بحار الانوار الجزء
45
العلامة المجلسي
[1]
بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة
الاطهار بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة
فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء الخامس والاربعون
مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان كافة الحقوق محفوظة ومسجلة الطبعة الثانية المصححة 1403
ه - 1983 م مؤسسة الوفاء - بيروت - لبنان - ص ب: 1457 - هاتف: 386868
[1]
بسم الله الرحمن الرحيم [بقية الباب 37]
[سائر ما جرى عليه بعد بيعة الناس] [ليزيد بن معاوية إلى شهادته صلوات الله عليه]
فلما كان الغداة أمر الحسين عليه السلام بفسطاطه فضرب وأمر بجفنة فيها مسك كثير
فجعل فيها نورة، ثم دخل ليطلي فروي أن برير بن خضير الهمداني وعبد الرحمن بن عبد
ربه الانصاري وقفا على باب الفسطاط ليطليا بعده، فجعل برير يضاحك عبد الرحمن فقال
له عبد الرحمن: يا برير أتضحك ؟ ما هذه ساعة باطل، فقال برير: لقد علم قومي أنني ما
أحببت الباطل كهلا ولا شابا، وإنما أفعل ذلك استبشارا بما نصير إليه، فوالله ما هو
إلا أن نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا نعالجهم ساعة ثم نعانق الحور العين (1). رجعنا
إلى رواية المفيد قال: قال علي بن الحسين عليهما السلام: إني جالس في تلك الليلة
التي قتل أبي في صبيحتها وعندي عمتي زينب تمرضني (2) إذا اعتزل أبي في خباء له،
وعنده فلان (3) مولى أبي ذر الغفاري وهو يعالج سيفه ويصلحه
(1) كتاب الملهوف ص 84. (2) يقال: مرضه -
من باب التفعيل إذا أحسن القيام عليه في مرضه وتكفل بمداواته، قال في اللسان: جاءت
فعلت هنا للسلب وان كانت في أكثر الامر انما تكون للاثبات. (3) جون. خ ل. وفى
المصدر: جوين.
[2]
وأبي يقول: يا دهر أف لك من خليل * كم لك
بالاشراق والاصيل من صاحب وطالب قتيل * والدهر لا يقنع بالبديل وإنما الامر إلى
الجليل * وكل حي سالك سبيلي فأعادها مرتين، أو ثلاثا حتى فهمتها وعلمت ما أراد
فخنقتني العبرة، فرددتها ولزمت السكوت، وعلمت أن البلاء قد نزل، وأما عمتي فلما
سمعت ما سمعت وهي امرأة ومن شأن النساء الرقة والجزع، فلم تملك نفسها أن وثبت تجر
ثوبها وهي حاسرة حتى انتهت إليه، وقالت: واثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة، اليوم
ماتت أمي فاطمة، وأبي علي وأخي الحسن يا خليفة الماضي، وثمال الباقي، فنظر إليها
الحسين عليه السلام وقال لها: يا أخته لا يذهبن حلمك الشيطان ! وترقرقت عيناه
بالدموع، وقال: لو ترك القطا [ليلا] لنام (1) فقالت: يا ويلتاه أفتغتصب نفسك
اغتصابا ؟ (2) فذلك أقرح لقلبي وأشد على نفسي، ثم لطمت وجهها، وهوت إلى جيبها وشقته
وخرت مغشية عليها. فقام إليها الحسين عليه السلام فصب على وجهها الماء وقال لها: يا
أختاه اتقي الله وتعزي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الارض يموتون، وأهل السماء لا
يبقون، وأن
(1) القطا: جمع قطاة وهى طائر في حجم
الحمام صوته قطاقطا وهذا مثل. قال الميداني: نزل عمرو بن مامة على قوم من مراد،
فطرقوه ليلا فأثاروا القطا من أماكنها فرأتها امرأته طائرة، فنبهت المرأة زوجها
فقال: انما هي القطا، فقالت: لو ترك القطا ليلا لنام. يضرب لمن حمل على مكروه من
غير ارادته، وقيل غير ذلك. راجع مجمع الامثال ج 2 ص 174 تحت الرقم 3231. (2) لا أرى
لذكر الاغتصاب وجها والظاهر أنه تصحيف والصحيح: " أفتحتسب نفسك احتسابا ". يقال:
احتسب ولدا له: إذ امات ولده كبيرا، ومثله احتسب نفسه: إذا عدها شهيدا في ذات الله،
وقد مر في ص 138 من ج 44 كلام الحسن بن على عليهما السلام " اللهم انى احتسب نفسي
عندك " فراجع.
[3]
كل شئ هالك إلا وجه الله تعالى، الذي خلق
الخلق بقدرته، ويبعث الخلق ويعودون وهو فرد وحده، وأبي خير مني وأمي خير مني وأخي
خير مني ولي ولكل مسلم برسول الله أسوة، فعزاها بهذا ونحوه، وقال لها: يا أختاه إني
أقسمت عليك فأبري قسمي لا تشقي علي جيبا، ولا تخمشي علي وجها، ولا تدعي علي بالويل
والثبور إذا أنا هلكت، ثم جاء بها حتى أجلسها عندي. ثم خرج إلى أصحابه فأمرهم أن
يقرن بعضهم بيوتهم من بعض وأن يدخلوا الاطناب بعضها في بعض، وأن يكونوا بين البيوت
فيقبلوا القوم في وجه واحد والبيوت من ورائهم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم قد حفت
بهم، إلا الوجه الذي يأتيهم منه عدوهم، ورجع عليه السلام إلى مكانه فقام ليلته كلها
يصلي ويستغفر ويدعو ويتضرع، وقام أصحابه كذلك يصلون ويدعون ويستغفرون (1). وقال في
المناقب: فلما كان وقت السحر خفق الحسين برأسه خفقة ثم استيقظ فقال: أتعلمون ما
رأيت في منامي الساعة ؟ فقالوا: وما الذي رأيت يا ابن رسول الله ؟ فقال: رأيت كأن
كلابا قد شدت علي لتنهشني وفيها كلب أبقع رأيته أشدها علي وأظن أن الذي يتولى قتلي
رجل أبرص من بين هؤلاء القوم، ثم إني رأيت بعد ذلك جدي رسول الله صلى الله عليه
وآله ومعه جماعة من أصحابه وهو يقول لي: يا بني أنت شهيد آل محمد، وقد استبشر بك
أهل السماوات وأهل الصفيح الاعلى فليكن إفطارك عندي الليلة عجل ولا تؤخر ! فهذا ملك
قد نزل من السماء ليأخذ دمك في قارورة خضراء، فهذا ما رأيت وقد أزف الامر (2)
واقترب الرحيل من هذه الدنيا لا شك في ذلك. وقال المفيد: قال الضحاك بن عبد الله:
ومرت بنا خيل لابن سعد تحرسنا وإن حسينا عليه السلام ليقرأ " فلا تحسبن الذين كفروا
أنما نملي لهم خير لانفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين، ما كان
الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه
(1) كتاب الارشاد ص 215 و 216. (2) في
الاصل: وقد أنف الامر، وأظنه تصحيفا.
[4]
حتى يميز الخبيث من الطيب " (1) فسمعها من
تلك الخيل رجل يقال له: عبد الله ابن سمير، وكان مضحاكا وكان شجاعا بطلا فارسا
شريفا فاتكا فقال: نحن ورب الطيبون ميزنا بكم، فقال له برير بن الخضير: يا فاسق أنت
يجعلك الله من الطيبين ؟ قال له: من أنت ويلك، قال: أنا برير بن الخضير فتسابا.
وأصبح الحسين فعبأ أصحابه بعد صلاة الغداة، وكان معه اثنان وثلاثون فارسا وأربعون
راجلا، وقال محمد بن أبي طالب: وفي رواية اخرى اثنان وثمانون راجلا وقال السيد: روي
عن الباقر عليه السلام أنهم كانوا خمسة وأربعين فارسا ومائة راجل وكذا قال ابن نما:
وقال المفيد: فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه، وحبيب ابن مظاهر في ميسرة
أصحابه، وأعطى رايته العباس أخاه، وجعلوا البيوت في ظهورهم وأمر بحطب وقصب كان من
وراء البيوت أن يترك في خندق كان قد حفر هناك، وأن يحرق بالنار مخافة أن يأتوهم من
ورائهم. وأصبح عمربن سعد في ذلك اليوم وهو يوم الجمعة، وقيل يوم السبت فعبأ أصحابه،
وخرج فيمن معه من الناس نحو الحسين، وكان على ميمنته عمرو بن الحجاج، وعلى ميسرته
شمربن ذي الجوشن، وعلى الخيل عروة بن قيس، وعلى الرجالة شبث بن ربعي وأعطى الراية
دريدا مولاه، وقال محمد بن أبي طالب: وكانوا نيفا على اثنين وعشرين ألفا، وفي رواية
عن الصادق عليه السلام ثلاثين ألفا قال المفيد: وروي عن علي بن الحسين أنه قال: لما
أصبحت الخيل تقبل على الحسين عليه السلام رفع يديه وقال: اللهم أنت ثقتي في كل كرب،
ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة، كم من كرب يضعف عنه الفؤاد،
وتقل فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت [فيه] العدو، أنزلته بك وشكوته إليك رغبة
مني إليك عمن سواك ففرجته وكشفته، فأنت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة، ومنتهى كل رغبة
قال: فأقبل القوم يجولون حول بيت الحسين، فيرون الخندق في ظهورهم
(1) آل عمران: 178 و 179.
[5]
والنار تضطرم في الحطب والقصب الذي كان
القي فيه، فنادى شمر بن ذي الجوشن بأعلا صوته: يا حسين أتعجلت، بالنار قبل يوم
القيامة ؟ فقال الحسين عليه السلام: من هذا كأنه شمر بن ذي الجوشن ؟ فقالوا: نعم،
فقال له: يابن راعية المعزى أنت أولى بها صليا، ورام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم
فمنعه الحسين عليه السلام من ذلك، فقال له: دعني حتى أرميه فان الفاسق من أعداء
الله وعظماء الجبارين، وقد أمكن الله منه، فقال له الحسين عليه السلام: لاترمه فاني
أكره أن أبدءهم بقتال (1) وقال محمد بن أبيطالب: وركب أصحاب عمر بن سعد، فقرب إلى
الحسين فرسه فاستوى عليه، وتقدم نحو القوم في نفر من أصحابه، وبين يديه برير بن
خضير فقال له الحسين عليه السلام: كلم القوم، فتقدم برير فقال: يا قوم اتقوا الله
فان ثقل محمد قد أصبح بين أظهركم، هؤلاء ذريته وعترته وبناته وحرمه، فهاتوا ما
عندكم وما الذي تريدون أن تصنعوه بهم ؟ فقالوا: نريد أن نمكن منهم الامير ابن زياد،
فيرى رأيه فيهم، فقال لهم برير: أفلا تقبلون منهم أن يرجعوا إلى المكان الذي جاؤا
منه ؟ ويلكم يا أهل الكوفة أنسيتم كتبكم وعهودكم التي أعطيتموها وأشهدتم الله
عليها، يا ويلكم أدعوتم أهل بيت نبيكم، وزعمتم أنكم تقتلون أنفسكم دونهم، حتى إذا
أتوكم أسلمتموهم إلى ابن زياد، وحلاتموهم عن ماء الفرات بئس ما خلفتم نبيكم في
ذريته، ما لكم لاسقاكم الله يوم القيامة، فبئس القوم أنتم. فقال له نفر منهم: يا
هذا ما ندري ما تقول ؟ فقال برير: الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة اللهم إني أبرء
إليك من فعال هؤلاء القوم اللهم ألق بأسهم بينهم، حتى يلقوك وأنت عليهم غضبان، فجعل
القوم يرمونه بالسهام فرجع برير إلى ورائه. وتقدم الحسين عليه السلام حتى وقف بازاء
القوم، فجعل ينظر إلى صفوفهم كأنهم السيل، ونظر إلى ابن سعد واقفا في صناديد الكوفة
فقال: الحمدلله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال، متصرفة بأهلها حالا بعد
حال، فالمغرور من غرته * (الهامش) * (1) ارشاد المفيد ص 217
[6]
والشقي من فتنته، فلا تغرنكم هذه الدنيا،
فانها تقطع رجاء من ركن إليها وتخيب طمع من طمع فيها، وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد
أسخطتم الله فيه عليكم وأعرض بوجهه الكريم عنكم، وأحل بكم نقمته، وجنبكم رحمته،
فنعم الرب ربنا، وبئس العبيد أنتم ! أقررتم بالطاعة، وآمنتم بالرسول محمد صلى الله
عليه وآله ثم إنكم زحفتم إلى ذريته وعترته تريدون قتلهم، لقد استحوذ عليكم الشيطان،
فأنساكم ذكر الله العظيم، فتبا لكم ولما تريدون، إنا لله وإنا إليه راجعون، هؤلاء
قوم كفروا بعد إيمانهم فبعدا للقوم الظالمين فقال عمر: ويلكم كلموه فانه ابن أبيه،
والله لو وقف فيكم هكذا يوما جديدا لما انقطع ولما حصر، فكلموه فتقدم شمر لعنه الله
فقال: يا حسين ما هذا الذي تقول ؟ أفهمنا حتى نفهم، فقال: أقول: اتقوا الله ربكم
ولا تقتلوني، فانه لا يحل لكم قتلي، ولا انتهاك حرمتي، فاني ابن بنت نبيكم وجدتي
خديجة زوجة نبيكم ولعله قد بلغكم قول نبيكم: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنه -
إلى آخر ما سيأتي برواية المفيد وقال المفيد: ودعا الحسين عليه السلام براحلته
فركبها ونادى بأعلا صوته: يا أهل العراق - وجلهم يسمعون - فقال: أيها الناس اسمعوا
قولي ولا تعجلوا حتى أعظكم بما يحق لكم علي، وحتى أعذر عليكم، فان أعطيتموني النصف،
كنتم بذلك أسعد وإن لم تعطوني النصف من أنفسكم " فاجمعوا رأيكم ثم لا يكن أمركم
عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى
الصالحين " ثم حمدالله وأثنى عليه وذكر الله بما هو أهله، وصلى على النبي وعلى
ملائكته وعلى أنبيائه، فلم يسمع متكلم قط قبله ولابعده أبلغ منه في منطق ثم قال:
أما بعد فانسبوني فانظروا من أنا، ثم راجعوا أنفسكم وعاتبوها فانظروا هل يصلح لكم
قتلي وانتهاك حرمتي ؟ ألست ابن نبيكم، وابن وصيه وابن عمه ؟ وأول مؤمن مصدق لرسول
الله صلى الله عليه وآله بما جاء به من عند ربه ؟ أو ليس حمزة سيد الشهداء عمي ؟ أو
ليس جعفر الطيار في الجنة بجناحين عمي ؟ أولم
[7]
يبلغكم ما قال رسول الله صلى الله عليه
وآله لي ولاخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة ؟ فان صدقتموني بما أقول وهو الحق، والله
ما تعمدت كذبا مذ علمت أن الله يمقت عليه أهله، وإن كذبتموني فان فيكم من إن
سألتموه عن ذلك أخبركم، اسألوا جابر ابن عبد الله الانصاري وأبا سعيد الخدري وسهل
بن سعد الساعدي وزيد بن أرقم وأنس بن مالك (1) يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من
رسول الله صلى الله عليه وآله لي ولاخي أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي ؟ فقال له
شمربن ذي الجوشن هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما تقول فقال له حبيب بن مظاهر:
والله إني لاراك تعبد الله على سبعين حرفا وأنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول قد
طبع الله على قلبك ثم قال لهم الحسين عليه السلام: فان كنتم في شك من هذا أفتشكون
أني ابن بنت نبيكم ؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم، ولا في
غيركم ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته ؟ أو مال لكم استهلكته ؟ أو بقصاص من جراحة
؟ فأخذوا لا يكلمونه فنادى يا شبث بن ربعي يا حجار بن أبجر يا قيس بن الاشعث يا
يزيد بن الحارث ألم تكتبوا إلي أن قد أينعت الثمار، واخضر الجناب، وإنما تقدم على
جند لك مجند ؟ فقال له قيس بن الاشعث: ما ندري ما تقول ولكن انزل على حكم بني عمك،
فانهم لن يروك إلا ما تحب، فقال لهم الحسين عليه السلام: لا والله لا اعطيكم بيدي
إعطاء الذليل، ولا اقر لكم إقرار العبيد ثم نادى: يا عباد الله إني عذت بربي وربكم
أن ترجمون، وأعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب. ثم إنه أناخ راحلته
وأمر عقبة بن سمعان بعقلها، وأقبلوا يزحفون نحوه (2) * (الهامش) * (1) مات جابر بن
عبد الله سنة 74 وشهد جنازته الحجاج والظاهر أنه بالكوفة وأبو سعيد الخدرى سنة 64 -
74 وسهل بن سعد هو آخر من مات بالمدينة سنة احدى وتسعين وزيد بن أرقم سنة 66
بالكوفة، وأنس بن مالك آخر من مات بالبصرة سنة 71 وكان قاطنا بها (2) الارشاد ص 217
و 218
[8]
وفي المناقب روى بإسناده، عن عبد الله بن
محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن عبد الله قال: لما عبأ
عمربن سعد أصحابه لمحاربة الحسين بن علي عليهما السلام ورتبهم مراتبهم، وأقام
الرايات في مواضعها، وعبأ أصحاب الميمنة والميسرة، فقال لاصحاب القلب: اثبتوا
وأحاطوا بالحسين من كل جانب حتى جعلوه في مثل الحلقة، فخرج عليه السلام حتى أتى
الناس فاستنصتهم فأبوا أن ينصتوا حتى قال لهم: ويلكم ما عليكم أن تنصتوا إلي
فتسمعوا قولي، وإنما أدعوكم إلى سبيل الرشاد، فمن أطاعني كان من المرشدين، ومن
عصاني كان من المهلكين، وكلكم عاص لامري غير مستمع قولي فقد ملئت بطونكم من الحرام،
وطبع على قلوبكم، ويلكم ألا تنصتون ؟ ألا تسمعون ؟ فتلاوم أصحاب عمربن سعد بينهم
وقالوا: أنصتوا له. فقام الحسين عليه السلام ثم قال: تبا لكم أيتها الجماعة وترحا،
أفحين استصرختمونا ولهين متحيرين فأصرختكم مؤدين مستعدين، سللتم علينا سيفا في
رقابنا، وحششتم علينا نار الفتن خباها عدوكم وعدونا، فأصبحتم إلبا على أوليائكم
ويدا عليهم لاعدائكم، بغير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم، إلا الحرام من
الدنيا أنالوكم، وخسيس عيش طمعتم فيه، من غير حدث كان منا ولا رأي تفيل لنا، فهلا -
لكم الويلات - إذ كرهتمونا وتركتمونا تجهزتموها والسيف لم يشهر، والجاش طامن،
والرأي لم يستحصف، ولكن أسرعتم علينا كطيرة الذباب، وتداعيتم كتداعي الفراش، فقبحا
لكم، فانما أنتم من طواغيت الامة وشذاذ الاحزاب، ونبذة الكتاب، ونفثة الشيطان،
وعصبة الآثام، ومحرفي الكتاب، ومطفئ السنن، وقتلة أولاد الانبياء، ومبيري عترة
الاوصياء، وملحقي العهار بالنسب، ومؤذي المؤمنين، وصراخ أئمة المستهزئين، الذين
جعلوا القرآن عضين وأنتم ابن حرب وأشياعه تعتمدون، وإيانا تخاذلون، أجل والله الخذل
فيكم معروف، وشجت عليه عروقكم، وتوارثته اصولكم وفروعكم، وثبتت عليه
[9]
قلوبكم، وغشيت صدوركم، فكنتم أخبث شئ سنخا
للناصب واكلة للغاصب، ألا لعنة الله على الناكثين الذين ينقضون الايمان بعد
توكيدها، وقد جعلتم الله عليكم كفيلا فأنتم والله هم. ألا إن الدعي ابن الدعي قد
ركز بين اثنتين بين القلة (1) والذلة، وهيهات ما آخذ الدنية، أبى الله ذلك ورسوله،
وجدود طابت، وحجور طهرت، وانوف حمية ونفوس أبية لا تؤثر مصارع اللئام على مصارع
الكرام، ألا قد أعذرت وأنذرت ألا إني زاحف بهذه الاسرة، على قلة العتاد، وخذلة
الاصحاب ثم أنشأ يقول: فإن نهزم فهزامون قدما * وإن نهزم فغير مهزمينا وما إن طبنا
جبن ولكن * منايانا ودولة آخرينا (2) ألا ! ثم لا تلبثون بعدها إلا كريث ما يركب
الفرس، حتى تدور بكم الرحى، عهد عهده إلي أبي عن جدي فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم
كيدوني جميعا فلا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ *
(الهامش) * (1) القلة: قلة العدد بالقتل. وفى بعض النسخ: السلة منه رحمه الله (2)
قائلها فروة بن مسيك المرادى قالها في يوم الردم لهمدان من مراد. وزاد بعدهما في
الملهوف: إذا ما الموت رفع عن اناس * كلاكله أناخ بآخرينا فأفنى ذلكم سروات قومي *
كما أفنى القرون الاولينا فلو خلد الملوك إذا خلدنا * ولو بقى الكرام إذا بقينا فقل
للشامتين بنا أفيقوا * سيلقى الشامتون كما لقينا وقد تروى على غير هذا اللفظ كما
نقله ابن هشام في السيرة ج 2 ص 582: مررن على لفات وهن خوص * ينازعن الاعنة ينتحينا
فان نغلب فغلابون قدما * وان نغلب فغير مغلبينا وما ان طبناجبن ولكن * منايانا
وطعمة آخرينا كذاك الدهر دولته سجال * تكر صروفه حينا فحينا الخ.
[10]
بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم اللهم
احبس عنهم قطر السماء، وابعث عليهم سنين كسني يوسف، وسلط عليهم غلام ثقيف يسقيهم
كأسا مصبرة، ولا يدع فيهم أحدا إلا (قتله) قتلة بقتلة، وضربة بضربة، ينتقم لي
ولاوليائي وأهل بيتي و أشياعي منهم، فانهم غرونا وكذبونا وخذلونا، وأنت ربنا عليك
توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير. ثم قال: أين عمر بن سعد ؟ ادعوا لي عمر ! فدعي
له، وكان كارها لا يحب أن يأتيه فقال: يا عمر أنت تقتلني ؟ تزعم أن يوليك الدعي بن
الدعي بلاد الري وجرجان، والله لاتتهنأ بذلك أبدا، عهدا معهودا، فاصنع ما أنت صانع،
فانك لاتفرح بعدي بدنيا ولا آخرة، ولكأني برأسك على قصبة قد نصب بالكوفة، يتراماه
الصبيان ويتخذونه غرضا بينهم. فاغتاظ عمر من كلامه، ثم صرف بوجهه عنه، ونادى
بأصحابه: ما تنتظرون به ؟ احملوا بأجمعكم إنما هي اكلة واحدة، ثم إن الحسين دعا
بفرس رسول الله المرتجز فركبه، وعيأ أصحابه. أقول: قد روى الخطبة في تحف العقول
نحوا مما مر ورواه السيد بتغيير واختصار (1) وستأتي برواية الاحتجاج أيضا. ثم قال
المفيد رحمه الله: فلما رأى الحر بن يزيد أن القوم قد صمموا على قتال الحسين عليه
السلام قال لعمر بن سعد: أي عمر ! أمقاتل أنت هذا الرجل ؟ قال: إي والله قتالا
شديدا أيسره أن تسقط الرؤوس، وتطيح الايدي، قال: أفما لكم فيما عرضه عليكم رضى ؟
قال عمر: أما لو كان الامر إلي لفعلت، ولكن أميرك قد أبى، فأقبل الحر حتى وقف من
الناس موقفا ومعه رجل من قومه يقال له قرة بن قيس فقال له: يا قرة هل سقيت فرسك
اليوم ؟ قال: لا، قال: فما تريد أن تسقيه ؟ قال قرة: فظننت والله إنه يريد أن يتنحى
ولا يشهد القتال، فكره أن أراه حين يصنع ذلك فقلت له: لم أسقه وأنا منطلق فأسقيه،
فاعتزل ذلك المكان الذي كان فيه فوالله لو أنه * (الهامش) * (1) تحف العقول ص 240
الملهوف ص 85 - 88
[11]
اطلعني على الذي يريد لخرجت معه إلى
الحسين (1). فأخذ يدنو من الحسين قليلا قليلا، فقال له مهاجر بن أوس: ما تريد يا
ابن يزيد ؟ أتريد أن تحمل ؟ فلم يجبه فأخذه مثل الافكل وهي الرعدة، فقال له
المهاجر: إن أمرك لمريب، والله ما رأيت منك في موقف قط مثل هذا، ولو قيل لي: من
أشجع أهل الكوفة ؟ لما عدوتك، فما هذا الذي أرى منك ؟ فقال له الحر: إني والله اخير
نفسي بين الجنة والنار، فوالله لا أختار على الجنة شيئا ولو قطعت واحرقت. ثم ضرب
فرسه فلحق الحسين عليه السلام فقال له: جعلت فداك يا ابن رسول الله أنا صاحبك الذي
حبستك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، وجعجعت بك في هذا المكان، وما ظننت أن القوم
يردون عليك ما عرضته عليهم، ولا يبلغون منك هذه المنزلة، والله لو علمت أنهم ينتهون
بك إلى ما أرى ما ركبت مثل الذي ركبت، وأنا تائب إلى الله مما صنعت، فترى لي من ذلك
توبة ؟ فقال له الحسين عليه السلام: نعم يتوب الله عليك فانزل فقال: أنا لك فارسا
خير مني راجلا اقاتلهم على فرسي ساعة، وإلى النزول ما يصير آخر أمري، فقال له
الحسين عليه السلام: فاصنع يرحمك الله ما بدالك. فاستقدم أمام الحسين عليه السلام
فقال: يا أهل الكوفة لامكم الهبل والعبر (2) أدعوتم هذا العبد الصالح حتى إذا أتاكم
أسلمتموه ؟ وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه ثم عدوتم عليه لتقتلوه ؟ أمسكتم بنفسه،
وأخذتم بكلكله، وأحطتم به من كل جانب لتمنعوه التوجه إلى بلاد الله العريضة، فصار
كالاسير في أيديكم: لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع عنها ضرا، وحلاتموه ونساءه وصبيته
وأهله عن ماء الفرات الجاري تشربه اليهود والنصارى والمجوس، وتمرغ فيه خنازير
السواد وكلابهم، وهاهم قد صرعهم العطش، بئسما خلفتم محمدا في ذريته، لاسقاكم الله
يوم الظمأ * (الهامش) * (1) كذب عدوالله، فانه قد رأى الحر بعد ذلك حين يقاتل ذبا
عن آل رسول الله. (2) الهبل: الثكل، والعبر: الموت يقال عبر القوم: ماتوا:
[12]
فحمل عليه رجال يرمونه بالنبل، فأقبل حتى
وقف أمام الحسين عليه السلام ونادى عمر بن سعد: يا دريد أدن رأيتك فأدناها ثم وضع
سهما في كبد قوسه ثم رمى وقال: اشهدوا أني أول من رمى الناس (1) وقال محمد بن أبي
طالب: فرمى أصحابه كلهم فما بقي من أصحاب الحسين عليه السلام إلا أصابه من سهامهم،
قيل: فلما رموهم هذه الرمية، قل أصحاب الحسين عليه السلام وقتل في هذه الحملة خمسون
رجلا، وقال السيد: فقال عليه السلام لاصحابه: قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لابد
منه فان هذه السهام رسل القوم إليكم، فاقتتلوا ساعة من النهار حملة وحملة، حتى قتل
من أصحاب الحسين عليه السلام جماعة، قال: فعندها ضرب الحسين عليه السلام يده على
لحيته، وجعل يقول: اشتد غضب الله على اليهود إذ جعلوا له ولدا، واشتد غضبه على
النصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة واشتد غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر دونه،
واشتد غضبه على قوم اتفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيهم، أما والله لا اجيبهم إلى
شئ مما يريدون حتى ألقى الله تعالى، وأنا مخضب بدمي. وروي عن مولانا الصادق عليه
السلام أنه قال: سمعت أبي عليه السلام يقول: لما التقى الحسين عليه السلام وعمر بن
سعد لعنه الله وقامت الحرب، انزل النصر حتى رفرف على رأس الحسين عليه السلام ثم خير
بين النصر على أعدائه وبين لقاء الله تعالى، فاختار لقاء الله تعالى قال الراوي: ثم
صاح عليه السلام: أما من مغيث يغيثنا لوجه الله، أما من ذاب يذب عن حرم رسول الله
(2) وقال المفيد رحمه الله: وتبارزوا فبرز يسار مولى زياد بن أبي سفيان وبرز إليه
عبد الله بن عمير، فقال له يسار: من أنت فانتسب له فقال: لست أعرفك حتى يخرج إلي
زهير بن القين أو حبيب بن مظاهر، فقال له عبد الله بن عمير: يا ابن الفاعلة *
(الهامش) * (1) كتاب الارشاد ص 219 (2) الملهوف ص 89 و 90.
[13]
وبك رغبة عن مبارزة أحد من الناس ثم شد
عليه فضربه بسيفه حتى برد، وإنه لمشغول بضربه إذ شد عليه سالم مولى عبيدالله بن
زياد، فصاحوا به قد رهقك العبد فلم يشعر حتى غشيه، فبدره بضربة اتقاها ابن عمير
بيده اليسرى فأطارت أصابع كفه، ثم شد عليه فضربه حتى قتله، وأقبل وقد قتلهما جميعا
وهو يرتجز ويقول: إن تنكروني فأنا ابن كلب * أنا امرء ذو مرة وعصب ولست بالخوار عند
النكب وحمل عمرو بن الحجاج على ميمنة أصحاب الحسين عليه السلام فيمن كان معه من أهل
الكوفة، فلما دنا من الحسين عليه السلام جثوا له على الركب وأشرعوا الرماح نحوهم،
فلم تقدم خيلهم على الرماح فذهبت الخيل لترجع، فرشقهم أصحاب الحسين عليه السلام
بالنبل، فصرعوا منهم رجالا وجرحوا منهم آخرين وجاء رجل من بني تميم يقال له عبد
الله بن خوزة فأقدم على عسكر الحسين عليه السلام فناداه القوم: إلى أين ثكلتك امك ؟
فقال: إني أقدم على رب رحيم وشفيع مطاع، فقال الحسين عليه السلام لاصحابه: من هذا ؟
فقيل له: هذا ابن خوزة التميمي، فقال: اللهم جره إلى النار فاضطرب به فرسه في جدول
فوقع وتعلقت رجله اليسرى في الركاب وارتفعت اليمنى وشد عليه مسلم بن عوسجة فضرب
رجله اليمنى فأطارت وعدابه فرسه فضرب برأسه كل حجر وكل شجر حتى مات وعجل الله بروحه
إلى النار، ونشب القتال فقتل من الجميع جماعة (1) وقال محمد بن أبي طالب وصاحب
المناقب وابن الاثير في الكامل ورواياتهم متقاربة: إن الحر أتى الحسين عليه السلام
فقال: يا ابن رسول الله كنت أول خارج عليك فائذن لي لاكون أول قتيل بين يديك، وأول
من يصافح جدك غدا، وإنما قال الحر: لاكون أول قتيل بين يديك والمعنى يكون أول قتيل
من المبارزين وإلا فان جماعة كانوا قد قتلوا في الحملة الاولى كما ذكر، فكان أول من
تقدم إلى * (الهامش) * (1) كتاب الارشاد ص 220
[14]
براز القوم، وجعل ينشد ويقول: إني أنا
الحر ومأوى الضيف * أضرب في أعناقكم بالسيف عن خير من حل بأرض الخيف * أضربكم ولا
أرى من حيف وروي أن الحر لما لحق بالحسين عليه السلام قال رجل من تميم يقال له يزيد
ابن سفيان: أما والله لو لحقته لاتبعته السنان، فبينما هو يقاتل وإن فرسه لمضروب
على اذنيه وحاجبيه وإن الدماء لتسيل إذ قال الحصين: يا يزيد هذا الحر الذي كنت
تتمناه، قال: نعم، فخرج إليه فما لبث الحر أن قتله، وقتل أربعين فارسا وراجلا، فلم
يزل يقاتل حتى عرقب فرسه، وبقي راجلا وهو يقول: إني أنا الحر ونجل الحر * أشجع من
ذي لبد هزبر ولست بالجبان عند الكر * لكنني الوقاف عند الفر ثم لم يزل يقاتل حتى
قتل رحمه الله، فاحتمله أصحاب الحسين عليه السلام حتى وضعوه بين يدي الحسين عليه
السلام وبه رمق، فجعل الحسين يمسح وجهه، ويقول: أنت الحر كما سمتك امك، وأنت الحر
في الدنيا، وأنت الحر في الآخرة ورثاه رجل من أصحاب الحسين عليه السلام وقيل: بل
رثاه علي بن الحسين عليهما السلام لنعم الحر حر بني رياح * صبور عند مختلف الرماح
ونعم الحر إذ نادى حسينا * فجاد بنفسه عند الصياح فيا ربي أضفه في جنان * وزوجه مع
الحور الملاح وروي أن الحر كان يقول: آليت لا اقتل حتى أقتلا * أضربهم بالسيف ضربا
معضلا لا ناقل عنهم ولا معللا * لا عاجز عنهم ولا مبدلا أحمي الحسين الماجد المؤملا
قال المفيد رحمه الله: فاشترك في قتله: أيوب بن مسرح ورجل آخر من
[15]
فرسان أهل الكوفة انتهى كلامه (1). وقال
ابن شهر آشوب: قتل نيفا وأربعين رجلا منهم، وقال ابن نما: ورويت باسنادي أنه قال
للحسين عليه السلام: لما وجهني عبيدالله إليك خرجت من القصر فنوديت من خلفي: أبشر
يا حر بخير، فالتفت فلم أر أحدا فقلت والله ما هذه بشارة وأنا أسير إلى الحسين، وما
احدث نفسي باتباعك، فقال عليه السلام: لقد أصبت أجرا وخيرا ثم قالوا: وكان كل من
أراد الخروج ودع الحسين عليه السلام وقال: السلام عليك يا ابن رسول الله ! فيجيبه
وعليك السلام ونحن خلفك، ويقرأ عليه السلام " فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما
بدلوا تبديلا " ثم برز برير بن خضير الهمداني بعد الحر وكان من عباد الله الصالحين
فبرز وهو يقول: أنا برير وأبي خضير * ليث يروع الاسد عند الزئر يعرف فينا الخير أهل
الخير * أضربكم ولا أرى من ضير كذاك فعل الخير من برير وجعل يحمل على القوم وهو
يقول: اقتربوا مني يا قتلة المؤمنين ! اقتربوا مني يا قتلة أولاد البدريين !
اقتربوا مني يا قتلة أولاد رسول رب العالمين وذريته الباقين ! وكان برير أقرأ أهل
زمانه، فلم يزل يقاتل حتى قتل ثلاثين رجلا، فبرز إليه رجل يقال له يزيد بن معقل
فقال لبرير: أشهد أنك من المضلين، فقال له برير: هلم فلندع الله أن يلعن الكاذب منا
وأن يقتل المحق منا المبطل، فتصاولا فضرب يزيد لبرير ضربة خفيفة لم يعمل شيئا،
وضربه برير ضربة قدت المغفر، ووصلت إلى دماغه، فسقط قتيلا، قال: فحمل رجل من أصحاب
ابن زياد فقتل بريرا رحمه الله وكان يقال لقاتله: بحير بن أوس الضبي فجال في ميدان
الحرب وجعل يقول: سلي تخبري عني وأنت ذميمة * غداة حسين والرماح شوارع ألم آت أقصى
ما كرهت ولم يحل * غداة الوغى والروع ما أنا صانع * (الهامش) * (1) الارشاد ص 222
[16]
معي مزني لم تخنه كعوبه * وأبيض مشحوذ
الغرارين قاطع (1) فجردته في عصبة ليس دينهم * كديني وإني بعد ذاك لقانع وقد صبروا
للطعن والضرب حسرا (2) * وقد جالدوا لو أن ذلك نافع فأبلغ عبيدالله إذ ما لقيته *
بأني مطيع للخليفة سامع قتلت بريرا ثم جلت لهمة * غداة الوغى لما دعا من يقارع قال:
ثم ذكر له بعد ذلك أن بريرا كان من عباد الله الصالحين وجاءه ابن عم له، وقال: ويحك
يا بحير قتلت برير بن خضير فبأي وجه تلقى ربك غدا ؟ قال: فندم الشقي وأنشأ يقول:
فلو شاء ربي ما شهدت قتالهم * ولاجعل النعماء عند ابن جائر لقد كان ذا عارا علي
وسبة * يعير بها الابناء عند المعاشر فيا ليت إني كنت في الرحم حيضة * ويوم حسين
كنت ضمن المقابر فيأسوءتا ماذا أقول لخالقي * وما حجتي يوم الحساب القماطر (3) ثم
برز من بعده وهب بن عبد الله بن حباب الكلبي وقد كانت معه امه يومئذ فقالت: قم يا
بني فانصر ابن بنت رسول الله، فقال: أفعل يا اماه ولا اقصر فبرز وهو يقول: إن
تنكروني فانا ابن الكلب * سوف تروني وترون ضربي وحملتي وصولتي في الحرب * أدرك ثأري
بعد ثأر صحبي وأدفع الكرب أمام الكرب * ليس جهادي في الوغى باللعب * (الهامش) * (1)
قوله " مزنى " أي رمح مزنى، وكعوب الرمح: النواشر في أطراف الانابيب وعدم خيانتها:
كناية عن كثرة نفوذها وعدم كلالها، والغراران: شفرتا السيف منه رحمه الله (2) جمع
حاسر: الذى لا مغفر عليه ولادرع (3) يقال: يوم قماطر بالضم: شديد، وهنا يحتمل أن
يكون وصفا للحساب، أو وصفا لليوم.
[17]
ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم جماعة
فرجع إلى امه وامرأته فوقف عليهما فقال: يا اماه أرضيت ؟ فقالت: ما رضيت أو تقتل
بين يدي الحسين عليه السلام فقالت: امرأته: بالله لا تفجعني في نفسك ! فقالت امه:
يا بني لاتقبل قولها وارجع، فقاتل بين يدي ابن رسول الله فيكون غدا في القيامة
شفيعا لك بين يدي الله، فرجع قائلا إني زعيم لك ام وهب * بالطعن فيهم تارة والضرب
ضرب غلام مؤمن بالرب * حتى يذيق القوم مر الحرب إني امرء ذو مرة وعصب * ولست
بالخوار عند النكب حسبي إلهي من عليم حسبي فلم يزل يقاتل حتى قتل تسعة عشر فارسا
واثني عشر راجلا ثم قطعت يداه فأخذت امرأته عمودا وأقبلت نحوه وهي تقول: فداك أبي
وامي قاتل دون الطيبين حرم رسول الله، فأقبل كي يردها إلى النساء فأخذت بجانب ثوبه،
وقالت: لن أعود أو أموت معك، فقال الحسين: جزيتم من أهل بيتي خيرا ! ارجعي إلى
النساء رحمك الله، فانصرفت، وجعل يقاتل حتى قتل رضوان الله عليه، قال: فذهبت امرأته
تمسح الدم عن وجهه فبصر بها شمر، فأمر غلاما له فضربها بعمود كان معه فشدخها
وقتلها، وهي أول امرأة قتلت في عسكر الحسين. ورأيت حديثا أن وهب هذا كان نصرانيا
فأسلم هو وامه على يدي الحسين فقتل في المبارزة أربعة وعشرين راجلا واثنى عشر فارسا
ثم اخذ أسيرا فاتي به عمر ابن سعد فقال: ما أشد صولتك ؟ ثم أمر فضربت عنقه، ورمي
برأسه إلى عسكر الحسين عليه السلام فأخذت امه الرأس فقبله ثم رمت بالرأس إلى عسكر
ابن سعد فأصابت به رجلا فقتلته، ثم شدت بعمود الفسطاط، فقتلت رجلين، فقال لها
الحسين: ارجعي يا ام وهب أنت وابنك مع رسول الله فان الجهاد مرفوع عن النساء فرجعت
وهي تقول: إلهي لا تقطع رجائي، فقال لها الحسين عليه السلام: لا يقطع الله رجاك يا
ام وهب
[18]
ثم برز من بعده عمرو بن خالد الازدي وهو
يقول: إليك يا نفس إلى الرحمان * فأبشري بالروح والريحان اليوم تجزين على الاحسان *
قد كان منك غابر الزمان ما خط في اللوح لدى الديان * لا تجرعي فكل حي فان والصبر
أحظى لك بالاماني * يا معشر الازد بني قحطان ثم قاتل حتى قتل - رحمة الله - وفي
المناقب: ثم تقدم ابنه خالد بن عمرو، وهو يرتجز ويقول: صبرا على الموت بني قحطان *
كي ما تكونوا في رضى الرحمان ذي المجد والعزة والبرهان * وذي العلى والطول والاحسان
يا أبتا قد صرت في الجنان * في قصر رب حسن البنيان (1) ثم تقدم فلم يزل يقاتل حتى
قتل - رحمة الله عليه - وقال محمد بن أبي طالب: ثم برز من بعده سعد بن حنظلة
التميمي وهو يقول: صبرا على الاسياف والاسنة * صبرا عليها لدخول الجنة وحور عين
ناعمات هنه * لمن يريد الفوز لا بالظنة يا نفس للراحة فاجهدنه * وفي طلاب الخير
فارغبنه (2) ثم حمل وقاتل قتالا شديدا ثم قتل رضوان الله عليه. وخرج من بعده عمير
بن عبد الله المذحجي وهو يرتجز ويقول: قد علمت سعد وحي مذحج * أني لدى الهيجاء ليث
محرج أعلو بسيفي هامة المدجج * وأترك القرن لدى التعرج فريسة الضبع الازل الاعرج *
(الهامش) * (1) في مناقب آل أبى طالب: في قصر درحسن البنيان (2) قوله: " هنه "
الهاء للسكت، وكذا قوله " فاجهدنه " و " فارغبنه " منه رحمه الله.
[19]
ولم يزل يقاتل حتى قتله مسلم الضبابي وعبد
الله البجلي ثم برز من بعده مسلم بن عوسجة - رحمه الله - وهو يرتجز: إن تسألوا عني
فاني ذو لبد * من فرع قوم من ذرى بني أسد فمن بغانا حائد عن الرشد * وكافر بدين
جبار صمد ثم قاتل قتالا شديدا. وقال المفيد وصاحب المناقب بعد ذلك: وكان نافع بن
هلال البجلي يقاتل قتالا شديدا ويرتجز ويقول: أنا ابن هلال البجلي (2) أنا على دين
علي ودينه دين النبي فبرز إليه رجل من بني قطيعة، وقال المفيد: هو مزاحم بن حريث،
فقال: أنا على دين عثمان، فقال له نافع: أنت على دين الشيطان، فحمل عليه نافع فقتله
فصاح عمرو بن الحجاج بالناس: يا حمقى أتدرون من تقاتلون ؟ تقاتلون فرسان أهل المصر
وأهل البصائر وقوما مستميتين لايبرز منكم إليهم أحد إلا قتلوه على قلتهم، والله لو
لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم، فقال له عمربن سعد - لعنه الله: الرأي ما رأيت
فأرسل في الناس من يعزم عليهم أن لا يبارزهم رجل منهم، وقال: لو خرجتم إليهم وحدانا
لاتوا عليكم مبارزة. ودنا عمرو بن الحجاج من أصحاب الحسين عليه السلام فقال: يا أهل
الكوفة الزموا طاعتكم وجماعتكم ولا ترتابوا في قتل من مرق من الدين وخالف الامام،
فقال الحسين عليه السلام: يا ابن الحجاج أعلي تحرض الناس ؟ أنحن مرقنا من الدين
وأنتم ثبتم عليه ؟ والله لتعلمن أينا المارق من الدين، ومن هو أولى بصلى النار. ثم
حمل عمرو بن الحجاج لعنه الله في ميمنته من نحو الفرات فاضطربوا * (الهامش) * (1)
كذا في النسخ، ولكن لا يستقيم الرجز، والظاهر أن القائل هلال بن حجاج فقال: أنا
هلال البجلى * أنا على دين على * ودينه دين النبي
[20]
ساعة فصرع مسلم بن عوسجة وانصرف عمرو
وأصحابه وانقطعت الغبرة فإذا مسلم صريع وقال محمد بن أبي طالب: فسقط إلى الارض وبه
رمق فمشى إليه الحسين، ومعه حبيب بن مظاهر فقال له الحسين عليه السلام: رحمك الله
يا مسلم " فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا " ثم دنا منه حبيب
فقال: يعز علي مصرعك يا مسلم أبشر بالجنة، فقال له قولا ضعيفا: بشرك الله بخير،
فقال له حبيب: لولا أعلم أني في الاثر لاحببت أن توصي إلي بكل ما أهمك فقال مسلم:
فاني اوصيك بهذا وأشار إلى الحسين عليه السلام فقاتل دونه حتى تموت، فقال حبيب:
لانعمنك عينا ثم مات رضوان الله عليه قال: وصاحت جارية له يا سيداه يا ابن عوسجتاه
فنادى أصحاب ابن سعد مستبشرين قتلنا مسلم بن عوسجة فقال شبث بن ربعي لبعض من حوله:
ثكلتكم أمهاتكم أما إنكم تقتلون أنفسكم بأيديكم وتذلون عزكم، أتفرحون بقتل مسلم ابن
عوسجة أما والذي أسلمت له لرب موقف له في المسلمين كريم، لقد رأيته يوم آذربيجان
قتل ستة من المشركين قبل أن تلتام خيول المسلمين ثم حمل شمربن ذي الجوشن في
الميسرة، فثبتوا له (1) وقاتلهم أصحاب الحسين عليه السلام قتالا شديدا وإنماهم
اثنان وثلاثون فارسا، فلا يحملون على جانب من أهل الكوفة إلا كشفوهم، فدعا عمربن
سعد بالحصين بن نمير في خمسمائة من الرماة، فاقتبلوا (2) حتى دنوا من الحسين
وأصحابه، فرشقوهم بالنبل، فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم، وقاتلوهم حتى انتصف النهار،
واشتد القتال، ولم يقدروا أن يأتوهم إلا من جانب واحد لاجتماع أبنيتهم، وتقارب
بعضها من بعض، فأرسل عمر ابن سعد الرجال ليقوضوها عن أيمانهم وشمائلهم، ليحيطوا بهم
وأخذ الثلاثة والاربعة من أصحاب الحسين يتخللون فيشدون على الرجل يعرض وينهب،
فيرمونه عن * (الهامش) * (1) في بعض النسخ وهكذا نسخة الارشاد زيادة وهى: وطاعنوه
وحمل على الحسين عليه السلام وأصحابه من كل جانب وقاتلهم الخ (2) في الاصل وهكذا
سائر النسخ: فاقتتلوا. وهو سهو.
[21]
قريب فيصرعونه فيقتلونه فقال ابن سعد:
احرقوها بالنار فأضرموا فيها فقال الحسين عليه السلام: دعوهم يحرقوها فإنهم إذا
فعلوا ذلك لم يجوزوا إليكم فكان كما قال عليه السلام: وقيل: أتاه شبث بن ربعي وقال:
أفزعنا النساء ثكلتك أمك، فاستحيا وأخذوا لا يقاتلونهم إلا من وجه واحد، وشد أصحاب
زهير بن القين فقتلوا أبا عذرة الضبابي من أصحاب شمر. فلم يزل يقتل من أصحاب الحسين
الواحد والاثنان فيبين ذلك فيهم لقلتهم ويقتل من أصحاب عمر العشرة فلايبين فيهم ذلك
لكثرتهم فلما رأى ذلك أبو ثمامة الصيداوي قال للحسين عليه السلام: يا أبا عبد الله
نفسي لنفسك الفداء هؤلاء اقتربوا منك، ولا والله لا تقتل حتى أقتل دونك وأحب أن
ألقى الله ربي وقد صليت هذه الصلاة، فرفع الحسين رأسه إلى السماء وقال: ذكرت الصلاة
جعلك الله من المصلين، نعم هذا أول وقتها ثم قال: سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي،
فقال الحصين بن نمير: إنها لاتقبل، فقال حبيب بن مظاهر: لاتقبل الصلاة زعمت من ابن
رسول الله وتقبل منك ياختار، فحمل عليه حصين بن نمير وحمل عليه حبيب فضرب وجه فرسه
بالسيف فشب (1) به الفرس ووقع عنه الحصين فاحتوشته أصحابه فاستنقذوه فقال الحسين
عليه السلام لزهيربن القين وسعيد بن عبد الله: تقدما أمامي حتى أصلي الظهر فتقدما
أمامه في نحو من نصف أصحابه حتى صلى بهم صلاة الخوف وروي أن سعيد بن عبد الله
الحنفي تقدم أمام الحسين، فاستهدف لهم يرمونه بالنبل كلما أخذ الحسين عليه السلام
يمينا وشمالا، قام بين يديه، فما زال يرمى به حتى سقط إلى الارض وهو يقول: اللهم
العنهم لعن عاد وثمود، اللهم أبلغ نبيك السلام عني وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح،
فاني أردت بذلك نصرة ذرية نبيك ثم مات رضوان الله عليه، فوجد به ثلاثة عشر سهما سوى
ما به من ضرب السيوف وطعن الرماح.
(1) شب الفرس شبابا - بالكسر - رفع يديه
وقمص وحرن.
[22]
وقال ابن نما، وقيل صلى الحسين عليه
السلام وأصحابه فرادى بالايماء، ثم قالوا: ثم خرج عبد الرحمان بن عبد الله اليزني
وهو يقول: أنا ابن عبد الله من آل يزن * ديني على دين حسين وحسن أضربكم ضرب فتى من
اليمن * أرجو بذاك الفوز عند المؤتمن ثم حمل فقاتل حتى قتل وقال السيد: فخرج عمرو
بن قرظة الانصاري فاستأذن الحسين عليه السلام فأذن له فقاتل قتال المشتاقين إلى
الجزاء، وبالغ في خدمة سلطان السماء، حتى قتل جمعا كثيرا من حزب ابن زياد، وجمع بين
سداد وجهاد، وكان لا يأتي إلى الحسين سهم إلا اتقاه بيده، ولا سيف إلا تلقاه
بمهجته، فلم يكن يصل إلى الحسين سوء حتى أثخن بالجراح، فالتفت إلى الحسين وقال: يا
ابن رسول الله أوفيت ؟ قال: نعم، أنت أمامي في الجنة، فاقرء رسول الله مني السلام،
وأعلمه أني في الاثر، فقاتل حتى قتل رضوان الله عليه. وفي المناقب أنه كان يقول: قد
علمت كتيبة الانصار * أن سوف أحمي حوزة الذمار ضرب غلام غير نكس شاري * دون حسين
مهجتي وداري ! وقال السيد: ثم تقدم جون مولى أبي ذر الغفاري وكان عبدا أسود، فقال
له الحسين: أنت في إذن مني فانما تبعتنا طلبا للعافية، فلاتبتل بطريقنا، فقال: يا
ابن رسول الله أنا في الرخاء الحس قصاعكم، وفي الشدة أخذلكم، والله إن ريحي لمنتن،
وإن حسبي للئيم، ولوني لاسود، فتنفس علي بالجنة، فتطيب ريحي ويشرف حسبي، ويبيض وجهي
؟ لا والله لاأفارقكم حتى يختلط هذا الدم الاسود مع دمائكم (1) وقال محمد بن أبي
طالب: ثم برزللقتال وهو ينشد ويقول: كيف يرى الكفار ضرب الاسود * بالسيف ضربا عن
بني محمد
(1) كتاب الملهوف ص 94 - 96.
[23]
أذب عنهم باللسان واليد * أرجو به الجنة
يوم المورد ثم قاتل حتى قتل، فوقف عليه الحسين عليه السلام وقال: اللهم بيض وجهه،
وطيب ريحه، واحشره مع الابرار، وعرف بينه وبين محمد وآل محمد وروي عن الباقر عليه
السلام عن علي بن الحسين عليهما السلام أن الناس كانوا يحضرون المعركة، ويدفنون
القتلى، فوجدوا جونا بعد عشرة أيام يفوح منه رائحة المسك رضوان الله عليه وقال صاحب
المناقب: كان رجزه هكذا: كيف يرى الفجار ضرب الاسود * بالمشرفي القاطع المهند
بالسيف صلتا عن بني محمد * أذب عنهم باللسان واليد أرجو بذاك الفوز عند المورد * من
الاله الاحد الموحد إذ لا شفيع عنده كأحمد وقال السيد: ثم برز عمر (و) بن خالد
الصيداوي فقال للحسين عليه السلام: يا أبا عبد الله قد هممت أن ألحق بأصحابي، وكرهت
أن أتخلف وأراك وحيدا من أهلك قتيلا فقال له الحسين: تقدم فانا لاحقون بك عن ساعة،
فتقدم فقاتل حتى قتل (قال:) وجاء حنظلة بن سعد الشبامي (1) فوقف بين يدي الحسين
يقيه السهام والرماح والسيوف بوجهه ونحره، وأخذ ينادي: يا قوم إني أخاف عليكم مثل
يوم الاحزاب، مثل دأب قوم نوح وعاد، وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما
للعباد، ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد، يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من
عاصم، يا قوم لا تقتلوا حسينا فيسحتكم الله بعذاب، وقد خاب من افترى (2) وفي
المناقب: فقال له الحسين: يا ابن سعد إنهم قد استوجبوا العذاب حين ردوا عليك ما
دعوتهم إليه من الحق، ونهضوا إليك يشتمونك وأصحابك، فكيف
(1) في الاصل الشامي وهو سهو والصحيح مافى
الصلب كما في الطبري ج 6 ص 254 والشبام بطن من همدان. (2) الملهوف ص 96 و 97.
[24]
بهم الآن وقد قتلوا إخوانك الصالحين قال:
صدقت جعلت فداك أفلا نروح إلى ربنا فنلحق باخواننا ؟ فقال له: رح إلى ما هو خير لك
من الدنيا وما فيها، وإلى ملك لايبلى فقال: السلام عليك يا ابن رسول الله صلى الله
عليك وعلى أهل بيتك وجمع بيننا وبينك في جنته قال: آمين آمين، ثم استقدم فقاتل
قتالا شديدا فحملوا عليه فقتلوه رضوان الله عليه. وقال السيد: فتقدم سويد بن عمر
(و) بن أبي المطاع وكان شريفا كثير الصلاة فقاتل قتال الاسد الباسل، وبالغ في الصبر
على الخطب النازل، حتى سقط بين القتلى وقد أثخن بالجراح، فلم يزل كذلك وليس به
حراك، حتى سمعهم يقولون: قتل الحسين، فتحامل وأخرج سكينا من خفه وجعل يقاتل حتى قتل
(1). وقال صاحب المناقب: فخرج يحيى بن سليم المازني وهو يرتجز ويقول: لاضربن القوم
ضربا فيصلا * ضربا شديدا في العداة معجلا لا عاجزا فيها ولا مولو لا * ولا أخاف
اليوم موتا مقبلا لكنني كالليث أحمي أشبلا ثم حمل فقاتل حتى قتل رحمه الله. ثم خرج
من بعده قرة بن أبي قرة الغفاري وهو يرتجز ويقول: قد علمت حقا بنو غفار * وخندف بعد
بني نزار بأني الليث لدى الغيار * لاضربن معشر الفجار بكل عضب ذكر بتار * ضربا
وجيعا عن بني الاخيار رهط النبي السادة الابرار قال: ثم حمل فقاتل حتى قتل رحمه
الله. وخرج من بعده مالك بن أنس المالكي وهو يرتجز ويقول: قد علمت مالكها والدودان
* والخندفيون وقيس عيلان بأن قومي آفة الاقران * لدى الوغى وسادة الفرسان
(1) الملهوف ص 98.
[25]
مباشرو الموت بطعن آن * لسنا نرى العجز عن
الطعان آل علي شيعة الرحمان * آل زياد شيعة الشيطان ثم حمل فقاتل حتى قتل رحمه
الله، وقال ابن نما: اسمه أنس بن حارث الكاهلي (1) وفي المناقب ثم خرج من بعده عمر
(و) بن مطاع الجعفي وهو يقول: أنا ابن جعف وأبي مطاع * وفي يميني مرهف قطاع وأسمر
في رأسه لماع * يرى له من ضوئه شعاع اليوم قد طاب لنا القراع * دون حسين الضرب
والسطاع يرجى بذاك الفوز والدفاع * عن حرنارحين لا انتفاع ثم حمل فقاتل حتى قتل
رحمه الله. وقالوا: ثم خرج الحجاج بن مسروق، وهو مؤذن الحسين عليه السلام ويقول:
أقدم حسين هاديا مهديا * اليوم تلقى جدك النبيا ثم أباك ذا الندا عليا * ذاك الذي
نعرفه وصيا والحسن الخير الرضي الوليا * وإذا الجناحين الفتى الكميا وأسد الله
الشهيد الحيا ثم حمل فقاتل حتى قتل رحمه الله. ثم خرج من بعده زهير بن القين رضي
الله عنه وهو يرتجز ويقول: أنا زهير وأنا ابن القين * أذودكم بالسيف عن حسين إن
حسينا أحد السبطين * من عترة البر التقي الزين ذاك رسول الله غير المين * أضربكم
ولا أرى من شين يا ليت نفسي قسمت قسمين وقال محمد بن أبيطالب: فقاتل حتى قتل مائة
وعشرين رجلا فشد عليه كثير بن
(1) قد مرفى ج 44 ص 320 نقلا عن أمالى
الصدوق أنه مالك بن أنس الكاهلى وأنه كان يقول: " قد علمت كاهلها ودودان " وما ذكره
ابن نما هو الصحيح كماعنونه في الاصابة وقال: له ولابيه صحبة.
[26]
عبد الله الشعبي ومهاجر بن أوس التميمي
فقتلاه، فقال الحسين عليه السلام حين صرع زهير: لا يبعدك الله يا زهير ! ولعن قاتلك
لعن الذين مسخوا قردة وخنازير. ثم خرج سعيد بن عبد الله الحنفي وهو يرتجز: أقدم
حسين اليوم تلقى أحمدا * وشيخك الحبر عليا ذا الندا وحسنا كالبدر وافى الا سعدا *
وعمك القرم الهمام الارشدا حمزة ليث الله يدعى أسدا * وذا الجناحين تبوأ مقعدا في
جنة الفردوس يعلو صعدا وقال في المناقب: وقيل: بل القائل لهذه الابيات هو سويد بن
عمر (و) بن أبي المطاع قال: فلم يزل يقاتل حتى قتل ثم برز حبيب بن مظاهر الاسدي وهو
يقول: أنا حبيب وأبي مظهر * فارس هيجاء وحرب تسعر وأنتم عند العديد أكثر * ونحن
أعلى حجة وأظهر وأنتم عند الوفاء أغدر * ونحن أوفى منكم وأصبر حقا وأنمى منكم وأعذر
(1) وقاتل قتالا شديدا وقال أيضا: أقسم لو كنا لكم أعدادا * أو شطركم وليتم
الاكتادا (2) ياشر قوم حسبا وآدا * وشرهم قد علموا أندادا ثم حمل عليه رجل من بني
تميم فطعنه فذهب ليقوم فضربه الحصين بن نمير لعنه الله على رأسه بالسيف فوقع ونزل
التميمي فاجتز رأسه فهد مقتله الحسين
(1) كذا في النسخ والصحيح ما نقله الطبري
عن أبى مخنف بتقديم وتاخير هكذا: أنتم أعد عدة وأكثر * ونحن أوفى منكم وأصبر ونحن
اعلى حجة وأظهر * حقا واتقى منكم واعذر (2) الكتد مثل الكتف: مجتمع الكتفين من
الانسان والاد: القوة كالايد. منه رحمه الله.
[27]
عليه السلام، فقال: عند الله أحتسب نفسي
وحماة أصحابي وقيل: بل قتله رجل يقال له بديل بن صريم وأخذ رأسه فعلقه في عنق فرسه،
فلما دخل مكة (1) رآه ابن حبيب وهو غلام غير مراهق فوثب إليه فقتله وأخذ رأسه. وقال
محمد بن أبيطالب: فقتل اثنين وستين رجلا فقتله الحصين بن نمير وعلق رأسه في عنق
فرسه. ثم برز هلال بن نافع البجلي وهو يقول: أرمي بها معلمة أفواقها * والنفس لا
ينفعها إشفاقها مسمومة تجري بها أخفاقها * ليملان أرضها رشاقها فلم يزل يرميهم حتى
فنيت سهامه، ثم ضرب يده إلى سيفه فاستله وجعل يقول: أنا الغلام اليمني البجلي *
ديني على دين حسين وعلي إن أقتل اليوم فهذا أملي * فذاك رأيي وألاقي عملي فقتل
ثلاثة عشر رجلا فكسروا عضديه وأخذ أسيرا فقام إليه شمر فضرب عنقه. قال: ثم خرج شاب
قتل أبوه في المعركة وكانت أمه معه، فقالت له أمه: اخرج يا بني وقاتل بين يدي ابن
رسول الله ! فخرج فقال الحسين: هذا شاب قتل أبوه ولعل أمه تكره خروجه فقال الشاب:
أمي أمرتني بذلك، فبرز وهو يقول: أميري حسين ونعم الامير * سرور فؤاد البشير النذير
علي وفاطمة والداه * فهل تعلمون له من نظير ؟ له طلعة مثل شمس الضحى * له غرة مثل
بدر منير
(1) كذا في النسخ ولاريب انه مصحف "
الكوفة " قال الطبري نقلا عن أبى مخنف ان بديل بن صريم أخذ رأس حبيب وأقبل به إلى
ابى زياد في القصر، فبصر به ابنه القاسم بن حبيب وهو يومئذ مراهق فلزمه كلما دخل
دخل معه وإذا خرج خرج معه ليجد منه غرة فيقتله فلم يجد إلى ذلك سبيلا حتى إذا كان
زمان مصعب فدخل عسكره فإذا قاتل أبيه في فسطاطه فدخل عليه يوما وهو قائل نصف النهار
فضربه بسيفه حتى برد. انتهى باختصار.
[28]
وقاتل حتى قتل وجز رأسه ورمي به إلى عسكر
الحسين عليه السلام فحملت أمه رأسه، وقالت: أحسنت يا بني يا سرور قلبي ويا قرة
عيني، ثم رمت برأس ابنها رجلا فقتلته وأخذت عمود خيمته، وحملت عليهم وهي تقول: أنا
عجوز سيدي ضعيفة * خاوية بالية نحيفة أضربكم بضربة عنيفة * دون بني فاطمة الشريفة
وضربت رجلين فقتلتهما فأمر الحسين عليه السلام بصرفها ودعا لها. وفي المناقب ثم خرج
جنادة بن الحارث الانصاري وهو يقول: أنا جناد وأنا ابن الحارث * لست بخوار ولا
بناكث عن بيعتي حتى يرثني وارث * اليوم شلوي في الصعيد ماكث قال: ثم حمل فلم يزل
يقاتل حتى قتل رحمه الله. قال: ثم خرج من بعده عمرو بن جنادة وهو يقول: أضق الخناق
من ابن هند وارمه * من عامه بفوارس الانصار ومهاجرين مخضبين رماحهم * تحت العجاجة
من دم الكفار خضبت على عهد النبي محمد * فاليوم تخضب من دم الفجار واليوم تخضب من
دماء أراذل * رفضوا القرآن لنصرة الاشرار طلبوا بثأرهم ببدر إذ أتوا * بالمرهفات
وبالقنا الخطار والله ربي لا أزال مضاربا * في الفاسقين بمرهف بتار هذا على الازدي
حق واجب * في كل يوم تعانق وكرار قال: ثم خرج عبد الرحمن بن عروة فقال: قد علمت حقا
بنو غفار * وخندف بعد بني نزار لنضربن معشر الفجار * بكل عضب ذكر بتار يا قوم ذودوا
عن بني الاخيار * بالمشرفي والقنا الخطار ثم قاتل حتى قتل رحمه الله. وقال محمد بن
أبيطالب: وجاء عابس بن (أبي) شبيب الشاكري معه شوذب مولى
[29]
شاكر، وقال: ياشوذب ما في نفسك أن تصنع ؟
قال: ما أصنع ؟ أقاتل حتى أقتل قال: ذاك الظن بك، فتقدم بين يدي أبي عبد الله حتى
يحتسبك كما احتسب غيرك فان هذا يوم ينبغي لنا أن نطلب فيه الاجر بكل ما نقدر عليه،
فانه لا عمل بعد اليوم وإنما هو الحساب. فتقدم فسلم على الحسين عليه السلام وقال:
يا أبا عبد الله أما والله ما أمسى على وجه الارض قريب ولا بعيد أعز علي ولا أحب
إلي منك، ولو قدرت على أن أدفع عنك الضيم أو القتل بشئ أعز علي من نفسي ودمي لفعلت،
السلام عليك يا أبا عبد الله أشهد أني على هداك وهدى أبيك، ثم مضى بالسيف نحوهم.
قال ربيع بن تميم: فلما رأيته مقبلا عرفته وقد كنت شاهدته في المغازي، و كان أشجع
الناس، فقلت: أيها الناس هذا أسد الاسود، هذا ابن [أبي] شبيب لا يخرجن إليه أحد
منكم، فأخذ ينادي: ألارجل ؟ ألارجل ؟. فقال عمربن سعد: ارضخوه بالحجارة من كل جنب،
فلما رأى ذلك ألقى درعه ومغفره ثم شد على الناس فوالله لقد رأيت يطرد أكثر من
مائتين من الناس ثم إنهم تعطفوا عليه من كل جانب، فقتل، فرأيت رأسه في أيدي رجال
ذوي عدة هذا يقول: أنا قتلته، والآخر يقول كذلك فقال عمربن سعد: لا تختصموا هذا لم
يقتله إنسان واحد حتى فرق بينهم بهذا القول. ثم جاءه عبد الله وعبد الرحمن
الغفاريان، فقالا: يا أبا عبد الله السلام عليك [إنه] جئنا لنقتل بين يديك، وندفع
عنك، فقال: مرحبا بكما ادنوا مني، فدنوا منه، وهما يبكيان فقال: يا ابني أخي ما
يبكيكما ؟ فوالله إني لارجو أن تكونا بعد ساعة قريري العين، فقالا: جعلنا الله فداك
والله ما على أنفسنا نبكي ولكن نبكي عليك نراك قد أحيط بك، ولانقدر على أن ننفعك،
فقال: جزاكما الله يا ابني أخي بوجد كمامن ذلك ومواساتكما إياي بأنفسكما أحسن جزاء
المتقين ثم استقدما وقالا: السلام عليك يا ابن رسول الله، فقال: وعليكما السلام
ورحمة الله وبركاته فقاتلا حتى قتلا.
[30]
قال: ثم خرج غلام تركي كان للحسين عليه
السلام وكان قارئا للقرآن، فجعل يقاتل ويرتجز ويقول: البحر من طعني وضربي يصطلي *
والجو من سهمي ونبلي يمتلي إذا حسامي في يميني ينجلي * ينشق قلب الحاسد المبجل فقتل
جماعة ثم سقط صريعا فجاءه الحسين عليه السلام فبكى ووضع خده على خده ففتح عينه فرأى
الحسين عليه السلام فتبسم ثم صار إلى ربه رضي الله عنه. قال: ثم رماهم يزيد بن زياد
بن الشعثاء بثمانية أسهم ما أخطأ منها بخمسة أسهم وكان كلما رمى قال الحسين عليه
السلام: اللهم سدد رميته، واجعل ثوابه الجنة فحملوا عليه فقتلوه. وقال ابن نما: حدث
مهران مولى بني كاهل قال: شهدت كربلا مع الحسين عليه السلام فرأيت رجلا يقاتل قتالا
شديدا لا يحمل على قوم إلا كشفهم ثم يرجع إلى الحسين عليه السلام ويرتجز ويقول:
أبشر هديت الرشد تلقى أحمدا * في جنة الفردوس تعلو صعدا فقلت: من هذا ؟ فقالوا: أبو
عمرو النهشلي وقيل: الخثعمي فاعترضه عامر بن نهشل أحد بني اللات من ثعلبة فقتله
واجتز رأسه، وكان أبو عمرو هذا متهجدا كثير الصلاة. وخرج يزيد بن مهاجر فقتل خمسة
من أصحاب عمر بالنشاب، وصار مع الحسين عليه السلام وهو يقول: أنا يزيد وأبي المهاجر
* كأنني ليث بغيل خادر (1)
(1) ضبطه ابن شهر آشوب في المناقب ج 4 ص
103 " يزيد بن مهاصر " والصدوق فيما مر عن الامالى ج 44 ص 320 " زياد بن مهاصر ".
وقال الطبري: هو يزيد بن زياد كان مع ابن سعد، فلما ردوا الشروط على الحسين صار معه
ثم ذكر رميته وأنه قال بعد ما قام: لقد تبين لى انى قتلت منهم خمسة. والغيل: الاجمة
موضع الاسد، والخادر: الكامن.
[31]
يا رب إني للحسين ناصر * ولابن سعد تارك
وهاجر وكان يكنى أباا لشعشاء من بني بهدلة من كندة قال: وجاء رجل فقال: أين الحسين
؟ فقال: ها أنا ذا قال: أبشر بالنار تردها الساعة، قال: بل ابشر برب رحيم، وشفيع
مطاع، من أنت ؟ قال: أنا محمد بن الاشعث قال: اللهم إن كان عبدك كاذبا فخذه إلى
النار، واجعله اليوم آية لاصحابه فما هو إلا أن ثنى عنان فرسه فرمى به وثبتت رجله
في الركاب فضربه حتى قطعه ووقعت مذاكيره في الارض، فوالله لقد عجبت من سرعة دعائه
ثم جاء آخر فقال: أين الحسين ؟ فقال: ها أناذا، قال: أبشر بالنار، قال: ابشر برب
رحيم، وشفيع مطاع، من أنت ؟ قال: أنا شمر بن ذي الجوشن، قال: الحسين عليه السلام:
الله أكبر قال رسول الله صلى الله عليه وآله: رأيت كأن كلبا أبقع يلغ في دماء أهل
بيتي وقال الحسين: رأيت كأن كلابا تنهشني وكأن فيها كلبا أبقع كان أشدهم علي، وهو
أنت، وكان أبرص ونقلت من الترمذي: قيل للصادق عليه السلام كم تتأخر الرؤيا ؟ فذكر
منام رسول الله صلى الله عليه وآله فكان التأويل بعد ستين سنة وتقدم سيف بن أبي
الحارث بن سريع ومالك بن عبد الله بن سريع الجاربريان - بطن من همدان يقال لهم: بنو
جابر - أمام الحسين عليه السلام ثم التقيا فقالا: عليك السلام يا ابن رسول الله !
فقال: وعليكما السلام ثم قاتلا حتى قتلا ثم قال محمد بن أبي طالب وغيره: وكان يأتي
الحسين عليه السلام الرجل بعد الرجل فيقول: السلام عليك يا ابن رسول الله فيجيبه
الحسين، ويقول: وعليك السلام ونحن خلفك، ثم يقرأ " فمنهم من قضى نحبه ومنهم من
ينتظر " حتى قتلوا عن آخرهم رضوان الله عليهم ولم يبق مع الحسين إلا أهل بيته وهكذا
يكون المؤمن يؤثر دينه على دنياه، وموته على حياته في سبيل الله وينصر الحق وإن
قتل، قال سبحانه: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم
يرزقون " (1) * (الهامش) * (1) آل عمران: 169
[32]
ولما وقف رسول الله صلى الله عليه وآله
على شهداء احد وفيهم حمزة رضوان الله عليه وقال: أنا شهيد على هؤلاء القوم زملوهم
بدمائهم فإنهم يحشرون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دما فاللون لون الدم، والريح ريح
المسك ولما قتل أصحاب الحسين ولم يبق إلا أهل بيته، وهم ولد علي، وولد جعفر وولد
عقيل، وولد الحسن، وولده عليهم السلام اجتمعوا يودع بعضهم بعضا، وعزموا على الحرب
فأول من برزمن أهل بيته عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب وهو يرتجز ويقول:
اليوم ألقى مسلما وهو أبي * وفتية بادوا على دين النبي ليسوا بقوم عرفوا بالكذب *
لكن خيار وكرام النسب من هاشم السادات أهل الحسب وقال محمد بن أبي طالب: فقاتل حتى
قتل ثمانية وتسعين رجلا في ثلاث حملات ثم قتله عمرو بن صبيح الصيداوي وأسد بن مالك
وقال أبو الفرج: عبد الله بن مسلم امه رقية بنت علي بن أبي طالب عليه السلام قتله
عمرو بن صبيح فيما ذكرناه عن المدائني وعن حميد بن مسلم، وذكر أن السهم أصابه وهو
واضع يده على جبينه فأثبته في راحته وجبهته، ومحمد بن مسلم بن عقيل امه ام ولد قتله
فيما رويناه عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام أبوجرهم الازدي ولقيط بن إياس
الجهني (1) وقال محمد بن أبي طالب وغيره: ثم خرج من بعده جعفر بن عقيل وهو يرتجز
ويقول: أنا الغلام الابطحي الطالبي * من معشر في هاشم وغالب ونحن حقا سادة الذوائب
* هذا حسين أطيب الاطائب من عترة البر التقي العاقب * (الهامش) * (1) مقاتل
الطالبيين ص 66 و 67
[33]
فقتل خمسة عشر فارسا وقال ابن شهر آشوب:
وقيل قتل رجلين ثم قتله بشر بن سوط الهمداني (1) وقال أبو الفرج: أمه أم الثغر بنت
عامر العامري قتله عروة ابن عبد الله الخثعمي فيما رويناه عن أبي جعفر الباقر عليه
السلام وعن حميد بن مسلم. وقالوا: ثم خرج من بعده أخوه عبد الرحمان بن عقيل وهو
يقول: أبي عقيل فاعرفوا مكاني * من هاشم وهاشم إخواني كهول صدق سادة الاقران * هذا
حسين شامخ البنيان وسيد الشيب مع الشبان فقتل سبعة عشرة فارسا ثم قتله عثمان بن
خالد الجهني. وقال أبو الفرج: وعبد الله بن عقيل بن أبيطالب أمه أم ولد وقتله عثمان
بن خالد بن أشيم الجهني وبشر بن حوط القابضي فيما ذكر سليمان بن أبي راشد، عن حميد
بن مسلم، وعبد الله الاكبر ابن عقيل أمه أم ولد قتله فيما ذكر المدائني عثمان بن
خالد الجهني ورجل من همدان - ولم يذكر عبد الرحمان أصلا. ثم قال: ومحمد بن أبي سعيد
بن عقيل بن أبيطالب الاحول وأمه أم ولد قتله لقيط ابن ياسر الجهني رماه بسهم فيما
رويناه عن المدائني، عن أبي مخنف، عن سليمان ابن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، وذكر
محمد بن علي بن حمزة أنه قتل معه جعفر بن محمد بن عقيل، ووصف أنه قد سمع أيضا من
يذكر أنه قد قتل يوم الحرة. وقال أبو الفرج: (ما رأيت) في كتب الانساب لمحمد بن
عقيل ابنا يسمى جعفرا، وذكر أيضا محمد بن علي بن حمزة، عن عقيل بن عبد الله بن عقيل
بن محمد ابن عبد الله بن محمد، بن عقيل بن أبي طالب أن علي بن عقيل وأمه أم ولد قتل
يومئذ (2).
(1) راجع المناقب ج 4 ص 105، وفيه فقتل
رجلين، وفى قول خمسة عشر فارسا قتله بشر بن سوط الهمداني، وسيجئ أن الرجل بشر بن
حوط القابضى، وقابض بن زيد: بطن من همدان. (2) مقاتل الطالبيين ص 65 - 67.
[34]
ثم قالوا: وخرج من بعده محمد بن عبد الله
بن جعفر بن أبيطالب وهو يقول: نشكو إلى الله من العدوان * قتال قوم في الردى عميان
قد تركوا معالم القرآن * ومحكم التنزيل والتبيان وأظهروا الكفر مع الطغيان ثم قاتل
حتى قتل عشرة أنفس، ثم قتله عامر بن نهشل التميمي. ثم خرج من بعده عون بن عبد الله
بن جعفر وهو يقول: إن تنكروني فأنا ابن جعفر * شهيد صدق في الجنان أزهر يطير فيها
بجناح أخضر * كفى بهذا شرفا في المحشر ثم قاتل حتى قتل من القوم ثلاثة فوارس
وثمانية عشر راجلا، ثم قتله عبد الله بن بطة الطائي. قال أبو الفرج بعد ذكر قتل
محمد وعون: وإن عونا قتله عبد الله بن قطنة التيهانى (1) وعبيدالله بن عبد الله بن
جعفر بن أبي طالب، ذكر يحيى بن الحسن فيما أخبرني (به) أحمد بن سعيد عنه أنه قتل مع
الحسين عليه السلام بالطف. ثم قال أبو الفرج ومحمد بن أبي طالب وغيرهما: ثم خرج من
بعده عبد الله ابن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام وفي أكثر الروايات أنه
القاسم بن الحسن عليه السلام وهو غلام صغير لم يبلغ الحلم، فلما نظر الحسين إليه قد
برز اعتنقه وجعلا يبكيان حتى غشي عليهما، ثم استأذن الحسين عليه السلام في المبارزة
فأبى الحسين أن يأذن له، فلم يزل الغلام يقبل يديه ورجليه حتى أذن له، فخرج ودموعه
تسيل على خديه وهو يقول: إن تنكروني فأنا إبن الحسن (2) * سبط النبي المصطفى
والمؤتمن هذا حسين كالاسير المرتهن * بين أناس لا سقوا صوب المزن
(1) وهكذا في المناقب لابن شهر آشوب ج 4 ص
106 عبد الله بن قطنة الطائى وقد يقال عبد الله بن قطبة البتهانى، وأظنه التينانى
بطن من بجيلة من القحطانية أو هو النبهاني: أبوحى. (2) في المناقب: ان تنكروني فأنا
فرع الحسن وهو أوفق بالوزن
[35]
وكان وجهه كفلقة القمر، فقاتل قتالا شديدا
حتى قتل على صغره خمسة وثلاثين رجلا. قال حميد: كنت في عسكر ابن سعد فكنت أنظر إلى
هذا الغلام عليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع أحدهما ما أنسى أنه كان اليسرى،
فقال: عمرو بن سعد الازدي: والله لاشدن عليه، فقلت: سبحان الله وما تريد بذلك ؟
والله لو ضربني ما بسطت إليه يدي، يكفيه هؤلاء الذين تراهم قد احتوشوه قال: والله
لافعلن فشد عليه فما ولى حتى ضرب رأسه بالسيف ووقع الغلام لوجهه، ونادى: يا عماه
قال: فجاء الحسين كالصقر المنقض فتخلل الصفوف وشد شدة الليث الحرب فضرب عمرا قاتله
بالسيف، فاتقاه بيده فأطنها من المرفق فصاح ثم تنحى عنه، و حملت خيل أهل الكوفة
ليستنقذوا عمرا من الحسين، فاستقبلته بصدورها، وجرحته بحوافرها، ووطئنه حتى مات
(الغلام) (1) فانجلت الغبرة فإذا بالحسين قائم على رأس الغلام، وهو يفحص برجله،
فقال الحسين: يعز والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك فلا يعينك، أو يعينك
فلا يغني عنك، بعدا لقوم قتلوك * (الهامش) * (1) قد اقتحم ههنا لفظ (الغلام) وهو
سهو ظاهر، يخالف نسخة المقاتل والارشاد ومناقب ابن شهر آشوب، ويخالف لفظ الكتاب
أيضا، حيث يقول بعده " وهو يفحص برجله " فانما يفحص برجله: أي يجود بنفسه، الذى لم
يمت بعد، خصوصا مع مخاطبة الحسين عليه السلام له بقوله: " يعز والله على عمك " الخ
فالمائت تحت حوافر الخيل وسنابكها عدو الله عمرو بن سعد بن نفيل الازدي لارحمه
الله، ولكن عبارة المصنف رحمه الله يفيد أنه هو القاسم بن الحسن. أما نسخة المقاتل
ففيه: فضرب عمرا بالسيف فاتقاه بساعده فأطنها من لدن المرفق ثم تنحى عنه وحملت خيل
عمربن سعد لتستنقذه من الحسين فلما حملت الخيل استقبلته بصدورها وجالت فتوطأته فلم
يرم حتى مات لعنه الله وأخزاه، فلما تجلت الغبرة إذا بالحسين على رأس الغلام وهو
يفحص برجله وحسين يقول الخبر، وقد يظهر أن لفظ (الغلام) كان في نسخة المصنف مصحفا
عن كلمة (لعنه الله) التى تكتب هكذا " لع " راجع مقاتل الطالبيين ص 62، الارشاد ص
223 و 224، مناقب آل أبى طالب لابن شهر آشوب ج 4 ص 106 و 107.
[36]
ثم احتمله فكأني أنظر إلى رجلي الغلام
يخطان في الارض، وقد وضع صدره على صدره، فقلت في نفسي: ما يصنع ؟ فجاء حتى ألقاه
بين القتلى من أهل بيته. ثم قال: اللهم احصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم
أحدا، ولا تغفر لهم أبدا، صبرا يا بني عمومتي، صبرا يا أهل بيتي لا رأيتم هوانا بعد
هذا اليوم أبدا. ثم خرج عبد الله بن الحسن الذي ذكرناه أولا وهو الاصح أنه برز بعد
القاسم وهو يقول: إن تنكروني فأنا ابن حيدرة * ضرغام آجام وليث قسورة على الاعادي
مثل ريح صرصرة فقتل أربعة عشر رجلا ثم قتله هانئ بن ثبيت الحضرمي فاسود وجهه. قال
أبو الفرج: كان أبو جعفر الباقر عليه السلام يذكر أن حرملة بن كاهل الاسدي قتله،
وروي عن هانئ بن ثبيت القابضي أن رجلا منهم قتله ثم قال: وأبو بكر بن الحسن بن علي
بن أبي طالب وامه ام ولد، ذكر المدائني في إسنادنا عنه، عن أبي مخنف، عن سليمان بن
أبي راشد أن عبد الله بن عقبة الغنوي قتله، وفي حديث عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي
جعفر عليه السلام أن عقبة الغنوي قتله (1). قالوا: ثم تقدمت إخوة الحسين عازمين على
أن يموتوا دونه، فأول من خرج منهم أبو بكر بن علي واسمه عبيدالله وامه ليلى بنت
مسعود بن خالد بن ربعي التميمية فتقدم وهو يرتجز: شيخي علي ذوالفخار الاطول * من
هاشم الصدق الكريم المفضل هذا حسين بن النبي المرسل * عنه نحامي بالحسام المصقل
تفديه نفسي من أخ مبجل فلم يزل يقاتل حتى قتله زحر بن بدر النخعي وقيل عبد الله بن
عقبة الغنوي قال * (الهامش) * (1) المصدر ص 61.
[37]
أبو الفرج: لايعرف اسمه، وذكر أبو جعفر
الباقر عليه السلام في الاسناد الذي تقدم أن رجلا من همدان قتله، وذكر المدائني أنه
وجد في ساقية مقتولا لا يدرى من قتله. قالوا: ثم برز من بعده أخوه عمربن علي وهو
يقول: أضربكم ولا أرى فيكم زحر * ذاك الشقي بالنبي قد كفر يا زحر يا زحر تدان من
عمر * لعلك اليوم تبوء من سقر شر مكان في حريق وسعر * لانك الجاحد يا شر البشر ثم
حمل على زحر قاتل أخيه فقتله، واستقبل القوم وجعل يضرب بسيفه ضربا منكرا وهو يقول.
خلوا عداة الله خلوا عن عمر * خلوا عن الليث العبوس المكفهر يضربكم بسيفه ولا يفر *
وليس فيها كالجبان المنجحر فلم يزل يقاتل حتى قتل. ثم برز من بعده أخوه عثمان بن
علي وامه ام البنين بنت حزام بن خالد من بني كلاب، وهو يقول: إني أنا عثمان ذو
المفاخر * شيخي علي ذو الفعال الظاهر وإبن عم للنبي الطاهر * أخي حسين خيرة الاخاير
وسيد الكبار والاصاغر * بعد الرسول والوصي الناصر فرماه خولي بن يزيد الاصبحي على
جبينه فسقط عن فرسه، وجز رأسه رجل من بني أبان بن حازم، قال أبو الفرج: قال يحيى بن
الحسن، عن علي بن إبراهيم عن عبيدالله بن الحسن وعبد الله بن العباس قالا: قتل
عثمان بن علي وهو ابن إحدى وعشرين سنة وقال الضحاك باسناده: إن خولي بن يزيد رمى
عثمان بن علي بسهم فأسقطه (1) وشد عليه رجل من بني أبان دارم وأخذ رأسه، وروي عن
علي عليه السلام * (الهامش) * (1) في المصدر: فأوهطه، وهو الاصح: يقال أوهطه: أضعفه
وأوهنه وأثخنه ضربا وقيل: صرعه صرعة لا يقوم منها.
[38]
أنه قال: إنما سميته باسم أخي عثمان بن
مظعون (1) أقول: ولم يذكر أبو الفرج عمربن علي في المقتولين يومئذ. قالوا: ثم برز
من بعده أخوه جعفر بن علي، وامه ام البنين أيضا، وهو يقول: إني أنا جعفر ذوالمعالي
* ابن علي الخير ذوالنوال حسبي بعمي شرفا وخالي * أحمي حسينا ذي الندى المفضال ثم
قاتل فرماه خولي الاصبحي فأصاب شقيقته أو عينه. ثم برز أخوه عبد الله بن علي وهو
يقول: أنا ابن ذي النجدة والافضال * ذاك علي الخير ذو الفعال سيف رسول الله
ذوالنكال * في كل قوم ظاهر الاهوال فقتله هانئ بن ثبيت الحضرمي. قال أبو الفرج:
حدثني أحمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن، عن علي ابن إبراهيم، عن عبيدالله بن الحسن
وعبد الله بن العباس قالا: قتل عبد الله بن علي بن أبي طالب عليه السلام وهو ابن
خمس وعشرين سنة ولاعقب له، وقتل جعفر بن علي وهو ابن تسع عشر سنة، حدثني أحمد بن
عيسى، عن حسين بن نصر، عن أبيه، عن عمربن سعد، عن أبي مخنف، عن عبد الله بن عاصم،
عن ضحاك المشرقي (2) قال: قال العباس بن علي لاخيه من أبيه وامه عبد الله بن علي:
تقدم بين يدي حتى أراك وأحتسبك فانه لاولد لك، فتقدم بين يديه وشد عليه هانئ بن
ثبيت الحضرمي فقتله، وبهذا الاسناد أن العباس بن علي قدم أخاه جعفرا بين يديه (3)
فشد عليه هانئ بن ثبيت الذي قتل أخاه فقتله، وقال نصر بن مزاحم: حدثني عمرو بن *
(الهامش) * (1) مقاتل الطالبيين ص 58 (2) قال الفيروز آبادى: والضحاك المشرقي تابعي
أوصوا به كسر الميم وفتح الراء نسبة إلى مشرق بطن من همدان، أقول: ومثله في المشتبه
للذهبي ص 485. (3) زاد في المصدر: وهو لانه لم يكن له ولد ليحوز ولد العباس بن على
ميراثه.
[39]
شمر، عن جابر، عن أبي جعفر محمد بن علي
عليهما السلام أن خولي بن يزيد الاصبحي قتل جعفر بن علي عليه السلام. ثم قال: ومحمد
الاصغر ابن علي بن أبي طالب وامه ام ولد، حدثني أحمد ابن عيسى، عن حسين بن نصر، عن
أبيه، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام وحدثني أحمد بن أبي شيبة،
عن أحمد بن الحارث، عن المدائني أن رجلا من تميم من بني أبان بن دارم قتله رضوان
الله عليه. قال: وقد ذكر محمد بن علي بن حمزة أنه قتل يومئذ إبراهيم بن علي بن أبي
طالب عليه السلام وامه ام ولد، وما سمعت بهذا عن غيره، ولا رأيت لابراهيم في شئ من
كتب الانساب ذكرا، وذكر يحيى بن الحسن أن أبا بكر بن عبيدالله الطلحي حدثه عن أبيه
أن عبيدالله بن علي قتل مع الحسين، وهذا خطأ وإنما قتل عبيدالله يوم المذار، قتله
أصحاب المختار، وقد رأيته بالمذار (1) وقال: كان العباس بن علي يكنى أبا الفضل وامه
ام البنين أيضا، وهو أكبر ولدها وهو آخر من قتل من إخوته لابيه وامه فحاز مواريثهم
(2) ثم تقدم فقتل، فورثهم وإياه عبيدالله، ونازعه في ذلك عمه عمربن علي، فصولح على
شئ (ا) رضي به. وكان العباس رجلا وسيما جميلا يركب الفرس المطهم ورجلاه يخطان في
الارض، وكان يقال له: قمر بني هاشم، وكان لواء الحسين عليه السلام معه، حدثني أحمد
بن سعيد، عن يحيى بن الحسن، عن بكر بن عبد الوهاب، عن ابن أبي اويس عن أبيه، عن
جعفر بن محمد عليه السلام قال: عبأ الحسين بن علي أصحابه فأعطى رايته * (الهامش) *
(1) المذار - كسحاب - بلد بين واسط والبصرة، وبها كانت يوم لمصعب بن الزبير على
أحمر بن شميط البجلى، راجع أيام العرب في الاسلام للميداني بذيل مجمع الامثال ج 2 ص
447. (2) في المصدر: لانه كان له عقب، ولم يكن لهم، فقدمهم بين يديه فقتلوا جميعا
فحاز مواريثهم.
[40]
أخاه العباس، حدثني أحمد بن عيسى، عن حسين
بن نصر، عن أبيه، عن عمرو ابن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام أن زيد بن
رقاد وحكيم بن الطفيل الطائي قتلا العباس بن علي عليه السلام وكانت ام البنين ام
هؤلاء الاربعة الاخوة القتلى تخرج إلى البقيع فتندب بنيها أشجى ندبة وأحرقها،
فيجتمع الناس إليها يسمعون منها، فكان مروان يجيئ فيمن يجيئ لذلك، فلا يزال يسمع
ندبتها ويبكي. ذكر ذلك محمد بن علي بن حمزة، عن النوفلي، عن حمادبن عيسى الجهني، عن
معاوية بن عمار، عن جعفر بن محمد عليهما السلام (1) قالوا: وكان العباس السقاء قمر
بني هاشم صاحب لواء الحسين عليه السلام وهو أكبر الاخوان، مضى يطلب الماء فحملوا
عليه وحمل عليهم وجعل يقول: لا أرهب الموت إذا الموت رقا (2) * حتى اواري في
المصاليت لقى نفسي لنفس المصطفى الطهر وقا * إني أنا العباس أغدو بالسقا ولا أخاف
الشر يوم الملتقى ففرقهم فكمن له زيد بن ورقاء (3) من وراء نخلة وعاونه حكيم بن
الطفيل السنبسي فضربه على يمينه فأخذ السيف بشماله وحمل وهو يرتجز: والله إن قطعتم
يميني * إني احامي أبدا عن ديني وعن إمام صادق اليقين * نجل النبي الطاهر الامين
فقاتل حتى ضعف، فكمن له الحكم بن الطفيل الطائي من وراء نخلة فضربه على شماله فقال:
يانفس لا تخشي من الكفار * وأبشري برحمة الجبار * (الهامش) * (1) مقاتل الطالبيين ص
59 (2) في بعض النسخ " زقا " أي صاح، كانت العرب تزعم ان روح القتيل الذى لا يدرك
بثأره تصير هامة فتزقو عند قبره تقول: اسقوني اسقوني، فإذا أدرك بثأره طارت (3)
هكذا في نسخة الارشاد ص 225 ومناقب آل أبى طالب ج 4 ص 108، وقد مر عن المقاتل أنه
زيد بن رقاد فتحرر.
[41]
مع النبي السيد المختار * قد قطعوا ببغيهم
يساري فأصلهم يا رب حر النار فضربه ملعون بعمود من حديد فقتله، فلما رآه الحسين
عليه السلام صريعا على شاطئ الفرات بكى وأنشأ يقول: تعديتم ياشر قوم ببغيكم *
وخالفتم دين النبي محمد أما كان خير الرسل أوصاكم بنا * أما نحن من نجل النبي
المسدد أما كانت الزهراء امي دونكم * أما كان من خير البرية أحمد لعنتم واخزيتم بما
قد جنيتم * فسوف تلاقوا حر نار توقد أقول: وفي بعض تأليفات أصحابنا أن العباس لما
رأى وحدته عليه السلام أتى أخاه وقال: يا أخي هل من رخصة ؟ فبكى الحسين عليه السلام
بكاء شديدا ثم قال: يا أخي أنت صاحب لوائي وإذا مضيت تفرق عسكري ! (1) فقال العباس:
قد ضاق صدري وسئمت من الحياة واريد أن أطلب ثأري من هؤلاء المنافقين. فقال الحسين
عليه السلام: فاطلب لهؤلاء الاطفال قليلا من الماء، فذهب العباس ووعظهم وحذرهم فلم
ينفعهم فرجع إلى أخيه فأخبره فسمع الاطفال ينادون: العطش العطش ! فركب فرسه وأخذ
رمحه والقربة، وقصد نحو الفرات فأحاط به أربعة آلاف ممن كانوا موكلين بالفرات،
ورموه بالنبال فكشفهم وقتل منهم على ما روي ثمانين رجلا حتى دخل الماء. فلما أراد
أن يشرب غرفة من الماء، ذكر عطش الحسين وأهل بيته، فرمى الماء وملا القربة (2)
وحملها على كتفه الايمن، وتوجه نحو الخيمة، فقطعوا عليه * (الهامش) * (1) هذه رواية
مرسلة عن كتاب مجهول، يخالف كل المقاتل، فان أصحاب الحسين عليه السلام كلهم قد
تفانوا دون أهل بيته، وكان العباس عليه السلام آخر المستشهدين مع أخيه الحسين فلم
يكن هناك عسكر ! حتى يقول الحسين: إذا مضيت تفرق عسكري (2) وقال على ما روى: يانفس
من بعد الحسين هوني * وبعده لا كنت ان تكوني هذا الحسين وارد المنون * وتشربين بارد
المعين تالله ما هذا فعال دينى
[42]
الطريق وأحاطوا به من كل جانب، فحاربهم
حتى ضربه نوفل الازرق على يده اليمنى فقطعها، فحمل القربة على كتفه الايسر فضربه
نوفل فقطع يده اليسرى من الزند، فحمل القربة بأسنانه فجاءه سهم فأصاب القربة واريق
ماؤها ثم جاءه سهم آخر فأصاب صدره، فانقلب عن فرسه وصاح إلى أخيه الحسين: أدركني،
فلما أتاه رآه صريعا فبكى وحمله إلى الخيمة. ثم قالوا: ولما قتل العباس قال الحسين
عليه السلام: الآن انكسر ظهري وقلت حيلتي. قال ابن شهر آشوب: ثم برز القاسم بن
الحسين (1) وهو يرتجز ويقول: إن تنكروني فأنا ابن حيدرة * ضرغام آجام وليث قسورة
على الاعادي مثل ريح صرصرة * أكيلكم بالسيف كيل السندرة (2) وذكر هذا بعد أن ذكر
القاسم بن الحسن سابقا وفيه غرابة (3) قالوا: ثم تقدم علي بن الحسين عليه السلام
وقال محمد بن أبي طالب وأبو الفرج: وامه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي
وهو يومئذ ابن ثماني عشرة سنة وقال ابن شهر آشوب: ويقال: ابن خمس وعشرين سنة (4)
قالوا: ورفع الحسين سبابته (5) نحو السماء وقال: اللهم اشهد على هؤلاء * (الهامش) *
(1) القاسم بن الحسن خ ل (2) قد مر في ما سبق أن هذا الرجز لعبدالله بن الحسن. (3)
والظاهر أنه أراد القاسم بن الحسن عليه السلام وانما كرره لاختلاف الرواية في ترتيب
الشهداء، وهكذا في رجزه، قال في ج 4 ص 106: ثم برز أخوه - يعنى عبد الله بن الحسن -
القاسم وعليه ثوب وازار ونعلان فقط وكأنه فلقة قمر، وأنشأ يقول: انى أنا القاسم من
نسل على * نحن وبيت الله اولى بالنبي من شمر ذى الجوشن أو ابن الدعى (4) مناقب آل
أبى طالب ج 4 ص 109، مقاتل الطالبيين ص 55 و 56 (5) شيبته خ ل.
[43]
القوم فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقا
وخلقا ومنطقا برسولك، كنا إذا اشتقنا إلى نبيك نظرنا إلى وجهه، اللهم امنعهم بركات
الارض، وفرقهم تفريقا، ومزقهم تمزيقا، واجعلهم طرائق قددا، ولا ترض الولاة عنهم
أبدا، فانهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا يقاتلوننا. ثم صاح الحسين بعمر بن سعد:
ما لك ؟ قطع الله رحمك ! ولابارك الله لك في أمرك، وسلط عليك من يذبحك بعدي على
فراشك، كما قطعت رحمي ولم تحفظ قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم رفع
الحسين عليه السلام صوته وتلا: " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران
على العالمين * ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ". ثم حمل علي بن الحسين على
القوم، وهو يقول: أنا علي بن الحسين بن علي * من عصبة جد أبيهم النبي والله لا يحكم
فينا ابن الدعي * أطعنكم بالرمح حتى ينثني أضربكم بالسيف أحمي عن أبي * ضرب غلام
هاشمي علوي فلم يزل يقاتل حتى ضج الناس من كثرة من قتل منهم، وروي أنه قتل على عطشه
مائة وعشرين رجلا ثم رجع إلى أبيه وقد أصابته جراحات كثيرة فقال: يا أبه ! العطش قد
قتلني، وثقل الحديد أجهدني، فهل إلى شربة من ماء سبيل أتقوى بها على الاعداء ؟ فبكى
الحسين عليه السلام وقال: يا بني يعز على محمد وعلى علي بن أبي طالب وعلي أن تدعوهم
فلا يجيبوك، وتستغيث بهم فلا يغيثوك، يا بني هات لسانك، فأخذ بلسانه فمصه ودفع إليه
خاتمه وقال: أمسكه في فيك وارجع إلى قتال عدوك فاني أرجو أنك لا تمسي حتى يسقيك جدك
بكأسه الاوفى شربة لا تظمأ بعدها أبدا. فرجع إلى القتال وهو يقول: الحرب قد بانت
لها الحقائق * وظهرت من بعدها مصادق والله رب العرش لا نفارق * جموعكم أو تغمد
البوارق
[44]
فلم يزل يقاتل حتى قتل تمام المائتين ثم
ضربه منقذ بن مرة العبدي (1) على مفرق رأسه ضربة صرعته، وضربه الناس بأسيافهم، ثم
اعتنق فرسه فاحتمله الفرس إلى عسكر الاعداء فقطعوه بسيوفهم إربا إربا. فلما بلغت
الروح التراقي قال رافعا صوته: يا أبتاه هذا جدي رسول الله صلى الله عليه وآله قد
سقاني بكأسه الاوفى شربة لا أظمأ بعدها أبدا وهو يقول: العجل العجل ! فان لك كأسا
مذخورة حتى تشربها الساعة، فصاح الحسين عليه السلام وقال: قتل الله قوما قتلوك ما
أجرأهم على الرحمان وعلى رسوله، وعلى انتهاك حرمة الرسول، وعلى الدنيا بعدك العفا.
قال حميد بن مسلم: فكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة تنادي
بالويل والثبور، وتقول: يا حبيباه يا ثمرة فؤاداه، يا نور عيناه ! فسألت عنها فقيل:
هي زينب بنت علي عليه السلام وجاءت وانكبت عليه فجاء الحسين فأخذ بيدها فردها إلى
الفساط وأقبل عليه السلام بفتيانه وقال: احملوا أخاكم، فحملوه من مصرعه فجاؤا به
حتى وضعوه عند الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه. وقال المفيد وابن نما بعد ذلك: ثم
رمى رجل من أصحاب عمربن سعد يقال له: عمرو بن صبيح عبد الله بن مسلم بن عقيل بسهم
فوضع عبد الله يده على جبهته يتقيه فأصاب السهم كفه ونفذ إلى جبهته فسمرها به، فلم
يستطع تحريكها ثم انحنى عليه آخر برمحه فطعنه في قلبه، فقتله. وحمل عبد الله بن
قطبة الطائي على عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فقتله، وحمل عامر بن نهشل
التميمي على محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فقتله، وشد عثمان بن خالد
الهمداني على عبد الرحمان بن عقيل بن أبي طالب فقتله (2) * (الهامش) * (1) كذا في
الاصل ونقل عن مقتل العوالم ص 95 أيضا ولكن المشهور كما في الطبري ج 6 ص 625 مرة بن
منقذ بن النعمان العبدى ثم الليثى وهكذا ابن الاثير ج 4 ص 30، الاخبار الطوال ص
254، مقاتل الطالبين ص 84 وغير ذلك (2) الارشاد ص 223.
[45]
وقال أبو الفرج في المقاتل: حدثني أحمد بن
سعيد، عن يحيى بن الحسن عن بكر بن عبد الوهاب، عن إسماعيل بن (أبي زياد) إدريس، عن
أبيه، عن جعفر ابن محمد، عن أبيه عليهما السلام أن أول قتيل قتل من ولد أبي طالب مع
الحسين ابنه علي وحدثني أحمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن، عن غير واحد، عن محمد بن
أبي عمير (و) عن أحمد بن عبد الرحمان البصري عن عبد الرحمان بن مهدي، عن حماد ابن
سلمة، عن سعيد بن ثابت قال: لما برز علي بن الحسين إليهم، أرخى الحسين عليه السلام
عينيه فبكى ثم قال: اللهم فكن أنت الشهيد عليهم، فقد برز إليهم غلام أشبه الخلق
برسول الله صلى الله عليه وآله فجعل يشد عليهم ثم يرجع إلى أبيه فيقول: يا أبه
العطش ! فيقول له الحسين: اصبر حبيبي فانك لا تمسي حتى يسقيك رسول الله بكأسه، وجعل
يكر كرة بعد كرة، حتى رمي بسهم فوقع في حلقه فخرقه وأقبل يتقلب في دمه ثم نادى: يا
أبتاه عليك السلام هذا جدي رسول الله يقرئك السلام ويقول عجل القدوم علينا، وشهق
شهقة فارق الدنيا (1) قال أبو الفرج: علي بن الحسين هذا هو الاكبر ولا عقب له،
ويكنى أبا الحسن وامه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي وهو أول من قتل في
الوقعة وإياه عنى معاوية في الخبر الذي حدثني به محمد بن محمد بن سليمان، عن يوسف
بن موسى القطان، عن جرير، عن مغيرة قال: قال معاوية: من أحق الناس بهذا الامر ؟
قالوا: أنت، قال: لا أولى الناس بهذا الامر علي بن الحسين ابن علي جده رسول الله،
وفيه شجاعة بني هاشم، وسخاء بني امية، وزهو ثقيف. وقال يحيى بن الحسن العلوي:
وأصحابنا الطالبيون يذكرون أن المقتول لام ولد، وأن الذي امه ليلى هو جدهم، وولد في
خلافة عثمان (2). ثم قالوا: وخرج غلام [وبيده عمود] (3) من تلك الابنية وفي اذنيه
درتان * (الهامش) * (1) مقاتل الطالبيين ص 85. (2) المصدر ص 55 و 56. (3) الزيادة
من الطبري ج 6 ص 258 والبداية ج 8 ص 186. قالا: قال هانئ بن ثبيت الحضرمي: " اني
لواقف عاشر عشرة لما صرع الحسين
[46]
وهو مذعور فجعل يلتفت يمينا وشمالا،
وقرطاه يتذبذبان، فحمل عليه هانئ بن ثبيت فقتله فصارت شهربانو تنظر إليه ولا تتكلم
كالمدهوشة ثم التفت الحسين عن يمينه فلم ير أحدا من الرجال، والتفت عن يساره فلم ير
أحدا، فخرج علي بن الحسين زين العابدين عيله السلام وكان مريضا لا يقدر أن يقل سيفه
وام كلثوم تنادي خلفه: يا بني ارجع فقال: يا عمتاه ذريني اقاتل بين يدي ابن رسول
الله، فقال الحسين عليه السلام: يا ام كلثوم خذيه لئلا تبقى الارض خالية من نسل آل
محمد صلى الله عليه وآله ولما فجع الحسين بأهل بيته وولده، ولم يبق غيره وغير
النساء والذراري نادى: هل من ذاب يذب عن حرم رسول الله ؟ هل من موحد يخاف الله فينا
؟ هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا ؟ وارتفعت أصوات النساء بالعويل فتقدم عليه
السلام إلى باب الخيمة فقال: ناولوني عليا ابني الطفل حتى اودعه، فناولوه الصبي
وقال المفيد: دعا ابنه عبد الله (1) قالوا: فجعل يقبله وهو يقول: ويل لهؤلاء القوم
إذا كان جدك محمد المصطفى خصمهم، والصبي في حجره، إذ رماه حرملة بن كاهل الاسدي
بسهم فذبحه في حجر الحسين، فتلقى الحسين دمه حتى امتلات كفه، ثم رمى به إلى السماء
وقال السيد: ثم قال: هون علي ما نزل بي أنه بعين الله، قال الباقر عليه السلام: فلم
يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الارض (2)
- - - > إذ نظرت إلى غلام من آل الحسين
عليه ازار وقميص وفى اذنيه درتان وبيده عمود من تلك الابنية وهو مذعور يلتفت يمينا
وشمالا فأقبل رجل يركض حتى إذا دنامنه مال عن فرسه وعلاه بالسيف وقطعه، فلما عيب
عليه كنى عن نفسه " فعدو الله هو الذي قتله، لكنه لم يذكر نفسه لما عيب عليه بل
نسبه إلى رجل لايعرف وجعل نفسه راويا (1) في الارشاد المطبوع ص 224: ثم جلس الحسين
أمام الفسطاط فأتى بابنه عبد الله وهو طفل الخ (2) الملهوف ص 103
[47]
قالوا: ثم قال: لا يكون أهون عليك من
فصيل، اللهم إن كنت حبست عنا النصر، فاجعل ذلك لما هو خير لنا أقول: وفي بعض الكتب
أن الحسين لما نظر إلى اثنين وسبعين رجلا من أهل بيته صرعى، التفت إلى الخيمة
ونادى: يا سكينة ! يا فاطمة ! يا زينب ! يا ام كلثوم ! عليكن مني السلام، فنادته
سكينة: يا أبه استسلمت للموت ؟ فقال: كيف لا يستسلم من لا ناصر له ولا معين ؟
فقالت: يا أبه ردنا إلى حرم جدنا فقال: هيهات لو ترك القطالنام، فتصارخن النساء
فسكتهن الحسين، وحمل على القوم وقال أبو الفرج: وعبد الله بن الحسين وامه الرباب
بنت امرئ القيس وهي التي يقول فيها أبو عبد الله الحسين: لعمرك إنني لاحب دارا *
تكون بها سكينة والرباب احبهما وأبذل جل مالي * وليس لعاتب عندي عتاب وسكينة التي
ذكرها ابنته من الرباب، واسم سكينة أمينة، وإنما غلب عليها سكينة، وليس باسمها،
وكان عبد الله يوم قتل صغيرا جاءه نشابة وهوفي حجر أبيه فذبحته، حدثني أحمد بن
شبيب، عن أحمد بن الحارث، عن المدائني، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن
حميد بن مسلم قال: دعا الحسين بغلام فأقعده في حجره فرماه عقبة بن بشر فذبحه،
وحدثني محمد بن الحسين الاشناني باسناده عمن شهد الحسين قال: كان معه ابن له صغير
فجاء سهم فوقع في نحره قال: فجعل الحسين يمسح الدم من نحر لبته فيرمي به إلى السماء
فما رجع منه (شئ) ويقول: اللهم لا يكون أهون عليك من فصيل (1) ثم قالوا: ثم قام
الحسين عليه السلام وركب فرسه وتقدم إلى القتال وهو يقول: كفر القوم وقدما رغبوا *
عن ثواب الله رب الثقلين قتلوا القوم عليا وابنه * حسن الخير كريم الابوين حنقا
منهم وقالوا أجمعوا * احشروا الناس إلى حرب الحسين
(1) مقاتل الطالبيين ص 63 و 64
[48]
يالقوم من اناس رذل * جمع الجمع لاهل
الحرمين ثم ساروا وتواصوا كلهم * باجتياحي لرضاء الملحدين (1) لم يخافوا الله في
سفك دمي * لعبيدالله نسل الكافرين وابن سعد قد رماني عنوة * بجنود كوكوف الهاطلين
لا لشئ كان مني قبل ذا * غير فخري بضياء النيرين بعلي الخير من بعد النبي * والنبي
القرشي الوالدين خيرة الله من الخلق أبي * ثم امي فأنا ابن الخيرين فضة قد خلصت من
ذهب * فأنا الفضة وابن الذهبين من له جد كجدي في الورى * أو كشيخي فأنا ابن العلمين
فاطم الزهراء امي وأبي * قاصم الكفر ببدر وحنين عبد الله غلاما يافعا * وقريش
يعبدون الوثنين يعبدون اللات والعزى معا * وعلي كان صلى القبلتين فأبي شمس وامي قمر
* فأنا الكوكب وابن القمرين وله في يوم احد وقعة * شفت الغل بفض العسكرين ثم في
الاحزاب والفتح معا * كان فيها حتف أهل الفيلقين في سبيل الله ماذا صنعت * امة
السوء معا بالعترين عترة البر النبي المصطفى * وعلي الورد يوم الجحفلين (2) ثم وقف
عليه السلام قبالة القوم وسيفه مصلت في يده آئسا من الحياة، عازما على الموت
(1) في كشف الغمة " للرضا بالملحدين " (2)
قال في كشف الغمة ج 2 ص 200: من كلامه المنثور قطعة نقلها صاحب كتاب الفتوح، وأنه
عليه السلام لما أحاط به جموع ابن زياد، وقتلوا من قتلوا من أصحابه، ومنعوهم الماء
كان له ولد صغير فجاءه سهم منهم فقتله، فرمله الحسين (ع) وحفر له بسيفه وصلى عليه
ودفنه وقال: ثم ذكر الاشعار، وذكرها ابن شهراشوب ج 4 ص 79. وفيه زيادة سينقلها
المصنف
[49]
وهو يقول: أنا ابن علي الطهر من آل هاشم *
كفاني بهذا مفخرا حين أفخر وجدي رسول الله أكرم من مضى * ونحن سراج الله في الخلق
نزهر وفاطم امي من سلالة أحمد * وعمي يدعى ذا الجناحين جعفر وفينا كتاب الله انزل
صادقا * وفينا الهدى والوحي بالخير يذكر ونحن أمان الله للناس كلهم * نسر بهذا في
الانام ونجهر ونحن ولاة الحوض نسقي ولاتنا * بكأس رسول الله ما ليس ينكر وشيعتنا في
الناس أكرم شيعة * ومبغضنا يوم القيامة يخسر أقول: روي في الاحتجاج أنه لما بقي
فردا ليس معه إلا ابنه علي بن الحسين عليهما السلام وابن آخر في الرضاع اسمه عبد
الله أخذ الطفل ليودعه فإذا بسهم قد أقبل حتى وقع في لبة الصبي فقتله، فنزل عن فرسه
وحفر للصبي بجفن سيفه ورمله بدمه ودفنه، ثم وثب قائما وهو يقول إلى آخر الابيات (1)
وقال محمد بن أبي طالب: وذكر أبو علي السلامي في تاريخه أن هذه الابيات للحسين عليه
السلام من إنشائه وقال: ليس لاحد مثلها: فإن تكن الدنيا تعد نفيسة * فإن ثواب الله
أعلى وأنبل وإن يكن الابدان للموت انشأت * فقتل امرء بالسيف في الله أفضل وإن يكن
الارزاق قسما مقدرا * فقلة سعي المرء في الكسب أجمل وإن تكن الاموال للترك جمعها *
فما بال متروك به المرء يبخل ثم إنه دعا الناس إلى البراز، فلم يزل يقتل كل من دنا
منه من عيون الرجال، حتى قتل منهم مقتلة عظيمة، ثم حمل عليه السلام على الميمنة،
وقال: " الموت خير من ركوب العار " ثم على الميسرة وهو يقول: أنا الحسين بن علي *
آليت أن لاأنثني أحمي عيالات أبي * أمضي على دين النبي
(1) الاحتجاج ص 154 و 155 (*)
[50]
قال المفيد والسيد وابن نما رحمهم الله:
واشتد العطش بالحسين عليه السلام فركب المسناة يريد الفرات والعباس أخوه بين يديه،
فاعترضه خيل ابن سعد فرمى رجل من بني دارم الحسين عليه السلام بسهم فأثبته في حنكه
الشريف، فانتزع عليه السلام السهم وبسط يده تحت حنكه، حتى امتلات راحتاه من الدم ثم
رمى به، وقال: اللهم إني أشكو إليك ما يفعل بابن بنت نبيك، ثم اقتطعوا العباس عنه
وأحاطوا به من كل جانب حتى قتلوه، وكان المتولي لقتله زيد بن ورقاء الحنفي وحكيم بن
الطفيل السنبسي، فبكى الحسين لقتله بكاء شديدا (1) قال السيد: ثم إن الحسين عليه
السلام دعا الناس إلى البراز فلم يزل يقتل كل من برز إليه حتى قتل مقتلة عظيمة
وهوفي ذلك يقول: القتل أولى من ركوب العار * والعار أولى من دخول النار قال بعض
الرواة: فوالله ما رأيت مكثورا قط (2) قد قتل ولده وأهل بيته وصحبه أربط جأشا منه،
وإن كانت الرجال لتشد عليه فيشد عليها بسيفه فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شد فيها
الذئب، ولقد كان يحمل فيهم وقد تكملوا ألفا فينهزمون بين يديه كأنهم الجراد
المنتشر، ثم يرجع إلى مركزه وهو يقول: " لاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم " (3)
وقال ابن شهر آشوب ومحمد بن أبي طالب: ولم يزل يقاتل حتى قتل ألف رجل وتسعمائة رجل
وخمسين رجلا سوى المجروحين، فقال عمربن سعد لقومه: الويل لكم أتدرون لمن تقاتلون ؟
هذا ابن الانزع البطين، هذا ابن قتال العرب فاحملوا عليه من كل جانب، وكانت الرماة
أربعة آلاف، فرموه بالسهام فحالوا
(1) الملهوف ص 103 - الارشاد ص 224 (2)
المكثور: المغلوب وهو الذي تكاثر عليه الناس فقهروه، قال في التاج وفى حديث مثل
الحسين: " ما رأينا مكثورا أجرأ مقدما منه " (3) كتاب الملهوف ص 105 ومثله في
الطبري ج 6 ص 259 عن عبد الله بن عمار ابن (عبد) يغوث
[51]
بينه وبين رحله (1) وقال ابن أبي طالب
وصاحب المناقب والسيد: فصاح بهم: ويحكم يا شيعة آل أبي سفيان ! إن لم يكن لكم دين،
وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارا في دنياكم وارجعوا إلى أحسابكم إذ كنتم
أعرابا، فناداه شمر فقال: ما تقول يا ابن فاطمة ؟ قال: أقول: أنا الذي اقاتلكم،
وتقاتلوني، والنساء ليس عليهن جناح فامنعوا عتاتكم عن التعرض لحرمي مادمت حيا، فقال
شمر: لك هذا، ثم صاح شمر: إليكم عن حرم الرجل، فاقصدوه في نفسه فلعمري لهو كفو
كريم، قال: فقصده القوم وهوفي ذلك يطلب شربة من ماء، فكلما حمل بفرسه على الفرات
حملوا عليه بأجمعهم حتى أحلوه عنه (2) وقال ابن شهر آشوب: وروى أبو مخنف عن الجلودي
أن الحسين عليه السلام حمل على الاعور السلمي وعمروبن الحجاج الزبيدي وكانا في
أربعة آلاف رجل على الشريعة، وأقحم الفرس على الفرات، فلما أولغ الفرس برأسه ليشرب
قال عليه السلام: أنت عطشان وأنا عطشان والله لاذقت الماء حتى تشرب، فلما سمع الفرس
كلام الحسين عليه السلام شال رأسه ولم يشرب كأنه فهم الكلام، فقال الحسين عليه
السلام: فأنا أشرب فمد الحسين عليه السلام يده فغرف من الماء فقال فارس: يا أبا عبد
الله تتلذذ بشرب الماء وقد هتكت حرمك ؟ فنفض الماء من يده، وحمل على القوم، فكشفهم
فإذا الخيمة سالمة (3) قال أبو الفرج: قال (4): وجعل الحسين عليه السلام يطلب الماء
وشمر يقول له: والله لا ترده أو ترد النار فقال له رجل: ألا ترى إلى الفرات يا حسين
كأنه بطون الحيتان والله لاتذوقه أو تموت عطشا فقال الحسين عليه السلام: اللهم أمته
عطشا قال:
(1) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 110 (2)
الملهوف ص 106 (3) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 58 (4) القائل حميد بن مسلم برواية أبى
مخنف
[52]
والله لقد كان هذا الرجل يقول: اسقوني ماء
فيؤتى بماء فيشرب حتى يخرج من فيه، ثم يقول: اسقوني قتلني العطش، فلم يزل كذلك حتى
مات (1) فقالوا: ثم رماه رجل من القوم يكنى أبا الحتوف الجعفي (2) بسهم فوقع السهم
في جبهته، فنزعه من جبهته، فسالت الدماء على وجهه ولحيته، فقال عليه السلام: اللهم
إنك ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العصاة، اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا ولا تذر
على وجه الارض منهم أحدا، ولا تغفر لهم أبدا ثم حمل عليهم كالليث المغضب، فجعل لا
يلحق منهم أحدا إلا بعجه (3) بسيفه فقتله، والسهام تأخذه من كل ناحية وهو يتقيها
بنحره وصدره ويقول: يا امة السوء بئسما خلفتم محمدا في عترته، أما إنكم لن تقتلوا
بعدي عبدا من عباد الله فتهابوا قتله، بل يهون عليكم عند قتلكم إياي، وأيم الله إني
لارجو أن يكرمني ربي بالشهادة بهوانكم، ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون قال:
فصاح به الحصين بن مالك السكوني فقال: يا ابن فاطمة وبماذ اينتقم لك منا ؟ قال:
يلقى بأسكم بينكم ويسفك دماءكم، ثم يصب عليكم العذاب الاليم ثم لم يزل يقاتل حتى
أصابته جراحات عظيمة وقال صاحب المناقب والسيد: حتى أصابته اثنتان وسبعون جراحة،
وقال ابن شهر آشوب: قال أبو مخنف عن جعفر بن محمد بن علي عليهم السلام قال: وجدنا
بالحسين ثلاثا وثلاثين طعنة وأربعا وثلاثين ضربة، وقال الباقر عليه السلام: اصيب
الحسين عليه السلام ووجد به ثلاث مائة وبضعة وعشرون طعنة برمح وضربة بسيف أورمية
بسهم، وروي ثلاثمائة وستون جراحة، وقيل: ثلاث وثلاثون ضربة سوى السهام وقيل: ألف
وتسعمائة جراحة، وكانت السهام في درعه كالشوك في جلد القنفذ، وروي أنها كانت كلها
في مقدمه (4)
(1) مقاتل الطالبيين ص 86 (2) واسمه زياد
بن عبد الرحمن. قيل والصحيح: أبا الجنوب كنى باسم ولده جنوب. (3) نفحه خ ل (4) راجع
مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 110 و 111، كتاب الملهوف ص 106 و 114
[53]
قالوا: فوقف عليه السلام يستريح ساعة وقد
ضعف عن القتال، فبينما هو واقف إذ أتاه حجر فوقع في جبهته فأخذ الثوب ليمسح الدم عن
وجهه، فأتاه سهم محدد مسموم له ثلاث شعب، فوقع السهم في صدره - وفي بعض الروايات
على قلبه - فقال الحسين عليه السلام: " بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله " ورفع
رأسه إلى السماء وقال: إلهي إنك تعلم أنهم يقتلون رجلا ليس على وجه الارض ابن نبي
غيره، ثم أخذ السهم فأخرجه من قفاه فانبعث الدم كالميزاب، فوضع يده على الجرح فلما
امتلات رمى به إلى السماء، فما رجع من ذلك الدم قطرة، وما عرفت الحمرة في السماء
حتى رمى الحسين عليه السلام بدمه إلى السماء، ثم وضع يده ثانيا فلما امتلات لطخ بها
رأسه ولحيته، وقال: هكذا أكون حتى ألقى جدي رسول الله وأنا مخضوب بدمي وأقول:
يارسول الله قتلني فلان وفلان ثم ضعف عن القتال فوقف، فكلما أتاه رجل وانتهى إليه
انصرف عنه حتى جاءه رجل من كندة يقال له: مالك بن اليسر فشتم الحسين عليه السلام
وضربه بالسيف على رأسه وعليه برنس فامتلا دما فقال له الحسين عليه السلام: لاأكلت
بها ولا شربت وحشرك الله مع الظالمين، ثم ألقى البرنس ولبس قلنسوة واعتم عليها وقد
أعيا وجاء الكندي وأخذ البرنس وكان من خز، فلما قدم بعد الوقعة على امرأته فجعل
يغسل الدم عنه، فقالت له امرأته: أتدخل بيتي بسلب ابن رسول الله ؟ اخرج عني حشى
الله قبرك نارا، فلم يزل بعد ذلك فقيرا بأسوء حال ويبست يداه وكانتا في الشتاء
ينضحان دما وفي الصيف تصيران يابستين كأنهما عودان وقال المفيد والسيد: فلبثوا
هنيئة ثم عادوا إليه وأحاطوا به فخرج عبد الله بن الحسن بن علي عليهم السلام وهو
غلام لم يراهق من عند النساء يشتد حتى وقف إلى جنب الحسين عليه السلام فلحقته زينب
بنت علي عليه السلام لتحبسه فقال الحسين عليه السلام: احبسيه يا اختي ! فأبى وامتنع
امتناعا شديدا وقال: لا والله لاافارق عمي، وأهوى أبجر ابن كعب - وقيل: حرملة بن
كاهل - إلى الحسين عليه السلام بالسيف فقال له الغلام: ويلك يا ابن الخبيثة أتقتل
عمي ؟ فضربه بالسيف، فاتقاه الغلام بيده فأطنها إلى الجلد
[54]
فإذا هي معلقة، فنادى الغلام: يا اماه
فأخذه الحسين عليه السلام فضمه إليه وقال: يابن أخي اصبر على ما نزل بك، واحتسب في
ذلك الخير، فان الله يلحقك بآبائك الصالحين (1): قال السيد: فرماه حرملة بن كاهل
بسهم فذبحه، وهوفي حجر عمه الحسين عليه السلام ثم إن شمربن ذي الجوشن حمل على فسطاط
الحسين عليه السلام فطعنه بالرمح ثم قال: علي بالنار أحرقه على من فيه فقال له
الحسين عليه السلام: يا ابن ذي الجوشن أنت الداعي بالنار لتحرق على أهلي، أحرقك
الله بالنار، وجاء شبث فوبخه فاستحيى وانصرف قال: وقال الحسين عليه السلام: ابعثوا
إلي ثوبا لا يرغب فيه، أجعله تحت ثيابي، لئلا اجرد، فاتي بتبان فقال: لاذاك لباس من
ضربت عليه بالذلة فأخذ ثوبا خلقا فخرقه وجعله تحت ثيابه - فلما قتل جردوه منه - ثم
استدعى الحسين عليه السلام بسراويل من حبرة ففزرها ولبسها وإنما فزرها لئلا يسلبها،
فلما قتل سلبها أبجر بن كعب وتركه عليه السلام مجردا، فكانت يد أبجر بعد ذلك ييبسان
في الصيف كأنهما عودان ويترطبان في الشتاء فينضحان دما وقيحا إلى أن أهلكه الله
تعالى قال: ولما اثخن بالجراح وبقي كالقنفذ، طعنه صالح بن وهب المزني على خاصرته
طعنة فسقط عليه السلام عن فرسه إلى الارض على خده الايمن، ثم قام صلوات الله عليه
قال: وخرجت زينب من الفسطاط وهي تنادي: واأخاه واسيداه وا أهل بيتاه ليت السماء
أطبقت على الارض، وليت الجبال تدكدكت على السهل، وقال: وصاح الشمر: ما تنتظرون
بالرجل ؟ فحملوا عليه من كل جانب فضربه زرعة بن شريك على كتفه وضرب الحسين زرعة
فصرعه، وضربه آخر على عاتقه المقدس بالسيف ضربة كبا عليه السلام بها لوجهه، وكان قد
أعيا، وجعل عليه السلام ينوء ويكبو، فطعنه سنان
(1) الارشاد ص 225. الملهوف ص 107 و 108
[55]
ابن أنس النخعي في ترقوته ثم انتزع الرمح
فطعنه في بواني صدره ثم رماه سنان أيضا بسهم فوقع السهم في نحره فسقط عليه السلام
وجلس قاعدا، فنزع السهم من نحره وقرن كفيه جميعا وكلما امتلاتا من دمائه خضب بهما
رأسه ولحيته، وهو يقول: هكذا حتى ألقى الله مخضبا بدمي، مغصوبا على حقي فقال عمربن
سعد لرجل عن يمينه: انزل ويحك إلى الحسين فأرحه، فبدر إليه خولي بن يزيد الاصبحي
ليجتز رأسه فارعد، فنزل إليه سنان بن أنس النخعي فضربه بالسيف في حلقه الشريف، وهو
يقول: والله إني لاجتز رأسك وأعلم أنك ابن رسول الله وخير الناس أبا واما، ثم اجتز
رأسه المقدس المعظم صلى الله عليه وسلم وكرم وروي أن سنانا هذا أخذه المختار فقطع
أنامله أنملة أنملة ثم قطع يديه ورجليه وأغلى له قدرا فيها زيت ورماه فيها وهو
يضطرب (1) وقال صاحب المناقب ومحمد بن أبي طالب: ولما ضعف عليه السلام نادى شمر: ما
وقوفكم ؟ وما تنتظرون بالرجل ؟ قد أثخنته الجراح والسهام احملوا عليه ثكلتكم
امهاتكم، فحملوا عليه من كل جانب، فرماه الحصين بن تميم في فيه وأبو أيوب الغنوي
بسهم في حلقه، وضربه زرعة بن شريك التميمي على كتفه وكان قد طعنه سنان بن أنس
النخعي في صدره، وطعنه صالح بن وهب المزني على خاصرته فوقع عليه السلام إلى الارض
على خده الايمن، ثم استوى جالسا ونزع السهم من حلقه ثم دنا عمربن سعد من الحسين
عليه السلام قال حميد: وخرجت زينب بنت علي عليه السلام وقرطاها يجولان بين اذنيها
وهي تقول: ليت السماء انطبقت على الارض، يا عمر بن سعد أيقتل أبو عبد الله وأنت
تنظر إليه ؟ ودموع عمر تسيل على خديه ولحيته، وهو يصرف وجهه عنها، والحسين عليه
السلام جالس، وعليه جبة خز، وقدتحاماه الناس، فنادى شمر: ويلكم ما تنتظرون به ؟
اقتلوه ثكلتكم امهاتكم، فضربه زرعة بن شريك فأبان كفه اليسرى ثم ضربه على عاتقه ثم
انصرفوا عنه، وهو يكبو مرة ويقوم اخرى
(1) كتاب الملهوف ص 108 - 112
[56]
فحمل عليه سنان في تلك الحال فطعنه بالرمح
فصرعه، وقال لخولي بن يزيد: اجتز رأسه ! فضعف وارتعدت يده، فقال له سنان: فت الله
عضدك، وأبان يدك فنزل إليه شمرلعنه الله وكان اللعين أبرص، فضربه برجله فألقاه على
قفاه ثم أخذ بلحيته، فقال الحسين عليه السلام: أنت الابقع الذي رأيتك في منامي ؟
فقال: أتشبهني بالكلاب ؟ ثم جعل يضرب بسيفه مذبح الحسين عليه السلام وهو يقول:
أقتلك اليوم ونفسي تعلم * علما يقينا ليس فيه مزعم ولا مجال لاولا تكتم * إن أباك
خير من تكلم وروى في المناقب بإسناده عن عبد الله بن ميمون، عن محمد بن عمرو بن
الحسن قال: كنا مع الحسين بنهر كربلا ونظر إلى شمربن ذي الجوشن وكان أبرص فقال:
الله أكبر الله أكبر، صدق الله ورسوله قال رسول الله: كأني أنظر إلى كلب أبقع يلغ
في دم أهل بيتي ثم قال: فغضب عمربن سعد لعنه الله ثم قال لرجل عن يمينه: انزل ويحك
إلى الحسين فأرحه، فنزل إليه خولي بن يزيد الاصبحي لعنه الله فاجتز رأسه وقيل: بل
جاء إليه شمروسنان بن أنس والحسين عليه السلام بآخر رمق يلوك لسانه من العطش، ويطلب
الماء، فرفسه شمر لعنه الله برجله، وقال: يا ابن أبي تراب ألست تزعم أن أباك على
حوض النبي يسقي من أحبه، فاصبر حتى تأخذ الماء من يده ثم قال لسنان: اجتز رأسه
قفاء، فقال سنان: والله لا أفعل، فيكون جده محمد صلى الله عليه وآله خصمي فغضب شمر
لعنه الله وجلس على صدر الحسين وقبض على لحيته وهم بقتله، فضحك الحسين عليه السلام
فقال له: اتقتلني ولا تعلم من أنا ؟ فقال: أعرفك حق المعرفة: امك فاطمة الزهراء،
وأبوك علي المرتضى، وجدك محمد المصطفى، وخصمك العلي الاعلى أقتلك ولا أبالي، فضربه
بسيفه اثنتا عشرة ضربة ثم جز رأسه صلوات الله وسلامه عليه، ولعن الله قاتله ومقاتله
والسائرين إليه بجموعهم وقال ابن شهر آشوب: روى أبو مخنف عن الجلودي أنه كان صرع
الحسين
[57]
عليه السلام فجعل فرسه يحامي عنه، ويثب
على الفارس فيخبطه عن سرجه، ويدوسه حتى قتل الفرس أربعين رجلا، ثم تمرغ في دم
الحسين عليه السلام وقصد نحو الخيمة وله صهيل عال ويضرب بيديه الارض (1) وقال السيد
رضي الله عنه: فلما قتل صلوات الله عليه ارتفعت في السماء في ذلك الوقت غبرة شديدة
سوداء مظلمة، فيها ريح حمراء، لا ترى فيها عين ولا أثر، حتى ظن القوم أن العذاب قد
جاءهم، فلبثوا كذلك ساعة ثم انجلت عنهم وروى هلال بن نافع قال: إني لواقف مع أصحاب
عمربن سعد إذ صرخ صارخ: أبشر أيها الامير فهذا شمر قد قتل الحسين، قال: فخرجت بين
الصفين فوقفت عليه وإنه ليجود بنفسه فوالله ما رأيت قط قتيلا مضمخا بدمه أحسن منه
ولا أنور وجها، ولقد شغلني نور وجهه وجمال هيبته عن الفكرة في قتله، فاستسقى في تلك
الحالة ماء، فسمعت رجلا يقول: لاتذوق الماء حتى ترد الحامية، فتشرب من حميمها،
فسمعته يقول: أنا أرد الحامية فأشرب من حميمها ؟ بل أرد على جدي رسول الله صلى الله
عليه وآله وأسكن معه في داره في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وأشرب من ماء غير آسن،
وأشكو إليه ما ركبتم مني وفعلتم بي قال: فغضبوا بأجمعهم حتى كأن الله لم يجعل في
قلب أحد منهم من الرحمة شيئا، فاجتزوا رأسه وإنه ليكلمهم فتعجبت من قلة رحمتهم،
وقلت: والله لااجامعكم على أمر أبدا قال: ثم أقبلوا على سلب الحسين عليه السلام
فأخذ قميصه إسحاق بن حوية الحضرمي فلبسه فصار أبرص، وامتعط شعره وروي أنه وجد في
قميصه مائة وبضع عشرة: مابين رمية وطعنة وضربة، وقال الصادق عليه السلام: وجد
بالحسين عليه السلام ثلاث وثلاثون طعنة وأربعة وثلاثون ضربة، وأخذ سراويله أبجر بن
كعب التيمي وروي أنه صار زمنا مقعدا من رجليه، وأخذ عمامته أخنس بن مرثد بن علقمة
الحضرمي وقيل: جابر بن يزيد الاودي فاعتم بها فصار معتوها، وفي غير رواية السيد:
فصار مجذوما، وأخذ درعه مالك بن بشير الكندي فصار معتوها
(1) مناقب آل أبى طالب: ج 4 ص 58
[58]
فقال السيد: وأخذ نعليه الاسود بن خالد،
وأخذ خاتمه بجدل بن سليم الكلبي فقطع أصبعه عليه السلام مع الخاتم، وهذا أخذه
المختار فقطع يديه ورجليه وتركه يتشحط في دمه حتى هلك، وأخذ قطيفة له عليه السلام
كانت من خز قيس بن الاشعث، وأخذ درعه البتراء عمربن سعد، فلما قتل عمربن سعد وهبها
المختار لابي عمرة قاتله، وأخذ سيفه جميع بن الخلق الازدي ويقال: رجل من بني تميم،
يقال له: الاسود بن حنظلة، وفي رواية ابن سعد: أنه أخذ سيفه القلافس (1) النهشلي
وزاد محمد بن زكريا أنه وقع بعد ذلك إلى بنت حبيب بن بديل، وهذا السيف المنهوب ليس
بذي الفقار، وإن ذلك كان مذخورا ومصونا مع أمثاله من ذخائر النبوة والامامة، وقد
نقل الرواة تصديق ما قلناه وصورة ما حكيناه قال: وجاءت جارية من ناحية خيم الحسين
عليه السلام فقال لها رجل: يا أمة الله إن سيدك قتل، قالت الجارية: فأسرعت إلى
سيدتي وأنا أصيح، فقمن في وجهي وصحن، قال: وتسابق القوم، على نهب بيوت آل الرسول
وقرة عين الزهراء البتول، حتى جعلوا ينزعون ملحفة المرأة عن ظهرها، وخرجن بنات
الرسول وحرمه يتساعدن على البكاء، ويندبن لفراق الحماة والاحباء وروى حميد بن مسلم
قال: رأيت امرأة من بكربن وائل كانت مع زوجها في أصحاب عمربن سعد فلما رأت القوم قد
اقتحموا على نساء الحسين عليه السلام فسطاطهن، وهم يسلبونهن أخذت سيفا وأقبلت نحو
الفسطاط، فقالت: يا آل بكربن وائل أتسلب بنات رسول الله لا حكم إلا لله يا ثارات
رسول الله، فأخذها زوجها وردها إلى رحله، قال: ثم أخرجوا النساء من الخيمة، وأشعلوا
فيها النار، فخرجن حواسر مسلبات حافيات باكيات، يمشين سبايا في أسر الذلة، وقلن بحق
الله إلا ما مررتم بناعلى مصرع الحسين، فلما نظرت النسوة إلى القتلى، صحن وضربن
وجوههن قال: فوالله لاأنسى زينب بنت علي عليه السلام وهي تندب الحسين وتنادي بصوت
حزين وقلب كئيب: وامحمداه صلى عليك مليك السماء، هذا حسين مرمل بالدماء، مقطع *
(الهامش) * (1) كذا في المصدر ص 115، وهكذا تذكرة الخواص ص 144، والمصنف اختار كلمة
" الفلان " وهى نسخة
[59]
الاعضاء، وبناتك سبايا، إلى الله المشتكى،
وإلى محمد المصطفى، وإلى علي المرتضى وإلى حمزة سيد الشهداء، وامحمداه هذا حسين
بالعراء، يسفي عليه الصبا، قتيل أولاد البغايا، يا حزناه ياكرباه، اليوم مات جدي
رسول الله، يا أصحاب محمداه، هؤلاء ذرية المصطفى يساقون سوق السبايا. وفي بعض
الروايات: يا محمداه بناتك سبايا، وذريتك مقتلة، تسفي عليهم ريح الصبا، وهذا حسين
مجزوز الرأس من القفا، مسلوب العمامة والرداء، بأبي من عسكره في يوم الاثنين نهبا،
بأبي من فسطاطه مقطع العرى، بأبي من لا هو غائب فيرتجى، ولا جريح فيداوى، بأبي من
نفسي له الفداء، بأبي المهموم حتى قضى، بأبي العطشان حتى مضى، بأبي من شيبته تقطر
بالدماء، بأبي من جده رسول إله السماء، بأبي من هو سبط نبي الهدى، بأبي محمد
المصطفى، بأبي خديجة الكبرى بأبي علي المرتضى، بأبي فاطمة الزهراء سيدة النساء،
بأبي من ردت عليه الشمس حتى صلى قال: فأبكت والله كل عدو وصديق ثم إن سكينة اعتنقت
جسد الحسين عليه السلام، فاجتمع عدة من الاعراب حتى جروها عنه، قال: ثم نادى عمر
ابن سعد في أصحابه: من ينتدب للحسين فيوطئ الخيل ظهره، فانتدب منهم عشرة وهم إسحاق
بن حوية الذي سلب الحسين عليه السلام قميصه، وأخنس بن مرثد، وحكيم بن الطفيل
السنبسي، وعمروبن صبيح الصيداي، ورجاء بن منقذ العبدي، وسالم بن خيثمة الجعفي،
وواحظ بن ناعم، وصالح بن وهب الجعفي، وهانئ بن ثبيت الحضرمي، واسيد بن مالك، فداسوا
الحسين عليه السلام بحوافر خيلهم حتى رضوا ظهره وصدره. قال: وجاء هؤلاء العشرة حتى
وقفوا على ابن زياد فقال اسيد بن مالك أحد العشرة شعر: نحن رضضنا الصدر بعد الظهر *
بكل يعبوب شديد الاسر فقال ابن زياد: من أنتم ؟ فقالوا: نحن الذين وطئنا بخيولنا
ظهر الحسين حتى
[60]
طحنا جناجن صدره فأمر لهم بجائزة يسيرة
قال أبو عمرو الزاهد: فنظرنا في هؤلاء العشرة فوجدنا هم جميعا أولاد زناء وهؤلاء
أخذهم المختار فشد أيديهم وأرجلهم بسكك الحديد، وأوطأ الخيل ظهورهم حتى هلكوا (1).
أقول: المعتمد عندي ما سيأتي في رواية الكافي أنه لم يتيسر لهم ذلك. وقال صاحب
المناقب ومحمد بن أبي طالب: قتل الحسين عليه السلام باتفاق الروايات يوم عاشورا
عاشر المحرم سنة إحدى وستين، وهو ابن أربع وخمسين سنة وستة أشهر ونصف قالا: وأقبل
فرس الحسين عليه السلام وقد عدا من بين أيديهم أن لا يؤخذ، فوضع ناصيته في دم
الحسين عليه السلام ثم أقبل يركض نحو خيمة النساء، وهو يصهل ويضرب برأسه الارض عند
الخيمة حتى مات، فلما نظر أخوات الحسين وبناته وأهله إلى الفرس ليس عليه أحد، رفعن
أصواتهن بالبكاء والعويل، ووضعت ام كلثوم يدها على ام رأسها ونادت: وامحمداه،
واجداه، وانبياه، واأبا القاسماه، واعلياه، واجعفراه واحمزتاه، واحسناه، هذا حسين
بالعراء، صريع بكربلا، مجزوز الرأس من القفا، مسلوب العمامة والرداء، ثم غشي عليها.
فأقبل أعداء الله لعنهم الله حتى أحدقوا بالخيمة، ومعهم شمر، فقال: ادخلوا فاسلبوا
بزتهن، فدخل القوم لعنهم الله فأخذوا ماكان في الخيمة حتى أفضو