل خديجة بنت خويلد ، وهي جالسة في ملا من نسائها وجواريها وخدمها ، وكان
عندها حبر من أحبار اليهود ، فلما مر النبي صلى الله عليه واله نظر إليه ذلك الحبر
وقال : يا خديجة
اعلمي أنه قد مر الآن ببابك شاب حدث السن ، فأمري من يأتي به ، فأرسلت إليه جارية
من جواريها ، وقالت : يا سيدي مولاتي تطلبك ، فأقبل ودخل منزل خديجة ، فقالت :
أيها الحبر هذا الذي أشرت إليه ، قال : نعم هذا محمد بن عبدالله ، قال له الحبر :
اكشف
لي عن بطنك ، فكشف له ، فلما رآه قال : هذا والله خاتم النبوة ، فقالت ( 2 ) له
خديجة :
لو رآك عمه وأنت تفتشه لحلت عليك منه نازلة البلاء ، وإن أعمامه ليحذرون عليه من
أحبار اليهود ، فقال الحبر : ومن يقدر على محمد هذا بسوء ، هذا وحق الكليم رسول
الملك
العظيم في آخر الزمان ، فطوبى ( 3 ) لمن يكون له بعلا ، وتكون له زوجة وأهلا ، فقد
حازت
شرف الدنيا والآخرة ، فتعجبت خديجة ، وانصرف محمد وقد اشتغل قلب خديجة بنت خويلد
بحبه ، وكانت خديجة ملكة عظيمة ، وكان لها من الاموال والمواشي شئ لا يحصى ،
فقالت : أيها الحبر بم عرفت محمدا أنه نبي ؟ قال : وجدت صفاته في التوارة ، إنه
المبعوث آخر الزمان ( 4 ) ، يموت أبوه وامه ، ويكفله جده وعمه ، وسوف يتزوج
بامرأة من قريش سيدة قومها ، وأميرة عشيرتها ، وأشار بيده إلى خديجة ، ثم بعد ذلك
قال لها : احفظي ما أقول لك يا خديجة وأنشأ يقول :
* ( هامش ) * ( 1 ) المنتقى في مولود المصطفى : الباب الثامن فيما كان سنة خمس
وعشرين من مولده صلى الله
عليه وآله اه فيه : فقال مع أهله ، فأقر الله عينه ، وفرح أبوطالب فرحا شديدا وقال
: الحمد لله
الذى أذهب عنا الحزن ودفع عنا الهموم .
( 2 ) في المصدر : فكشف عن بطنه ، فلما رأى الحبر خاتم النبوة دهش لذلك ، قالت .
( 3 ) في المصدر : هذا وحق الكليم على الجبل العظيم محمد صاحب البرهان ، المبعوث في
آخر
الزمان ، المعطل بدينه سائر الاديان . فطوبى اه .
( 4 ) أضاف في المصدر هنا : يكسر الاصنام . ( * )
[ 21 ]
يا خديجة لا تنسي الآن قولي * وخذي منه غاية المحصول
يا خديجة هذا النبي بلا شك * هكذا قد قرأت في الانجيل
سوف يأتي من الاله بوحي * ثم يجبى ( 1 ) من الاله بالتنزيل
ويزوجه بالفخار ويحظى ( 2 ) * في الورى شامخا على كل جيل
فلما سمعت خديجة ما نطق به الحبر تعلق قلبها بالنبي صلى الله عليه واله ، وكتمت
أمرها ،
فلما خرج من عندها قال : اجتهدي أن لا يفوتك محمد ، فهو الشرف في الدنيا والآخرة (
3 ) ،
وكان لخديجة عم يقال له : ورقة ، وكان قد قرأ الكتب كلها ( 4 ) ، وكان عالما حبرا ،
وكان
يعرف صفات النبي الخارج في آخر الزمان ، وكان عند ورقة أنه يتزوج بامرأة ( 5 ) سيدة
من قريش ، تسود قومها ، وتنفق عليه مالها ، وتمكنه من نفسها ، وتساعده على كل
الامور ،
فعلم ورقة أنه ليس بمكة أكثر مالا من خديجة ، فرجا ورقة أن تكون ابنة أخيه خديجة ،
وكان يقول لها : يا خديجة سوف ( 6 ) تتصلين برجل يكون أشرف أهل الارض والسماء ،
* ( هامش ) * ( 1 ) أى يعطى .
( 2 ) ويزوج بذات الفخار فيضحى خ ل .
( 3 ) في المصدر : فهو والله شرف الدنيا والاخرة .
( 4 ) في المصدر : يقال له : ورقة بن نوفل ، وكان من كهان قريش ، وكان قد قرأ صحف
شيث
عليه السلام وصحف ابراهيم عليه السلام ، وقرأ التوراة والانجيل وزبور داود عليه
السلام .
( 5 ) في المصدر : بامرأة من قريش تكون سيدة قومها وأميرة عشيرتها ، تساعده وتعاضده
و
تنفق عليه مالها ، فعلم ورقة اه .
( 6 ) في المصدر : فرجا ورقة أن تكون زوجته حتى تفوز بالنبى صلى الله عليه وآله ،
وكان
ورقة إذا دخل على خديجة تقول لها : يا خديجة سوف تتصلين برجل يكون فيه شرف الدنيا
ونعيم
الاخرة ، وكانت خديجة أغنى أهل مكة ، وكان لها في كل قبيلة من العرب قريب من الوف
من
النوق والخيل والغنم ، لانها قد زوجت عبيدها بجواريها ، وفرقهم مع العرب ، وأعطتهم
بيوت
الشعر ، والخيل والابل ، وجعلوا يتوالدون ويكثرون ، والدواب تلد وتكثر ، وكان لها
ازيد
من أربعين ألف جمل تسافر بالتجارة إلى الشام والعراق والبحرين وعمان والطائف ومصر
والحبشة
وغيرها من الامصار ، ومعها العبيد والغلمان والوكلاء ، وكان أبوطالب اه . ( * )
[ 22 ]
وكان لخديجة في كل ناحية عبيد ومواشي حتى قيل : إن لها أزيد من ثمانين ألف جمل
متفرقة في كل مكان ، وكان لها في كل ناحية تجارة ، وفي كل بلد مال ، مثل مصر
والحبشة وغيرها ، وكان أبوطالب رضي الله عنه قد كبر وضعف عن كثرة السفر ، وترك ذلك
من حيث كفل النبي صلى الله عليه واله ، فدخل عليه النبي صلى الله عليه واله ذات يوم
فوجده مهموما ، فقال : ما لي
أراك يا عم مهموما ؟ فقال : يا ابن أخي اعلم أنه لا مال لنا ، وقد اشتد الزمان
علينا ،
وليس لنا مادة ، وأنا قد كبرت ، وضعف جسمي ، وقل ما بيدي ، واريد أن أنزل إلى
ضريحي ( 1 ) ، واريد أن أرى لك زوجة تسر قلبي يا ولدي لتسكن إليها ، ومعيشة يرجع
نفعها إليك ، فقال له النبي صلى الله عليه واله : ما عندك يا عم من الرأي ؟ قال :
اعلم يابن أخي أن
هذه خديجة بنت خويلد قد انتفع بمالها أكثر الناس ، وهي تعطي مالها سائر من يسألها
التجارة ( 2 ) ، ويسافرون به ، فهل لك يا ابن أخي أن تمضي معي إليها ونسألها أن
تعطيك
مالا تتجر فيه ، فقال : نعم ، قم إليها وافعل ما بدا لك .
قال أبوالحسن البكري : لما اجتمع بنو عبدالمطلب قال أبوطالب لاخوته : امضوا
بنا إلى دار خديجة بنت خويلد حتى نسألها أن تعطي محمدا مالا يتجر به ، فقاموا من
وقتهم وساعتهم وساروا إلى دار خديجة ، وكان لخديجة دار واسعة تسع أهل مكة جميعا ،
وقد جعلت أعلاها قبة من الحرير الازرق ، وقد رقمت في جوانبها صفة الشمس والقمر
والنجوم ، وقد ربطته من حبال الابريسم ( 3 ) وأوتاد من الفولاذ ، وكانت قد تزوجت
برجلين
أحدهما اسمه أبوشهاب وهو عمرو الكندي ( 4 ) ، والثاني اسمه عتيق بن عائذ ، فلما
ماتا خطبها عقبة بن أبي معيط ، والصلت بن أبي يهاب ، وكان لكل واحد منهما أربعمأة
عبد
وأمة ، وخطبها أبوجهل بن هشام وأبوسفيان ، وخديجة لا ترغب في واحد منهم ، وكان
* ( هامش ) * ( 1 ) قبل أن انزل ضريحى أرى خ ل . أقول : هو الموجود في المصدر .
( 2 ) في المصدر : وهى تعطى مالها من سألها التجارة .
( 3 ) بحبال من الابريسم خ ل . وهو الموجود في المصدر .
( 4 ) المشهور أنه أبوهالة مالك بن النباش بن زرارة التميمى ، أو النباش بن زرارة
أو
هند بن النباش على اختلاف . ( * )
[ 23 ]
قد تولع قلبها بالنبي صلى الله عليه واله لما سمعت ( 1 ) من الاحبار والرهبان
والكهان ، وما يذكرونه
من الدلالات ، وما رأت قريش من الآيات ، فكانت تقول : سعدت من تكون لمحمد قرينة ،
فإنه يزين صاحبه ( 2 ) ، وازداد بها الوجد ، ولج بها الشوق ( 3 ) ، فبعثت إلى عمها
ورقة
ابن نوفل فقالت له : يا عم اريد أن أتزوج وما أدري بمن يكون ، وقد أكثر علي الناس
وقلبي لا يقبل منهم أحدا ، فقال لها ورقة : يا خديجة ألا اعلمك بحديث غريب وأمر
عجيب ؟ قالت : وما هو يا عم ؟ قال : عندي كتاب من عهد عيسى عليه السلام فيه طلاسم
وعزائم ،
أعزم بها على ماء وتأخذينه وتغسلين به ، ثم أكتب كتابا فيه كلمات من الزبور ،
وكلمات
من الانجيل ، فتضعيه تحت رأسك عند النوم وأنت على فراشك ملتفة بثيابك ، فإن الذي
يكون زوجك يأتيك في منامك حتى تعرفيه باسمه وكنيته ، فقالت : افعل يا عم ، قال :
حبا وكرامة ، وكتب الكتاب ، وأعطاها إياه ، وفعلت ما أمرها به ونامت فرأت كأن
قد جاء إليها رجل لا بالطويل الشاهق ، ولا بالقصير اللاذق ، أدعج العينين ، أزج
الحاجبين ،
أحور المقلتين ( 4 ) ، عقيقي الشفتين ، مورد الخدين ، أزهر اللون ، مليح الكون ،
معتدل
القامة ، تظله الغمامة ، بين كتفيه علامة ، راكب على فرس من نور ، مزمم ( 5 )
بسلسلة
من ذهب ، على ظهره سرج من العقيان ، مرصع بالدر والجوهر ، له وجه كوجه الآدميين
منشق الذنب ، له أرجل كالبقر ، خطوته مد البصر ، وهو يرقل بالراكب ، وكان خروجه
من دار أبي طالب ، فلما رأته خديجة ضمته إلى صدرها ، وأجلسته في حجرها ، ولم تنم
باقي ليلتها إلى أن أقبلت إلى عمها ورقة ، وقالت : أنعمت صباحا يا عم ، قال : وأنت
لقيت
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : وكان قد وقع محبة النبى صلى الله عليه واله في
قلبها وقد تولع خاطرها به لما سمعت .
( 2 ) فانه يزين صاحبه ولا يشين خ ل .
( 3 ) لح عليها خ ل .
( 4 ) دعجت العين : صارت شديدة السواد مع سعتها فصاحبها أدعج . وحورت العين : اشتد
بياض بياضها وسواد سوادها فصاحبها أحور . والمقلة : شحمة العين ، أو هى السواد
والبياض منها .
العين ذاتها .
( 5 ) مزموم خ ل . ( * )
[ 24 ]
نجاحا ، فلعلك رأيت شيئا في منامك ، قالت : رأيت رجلا صفته كذا وكذا ، فعندها قال
ورقة : يا خديجة إن صدقت رؤياك تسعدين وترشدين ، فإن الذي رأيته متوج بتاج
الكرامة ، الشفيع في العصاة يوم القيامة ، سيد العرب والعجم ، محمد بن عبدالله بن
عبدالمطلب
ابن هاشم ، قالت : وكيف لي بما تقول يا عم وأنا كما يقول الشاعر :
أسير إليكم قاصدا لازوركم * وقد قصرت بي عند ذاك رواحلي
وملك الاماني خدعة غير أنني * اعلل حد الحادثات بباطل
احمل برق الشرق شوقا إليكم * وأسأل ريح الغرب رد رسائلي
قال : فزاد بها الوجد ، وكانت إذا خلت بنفسها فاضت عبرتها أسفا ، وجرت دمعتها
لهفا ، وهي تقول :
كم أستر الوجد والاجفان تهتكه * واطلق الشوق والاغضاء ( 1 ) تمسكه
جفاني القلب لما أن تملكه * غيري فوا أسفا لو كنت أملكه
ما ضر من لم يدع مني سوى رمقي * لو كان يمسح بالباقي فيتركه
قال الراوي : وأعجب ما رأيت في هذا الامر العجيب والحديث الغريب أن خديجة
لم تفرغ من شعرها إلا وقد طرق الباب ، فقالت لجاريتها : انزلي وانظري من بالباب ،
لعل هذا خبر من الاحباب ، ثم أنشأ يقول :
أيا ريح الجنوب لعل علم * من الاحباب يطفى بعض حري
ولم لا حملوك إلي منهم * سلاما أشتريه ولو بعمري
وحق ودادهم إني كتوم * وإني لا أبوح لهم بسري
أراني الله وصلهم قريبا * وكم يسر أتى من بعد عسر
فيوم من فراقكم كشهر * وشهر من وصالكم كدهر .
قال : ثم نزلت الجارية وإذا أولاد عبدالمطلب بالباب ، فرجعت إلى خديجة و
قالت : يا سيدتي إن بالباب سادات العرب ، ذوي ( 2 ) المعالي والرتب ، أولاد
عبدالمطلب ،
* ( هامش ) * ( 1 ) الاعضاء خ ل .
( 2 ) من ذوي المعالى خ ل . ( * )
[ 25 ]
فرمقت ( 1 ) خديجة رمق الهوى ، ونزل بها دهش الجوى ( 2 ) ، وقالت : افتحي لهم الباب
،
وأخبري ميسرة يعتد لهم المساند والوسائد ، فإني أرجو أن يكونوا قد أتوني بحبيبي
محمد ، ثم قالت شعرا :
............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 16 من ص 25 سطر 4 الى ص 33 سطر 4
ألذ حياتي وصلكم ولقاكم * ولست ألذ العيش حتى أراكم
وما استحسنت عيني من الناس غيركم * ولا لذ في قلبي حبيب سواكم
على الرأس والعينين جملة سعيكم * ومن ذا الذي في فعلكم قد عصاكم ( 3 )
فها أنا محسوب ( 4 ) عليكم بأجمعي * وروحي ومالي يا حبيبي فداكم
وما غيركم في الحب يسكن مهجتي * وإن شئتم تفتيش قلبي فهاكم
قال صاحب الحديث : وبسط لهم ميسرة المجلس بأنواع الفرش فما استقر بالقوم
الجلوس إلا وقد قدم لهم أصناف الطعام والفواكه من الطائف والشام ، فأكلوا وأخذوا
في الحديث ، فقالت لهم خديجة من وراء الحجاب بصوت عذب ، وكلام رطب : يا سادات
مكة أضاءت بكم الديار ، وأشرقت بكم الانوار ، فلعل لكم حاجة فتقضى ، أو ملمة ( 5 )
فتمضى ، فإن حوائجكم مقضية ، وقناديلكم مضيئة ، فقال أبوطالب رضي الله عنه : جئناك
في حاجة يعود نفعها إليك ، وبركتها عليك ، قالت : يا سيدي وما ذلك ؟ قال : جئناك في
أمر ابن أخي محمد ، فلما سمعت ذلك غاب ( 6 ) رشدها عن الوجود ، وأيقنت بحصول
المقصود ،
وقالت شعرا :
بذكر كم يطفئ الفؤاد من الوقد * ورؤيتكم فيها شفا أعين الرمد
ومن قال : إني أشتفي ( 7 ) من هواكم * فقد كذبوا لو مت فيه من الوجد
وما لي لا أملا سرورا بقربكم * وقد كنت مشتاقا إليكم على البعد
* ( هامش ) * ( 1 ) رمق : أطال النظر .
( 2 ) الجوى : شدة الوجد من حزن أو عشق .
( 3 ) فيما أردتم عصاكم خ ل .
( 4 ) محبوب خ ل .
( 5 ) الملمة : النازلة الشديدة من نوازل الدنيا .
( 6 ) غابت عن الوجود خ ل . وهو الموجود في المصدر .
( 7 ) أشتكى لهواكم خ ل . ( * )
[ 26 ]
تشابه سري في هواكم وخاطري ( 1 ) * فابدي الذي أخفى وأخفى الذي ابدي
ثم قالت بعد ذلك : يا سيدي أين محمد حتى نسمع ما يقول ( 2 ) ؟ قال العباس
رضي الله عنه : أنا آتيكم به ، فنهض وسار يطلبه من الابطح ( 3 ) فلم يجده ، فالتفت
يمينا
وشمالا فقالوا : ما تريد ( 4 ) ؟ فقال : اريد محمدا ، فقالوا له : في جبل حرى ( 5 )
، فسار إليه
فإذا هو فيه نائما في مرقد إبراهيم الخليل عليه السلام ملتفا ببرده وعند رأسه ثعبان
عظيم في
فمه طاقة ريحان يروحه بها ، فلما نظر إليه العباس قال : خفت عليه من الثعبان ،
فجذبت
سيفي وهممت بالثعبان ( 6 ) ، فحمل الثعبان على العباس ، فلما رأى العباس ذلك صاح
من وقته ادركني يا ابن أخي ، ففتح النبي صلى الله عليه واله عينيه فذهب الثعبان
كأنه لم يكن ،
فقال النبي صلى الله عليه واله : ما لي أرى سيفك مسلولا ؟ قال : رأيت هذا الثعبان
عندك ، فسللت سيفي
وقصدته خوفا عليك منه ، فعرفت في نفسي الغلبة فصحت بك ( 7 ) ، فلما فتحت عينك ذهب
كأنه لم يكن ، فتبسم النبي صلى الله عليه واله ، وقال : يا عم ليس هذا بثعبان ،
ولكنه ملك من
الملائكة ، ولقد رأيته مرارا ، وخاطبته ( 8 ) جهارا ، وقال لي : يا محمد إني ملك من
عند ربي
موكل بحراستك في الليل والنهار من كيد الاعداء والاشرار ، قال : ما ينكر فضلك يا
محمد ( 9 ) ، فقال له : سر معي إلى دار خديجة بنت خويلد تكون أمينا على أموالها ،
تسير
* ( هامش ) * ( 1 ) وظاهرى خ ل .
( 2 ) في المصدر : وأين محمد حتى نحدثه بما تريدون ، ونسمع ما يقول .
( 3 ) في الابطح خ ل .
( 4 ) في المصدر : قال له بعض أهل مكة : أراك يا سيدى التفت يمينا وشمالا ، من تطلب
؟ .
( 5 ) في المصدر : قال : كان هنا من ساعة وتوجه طالب جبل حرى .
( 6 ) في المصدر : فلما نظر إليه العباس خاف عليه من الثعبان أن يقتله فجذب سيفه
وهم
بالثعبان .
( 7 ) في المصدر : بعد قوله : مسلولا : قال : رأيت ما أرعبنى ، قال : وما رأيت شيئا
يشبه
السحر ، وما كان أبونا يعرف السحر ولا أنت أيضا تعرفه ، فأيش هذا ؟ قال : رأيت عند
رأسك
ثعبان عظيم فخفت عليك منه ، وأردت قتله فحمل على فأرعبنى فصحت بك اه قلت : ولعل
الصحيح :
قال : وما رأيت ؟ قال : رأيت شيئا .
( 8 ) خاطبني خ ل . وهو الموجود في المصدر .
( 9 ) في المصدر بعد ذلك : وانى وجدت لك مكانا تعمل فيه ، فتبسم النبى صلى الله
عليه وآله وقال : وأين يكون هذا ؟ قال عند خديجة تكون أمينا على أموالها . ( * )
[ 27 ]
بها حيث شئت ، قال : اريد الشام ، قال : ذلك إليك ، فسار النبي صلى الله عليه واله
والعباس
إلى بيت خديجة ، وكان من عادته صلى الله عليه واله إذا أراد زيارة قوم سبقه النور
إلى بيتهم ، فسبقه
النور إلى بيت خديجة ، فقالت لعبدها ميسرة : كيف غفلت عن الخيمة حتى عبرت الشمس
إلى المجلس ؟ قال : لست بغافل عنها ، وخرج فلم يجد تغير وتد ولا طنب ، ونظر إلى
العباس فوجده قد أقبل هو والنبي صلى الله عليه واله معه ، فرجع وقال لها : يا
مولاتي هذا الذي
رأيته من أنوار محمد صلى الله عليه واله ، فجاءت خديجة لتنظر إلى محمد ، فلما دخل
المجلس نهض أعمامه
إجلالا له ، وأجلسوه في أوساطهم ، فلما استقر بهم الجلوس قدمت لهم خديجة الطعام ( 1
)
فأكلوا ، ثم قالت خديجة : يا سيدي أنست بك الديار ، وأضاءت بك الاقدار ( 2 ) ،
وأشرقت
من طلعتك الانوار ، أترضى أن تكون أمينا على أموالي تسير بها حيث شئت ؟ قال : نعم
رضيت ، ثم قال : اريد الشام ، قالت : ذلك إليك ، وإني قد جعلت لمن يسير على أموالي
مائة وقية من الذهب الاحمر ، ومائة وقية من الفضة البيضاء ، وجملين وراحلتين ( 3 )
، فهل
أنت راض ؟ فقال أبوطالب رضي الله عنه ، رضي ورضينا ، وأنت يا خديجة محتاجة إليه ،
لانه
من حين خلق ما وقف له العرب على صبوة ، وأنه مكين أمين ، قالت خديجة : تحسن يا
سيدي تشد على الجمل وترفع عليه الاحمال ؟ قال : نعم ، قالت : يا ميسرة : ايتني
ببعير حتى
أنظر كيف يشد عليه محمد ، فخرج ميسرة وأتى ببعير شديد المراس ، قوى الباس ، لم يجسر
أحد
من الرعاة أن يخرجه من بين الابل لشدة بأسه ، فأدناه ليركبه فهدر وشقشق ( 4 )
واحمرت
عيناه ، فقال له العباس : ما كان عندك أهون من هذا البعير ؟ تريد أن تمتحن به ابن
أخينا ؟
فعند ذلك قال النبي صلى الله عليه وآله : دعه يا عم ، فلما سمع البعير كلام البشير
النذير برك على
قدمي النبي صلى الله عليه وآله ، وجعل يمرغ وجهه علي قدمي النبي صلى الله عليه وآله
ونطق بكلام فصيح وقال :
* ( هامش ) * ( 1 ) وما يوجب به الاكرام خ . قلت والزيادة موجودة في المصدر .
( 2 ) الاقطار خ ل .
( 3 ) وراحلة خ ل . وهو الموجود في المصدر .
( 4 ) هدر البعير : ردد صوته في حنجرته . شقشق : هدر وأخرج شقشقته . والشقشقة : شئ
كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج . ( * )
[ 28 ]
من مثلى وقد لمس ظهري سيد المرسلين ؟ فقلن النسوة اللاتى كن عند خديجة : ماهذا إلا
سحر عظيم قد أحكمه هذا اليتيم ، قالت لهم خديجة : ليس هذا سحرا ، وإنما هو آيات
بينات ، وكرامات ظاهرات ، ثم قالت :
نطق البعير بفضل أحمد مخبرا * هذا الذي شرفت به ام القرى
هذا محمد خير مبعوث أتى * فهو الشفيع وخير من وطأ الثرى
يا حاسديه تمزقوا من غيظكم * فهو الحبيب ولا سواه في الورى
قال : وخرج أولاد عبدالمطلب وأخذوا في اهبة السفر ( 1 ) ، فالتفتت خديجة إلى النبي
صلي الله عليه وآله وقالت : يا سيدي ما معك غير هذه الثياب ، فليست هذه تصلح للسفر
،
فقال : لست أملك غيرها ، فبكت خديجة وقالت : عندي يا سيدي ما يصلح للسفر ، غير أنهن
طوال فامهل ( 2 ) حتى اقصرها لك ، فقال : هلمي بها ، وكان صلى الله عليه وآله إذا
لبس القصير يطول
وإذا لبس الطويل يقصر ، كأنه مفصل عليه ( 3 ) ، فأخرجت له ثوبين من قباطي ( 4 ) مصر
،
وجبة عدنية ، وبردة يمنية ، وعمامة عراقية ، وخفين من الاديم ، وقضيب خيزران ،
فلبس النبي صلى الله عليه وآله الثياب وخرج كأنه البدر في تمامه ( 5 ) ، فلما نظرت
إليه جعلت تقول :
اوتيت من شرف الجمال فنونا * ولقد فتنت بها القلوب فتونا
قد كونت للحسن فيك جواهر * فيها دعيت الجوهر المكنونا
يا من أعار ( 6 ) الظبي في لفتاته ( 7 ) * للحسن جيدا ساميا وجفونا
انظر إلى جسمي النحيل وكيف قد * أجريت من دمع العيون عيونا
* ( هامش ) * ( 1 ) الاهبة : العدة . وزاد في المصدر : وإصلاح شأنهم .
( 2 ) فتمهل خ ل .
( 3 ) قد فصل عليه خ ل . وهو الموجود في المصدر .
( 4 ) القباطى والقباطى جمع القبطية ، القبطية والقبطية : ثياب من كتان منسوبة إلى
القبط . و
في المصدر : وبردة يمانية . وفيه : وعمامة شربية من دق العراق بحاشيتين من حرير .
( 5 ) كأنه البدر عند التمام ، إذا انجلى عنه الغمام خ ل ، وهو الموجود في المصدر .
( 6 ) أغار خ .
( 7 ) في فلواته خ ل . ( * )
[ 29 ]
أسهرت عيني في هواك صبابة * وملئت قلبي لوعة ( 1 ) وجنونا
ثم قالت : يا سيدي عندك ما تركب عليه ؟ قال : إذا تعبت ركبت أي بعير أردت ،
قالت : وما يحملني على ذلك ( 2 ) ؟ لا كانت الاموال دونك يا محمد ( 3 ) ، ثم قالت
لعبدها
ميسرة : ايتني بناقتي الصهباء حتى يركبها سيدي محمد ، فأتى بها ميسرة وهي تزيد على
الاوصاف ، لا يلحقها في سيرها تعب ، ولا يصيبها نصب ، كأنها خمية مضروبة ، أو قبة
منصوبة ، ثم التفتت إلى ميسرة وناصح وقالت لهما : اعلما أنني قد أرسلت إليكما أمينا
على أموالي ، وأنه أمير قريش وسيدها ( 4 ) ، فلا يد على يده ، فإن باع لا يمنع ، و
ترك لا يؤمر ، وليكن كلامكما له بلطف وأدب ، ولا يعلو كلامكما على كلامه ، قال
عبدها
ميسرة : والله يا سيدتي إن لمحمد عندي محبة عظيمة قديمة ، والآن قد تضاعفت لمحبتك
له ، ثم إن النبي صلى الله عليه واله ودع خديجة وركب راحلته وخرج وميسرة وناصح بين
يديه ،
وعين الله ناظرة إليه ، فعندها قالت خديجة شعرا :
قلب المحب إلى الاحباب مجذوب * وجسمه بيد الاسقام منهوب
وقائل كيف طعم الحب قلت له : * الحب عذب ولكن فيه تعذيب
أقذى ( 5 ) الذين علي خدي لبعدهم * دمي ودمعي مسفوح ومسكوب
ما في الخيام وقد سارت ركابهم ( 6 ) * إلا محب له في القلب ( 7 ) محبوب
كأنما يوسف في كل ناحية ( 8 ) * والحز ( 9 ) في كل بيت فيه يعقوب
* ( هامش ) * ( 1 ) اللوعة : الحزن والهوى والوجد .
( 2 ) على تعبك خ ل .
( 3 ) في المصدر : دونك وفداك يا محمد .
( 4 ) في المصدر : قد ارسلت محمدا على اموالى ، فانه أمين قريش وسيدها .
( 5 ) أفدى خ ل .
( 6 ) جمالهم خ ل .
( 7 ) في الركب خ ل .
( 8 ) راحلة خ ل .
( 9 ) والحى خ ل ، وهو الموجود في المصدر . والحز : ألم في القلب . ( * )
[ 30 ]
ثم إن النبي صلى الله عليه واله سار مجدا للسير إلى الابطح ، فوجد القوم مجتمعين ،
وهم
لقدومه منتظرون ، فلما نظروا إلى جمال سيد المرسلين وقد فاق الخلق أجمعين فرح المحب
( 1 ) ،
واغتم الحاسد ( 2 ) ، وظهر الحسد والكمد فيمن ( 3 ) سبقت له الشقاوة من المكذبين (
4 ) ،
وزادت عقيدة من سبقت له السعادة من المؤمنين ، فلما نظر العباس إليهم أنشأ يقول :
يا مخجل الشمس والبدر المنير إذا * تبسم الثغر لمع البرق منه أضا
كم معجزات رأينا منك قد ظهرت * يا سيدا ذكره يشفي به المرضى
فلما نظر النبي صلى الله عليه واله إلى أموال خديجة على الارض ولم يحمل منها شئ زعق
على العبيد ، وقال : ما الذي منعكم عن شد رحالكم ؟ قالوا يا سيدنا لقلة عددنا ،
وكثرة
أموالنا ، فأبرك راحلته ، ونزل ولوى ذيله في دور منطقته وصار يزعق بالبعير فيقول :
بإذن الله تعالى ، فتعجب الناس من فعله ، فنظر العباس إلى النبي صلى الله عليه واله
وقد احمرت
وجناته من العرق ، فقال : كيف اخلي الشمس تقرح هذا الوجه الكريم ؟ فعمد إلى
خشبة وقال : لاتخذن منها حجفة ( 5 ) تظل ( 6 ) محمدا من حر الشمس ، فارتجت الاقطار
وتجلى الملك الجبار ، وأمر الامين جبرئيل عليه السلام أن يهبط ( 7 ) إلى رضوان خازن
الجنان
وقل له : يخرج لك الغمامة التي خلقتها لحبيبي محمد صلى الله عليه واله قبل أن أخلق
آدم بألفي عام ،
وانشرها على رأس حبيبي محمد ، فلما رأوها شخصت نحوها الابصار ، وقال العباس : إن (
8 )
محمدا لكريم على ربه ، ولقد استغنى عن حجفتي ( 9 ) ، ثم أنشأ يقول :
* ( هامش ) * ( 1 ) المحبون خ ل ، وفي المصدر : المحبوب .
( 2 ) الحاسدون خ ل ، وفي المصدر : الحسود .
( 3 ) ممن خ ل ، وهو الموجود في المصدر .
( 4 ) في المصدر : وكتب من المكذبين ، وبعده : وكتب من المؤمنين .
( 5 ) الحجفة : الترس من جلد بلا خشب وفي المصدر المحفة .
( 6 ) تظلل خ ل .
( 7 ) اهبط خ ل .
( 8 ) والله إن خ ل ، وهو الموجود في المصدر .
( 9 ) في المصدر : عن محفتى . ( * )
[ 31 ]
وقف الهوى بي حيث كنت ( 1 ) فليس لي * متقدم عنكم ولا متأخر
ثم سار القوم حتى نزلوا بجحفة الوداع وحطوا رحالهم حتى يلحق بهم المتأخرون
فقال مطعم بن عدي : يا قوم إنكم سائرون إلى أرض كثيرة المهامه والاوعار ( 2 ) ،
وليس
لكم مقدم تستشيرون به وترجعون إلى أمره ، والرأي عندي أنكم تقدمون عليكم رجلا
لتستندوا إلى رأيه ، وترجعوا إلى أمره عن المنازع والمخالف ، قالوا : نعم ما أشرت
به ،
فقال بنو مخزوم : نحن نقدم علينا أخانا عمرو بن هشام المخزومي ، وقال بنو عدي : نحن
نقدم علينا أميرنا مطعم بن عدي ، وقال بنو النضر : نحن نقدم علينا أميرنا النضر بن
الحارث ،
وقال بنو زهرة : نحن نقدم علينا أميرنا احيحة بن الجلاح ، وقال بنو لوي : نحن نقدم
علينا أبا سفيان صخر بن حرب ، وقال ميسرة : والله ما نقدم علينا إلا سيدنا محمد بن
عبدالله ، و
قال بنو هاشم : ونحن أيضا نقدم علينا محمدا ، فقال أبوجهل : لان ( 3 ) قدمتم علينا
محمدا
لاضعن هذا السيف في بطني ، واخرجه من ظهري ، فقبض حمزة على سيفه وقال : يا وغد ( 4
)
الرجال ، ويا نذل الافعال ( 5 ) ، والله ما اريد إلا أن يقطع الله يديك ورجليك
ويعمى
عينيك ، فقال له النبي صلى الله عليه واله : اغمد سيفك يا عماه ، ولا تستفتحوا
سفركم بالشر ، دعوهم
يسيرون أول النهار ، ونحن نسير آخره ، فإن التقدم لقريش ، وكان صلى الله عليه واله
أول من تكلم
بهذه الكلمة ، وسار أبوجهل ومن يلوذ به ، وقد استغنم ( 6 ) من بني هاشم الفرصة ،
وهو
ينشد ويقول :
لقد ضلت حلوم بني قصي * وقد زعموا بتسييد ( 7 ) اليتيم
* ( هامش ) * ( 1 ) أنت خ ل .
( 2 ) المهامه : المفازة البعيدة . البلد القفر . والوعر : المكان الصلب . المكان
المخيف
الوحش .
( 3 ) والله لان خ ل ، وفي المصدر : والله والله لان .
( 4 ) الوغد : الضعيف العقل . الاحمق . الدنى .
( 5 ) الفعال خ ل قلت : وهو الموجود في المصدر ، قوله نذل من نذل أى كان خسيسا
محتقرا .
كان ساقطا في دين أو حسب فهو نذل .
( 6 ) في المصدر : وقد استغنموا الفرصة .
( 7 ) بتسديد خ ل . ( * )
[ 32 ]
وراموا للخلافة ( 1 ) غير كفو * فكيف يكون ذا الامر العظيم ؟
وإني فيهم ليث حمي * بمصقول ولي جد كريم
فلو قصدوا عبيدة أو ظليما * وصخر الحرب ذا الشرف القديم
لكنا راضيين لهم وكنا * لهم تبعا على خلف ( 2 ) ذميم
فأجابه العباس يقول :
ألا أيها الوغد الذي رام ثلبنا * أتثلب قرنا ( 3 ) في الرجال كريم
أتثلب ياويك الكريم أخا التقى * حبيب لرب العالمين عظيم
ولو لا رجال قد عرفنا محلهم * وهم عندنا في مجدب ( 4 ) ومقيم ( 5 )
لدارت سيوف يفلق الهام حدها * بأيدي رجال كالليوث تقيم
حماة كماة ( 6 ) كالاسود ضراغم * إذا برزوا ردوا لكل زعيم
ثم إن القوم ساروا إلى أن بعدوا عن مكة ، فنزلوا بواد يقال له : واد الامواه ،
لانه مجتمع السيول ( 7 ) وأنهار الشام ، ومنه تنبع عيون الحجاز ، فنزل به القوم
وحطوا
رحالهم ، وإذا بالسحاب قد اجتمع ( 8 ) ، فقال النبي صلى الله عليه واله : ما أخوفني
على أهل هذا
الوادي أن يدهمهم ( 9 ) السيل فيذهب بجميع أموالهم ، والرأي ( 10 ) عندي أن نستند
إلى هذا الجبل ، قال له العباس : نعم ما رأيت يا ابن أخي ، فأمر النبي صلى الله
عليه واله أن ينادي
* ( هامش ) * ( 1 ) للرياسة خ ل .
( 2 ) بلا خلف خ ل .
( 3 ) القرن : السيد .
( 4 ) المجذب خ ل .
( 5 ) ومهيم خ ل .
( 6 ) الكماة جمع الكمى : الشجاع ، أو لابس السلاح لانه يكمى نفسه أى يسترها بالدرع
و
البيضة .
( 7 ) في المصدر : وسمى بذلك لانه مجمع السيول .
( 8 ) قد أقبل خ ل وهو الموجود في المصدر .
( 9 ) أى غشيهم .
( 10 ) ولكن الرأى خ ل . ( * )
[ 33 ]
في القافلة أن ينقلوا رحالهم إلى نحو الجبل ( 1 ) مخافة السيل ، ففعلوا إلا رجلا من
بني
جمح ( 2 ) يقال له : مصعب ، وكان له مال كثير : فأبى أن يتغير ( 3 ) من مكانه ،
وقال :
يا قوم ما أضعف قلوبكم ؟ تنهزمون عن شئ لم تروه ولم تعاينوه ؟ فما استتم كلامه إلا
وقد ترادفت السحاب والبرق ونزل السيل وامتلا الوادي من الحافة إلى الحافة ( 4 ) ، و
............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 16 من ص 33 سطر 5 الى ص 41 سطر 5
أصبح الجمحي وأمواله كأنه لم يكن ، وأقام القوم في ذلك المكان أربعة أيام والسيل
يزداد ، فقال ميسرة : يا سيدي هذه السيول لا تنقطع إلى شهر ، ولا تقطعه السفار ( 5
) ، و
إن أقمنا هاهنا أضر بنا المقام ، ويفرغ الزاد ، والرأي ( 6 ) عندي أن نرجع إلى مكة
، فلم
يجبه النبي صلى الله عليه واله إلى ذلك ، ثم نام فرأى في منامه ملكا يقول له : يا
محمد لا تحزن ، إذا
كان غداة غد مر قومك بالرحيل ، وقف على شفير الوادي ، فإذا رأيت الطير الابيض قد خط
بجناحه فاتبع الخط ، وأنت تقول : بسم الله وبالله ، وأمر قومك أن يقولوا : هذه
الكلمة ،
فمن قالها سلم ، ومن حاد عنها غرق ، فاستيقظ النبي صلى الله عليه واله وهو فرح
مسرور ، ثم أمر
ميسرة أن ينادي في الناس بالرحيل ، فرحلوا وشد ميسرة رحاله ، فقال الناس : يا ميسرة
وكيف نسير وهذا المآء لا تقطعه إلا السفن ؟ فقال : أما أنا فإن محمدا أمرني ، وأنا
لا اخالفه
فقال القوم : ونحن أيضا لا نخالفه ، فبادر القوم ، وتقدم النبي صلى الله عليه واله
ووقف على شفير
الوادي ، وإذا بالطير الابيض قد أقبل من ذروة الجبل . وخط بجناحه خطا أبيض يلمع ،
فشمر النبي صلى الله عليه واله أذياله واقتحم المآء وهو يقول : بسم الله وبالله ،
فلم يصل المآء إلى نصف
ساقه ، ونادى أيها الناس لا يدخل أحد منكم المآء حتى يقول هذه الكلمة ، فمن قالها
سلم ،
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : لحف الجبل قلت : هو بالكسر : أصل الجبل .
( 2 ) في نهاية الارب 203 : بنو جمح بطن من بنى هصيص من قريش من العدنانية .
( 3 ) في المصدر : أن ينتقل .
( 4 ) في المصدر : والبرق قد لمع ، والغيث قد نزل ، والسيل قد تكاثر ، وامتلاء
الوادى من
الفج إلى الفج .
( 5 ) السفن خ ل وهو الموجود في المصدر .
( 6 ) ولكن خ ل . ( * )
[ 34 ]
ومن حاد عنها هلك ، فاقتحم القوم المآء وهم يقولون : الكلمة ( 1 ) ، ولم يتأخر من
القوم
سوى رجلين : أحدهما من بني جمح ، والآخر من بني عدي ، فقال العدوي : بسم الله و
بالله ، وقال الجمحي : بسم اللات والعزى ، فغرق الجمحي وأمواله ، وسلم العدوي و
أمواله ، فقال القوم للعدوي : ما بال صاحبك غرق ؟ قال : إنه قد عوج لسانه وخالف قول
النبي صلى الله عليه واله ( 2 ) فغرق ، فاغتم أبوجهل لعنه الله وقومه ، وقالوا : ما
هذا إلا سحر عظيم ،
فقال له بعض أصحابه : يا ابن هشام ما هذا بسحر ، ولكن والله ما أظلت الخضرآء ولا
أقلت
الغبرآء أفضل من محمد ، فلم يرد جوابا ، وساروا حتى نزلوا على بئر وكان تنزل عليه
العرب
في طريق الشام ( 3 ) ، فقال أبوجهل : والله لاجد في نفسي غبنة ( 4 ) عظيمة إن رد
محمد من
سفره هذا سالما ، ولقد عزمت على قتله ، وكيف لي بالحيلة في قتله وهو ينظر من ورائه
كما ينظر من أمامه ، ولكن أفعل فسوف تنظرون ، ثم عمد إلى الرمل والحصى وملا
حجره وكبس ( 5 ) به البئر ، فقال أصحابه : ولم تفعل ذلك ؟ فقال : اريد دفن البئر
حتى
إذا جاء ركب بني هاشم وقد أجهدهم العطش فيموتوا عن آخرهم ، فتبادر القوم بالرمل و
الحصى ولم يتركوا للبئر أثرا ، فقال أبوجهل لعنه الله : الآن قد بلغت مرادي ، ثم
التفت
إلى عبد له اسمه فلاح وقال له : خذ هذه الراحلة ، وهذه القربة والزاد واختف تحت
الجبل ( 6 ) ،
فإذا جاء ركب بني هاشم يقدمهم محمد ، وقد أجهدهم العطش والتعب ولم يجدوا للبئر أثرا
فيموتوا
فأتني بخبرهم ، فإذا أتيتني وبشرتني بموتهم أعتقتك وزوجتك بمن تريد من أهل مكة ،
فقال : حبا وكرامة ، ثم سار أبوجهل وتأخر العبد كما أمره مولاه ، وإذا بركب
بني هاشم قد أقبل يتقدمهم محمد ، فتبادر القوم إلى البئر فلم يجدوا له أثرا ، فضاقت
صدورهم
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : وهم يقولون : بسم الله وبالله .
( 2 ) في المصدر : قول محمد .
( 3 ) أضاف في المصدر : فحطوا رحالهم ، وسقوا دوابهم ، وأخذوا راحة .
( 4 ) حرقة خ ل .
( 5 ) كبس البئر : سواها ودفنها .
( 6 ) لحف الجبل . ( * )
[ 35 ]
وأيقنوا بالهلاك ، فلاذوا بمحمد صلى الله عليه واله ( 1 ) ، فقال لهم : هل هنا موضع
يعرف بالماء ؟ قالوا
نعم بئر قد ردمت ( 2 ) بالرمل والحجارة ( 3 ) ، فمشى النبي صلى الله عليه واله حتى
وقف على شفير البئر
فرفع طرفه إلى السماء ونادى : يا عظيم الاسمآء ، يا باسط الارض ، ويا رافع السمآء ،
قد
أضر بنا الظمآء ، فاسقنا المآء ، فإذا بالحجارة والرمل قد تصلصلت ( 4 ) ، وعين
المآء قد نبعت
وتفجرت ، وجرى المآء من تحت أقدامه ، فسقى القوم دوابهم ، وملؤوا قربهم ، وساروا و
سار العبد إلى مولاه ، وقال : ما وراءك يا فلاح ؟ وقال : والله ما أفلح من عادى
محمدا ، وحدثهم
بما عاين منه ، فامتلى أبوجهل غيظا ، وقال للعبد : غيب وجهك عني ، فلا أفلحت أبدا ،
ثم
سار حتى وصل واديا من أودية الشام يقال له : ذبيان ، وكان كثير الاشجار ، إذ خرج من
ذلك
الوادي ثعبان عظيم كأنه النخلة السحوق ، ففتح فاه وزفر ، وخرج من عينيه الشرار ،
فجفلت منه ناقة أبي جهل لعنه الله ، ولعبت بيديها ورجليها ورمته فكسرت أضلاعه ،
فغشي
عليه ، فلما أفاق قال لعبيده : تأخروا ( 5 ) إلى جانب الطريق ، فإذا جاء ركب بني
هاشم
يتقدمهم محمد قدموه علينا حتى إذا رأت ناقته الثعبان فعسى أن ترميه إلى الارض فيموت
،
ففعل العبيد ما أمرهم به ، وإذا بركب بني هاشم قد أقبل يتقدمهم محمد ، فقال النبي
صلى الله عليه واله :
يا ابن هشام أراكم قد نزلتم وليس هو وقت نزولكم ؟ فقال له : يا محمد ، والله قد
استحييت أن
أتقدم عليك ، وأنت سيد أهل الصفا ، وأعلا حسبا ونسبا ، فتقدم ، فلعن الله من يبغضك
،
ففرح العباس بذلك ، وأراد العباس أن يتقدم فنهاه النبي صلى الله عليه واله وقال :
ارفق يا عم ، فما
تقديمهم لنا إلا لمكيدة لنا ( 6 ) ، ثم إنه صلى الله عليه واله تقدم أمامهم ودخل
إلى ذلك الشعب ، و
إذا بالثعبان قد ظهر فجفلت منه ناقة النبي صلى الله عليه وآله ، فزعق بها النبي صلى
الله عليه واله وقال : ويحك
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : وشكوا إلى النبي صلى الله عليه وآله .
( 2 ) أى سدت .
( 3 ) في المصدر : والحصى . مكان والحجارة .
( 4 ) تصلصل : صوت .
( 6 ) في المصدر : تنحوا .
( 6 ) في المصدر : فما قدمونا سوددا ، وانما هى مكيدة ، فقف حتى أتقدم أنا . ثم إن
النبي . إه . ( * )
[ 36 ]
كيف تخافين وعليك خاتم الرسل وإمام البشر ( 1 ) ؟
ثم التفت إلى الثعبان وقال له : ارجع من حيث أتيت ، وإياك أن تتعرض لاحد
من الركب ( 2 ) ، فنطق الثعبان بقدرة الله تعالى ، وقال : السلام عليك يا محمد ،
السلام عليك
يا أحمد ، فقال النبي صلى الله عليه واله : السلام على من اتبع الهدى ، وخشي عواقب
الردى ، وأطاع
الملك الاعلى ، فعندها قال : يا محمد ما أنا من هوام الارض ، وإنما أنا ملك من ملوك
الجن
واسمي الهام بن الهيم ، وقد آمنت على يد أبيك إبراهيم الخليل ، وسألته الشفاعة ،
فقال :
هي لولد يظهر من نسلي يقال له : محمد ، ووعدني ( 3 ) أن أجتمع بك في هذا المكان ،
وقد
طال بي الانتظار ، وقد شاهدت المسيح عيسى بن مريم عليه السلام ليلة عرج به إلى
السمآء وهو
يوصي الحواريين باتباعك ، والدخول في ملتك ، والآن قد جمع الله شملي بك ، فلا تنسني
من الشفاعة يا سيد المرسلين ، فقال له النبي صلى الله عليه واله : لك ذلك علي ، فعد
من حيث جئت ،
ولا تتعرض لاحد من الركب ، فغاب الثعبان ، فلما نظر القوم إلى كلامه عجبوا من ذلك
وازداد أعمام النبي صلى الله عليه وآله يقينا وفرحا . وازداد الجنود ( 4 ) غيظا
وحسدا ، فأنشأ العباس
يقول :
يا قاصدا نحو الحطيم وزمزم * بلغ فضائل أحمد المتكرم
واشرح لهم ما عاينت عيناك من * فضل لاحمد والسحاب الاركم
قل وأت بالآيات ( 5 ) في السيل الذي * ملاء الفجاج بسيله المتراكم ( 6 )
ونجى الذي لم يخط قول محمد * وهو الذي أخطا بوسط جهنم
والبئر لما أن أضربنا الظمآء * فدعا الحبيب إلى الاله المنعم
فاضت عيونا ثم سالت أنهرا * وغدا السحود بحسرة وتغمغم
* ( هامش ) * ( 1 ) خاتم النبيين وامام المرسلين خ ل وفي المصدر : سيد المرسلين
وخاتم النبيين .
( 2 ) أضاف في المصدر : فانى محمد رسول الله ، والا شكوتك إلى إله السماء .
( 3 ) وأوعدنى خ ل ، وهو الموجود في المصدر .
( 4 ) الحسود خ ل ، وهو الموجود في المصدر .
( 5 ) قد بانت الايات خ ل .
( 6 ) المتلاطم خ ل . ( * )
[ 37 ]
والهام بن الهيم لما أن رأى * خير البرية جاء كالمستسلم
ناداه أحمد فاستجاب ملبيا * وشكى المحبة كالحبيب ( 1 ) المغرم
من عهد إبراهيم ظل مكانه * يرجو الشفاعة خوف جسر ( 2 ) جهنم
من ذا يقاس أحمد في الفضل من * كل البرية من فصيح وأعجم
وبه توسل في الخطيئة آدم * فليعلم الاخبار من لم يعلم
ولما فرغ العباس من شعره أجابه الزبير وأنشأ يقول شعرا :
يا للرجال ذوي البصائر والنظر * قوموا انظروا أمرا مهولا قد خطر ( 3 )
هذا بيان صادق في عصرنا * من سيد عالي المراتب مفتخر
آياته قد أعزجت كل الورى * من ذا يقائس عدها أو يختصر ( 4 )
منها الغمام تظله مهما مشى * أنى يسير تظله وإذا خطر ( 5 )
وكذلك الوادي أتى مترادفا * بالسيل يسحب للحجارة والشجر
ونجى الذي قد طاع قول محمد * وهوى المخالف مستقرا في سقر
وأزال عنا الضيم من حر الظماء * من بعد ما بان التقلقل والضجر
والبئر فاضت بالمياء وأقبلت * تجري على الارض ( 6 ) أشباه النهر ( 7 )
والهام فيه عبارة ( 8 ) ودلالة * لذوي العقول ذوي ( 9 ) البصائر والفكر
كاد الحسود يذوب مما عاينت * عيناه من فضل لاحمد قد ظهر
* ( هامش ) * ( 1 ) كالكئيب خ ل .
( 2 ) حر خ ل .
( 3 ) حضر خ ل .
( 4 ) مالا يقاس بعدها أو تنحصر خ ل .
( 5 ) خضر خ ل .
( 6 ) أراض وآراض جمع الارض .
( 7 ) على وجه الثرى شبه النهر خ ل .
( 8 ) عزة خ ل .
( 9 ) ذووا خ ل . ( * )
[ 38 ]
يا للرجال ألا انظروا أنواره * تعلوا على نور الغزالة والقمر
الله فضل أحمدا واختاره * ولقد أذل عدوه ثم احتقر
فأجابه حمزة رضي الله عنه يقول :
ما نالت الحساد فيك مرادهم * طلبوا نقوص الحال منك فزادا
كادوا وما خافوا عواقب كيدهم * والكيد مرجعه على من كادا
ما كل من طلب السعادة نالها * بميكدة أو أن يروم عنادا
يا حاسدين محمدا يا ويلكم * حسدا تمزق منكم الاكبادا
الله فضل أحمدا واختاره * ولسوف يملكه الورى وبلادا ( 1 )
وليملان الارض من إيمانه * وليهدين عن الغوى ( 2 ) من حادا
قال : فشكرهم النبي صلى الله عليه واله على ذلك وساروا جميعا ونزلوا واديا كانوا
يتعاهدون
فيه الماء قديما فلم يجدوا فيه شيئا من الماء ، فشمر النبي صلى الله عليه واله عن
ذراعيه ، وغمس كفيه
في الرمل ، ورمق السمآء ( 3 ) ، وهو يحرك شفتيه فنبع الماء من بين أصابعه تيارا ( 4
) ،
وجرى على وجه الارض أنهارا ، فقال العباس : امسك يا ابن أخي حذرا من الماء أن يغرق
أموالنا ثم شربوا ( 5 ) ، وملؤا قربهم ، وسقوا دوابهم ، فقال النبي صلى الله عليه
واله لميسرة : لعل
عندك شيئا من التمر فأحضره ، وكان يأكل التمر ، ويغرس النوى في الارض ( 6 ) ، فقال
له
العباس : لم تفعل ذلك يابن أخي ؟ قال : يا عم اريد أن أغرسها نخلا ، قال : ومتى
تطعم ( 7 ) ؟
* ( هامش ) * ( 1 ) وليملكن جمع الورى وبلادا خ ل .
( 2 ) من الغوى خ ل .
( 3 ) ورمق بطرفه إلى السماء خ ل .
( 4 ) من تار الماء : هاج . والتيار : سريع الجرى . والموج الهائج .
( 5 ) في المصدر : امسك يابن أخي فقد كاد الماء يغرق رحالنا ، ثم شربوا .
( 6 ) في المصدر : فقال النبي صلى الله عليه وآله : يا عم ما عندك شئ من التمر نأكل
؟ قال
العباس : نعم ، فأتاه العباس بقليل من التمر ، وكان يأكل التمر ويبل النوى بريقه ثم
يغمسه في
الثرى .
( 7 ) في المصدر : متى يثمر ويطعم ؟ . ( * )
[ 39 ]
قال : الساعة نأكل منها ونتزود إن شاء الله تعالى ، فقال له العباس : يابن أخي
النخلة
إذا غرست تثمر في خمس سنين ( 1 ) ، قال : يا عم سوف ترى من آيات ربي الكبرى ،
ثم ساروا حتى تواروا عن الوادي ، فقال : يا عم ( 2 ) ارجع إلى الموضع الذي فيه
النخلات
واجمع لنا ما نأكله ، فمضى العباس فرأى النخلات قد كبرت ، وتمايلت ( 3 ) أثمارها ،
وأزهرت ( 4 ) فأوقر منها راحلته ، والتحق بالنبي صلى الله عليه واله ، فكان يأكل من
التمر ويطعم
القوم فصاروا متعجبين من ذلك ، فقال أبوجهل لعنه الله : لا تأكلوا يا قوم مما يصنعه
محمد
الساحر ، فأجابه قومه وقالوا : يابن هشام اقصر عن الكلام ، فما هذا بسحر ، ثم سار
القوم
حتى وصلوا عقبة أيله ، وكان بها دير ، وكان مملوا رهبانا ، وكان فيهم راهب يرجعون
إلى
رأيه وعقله يقال ( 5 ) له : الفيلق بن اليونان بن عبدالصليب ، وكان يكنى أبا خبير ،
وقد
قرء الكتب ، وعنده سفر فيه صفة النبي صلى الله عليه واله من عهد عيسى بن مريم عليه
السلام ، وكان إذا
قرأ الانجيل على الرهبان ووصل إلى صفات النبي صلى الله عليه وآله بكى ، وقال : يا
أولادي متى
تبشروني بقدوم البشير النذير ، الذي يبعثه الله من تهامة ، متوجا بتاج الكرامة ،
تظله
الغمامة ، يشفع في العصاة يوم القيامة ( 6 ) ، فقال له الرهبان : لقد قتلت نفسك
بالبكاء والاسف
على هذا الذي تذكره ، وعسى أن يكون قد قرب أوانه ، فقال : إي والله إنه قد ظهر
بالبيت
الحرام ، ودينه عنه الله الاسلام ، فمتى تبشروني بقدومه من أرض الحجاز ، وهو تظله
الغمامة ، وأنشأ يقول شعرا :
لان نظرت عيني جمال أحبتى * وهبت لبشرى الوصل ما ملكت يدي
وملكته روحي ومالي غيرها * وهذا قليل في محبة أحمد
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : ثلاث سنين .
( 2 ) في المصدر : فالتفت النبي صلى الله عليه وآله إلى عمه العباس فقال : يا عم .
( 3 ) في المصدر : وبسقت بالتمر ، وتمايلت .
( 4 ) أزهت خ ل .
( 5 ) في المصدر : يعتمدون بقوله ويرجعون إلى رأيه يقال .
( 6 ) أضاف في المصدر بعد ذلك : ودام على ذلك زمانا طويلا . ( * )
[ 40 ]
سألت إلهي أن يمن بقربه * ويجمع شملي بالنبي محمد
قال : وما زال الراهب كلما ذكر الحبيب أكثر النحيب إلى أن حال ( 1 ) منه
النظر وزاد به الفكر ، فعند ذلك أشرف بعض الرهبان ، وقد أشرقت الانوار من جبين
النبي المختار ، فنظر الرهبان إلى الانوار وقد تلالات من الركب ، وقد أقبل من الفلا
وأشرق ( 2 ) وعلا ، تقدمهم سيد الامم ، وقد نشرت على رأسه الغمامة ، فقالوا : يا
أبا
الرهبان ( 3 ) هذا ركب قد أقبل من الحجاز ، فقال : يا أولادي وكم ركب قد أقبل وأتى
وأنا اعلل نفسي بلعل وعسى ؟ قالوا : يا أبانا قد رأينا نورا قد علا ، فقال ( 4 ) :
الآن قد
زال الشقآء ، وذهب العنآء ، ثم رفع طرفه نحو السمآء وقال : إلهي وسيدي ومولاي بجاه
هذا المحبوب الذي زاد فيه تفكري إلا ما رددت علي بصري ، فما استتم كلامه حتى
رد الله عليه بصره ، فقال الراهب للرهبان : كيف رأيتم جاه هذا المحبوب عند علام
الغيوب ، ثم أنشأ يقول :
بدا النور من وجه النبي فأشرقا * وأحيا محبا بالصبابة محرقا ( 5 )
وأبرأ عيونا قد عمين من البكاء * وأصبح من سوء المكاره مطلقا
ترى هل ترى عيناي طلعة وجهه * وأصبح من رق الضلالة معتقا
ثم قال : يا أولادي إن كان هذا النبي المبعوث في هذا الركب ينزل ( 6 ) تحت
هذه الشجرة فإنها ( 7 ) تخضر وتثمر ، فقد جلس تحتها عدة من الانبياء ، وهي من عهد
عيسى
ابن مريم عليه السلام يابسة ، وهذه البئر لم نر فيها ( 8 ) ماء فإنه يأتي إليها
ويشرب منها ، فما كان
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : خلل .
( 2 ) والنور قد أشرق خ ل ، وهو الموجود في المصدر ، وفيه : والركب قد أقبل من
الفلا .
( 3 ) في المصدر : يا أبانا .
( 4 ) في المصدر : بعد قوله : قد علا : فقال : رأيتم النور ؟ قالوا : نعم ، قال .
( 5 ) موثقا خ ل .
( 6 ) فهو ينزل خ ل .
( 7 ) وانها خ ل .
( 8 ) من مدة مديدة لم نر خ ل . ( * )
[ 41 ]
إلا قليلا وإذا الركب قد أقبل وحول البئر قد نزلوا ، وحطوا الاحمال عن الجمال ،
وكان
النبي صلى الله عليه واله يحب الخلوة بنفسه ، فأقبل تحت الشجرة فاخضرت وأثمرت من
وقتها وساعتها ،
فما استقر بهم الجلوس حتى قام النبي صلى الله عليه واله فمشى إلى البئر فنظر إليها
واستحسن
عمارتها ، وتفل فيها فتفجرت منها عيون كثيرة ، ونبع منها ماء معين ، فلما رأى
الراهب
ذلك قال : يا أولادي هذا هو المطلوب فبادروا بصنع الولائم من أحسن الطعام لنتشرف
............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 16 من ص 41 سطر 6 الى ص 49 سطر 6
بسيد بني هاشم ، فإنه سيد الانام ، لنأخذ منه الذمة ( 1 ) لسائر الرهبان ، فبادر
القوم
لامره طائعين ، وصنعوا الولائم ، وقال لهم : انزلوا إلى أمير هذا القوم ( 2 )
وقولوا له :
إن أبانا يسلم عليك ، ويقول لك : إنه قد عمل ( 3 ) وليمة وهو يسألك أن تجيبه وتأكل
من زاده ، فنزل بعض الرهبان فما رأى أحسن من أبي جهل لعنه الله ، ولم ير رسول الله
صلى الله عليه وآله ، فأخبر أبا جهل بمقالة الراهب ، فنادى في العرب : إن هذا
الراهب
قد صنع لاجلي وليمة ، واريد أن تجيبوا لدعوته ( 4 ) ، فقال القوم : من نترك عند
أموالنا ؟
فقال أبوجهل : اجعلوا محمدا عند أموالنا فهو الصادق الامين ، وفي هذا المعنى قيل :
شعر :
ومناقب شهد العدو بفضلها * والفضل ما تشهد به الاعداء
فسار القوم إلى النبي صلى الله عليه واله وسألوه أن يجلس عند متاعهم . وسار القوم
إلى الراهب
يتقدمهم أبوجهل لعنه الله ، وقد أعجب بنفسه ، فلما دخلوا الدير أحضر ( 5 ) لهم
الطعام
وناداهم بالرحب والاكرام ، فأخذ القوم في الاكل ، وأخذ الراهب القلنسوة جعل ينظر
فيه ويدور على القوم رجلا رجلا ( 6 ) ، وجعل ينظر فيهم رجلا رجلا ، فلم ير صفة
النبي
* ( هامش ) * ( 1 ) الذمم خ ل .
( 2 ) الركب خ ل .
( 3 ) في المصدر : عمل لك . وفيه : أن تجيب عزيمته وتأكل وليمته .
( 4 ) في المصدر : أن تجيبوا عزيمته . وتأكلوا من وليمته .
( 5 ) أحضروا .
( 6 ) وأخذ الراهب السفر في يده وهو ينظر فيه ويدور على القوم رجلا خ ل وهو الموجود
في المصدر . ( * )
[ 42 ]
صلى الله عليه وآله ( 1 ) ، فرمى القلنسوة عن رأسه ونادى : واخيبتاه ، واطول شقوتاه
( 2 ) ،
ثم جعل يقول : شعرا :
يا أهل نجد تقضى العمر في أسف * منكم وقلبي لم يبلغ أمانيه
يا ضيعة العمر لا وصل ألوذ به * من قربكم لا ولا وعد ارجيه
قال : ثم بعد ذلك قال : يا سادات قريش هل بقي منكم أحمد ( 3 ) ؟ فقال أبو جهل :
نعم بقي منا صبي صغير أجير على أموال بعض نسائنا ، فما استتم كلامه حتى قام له
حمزة وضربه ضربا وجيعا ، وألقاه على قفاه ، وقال : يا وغد الانام لم لا قلت : تأخر
منا
البشير النذير ، السراج المنير ، وما تركناه عند بضائعنا وأموالنا إلا لامانته وما
فينا أصلح
منه ، ثم التفت حمزة إلى الراهب وقال : أرني السفر ، وأخبرني بما فيه ، فقال : سيدي
هذا
سفر فيه صفة النبي صلى الله عليه واله ، لا بالطويل الشاهق ، ولا بالقصير اللاصق ،
معتدل القامة ، بين
كتفيه علامة ، تظله الغمامة ، يبعث من تهامة ، شفيع العصاة يوم القيامة ، قال
العباس :
يا راهب إذا رأيته تعرفه ؟ قال : نعم ، قال : سر معي إلى الشجرة ، فإن صاحب هذه
الصفة
تحتها ، فخرج الراهب من الدير يهرول في خطواته حتى لحق بالنبي صلى الله عليه واله ،
فلما رآه
نهض قائما لا متكبرا ولا متجبرا ، فقال : مرحبا بالفيلق ، بعد ما قال له الراهب :
السلام عليك يا أبا الفتيان ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وعليك السلام يا
عالم الرهبان ، ويا
ابن اليونان يا ابن عبد الصليب ( 4 ) ، فقال الراهب : وما أدراك أني الفيلق بن
اليونان بن
عبدالصليب ؟ قال : الذي أخبرك أني ابعث في آخر الزمان بالامر العجيب ، فانكب
الراهب على قدميه يقبلهما وهو يقول : يا سيد البشر ، لعلك أن تجيب لوليمتنا لتحصل
لنا بها ( 5 ) الكرامة . ونفوز بمحبتك يوم القيامة ، فقال له النبي صلى الله عليه
واله : اعلم أن القوم
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : فلم يجد أحدا فيه الصفات التى عنده .
( 2 ) في المصدر : واطول تبعاه
( 3 ) في المصدر : أحد لم يحضر .
( 4 ) في المصدر : يابن اليونان بن عبدالصليب ، قال : ومن أخبرك أنى .
( 5 ) في المصدر : بك . ( * )
[ 43 ]
أودعوني في أموالهم ، فقال : يا مولاي تصدق علينا بالمسير ، إن عدم لهم عقال علي
ببعير ،
فقال له النبي صلى الله عليه واله : سر ، وسار معهم إلى ديرهم ، وكان له بابان :
واحد كبير ، والآخر
صغير ، وقد وضعوا بحيال الباب الصغير كنيسة فيها تصاوير وتماثيل ، فاذا دخل الرجل
من الباب الصغير ينحني برأسه ، وذلك برسم السجود للتصاوير في الكنيسة ، فخطر في
نفسه أنه يدخل النبي صلى الله عليه واله من الباب الصغير ليتلذذ بمعاجزه ( 1 )
وغرائب كراماته ،
فلما دخل الراهب أمامه داخله الفزع من النبي صلى الله عليه واله فلما دخل النبي صلى
الله عليه واله من الباب
القصير أمر الله تعالى عضادتي الباب أن ترتفع ، فارتفع الباب حتى دخل النبي صلى
الله عليه واله
منتصب القامة ، فلما أشرف على القوم قاموا له إجلالا ، وأجلسوه في أوساطهم على أعلى
مكان ، ووقف الراهب بين يديه ، والرهبان حوله ، فقدموا بين يديه طرائف الشام ( 2 )
، ثم
رمق الراهب بطرفه إلى السمآء فقال : إلهي وسيدي ومولاي أرني خاتم النبوة ، فأرسل
الله عزوجل جبرئيل ورفع ثيابه عن ظهره ، فبان خاتم النبوة بين كتفيه ، فسطع منه نور
ساطع ، فلما رآه الراهب خر ساجدا هيبة من ذلك النور ، ثم رفع رأسه وقال : هو أنت
حقا ، ثم إن حمزة أنشأ يقول :
أنت المظلل بالغمام وقد رأى * الرهبان أنك ذاك وانكشف الخبر
ربيت في بحبوح ( 3 ) مكة بعد ما ( 4 ) * وضع الخليل وفاق فخرك من فخر
ورضعت في سعد لثدي حليمة * كرما ففاض الثدي نحوك وانحدر
قال : فشكره النبي صلى الله عليه واله وتفرق القوم إلى رحالهم ، وقد كمد أبوجهل
غيظا ، وبقي
ميسرة والراهب مع النبي صلى الله عليه واله فقال الراهب : يا سيدي أبشر ، فإن الله
يوطئ لك رقاب
* ( هامش ) * ( 1 ) بمعجزاته خ ل وفي المصدر : لسدد معجزاته ، ويشهدون غرائب
كراماته اه قلت : لعله مصحف
يسددون بمعجزاته .
( 2 ) في المصدر : والرهبان حواليه ، ومدحوه بأفصح لسان ، وأوعدوه بالاجلال
والاكرام ، وقدموا
بين يديه من ظرائف الشام .
( 3 ) بحبوحة مكة : وسطها .
( 4 ) حيث ما خ ل . ( * )
[ 44 ]
العرب ، وتملك سائر البلاد ، وينزل عليك القرآن ، وتدين لك الانام ، ودينك عند الله
هو
الاسلام ( 1 ) ، وتنكس الاصنام ، وتمحق الاديان ، وتخمد النيران ، وتكسر الصلبان ،
ويبقى ذكرك إلى آخر الزمان ، فأسألك يا سيدي أن تتصدق علينا بالذمام لسائر الرهبان
لتأخذ منهم امتك الجزية في ذلك الزمان ، فياليتني كنت معك حتى تبعث يا سيدي ( 2 ) ،
فأعطاهم النبي صلى الله عليه واله الذمام ، وأكرمهم ( 3 ) غاية الاكرام .
وقال الراهب لميسرة : يا ميسرة اقرأ مولاتك مني السلام ، واعلم ( 4 ) أنها قد ظفرت
بسيد الانام ، وأنه سيكون لك ( 5 ) شأن من الشأن ، وتفضل على سائر الخاص والعام ،
واحذرها أن تفوتها القرب من هذا السيد ، فإن الله تعالى سيجعل نسلها من نسله ،
وتبقى
ذكرها إلى آخر الزمان ، ويحسدها عليه كل أحد ، وأعلمها أنه لا يدخل الجنة إلا
من يؤمن به ، ويصدق برسالته ، وأنه أشرف الانبياء وأفضلهم ، وأصفاهم سريرة ، واحذر
عليه من أعدائه اليهود في الشام حتى يعود إلى بيت الحرام ، ثم ودع الراهب وخرج
النبي صلى الله عليه واله ولحق بالقوم ، وساروا من وقتهم وساعتهم إلى أن نزلوا بأرض
الشام ( 6 ) ،
وحطوا رحالهم ، فبادر أهل المدينة ، واشتروا بضاعتهم ، وباعت قريش بضائعها بأغلى
أثمان ،
في أحسن بيع ، وأما ما كان من النبي صلى الله عليه واله فإنه لم يبع شيئا من بضاعته
، فقال أبوجهل
لعنه الله : والله ما رأت خديجة سفرة أشأم من هذه ، لم يبع من بضاعتها شيئا ( 7 ) ،
فلما
أصبح الصباح نادى العرب ( 8 ) ، فلما أقبلت من كل جانب ومكان يريدون البضائع ، فلم
* ( هامش ) * ( 1 ) أضاف في المصدر هنا . وتبعث بالمعجزات والدلائل والايات البينات
. وفيه تنكسر الاصنام
وتمحو الاوثان .
( 2 ) يا سيد ولد عدنان خ ل . وهو الموجود في المصدر .
( 3 ) وأكرمه خ ل .
( 4 ) وأعلمها خ ل .
( 5 ) لها خ ل وهو الموجود في المصدر .
( 6 ) فنزلوا بمدينة يقال لها : برا خ ل . وفي المصدر : حتى وصلوا الشام ونزلوا
بمدينة برا .
( 7 ) قط خ ل .
( 8 ) أقبلت العرب من دل خ ل . ( * )
[ 45 ]
يجدوا إلا بضائع خديجة ، فباعها النبي صلى الله عليه واله بأضعاف ما باعت قريش ( 1
) ، فاغتم أبوجهل
لذلك غما شديدا ، ولم يبق من بضائع خديجة إلا حمل أديم ، فجاء رجل من اليهود يقال
له
سعيد بن قطمور ، وكان من أحبار اليهود وكهانهم ، وكان قد اطلع على صفة النبي صلى
الله عليه واله
فلما نظر إليه عرفه بالنور ، وقال : هذا الذي يسفه أحلامنا ( 2 ) ، ويعطل أدياننا ،
ويرمل
نسواننا ، وأنا أحتال على قتله ، ثم دنا من النبي صلى الله عليه واله وقال : يا
سيدي بكم هذا الحمل ؟
فقال : بخمس مأة درهم ، لا ينقص منها شئ ، قال : اشتريت بشرط أن تسير معي إلى
منزلي ، وتأكل من طعامي حتى تحصل لنا البركة ( 3 ) ، فقال النبي صلى الله عليه واله
: نعم ، فأخذ
اليهودي حمل الاديم وسار إلى منزله ، وسار النبي صلى الله عليه واله ، فلما قرب
اليهودي من
منزله سبق إلى زوجته ، وقال لها : اريد منك أن تساعديني على قتل هذا الذي يعطل
أدياننا ، قالت : وكيف أصنع به ؟ قال : خذي فردة ( 4 ) الرحى واقعدي على باب الدار
،
فإذا رأيتيه قبض منا ثمن حمل الاديم وخرج امي عليه فردة الرحى ( 5 ) حتى تقتليه ،
ونستريح منه ، قال : فأخذت زوجة اليهودي الرحى ، وطلعت على سطح الدار ، فلما خرج
النبي صلى الله عليه واله همت أن تلقى عليه الرحى فأمسك الله يديها ( 6 ) ، ورجف
قلبها ، وقد غشي ( 7 )
عليها من نور وجه رسول الله صلى الله عليه واله ، وكان لها ولدان قائمان ( 8 )
بفناء الدار فسقطت الرحى
عليهما فماتا ، فلما نظر اليهودي إلى ما جرى على أولاده نادى بأعلى صوته : يا بني
قريظة
فأجابوه من كل جانب ومكان ، وقالوا له : ما ورائك ؟ قال ( 9 ) : اعلموا أنه قد حل (
10 )
* ( هامش ) * ( 1 ) واضاف في المصدر : وربحت بضائعها ربحا لم يخطر ببالهم .
( 2 ) أى عقولنا .
( 3 ) في المصدر : حتى تصل بكم البركة لانكم سكان بيت الله الحرام .
( 4 و 5 ) طبقة الرحى خ ل .
( 6 ) على يديها خ ل .
( 7 ) وكان قد غشى خ ل وهو الموجود في المصدر .
( 8 ) نائمان خ ل وهو الموجود في المصدر .
( 9 ) فقال خ ل وهو الموجود في المصدر .
( 10 ) في المصدر : دخل . ( * )
[ 46 ]
ببلدكم هذا الرجل الذي يعطل أديانكم ، ويسفه أحلاكم ( 1 ) ، وقد دخل منزلي ، و
أكل من طعامي ، وقتل أولادي ، فلما سمعت اليهود ذلك منه ركبوا خيولهم ، وجردوا
سيوفهم ، وحملوا على قريش بأجمعهم ، فلما نظر أعمام النبي صلى الله عليه واله إلى
اليهود لبسوا
دروعهم وبضهم ( 2 ) وركبوا خيولهم العربية ، وارتفع الصياح ، وشهروا الصفاح ( 3 ) ،
وقالوا : ما أبركه من صائح صاح ( 4 ) ، وركب حمزة على جواده وهو أشقر مضمر ، حسن
المنظر ، مليح المخبر ، صافي الجوهر ، من خيل قيصر ، وتقلد سيفه ، واعتقل رمحه ،
ولبس
درعه ، وحملى على اليهود فهناك جاشت عليهم الخيل من كل مكان ، وحل بهم الوبال ،
فأجمع ( 5 ) رأيهم على أن ينفذوا منهم ( 6 ) سبعة رجال من رؤسائهم بلا سلاح ، فلما
رأتهم
قريش من غير سلاح قالوا : ما شأنكم ! قالوا : يا معشر العرب إن هذا الرجل الذي معكم
- يعنون بذلك النبي صلى الله عليه واله - أول من يبدئ بخراب دياركم ، وقتل رجالكم ،
وتكسير
أصنامكم ، والرأي عندنا أن تسلموه لنا حتى نقتله ونستريح منه نحن وأنتم ، فلما سمع
حمزة الكلام قال : يا ويلكم هيهات هيهات أن نسلمه إليكم ، فهو نورنا وسراجنا ، ولو
تلفت
فيه ارواحنا فهي فداه دون اموالنا ، فلما سمع اليهود ذلك آيسوا ( 7 ) من بلوغ
مرادهم ،
ورجعوا على أعقابهم ( 8 ) ، فلما عاين قريش اليهود وقد إنقلب بعضهم على بعض رأوها
فرصة
* ( هامش ) * ( 1 ) أضاف في المصدر : ويخرب دياركم .
( 2 ) في المصدر : لبسوا الدروع الداودية ، واليسوف الهندية ، والبيض الحلبية ،
والرماح
الخطية .
( 3 ) أى سلوا سيوفهم ورفعوها .
( 4 ) أضاف في المصدر : واليهود ثابتون لوقع الصفاح .
( 5 ) في المصدر : فهناك حانت الاجال ، ودارت عليهم الاحوال ، وطحنت رحى الحرب رؤوس
الابطال ، وحل بهم الويل والنكال ، وانهزموا اليهود ، وقد علاهم الويل ، وحل بهم
العذاب ،
فاجمعوا .
( 6 ) في المصدر : إليهم .
( 7 ) في المصدر : وان الارواح فداه والاموال ، وان أردتم قطع الرؤوس واتلاف النفوس
هلموا ، فلما سمع اليهود كلامهم آيسوا .
( 8 ) في المصدر أضاف : خائبين . ( * )
[ 47 ]
فرحل القوم يجدون السير إلى ديارهم ، وقد غنموا أسلابا من اليهود ، وخيلهم وسلاحهم
،
وقد فرحوا بالنصر والظفر ، فلما استقاموا على الطريق قال لهم ميسرة : ما منكم أحد
يا قوم إلا وقد سافر مرة أو مرتين أو أكثر ، فهل رأيتم أبرك من هذه السفرة ، وأكثر
من
ربحها ؟ وما ذلك إلا ببركة محمد صلى الله عليه واله ، وهو قد نشأ فيكم وهو قليل
المال ، فهل لكم أن تجمعوا
له شيئا من بينكم على جهة الهدية حتى يستعين به على حاله ، فقالوا له : والله لقد
أصبت
الرأي يا ميسرة ، ثم إن القوم نزلوا منزلا كثير الماء والاشجار والانهار ، فاستخرج
كل واحد منهم شيئا لطيفا ، وجاؤا به على سبيل الهدية ، وكان يحب الهدية ، ويكره
الصدقة ، فلما جمعوه ( 1 ) بين يديه قالوا له : خذها مباركة عليك ، فدفعها إلى
ميسرة ولم
يرد جوابا ، ثم إن القوم رحلوا يجدون السير ، ويقطعون الفيافي والاودية إلى أن
نزلوا
دير الراهب ، وهو الوادي الذي تزودوا منه التمر ، ثم إنهم رحلوا حتي قربوا من مكة
ونزلوا بحجفة ( 2 ) الوداع ، فأخذ الناس ينفذون إلى أهاليهم يبشرونهم بقدومهم
وغنمهم ،
قال أبوجهل لعنه الله : يا قوم ما رأيت ربحا أكثر من سفرتنا هذه ، فقالو ( 3 ) :
نعم ، قال :
وأكثرنا أرباحا محمد صلى الله عليه واله ، قال : ما كنت أحسب أنه يجلبهم من أماكنهم
، ويبيع عليهم
بأغلى الثمن ، ثم أخذ القوم في إنفاذ رسلهم ، ونفذ أبوجهل وغيره ( 4 ) رسلا ، فأقبل
ميسرة
إلى النبي صلى الله عليه واله وقال : يا قرة العين هل ارشدك إلى خير يصل إليك ؟ قال
: ما هو ؟
قال : تسير من وقتك وساعتك إلى مولاتي خديجة ، وتبشرها بسلامة أموالنا ، فإنها
تعطي من يبشرها خيرا كثيرا ، وأنا احب أن يكون ذلك لك ، فقم الآن وسر إلى مكة ،
وادخل على مولاتي خديجة وبشرها بسلامة أموالها ، فقام النبي صلى الله عليه واله
وقال : يا ميسرة
اوصيك بمالك ونفسك خيرا ، وركب مستقبل الطريق وحده يريد مكة ، وغاب عن الابصار ،
فبعث الله ملكا يطوي له البعيد ، ويهون عليه الصعب الشديد ، فلما أشرف على الجبال
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : جمعوها .
( 2 ) في المصدر : بجحفة الوداع ، بتقديم الجيم .
( 3 ) في المصدر : قالوا يا سيدنا ما فينا من ربح مثل ما ربح محمد .
( 4 ) ذكر في المصدر مكان غيره أسماء يطول ذكرهم . ( * )
[ 48 ]
أرسل الله عليه النوم ، فنام ، فأوحى الله تعالى إلى جبرئيل : أن اهبط إلى جنات عدن
،
واخرج منه القبة التي خلقتها لصفوتي محمد صلى الله عليه واله قبل أن أخلق آدم عليه
السلام بألفي عام ،
وانشرها على رأسه ( 1 ) ، وكانت من الياقوت الاحمر ، معلقة بعلائق من اللؤلؤ الابيض
يرى
باطنها من ظاهرها ، وظاهرها من باطنها ، لها أربعة أركان ، وأربعة أبواب ، ركن من
الربدجد ، وركن من الياقوت ، وركن من العقيان ( 2 ) وركن من اللؤلؤ ، وكذا الابواب
،
فنزل جبرئيل واستخرجها فتباشرت الحور العين ، وأشرفت من قصورها ، وقلن : لك الحمد
يا رحمان ، هذا الآن يبعث صاحب القبة وهبت ريح الرحمة ، وصفقت الاشجار ، ونشر
جبرئيل عليه السلام القبة على رأس النبي صلى الله عليه واله ، وأحدقت الملائكة
بأركانها ، ثم أعلنوا ( 3 )
بالتقديس والتسبيح ، ونشر جبرئيل بين يديه ثلاثة أحلام ، وتطاولت الجبال ، ونادت
الاشجار والاطيار والاملاك ، يقولون : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله صلى الله
عليه واله ، هنيئا لك من
عبد ، ما أكرمك على الله تعالى ؟ قال : وكانت خديجة متكئة على موضع عال وجواريها
حولها ، وعندها جماعة من نساء قريش ، وهي تطيل النظر إلى شعاب مكة ، إذ كشف الله
تعالى عن بصرها دون غيرها ، وقد نظرت ( 4 ) نورا ساطعا وضياء لامعا من جهة باب
المعلى ،
ثم إنها حققت النظر فرأت القبة والمحدقين بها ، ناشرين أعلامها ، والنبي صلى الله
عليه واله نائم
بها ، فحارت في أمرها ، فجعلت تنظر إليه ، فقلن لها النسوة : ما لنا نراك باهتة يا
بنت
العم ؟ فقالت : يا بنات العرب أنا نائمة أم يقظانة ؟ فقلن : نعيذك بالله ، بل أنت
يقظانة ، قالت
لهن : انظروا ( 5 ) إلى باب المعلى وانظروا ( 6 ) إلى القبة ، قلن : نعم رأينا ،
قالت لهن : وما
* ( هامش ) * ( 1 ) أضاف في المصدر : قال صاحب الحديث .
( 2 ) العقيان : الذهب الخالص .
( 3 ) رفعوها خ ل ، وفي المصدر : ثم أعلنوا بالتسبيح والتقديس والتهليل والتكبير
والثناء
على رب العالمين .
( 4 ) في المصدر : فرأت .
( 5 و 6 ) هكذا في نسخة المصنف والمصدر ، والصحيح كما استظهر المصنف في الهامش ،
انظرن . ( * )
[ 49 ]
الذي ترون ( 1 ) غير ذلك ؟ قلن : نرى نورا ساطعا ، وضيآء لامعا ، قد بلغ عنان
السمآء ،
قالت : وما الذي ترون ( 2 ) غير ذلك ؟ قلن : لم نر شيئا ، قالت : أما ترون ( 3 )
القبة و
والراكب والاطيار الخضر المحدقين بالقبة ، فقلن لها : لم نر شيئا ، قالت : أرى
راكبا
أبهى من نور الشمس في قبة خضرآء ( 4 ) لم أر أحسن منها على ناقة واسعة الخطا ، ولا
شك
أن الناقة هي ناقتي الصهبآء ، والراكب محمد صلى الله عليه واله ، فقلن : يا سيدتنا
ومن أين لمحمد صلى الله عليه واله
ما تقولين ، وليس يقدر على هذا كسرى ولا قيصر ؟ فقالت لهن : فضل محمد أعظم من ذلك ،
............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 16 من ص 49 سطر 7 الى ص 57 سطر 7
ثم إن الناقة دخلت بين الشعاب ، ثم قصدت باب المعلى ، ثم إن الملائكة عرجت إلى
السمآء ، وعرج جبرئيل عليه السلام بالقبة والاعلام ، وانتبه النبي صلى الله عليه
واله من نومه ، ودخل
مكة ، وقصد منزل خديجة فوجدها وهي تقول : متى يصل محمد حتى امتع بالنظر إليه ؟
وهي تقوم وتقعد ، وإذا بالنبي صلى الله عليه واله قد قرع الباب ، قالت الجارية : من
بالباب ؟ قال :
أنا محمد ، قد جئت ابشر خديجة بقدوم أموالها وسلامتها ، فلما سمعت خديجة كلام
رسول الله صلى الله عليه واله انحدرت إلى وسط الدار ، ووقفت بالحجاب ، وفتحت
الجارية الباب ،
فقال : السلام عليكم يا أهل البيت ، فقالت خديجة : هنيئا لك السلامة يا قرة عيني ،
قال :
وأنت ( 5 ) يهنئك سلامة أموالك ، قالت خديجة : تهنئني سلامتك أنت يا قرة العين ،
فوالله
أنت عندي خير من جميع الاموال والاهل ، ثم قالت : شعرا :
جآء الحبيب الذي أهواه من سفر * والشمس قد أثرت في وجهه أثرا
عجبت للشمس من تقبيل وجنته ( 6 ) * والشمس لا ينبغي أن تدرك القمرا
ثم قالت : يا حبيبي أين خلفت الركب ؟ قال : بالجحفة ، قالت : ومتى عهدك بهم ؟
قال : ساعتي هذه ، فلما سمعت خديجة كلامه اقشعر جلدها ، وقالت : سألتك بالله إنك
فارقتهم بالجحفة ؟ قال : نعم ، ولكن طوى الله لي البعيد ، قالت : والله ما كنت احب
أن
تجئ هكذا وحيدا ، إنما كنت احب أن تكون أول القوم ، وأنظر إليك ، وأنت مقدم
* ( هامش ) * ( 1 و 2 و 3 ) هكذا في النسخة ، واستظهر المصنف في الهامش أن الصحيح :
ترين .
( 4 ) في المصدر : إنى أرى راكبا قد أنار من وجهه المشرق والمغرب في قبة خضراء .
( 5 ) في المصدر : واننى . قلت : فعليه فيهنئك مصحف فنهنئك .
( 6 ) غرته خ ل . ( * )
[ 50 ]
الرجال ، وارسل إليك جواري على رؤوس الجبال ( 1 ) بأيديهم المباخر والمعازف ، وآمر
عبيدي بالذبايح والعقائر ، ويكون لك يوم مشهور ، قال : يا خديجة إني أتيت ولم يعلم
بي أحد من أهل مكة ، فإن أمرتيني بالرجوع رجعت من هذه الساعة وتفعلين مرادك ؟
فقالت له : يا سيدي امهل قليلا ، ثم عملت له زادا ساخنا فوضعته في مزادة ( 2 ) ، و
كانت العرب تعرفه بنقائه وطيب ريحه ، وملات له قربة من ماء زمزم ، وقالت له : ارجع
أودعتك من طوى لك البعيد من الارض ، فرجع النبي صلى الله عليه واله ، ثم إن خديجة
رجعت إلى
موضعها لتنظر هل تعود القبة أم لا ، وإذا بالقبة قد عادت وجبرئيل قد نزل ،
والملائكة
قد أحدقوا بها كالاول ، ففرحت خديجة بذلك ، وأنشأت تقول :
نعم لي منكم ملزم أي ملزم * ووصل مدى الايام لم يتصرم
ولو لم يكن قلب المتيم ( 3 ) فيكم * جريحا لما سالت دموعي بالدم
ولم يخل طرفي ساعة من خيالكم * ومن حبكم قلبي ومن ذكركم فمي
ولو جبلا حملتموه بعادكم * لمال وما زال ( 4 ) جسمي وأعظمي
أشد على كبدي يدي فيردها * بما فيه من وجد ( 5 ) من الشوق مضرم
طويت الهوى والشوق ينشر طيه * وكتمت أشجاني فلم تتكتم
فيارب قد طالت بنا شقة ( 6 ) النوى * وأنت قدير تنظم الشمل فانظم
قال : ثم إن النبي صلى الله عليه واله سار قليلا والتحق بالقوم ، وبعضهم يقظان ( 7
) ، و
بعضهم رقود ، فلما أحس به ميسرة قال : من الطارق ( 8 ) في هذا الليل العاكر ( 9 ) ؟
قال :
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : وارتب لك جوارى وعبيدى على رؤوس الجبال .
( 2 ) في المصدر : في مزادته .
( 3 ) المتيم : المحب العاشق .
( 4 ) حال خ ل .
( 5 ) جمر خ ل .
( 6 ) مدة خ ل .
( 7 ) أيقاظ خ ل . وهو الموجود في المصدر .
( 8 ) السائر خ ل . وهو الموجود في المصدر .
( 9 ) من عكر الليل : اشتد سواده . ( * )
[ 51 ]
أنا محمد بن عبدالله . قال : ( 1 ) يا سيدي ما عهدتك أن تهزء وعهدي بك أنك سائر ،
فما
الذي أرجعك يا سيدي ؟ فقال له : يا ميسرة إني سافرت ثم عدت ، فضحك ميسرة وقال :
سافرت إلى ذيل هذا الجبل ، ثم عدت ؟ قال النبي صلى الله عليه واله : بل قصدت البيت
الحرام ،
فقال له ميسرة : ما عهدت منك يا سيدي إلا الصدق ، فقال : يا ميسرة ما قلت لك إلا
الصدق ،
فإن كان عندك شك فهذا خبز مولاتك خديجة ، وهذا ماء زمزم ، فلما نظر ميسرة إلى
ذلك نهض قائما على قدميه ، ونادى : يا معاشر قريش ، ويا بني النضر ، ويا بني زهرة ،
ويا
بني هاشم هل غاب محمد عنكم غير ساعتين أو أقل من ذلك ؟ فقالوا : نعم ، قال : قد سار
إلى مكة
ورجع ، وهذا خبز مولاتي خديجة ، وهذا ماء زمزم ، فتعجب القم ودهشت عقولهم ، وصاح
أبوجهل لعنه الله وقال : لا يبعد هذا على الساحر ( 2 ) ، فلما أصبح الصباح بلغ
العرب ،
سبق الخبر بقدوم القافلة ، وخرج أهل مكة مبادرين ، وسبق عبيد خديجة وجواريها و
تفرقوا في شعاب مكة وأوديتها ، بأيديهم المعازف والمباخر ، فكان النبي صلى الله
عليه واله ما يمر
على عبد من عبيد خديجة إلا يعقر ناقة فرحا بقدومه ، ثم تفرق الناس إلى منازلهم ، و
نظرت خديجة إلى جمالها وقد أقبلت كالعرائس ، وكانت معتادة أن يموت بعض جمالها ( 3 )
ويجرب بعضها إلا تلك السفرة فإنها لم تنقص منها شعرة ، فوقف قريش متعجبين من
تلك الجمال ، كلما مر بهم جمل بإزائه ناقة هيفاء فيقولون : لمن هذا ( 4 ) ؟ فيقال
هذا ( 5 ) ما
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : يا سيدي من ردك عن سرور يغم عليك ؟ وكان عهدي بك
أنك سائر إلى
مولاتى خديجة ، قال له النبي صلى الله عليه وآله : يا ميسرة سافرت ثم عدت ، فضحك
ميسرة وقال
والله سيدي ! ما عهدتك تستهزئ قط قال : يا ميسرة ما قلت لك الا صدقا .
( 2 ) استظهر المصنف أن ( على ) مصحف ( عن ) . وفي المصدر : قال : فصاح بهم أبوجهل
لعنه الله وقال : ما الذي أراه بكم ؟ قالوا : ان محمدا سار إلى مكة ورجع من ساعته ،
قال : انصرفوا
إلى رحالكم ، فلو كان غير محمد لكان عجبا ، ولكن الساحر لا يبعد عليه مشارق الارض
ومغاربها ،
قال : فتفرق القوم إلى رحالهم وباتوا تلك الليلة ، فرحلوا العرب ، وسبق البشير
بقدوم العير ، و
خرج أهل مكة مبادرين .
( 3 ) بعضها خ ل .
( 4 ) هذه خ ل ، وهو الموجود في المصدر .
( 5 ) هذه مما أفاد خ ل وهو الموجود في المصدر . ( * )
[ 52 ]
أفاده محمد صلى الله عليه واله لخديجة من الشام ، فذهلت عقول قريش لذلك ، فلما
اجتمعت أموال خديجة
فكوا رحالها ، وعرضوا الجميع على خديجة وكانت جالسة خلف الحجاب ، والنبي صلى الله
عليه واله
جالس وسط الدار ، وميسرة يعرض عليها الامتعة شيئا فشيئا ، فنظرت خديجة إلى شئ
قد أدهشها ، فبعثت إلى أبيها تعرفه بذلك ، وترغبه في محمد صلى الله عليه واله ، فلم
تك إلا ساعة واحدة
وإذا بخويلد قد أقبل ودخل منزل ابنته خديجة ، وهو متزين بالثياب ، متقلد سيفا ،
فلما
نظرت إليه قامت وأجلسته إلى جنبها ، وابتدأته بالترحيب ، وجعلت تعرض عليه البضائع ،
وهي
تقول : يا أبت هذا كله ببركة محمد صلى الله عليه واله ، والله يا أبتاه إنه مبارك
الطلعة ، ميمون الغرة
فما ربحت ربحا أغنم ( 1 ) من هذه السفرة ، ثم التفت إلى ميسرة وقالت : حدثني كيف
كان
سفركم ؟ وما الذي عاينتم من محمد صلى الله عليه واله ؟ قال : يا سيدتي وهل اطيق أن
أصف لك بعضا
من صفاته وما عاينت منه صلى الله عليه واله ؟ ثم أخبرها بحديث السيل ، والبئر ،
والثعبان ، والنخل ،
وما أخبره الراهب ، وما أوصاه إلى خديجة ، فقالت : حسبك يا ميسرة : لقد زدتني شوقا
إلى محمد صلى الله عليه واله ، إذهب فأنت حر لوجه الله ، وزوجتك وأولادك ، ولك عندي
ما تادرهم ،
وراحلتان ، وخلعت عليه خلعة سنية ، وقد امتلا سرورا وفرحا ، ثم إن خديجة التفتت
إلى النبي صلى الله عليه واله وقالت : ادن مني فلا حجاب اليوم بيني وبينك ، ثم رفعت
عنها
الحجاب ، وأمرت أن ينصب له كرسي من العاج والآبنوس ، وأجلسته عليه ، وقالت :
يا سيدي كيف كان سفركم ؟ فأخذ يحدثها بما باعه وما شراه ، فرأت خديجة ربحا عظيما ،
وقالت : يا سيدي لقد فرحتني بطلعتك ، وأسعدتني برؤيتك ، فلا لقيت بؤسا ، ولا رأيت
نحوسا ، ثم جعلت تقول : شعرا :
فلو أنني أمسيت في كل نعمة * ودامت لي الدنيا وملك الاكاسرة
فما سويت عندي جناح بعوضة * إذا لم يكن عيني لعينك ( 2 ) ناظرة
قال : ثم إن خديجة قالت : يا سيدي لك عندي حق البشارة زيادة على ما كان بيننا
فهل لك الساعة من حاجة فتقضى ؟ قال صلى الله عليه واله : حتى أستريح وأعود إليك ،
ثم خرج و
* ( هامش ) * ( 1 ) أعظم خ ل ، وهو الموجود في المصدر .
( 2 ) لعينيك خ ل . ( * )
[ 53 ]
دخل منزله عمه أبي طالب ، وكان أبوطالب فرحا بما عاين من ابن أخيه ، فقبل ما بين
عينيه
وجاءت ( 1 ) أعمامه حوله ، وقال أبوطالب : يا ولدي ما الذي أعطتك خديجة ؟ قال :
وعدتني ( 2 ) الزيادة على ما بيننا ، قال : هذه نعمة جليلة ، وقد عزمت أن أترك لك
بعيرين
تسافر عليهما ، وراحلتين تصلح بهما شأنك ، وأما الذهب والفضة أخطب لك بهما فتاة
من نسوان قريش من قومك ( 3 ) ثم لا ابالي بالموت حيث أتى ، وكيف نزل ، فقال : يا
عماه افعل ما بدا لك ، فلما كان وقت الغداة اغتسل النبي صلى الله عليه واله من وعك
السفر ( 4 ) ، وتطيب
وسرح رأسه ، ولبس أفخر أثوابه وسار إلى منزل خديجة ، فلم يجد عندها سوى ميسرة ،
فلما رأته فرحت بقدومه ، وجعلت تقول :
دنا فرمى من قوس حاجبه سهما * فصادفني حتى قتلت به ظلما
وأسفر عن وجه وأسبل شعره * فبات يباهي ( 5 ) البدر في ليلة ظلماء
ولم أدر حتى زار من غير موعد * على رغم واش ما أحاط به علما
وعلمني من طيب حسن حديثه * منادمة يستنطق الصخرة الصماء
قال : ثم التفت إليه وقالت : يا سيدي نعمت الصباح ، ودامت لك الافراح ، هل
من حاجة فتقضى ؟ فاستحيا وطأطأ رأسه وعرق جبينه ، فأقبلت عليه تلاطفه في الكلام ،
ثم
قالت : يا سيدي إذا سألتك عن شئ تخبرني ؟ قال : نعم ، قالت خديجة : إذا أخذت الجمال
والمال من عندي ما تريد أن تصنع به ؟ قال لها : وما تريدين بذلك يا خديجة ؟ قالت :
أزيدك وما أقدر عليه ، قال اعلمى أن عمي أبا طالب قد أشار على أن يترك لي بعيرين
اسافر بهما ، وبعيرين أصلح بهما شأني ، والذهب والفضة يخطب لي بهما امرأة من قومي
تقنع مني بالقليل ، ولا تكلفني ما لا اطيق ، فتبسمت خديجة ، وقالت : يا سيدي أما
* ( هامش ) * ( 1 ) دارت خ ل ، وهو الموجود في المصدر .
( 2 ) أوعدتني بالزيادة خ ل ، وهو الموجود في المصدر .
( 3 ) من نسوان قومك خ ل .
( 4 ) أى من شدة السفر والمه وتعبه .
( 5 ) فبت اباهى خ ل . ( * )
[ 54 ]
ترضى ( 1 ) أني أخطب لك امرأة تحسن بقلبي ( 2 ) ؟ قال : نعم ، قالت : قد وجدت لك
زوجة ،
وهي من أهل مكة من قومك ، وهي أكثرهن مالا واحسنهن جمالا وأعظمهن كمالا ، و
أعفهن فرجا ، وأبسطهن يدا ، طاهرة مصونة ، تساعدك على الامور ، وتقنع منك بالميسور
ولا ترضى من غيرك بالكثير ، وهي قريبة منك في النسب ( 3 ) ، يحسدك عليها جميع
الملوك
والعرب ، غير أني أصف لك عيبها ، كما وصفت لك خيرها ، قال : وما ذلك ؟ قال : عرفت
قبلك رجلين ، وهي أكبر منك سنا ، قال صلى الله عليه واله : سميها لي ، قالت : هي
مملوكتك خديجة ،
فأطرق منها خجلا حتى عرق جبينه : وأمسك عن الكلام ، فأعادت عليه القول مرة اخرى ،
وقالت : يا سيدي مالك لا تجيب ؟ وأنت والله لي حبيب ، وإني لا اخالف لك أمرا ، و
أنشأت ( 4 ) تقول :
يا سعد إن جزت بوادي الاراك * بلغ ( 5 ) قليبا ضاع مني هناك
واستفت غزلان الفلا سائلا * هل لاسير الحب منهم فكاك ؟
وإن ترى ركبا بوادي الحمى * سائلهم عنى ومن لي بذاك ؟
نعم سروا واستصحبوا ناظري * والآن عيني تشتهي أن تراك
ما في من عضو ولا مفصل * إلا وقد ركب منه ( 6 ) هواك
عذبتني ( 7 ) بالهجر بعد الجفاء ( 8 ) * يا سيدي ماذا جزاء ( 9 ) بذاك ؟
فاحكم بما شئت وما ترتضي * فالقلب ما يرضيه إلا رضاك
* ( هامش ) * ( 1 ) ترضاني خ ل ، وهو الموجود في المصدر .
( 2 ) تحسن لك قلبى خ ل .
( 3 ) في المصدر : وتقنع منك باليسير ، ولا ترضى من غيرك ولو بذل لها كثير ، كبيرة
في قومها
مطاعة في أمرها ، وعشيرتها قريبة منك في النسب .
( 4 ) بلسان حالها خ ل .
( 5 ) أنشد خ ل .
( 6 ) فيه خ ل .
( 7 ) أوعدتنى خ ل .
( 8 ) بعد الوفاء خ ل .
( 9 ) ما جزاء هذا خ ل . ( * )
[ 55 ]
قال : ثم ألحت عليه بالكلام ( 1 ) ، فقال لها : يا ابنة العم أنت امرأة ذات مال ،
وأنا
فقير لا أملك إلا ما تجودين به علي ، وليس مثلك من يرغب في مثلي ( 2 ) ، وأنا أطلب
امرأة
يكون حالها كحالى ، ومالها كمالي ( 3 ) ، وأنت ملكة لا يصلح لك إلا الملوك ، فلما
سمعت
كلامه قالت : والله يا محمد إن كان مالك قليلا فمالي كثير ، ومن يسمح ( 4 ) لك
بنفسه كيف
لا يسمح لك بماله ؟ وأنا ومالي وجواري ( 5 ) وجميع ما أملك بين يديك وفي حكمك ، لا
أمنعك منه شيئا ، وحق الكعبة والصفا ما كان ظني أن تبعدني عنك ، ثم ذرفت ( 6 )
عبرتها وقالت : شعرا :
والله ما هب نسيم الشمال * إلا تذكرت ليالي ( 7 ) الوصال
ولا أضا من نحوكم بارق * إلا توهمت لطيف الخيال
أحبابنا ! ما خطرت خطرة ( 8 ) * منكم غداة الوصل مني ببال
جور الليالي خصني بالجفا * منكم ومن يأمن جور الليل ؟
رقوا وجودوا واعطفوا وارحموا * لا بد لي منكم على كل حال
قال : ثم إن خديجة قالت : ورب احتجب عن الابصار ( 9 ) ، وعلم حقيقة ( 10 ) الاسرار
* ( هامش ) * ( 1 ) في المصدر : في الكلام .
( 2 ) في المصدر : وليس مثلك من يرغب في ووصل مثلى ، والراغب في الفقير قليل .
( 3 ) زاد في المصدر : أقنع بها وتقنع بي ، وفيه : وأنت تصلح لك الملوك يكونوا مثلك
، مالهم
كمالك ، وحالهم كحالك .
( 4 ) أى من يجود لك .
( 5 ) في المصدر : وعبيدى وجواري .
( 6 ) أى سال دمعها .
( 7 ) أيام خ ل .
( 8 ) فرقة خ ل .
( 9 ) في المصدر : ورب الكعبة ، وحق من اختفى عن الابصار .
( 10 ) في المصدر : وعلم خفية الاسرار ما قلت لك قولا اداعبك فيه ، وما أنا الا
فيما قلته محقة
ولم أقل باطلا ، قم وأمض إلى عمومتك . ( * )
[ 56 ]
أني محقة لك في هذا الامر ، قم ( 1 ) إلى عمومتك وقل لهم : يخطبوني لك من أبي ، ولا
تخف من كثرة المهر ، فهو عندي وأنا أقوم لك بالهدايا والمصانعات ، فسر وأحسن الظن
فيمن أحسن بك الظن ( 2 ) ، فخرج النبي صلى الله عليه واله من عندها ، ودخل على عمه
أبي طالب و
السرور في وجهه ( 3 ) ، فوجد أعمامه مجتمعين ، فنظر إليه أبوطالب وقال : يابن أخي
يهنئك ما أعطتك خديجة وأظنها قد غمرتك من عطاياها ، قال محمد صلى الله عليه واله :
يا عم لي إليك
حاجة ، قال : وما هي ؟ قال ، تنهض أنت وأعمامي هذه الساعة إلى خويلد ، وتخطبون لي
منه خديجة ، فلم يرد أحد منهم عليه جوابا غير أبي طالب ، فقال : يا حبيبي إليك نصير
،
وبأمرك نستشير في امورنا ، وأنت تعلم أن خديجة امرأة كاملة ميمونة فاضلة تخشي العار
،
وتحذر الشنار ( 4 ) ، وقد عرفت قبلك رجلين : أحدهما عتيق بن عائذ ، والآخر عمرو
الكندي ،
وقد رزقت منه ولدا ، وخطبها ملوك العرب ورؤساؤهم وصناديد قريش وسادات بني هاشم
وملوك اليمن وأكابر الطائف ، وبذلوا لها الاموال ، فلم ترغب في أحد منهم ، ورأت
أنها
أكبر منهم ، وأنت يابن أخي فقير لا مال لك ولا تجارة ، وخديجة امرأة مزاحة عليك ،
فلا تعلل نفسك بمزاحها ، ولا تسمع قريشا هذا الامر ( 5 ) ، فقال أبولهب : يا ابن
أخي لا
تجعلنا في أفواه العرب ، وأنت لا تصلح لخديجة ، فقام إليه العباس وانتهره ، وقال :
والله
إنك لرذل الرجال ، ردي الافعال ، وما عسى أن يقولوا في ابن أخي ، والله إنه أكثر
منهم جمالا ، وأزيد كمالا ، وبماذا تتكبر عليه خديجة ؟ لمالها أم لزيادة كمالها
وجمالها ؟
فاقسم برب الكعبة لان طلبت عليه مالا لاركبن جوادي وأطوف في الفلوات ، ولادخلن
* ( هامش ) * ( 1 ) ولكن قم خ ل .
( 2 ) في المصدر ، ولا تخف إن كان يطلب منك مالا ، فأنا والله أقوم لك بالهدايا
والاموال
ومهما طلب أبي من المال أنا أقوم به ، وهذه أموالى وذخائرى وعبيدى وجواري كلها بين
يديك
خذ منها ما شئت ، فأنا لك طالبة ، وفيك راغبة ، ولا اريد سواك ، فسر وأحسن الظن
فيمن تحسن
الظن بك ، ولا تخيب قاصديك .
( 3 ) قد زاد خ ل .
( 4 ) الشنار : العار . أقبح العيب .
( 5 ) في المصدر : ولا تسمع قريش هذا الكلام أبدا . ( * )
[ 57 ]
على الملوك حتى أجمع له ما تطلب عليه ( 1 ) خديجة . قال النبي صلى الله عليه واله :
يا معاشر الاعمام
قد أطلتم الكلام فيما لا فائدة فيه ، قوموا واخطبوا لي خديجة من أبيها ، فما عندكم
من العلم
مثل ما عندي منها ، فنهضت صفية بنت عبدالمطلب رضي الله عنها ، وقالت : والله أنا
أعلم أن
ابن أخي صادق فيما قاله ، ويمكن أن تكون خديجة مازحة عليه ، ولكن أنا أروح وابين
لكم الامر ، ثم لبست أفخر ثيابها وسارت نحو منزل خديجة ، فلقيتها بعض جواريها في
الطريق فسبقتها إلى الدار ، وأعلمت خديجة بقدوم صفية بنت عبدالمطلب ، وكانت قد عزمت
على النوم فأخلت لها المكان ( 2 ) ، وقد عثرت خديجة بذيلها ، فقالت : لا أفلح من
عاداك يا محمد ،
............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 16 من ص 57 سطر 8 الى ص 65 سطر 8
فسمعت صفية كلام خديجة فقالت في نفسها : أجاد الدليل ، ثم طرقت الباب ، ففتح و
جاءت إلى خديجة فلقيتها بالرحب والتحية ، وأراد