الى اجزاء البحار الى المكتبة الهاشمية الى الصفحة الرئيسية

بحار الانوار الجزء 44

العلامة المجلسي


 

[1]

بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الأمة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء الرابع والأربعون مؤسسة الوفاء بيروت لبنان كافة الحقوق محفوظة ومسجلة الطبعة الثانية المصححة 1403 ه‍ - 1983 م مؤسسة الوفاء - بيروت - لبنان - صرب: 1457 - هاتف: 386868


 

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم (18) * " (باب) * * " (العلة التى من أجلها صالح الحسن بن على صلوات الله عليه) " * * " (معاوية بن أبى سفيان عليه اللعنة، وداهنه ولم يجاهده) " * * (وفيه رسالة محمد بن بحر الشيباني رحمه الله) * 1 - ع: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن ابن فضال، عن ثعلبة، عن عمر ابن أبي نصر، عن سدير، قال: قال أبو جعفر عليه السلام ومعي ابني: يا سدير اذكر لنا أمرك الذي أنت عليه، فان كان فيه إغراق كففناك عنه، وإن كان مقصرا أرشدناك قال: فذهبت أن أتكلم فقال أبو جعفر عليه السلام: أمسك حتى أكفيك إن العلم: الذي وضع رسول الله صلى الله عليه وآله عند علي عليه السلام من عرفه كان مؤمنا ومن جحده كان كافرا ثم كان من بعده الحسن عليه السلام قلت: كيف يكون بتلك المنزلة، وقد كان منه ما كان دفعها إلى معاوية ؟ فقال: اسكت فانه أعلم بما صنع، لولا ما صنع لكان أمر عظيم (1). 2 ع: حدثنا علي بن أحمد [ابن محمد]، عن محمد بن موسى بن داود الدقاق، عن الحسن بن أحمد بن الليث، عن محمد بن حميد، عن يحيى بن أبي بكير قال: حدثنا أبو العلاء الخفاف، عن أبي سعيد عقيصا قال: قلت للحسن بن علي ابن أبي طالب عليهما السلام: يا ابن رسول الله لم داهنت معاوية وصالحته، وقد علمت أن

 

(1) تراه في علل الشرائع ج 1 ص 200 وهكذا الحديث التالى.

 

[2]

الحق لك دونه وأن معاوية ضال باغ ؟ فقال: يابا سعيد ألست حجة الله تعالى ذكره على خلقه، وإماما عليهم بعد أبي عليه السلام ؟ قلت: بلى، قال: ألست الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله لي ولأخي: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا ؟ قلت: بلى، قال: فأنا إذن إمام لو قمت، وأنا إمام إذا قعدت، يابا سعيد علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول الله صلى الله عليه وآله لبني ضمرة وبني أشجع، ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية، اولئك كفار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل، يابا سعيد إذا كنت إماما من قبل الله تعالى ذكره لم يجب أن يسفه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة، وإن كان وجهه الحكمة فيما أتيته ملتبسا. ألا ترى الخضر عليه السلام لما خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط موسى عليه السلام فعله، لاشتباه وجه الحكمة عليه حتى أخبره فرضي، هكذا أنا سخطتم علي بجهلكم بوجه الحكمة فيه، ولولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الارض أحد إلا قتل. قال الصدوق رحمه الله: قد ذكر محمد بن بحر الشيباني رضي الله عنه (1) في كتابه المعروف بكتاب " الفروق بين الأباطيل والحقوق " في معنى موادعة الحسن بن علي بن أبي طالب لمعاوية فذكر سؤال سائل عن تفسير حديث يوسف بن مازن الراسبي (2) في هذا المعنى والجواب عنه وهو الذي رواه أبو بكر محمد بن الحسن بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري قال: حدثنا أبو طالب زيد بن أحزم قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا القاسم بن الفضل، قال: حدثنا يوسف بن مازن الراسبي قال: بايع الحسن بن علي صلوات الله عليه معاوية على أن لا يسميه أمير المؤمنين، ولا يقيم عنده شهادة، وعلى أن لا يتعقب على شيعة علي عليه السلام شيئا، وعلى أن يفرق في أولاد

 

(1) عنونه النجاشي في رجاله ص 298 وقال: قال بعض أصحابنا انه كان في مذهبه ارتفاع، وحديثه قريب من السلامة، ولا أدرى من أين قيل ذلك. (2) الراشى خ ل في الموضعين.

 

[3]

من قتل مع أبيه يوم الجمل وأولاد من قتل مع أبيه بصفين ألف ألف درهم، وأن يجعل ذلك من خراج دار ابجرد (1). قال: وما ألطف حلية الحسن صلوات الله عليه في إسقاطه إياه عن إمرأة المؤمنين قال يوسف: فسمعت القاسم بن محيمة يقول: ما وفى معاوية للحسن بن علي صلوات الله عليه بشئ عاهده عليه وإني قرأت كتاب الحسن عليه السلام إلى معاوية يعدد عليه ذنوبه إليه وإلى شيعة علي عليه السلام فبدأ بذكر عبد الله بن يحيى الحضرمي ومن قتلهم معه. فنقول: رحمك الله إن ما قال يوسف بن مازن من أمر الحسن عليه السلام ومعاوية عند أهل التميز والتحصيل تسمى المهادنة والمعاهدة، ألا ترى كيف يقول " ما وفى معاوية للحسن بن علي بشئ عاهده عليه وهادنه " ولم يقل بشئ بايعه عليه، والمبايعة على ما يدعيه المدعون على الشرائط التي ذكرناها، ثم لم يف بها لم يلزم الحسن عليه السلام. وأشد ما ههنا من الحجة على الخصوم، معاهدته إياه على أن لا يسميه أمير المؤمنين، والحسين عليه السلام عند نفسه لا محالة مؤمن فعاهده على أن لا يكون عليه أميرا، إذ الأمير هو الذي يأمر فيؤتمر له. فاحتال الحسن صلوات الله عليه لإسقاط الايتمار لمعاوية إذا أمره أمرا على نفسه والأمير هو الذي أمره مأمور (2) من فوقه، فدل على أن الله عزوجل لم يؤمره عليه، ولا رسوله صلى الله عليه وآله أمره عليه، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله: " لا يلين مفاء على مفئ " (3).

 

(1) وسيجيئ منا وجه ذلك. (2) في المصدر المطبوع ج 1 ص 202 " كأمور " وفى الطبعة الحجرية " كأمر " وسيجيئ بيانه من المصنف - رضوان الله عليه - لكن يحتمل أن يكون مصحف " بأمور ". (3) " المفاء " هو الذى صار فيئا للمسلمين، و " المفئ " هو كل مسلم أخذ ذلك المفاء عنوة، فلو كان ذلك المفاء المأخوذ كبيرا يجوز للمسلمين قتله، واطلاقه منا أو فداء، ولو كان

 

[4]

يريد أن من حكمه (1) حكم هوازن الذين صاروا فيئا للمهاجرين والأنصار فهؤلاء طلقاء المهاجرين الأنصار بحكم إسعافهم النبي فيئهم لموضع رضاعه (2)

 

صغيرا لم يبلغ الحلم جاز لهم استرقاقه وهكذا اطلاقه منا أو فداء. لكن المراد بالمفاء في هذا الحديث: الذى صار طليقا بالمن عليه، صغيرا كان أو كبيرا، فحيث كان المسلمون حاكمين على نفسه بالقتل أو الاسترقاق ولم يفعلوا ذلك، بل تكرموا ومنوا عليه بالاطلاق، ثبت لهم ولاية ذلك كما في ولاء العتق، فلم يكن له أن يأمر ولا أن ينهى ولا أن يتأمر على المسلمين قضاء لحقوق تلك الولاية. ووجه ذلك أن المسلمين هم الذين أعطوه ووهبوا له آثار الحياة والحرية، بحيث صار يأمر وينهى لنفسه، يذهب ويجئ حيث يشاء، فلو صار يأمر وينهى المسلمين، ويتأمر عليهم، انتقض عليه ذلك وكان كعبد يتحكم على مولاه. هذا مرمى قوله صلى الله عليه وآله: " لا يلين مفاء على مفيئ " أي لا يكون الطليق أميرا على المسلمين أبدا، ولو تأمر عليهم لكان غاصبا لحق الامارة، ظالما لهم بحكم الشرع والعقل والاعتبار، فحيث كان معوية طليقا لم يكن له أن يتأمر على المسلمين. (1) الضمير في " حكمه " يرجع إلى الفيئ، أي من أحكام الفيئ حكم أسرى هوازن الذين صاروا فيئا للمهاجرين والانصار يوم حنين. (2) أتى رسول الله وفد هوازن بالجعرانة وكان مع رسول الله صلى الله عليه وآله من سبى هوازن ستة آلاف من الذرارى والنساء، ومن الابل والشاء ما لا يدرى ما عدته فقالوا: يا رسول الله انا أصل وعشيرة وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فامنن علينا من الله عليك وقام رجل من بنى سعد بن بكر يقال له زهير. فقال: يا رسول الله ! انما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتى كن يكفلنك، ولو أنا ملحنا للحارث بن أبى شمر، أو للنعمان بن المنذر، ثم نزل منا بمثل الذى نزلت به، رجونا عطفه وعائدته علينا، وأنت خير المكفولين. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله بعد كلام: أما ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله، وقالت الانصار: وما كان لنا فهو لرسول الله. راجع سيرة ابن هشام ج 2 ص 488.

 

[5]

وحكم قريش وأهل مكة حكم هوازن (1). فمن أمره (2) رسول الله صلى الله عليه وآله عليهم، فهو التأمير من الله جل جلاله ورسوله صلى الله عليه وآله. أو من الناس كما قالوا في غير معاوية إن الامة اجتمعت فأمرت فلانا وفلانا وفلانا على أنفسهم فهو أيضا تأمير غير أنه من الناس لا من الله ولا من رسوله وهو إن لم يكن تأميرا من الله ومن رسوله ولا تأميرا من المؤمنين فيكون أميرهم بتأميرهم فهو تأمير منه بنفسه. والحسن صلوات الله عليه مؤمن من المؤمنين فلم يؤمر معاوية على نفسه بشرطه عليه ألا يسميه أمير المؤمنين، فلم يلزمه ذلك الايتمار له في شئ أمره به، وفرغ صلوات الله عليه، إذ خلص بنفسه من الايجاب عليها الايتمار له [عن] أن يتخذ على المؤمنين الذينهم على الحقيقة مؤمنون، وهم الذين كتب في قلوبهم الايمان. ولأن هذه الطبقة لم يعتقدوا إمارته ووجوب طاعته على أنفسهم، ولأن الحسن عليه السلام أمير البررة، وقاتل الفجرة، كما قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام علي

 

(1) فتح رسول الله صلى الله عليه وآله مكة عنوة فخطب على باب الكعبة ثم قال بعد كلام: " يا معشر قريش ! ما ترون أنى فاعل فيكم ؟ قالوا: خيرا. أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء " راجع سيرة ابن هشام ج 2 ص 412. فكان له (ص) أن يأمر بأسرهم وقتلهم وسبى ذراريهم حيث انه دخلها عنوة فلم يفعل ذلك بل من عليهم وقال: انتم الطلقاء، وفيهم معوية بن أبى سفيان. (2) هذا هو الصحيح يعنى فعلى هذا: من أمره رسول الله على المسلمين أو على الطلقاء فهو التأمير من الله ورسوله الخ ويكون ابتداء كلام وما في النسخ من قوله: " لمن أمره رسول الله عليهم " تتميما لما سبق، فهو تصحيف لم يتنبه له المصنف رضوان الله عليه على ما يجئ في البيان، وذلك لان حكم الطلقاء طلقاء قريش وهوازن - من عدم جواز تأمرهم على المسلمين بقوله " لا يلين مفاء على مفئ " عام مطلق، لا يختص بمن أمره رسول الله على الطلقاء. مع أنه لو قرءنا اللفظ " لمن أمره " لتشتت الكلام من نواحى شتى.

 

[6]

أمير البررة، وقاتل الفجرة، فأوجب عليه السلام أنه ليس لبر من الابرار أن يتأمر عليه وأن التأمير على أمير الابرار ليس ببر، هكذا يقتضي مراد رسول الله صلى الله عليه وآله ولو لم يشترط الحسن بن علي عليهما السلام على معاوية هذه الشروط، وسماه أمير المؤمنين. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله قريش أئمة الناس أبرارها لأبرارها، وفجارها لفجارها. وكل من اعتقد من قريش أن معاوية إمامه بحقية الامامة من الله عزوجل واعتقد الايتمار له وجوبا عليه فقد اعتقد وجوب اتخاذ مال الله دولا وعباده خولا ودينه دخلا (1) وترك أمر الله إياه إن كان مؤمنا فقد أمر الله عزوجل المؤمنين بالتعاون على البر والتقوى فقال: " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان " (2). فان كان اتخاذ مال الله دولا، وعباده خولا، ودين الله دخلا: من البر والتقوى، جاز على تأويلك من اتخذه إماما وأمره على نفسه، كما ترون التأمير على العباد. ومن اعتمد أن قهر مال الله على ما يقهر عليه، ودين الله على ما يسام، وأهل دين الله على ما يسامون، هو بقهر من اتخذهم خولا، وأن الله من قبله مديل في تخليص المال من الدول، والدين من الدخل، والعباد من الخول، علم وسلم وآمن واتقى أن البر مقهور في يد الفاجر، والأبرار مقهورون في أيدي الفجار، بتعاونهم مع الفاجر على الاثم والعدوان المزجور، عنه المأمور بضده وخلافه ومنافيه. وقد سأل الثوري السفيان عن " العدوان " ما هو ؟ فقال: هو أن ينقل صدقة بانقياء إلى الحيرة فتفرق في أهل السهام بالحيرة، وببانقياء أهل السهام

 

(1) اشارة إلى قوله صلى الله عليه وآله: " إذا بلغ بنو العاص ثلاثين رجلا: اتخذوا مال الله دولا، وعباد الله خولا، ودين الله دغلا " أخرجه الحاكم بالاسناد إلى على عليه السلام وهكذا أبى ذر، وأبى سعيد الخدرى، وصححه راجع مستدرك الحاكم ج 4 ص 480. (2) المائدة: 3.

 

[7]

وأنا اقسم بالله قسما بارا أن حراسة سفيان ومعاوية بن مرة ومالك بن معول وخيثمة بن عبد الرحمن خشبة (1) زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام بكناس الكوفة بأمر هشام بن عبد الملك من العدوان الذي زجر الله عز وجل عنه وأن حراسة من سميتم بخشبة زيد رضوان الله عليه، الداعية بنقل صدقة بانقياء إلى الحيرة. فإن عذر عاذر عمن سميتهم بالعجز عن نصر البر الذي هو الامام من قبل الله عزوجل، الذي فرض طاعته على العباد، على الفاجر الذي تأمر باعانة الفجرة إياه، قلنا: لعمري إن العاجز معذور فيما عجز عنه، ولكن ليس الجاهل بمعذور في ترك الطلب، فيما فرض الله عز وجل عليه، وإيجابه على نفسه فرض طاعته وطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وطاعة اولي الأمر، وبأنه لا يجوز أن يكون سريرة ولاة الأمر بخلاف علانيتهم، كما لم يجزأن يكون سريرة النبي صلى الله عليه وآله الذي هو أصل ولاة الأمر وهم فرعه، بخلاف علانيته. وإن الله عز وجل العالم بالسرائر والضمائر، والمطلع على ما في صدور العباد، لم يكل علم ما لم يعلمه العباد إلى العباد، جل وعز عن تكليف العباد ما ليس في وسعهم وطوقهم، إذ ذاك ظلم من المكلف، وعبث منه، وأنه لا يجوز أن يجعل جل وتقدس اختيار من يستوي سريرته بعلانيته، ومن لا يجوز ارتكاب الكبائر الموبقة والغضب والظلم منه، إلى من لا يعلم السرائر والضمائر، فلا يسع أحدا جهل هذه الأشياء. وإن وسع العاجز بعجزه ترك ما يعجز عنه، فانه لا يسعه الجهل بالإمام البر الذي هو إمام الأبرار، والعاجز بعجزه معذور، والجاهل غير معذور، فلا يجوز أن لا يكون للأبرار إمام، وإن كان مقهورا في قهر الفاجر والفجار، فمتى

 

(1) هؤلاء كانوا موكلين على حراسة خشبة صلب عليها زيد بن على بن الحسين عليهم السلام، لئلا ينزلوه ويدفنوه، فبقى جثته رضوان الله عليه أربع سنين على الصليب ثم استنزلوه وأحرقوه.

 

[8]

لم يكن للبر إمام بر قاهر أو مقهور، فمات ميتة جاهلية، إذا مات وليس يعرف إمامه. فان قيل: فما تأويل عهد الحسن عليه السلام وشرطه على معاوية بأن لا يقيم عنده شهادة لا يجاب الله عليه عز وجل إقامة الشهادة بما علمه، قبل شرطه على معاوية [بأن لا يقيم عنده شهادة] قيل: إن لاقامة الشهادة من الشاهد شرائط: وهي حدودها التي لا يجوز تعد يها لأن من تعدى حدود الله عزوجل فقد ظلم نفسه، وأوكد شرائطها إقامتها عند قاض فصل، وحكم عدل، ثم الثقة من الشاهد أن يقيمها عند من يجر (1) بشهادته حقا ويميت بها أثرة، ويزيل بها ظلما، فإذا لم يكن من يشهد عنده سقط عنه فرض إقامة الشهادة. ولم يكن معاوية عند الحسن عليه السلام أميرا أقامه الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وآله أو حاكما من ولاة الحكم، فلو كان حاكما من قبل الله وقبل رسوله، ثم علم الحسن عليه السلام أن الحكم هو الأمير، والأمير هو الحكم، وقد شرط عليه الحسن أن لا يؤمر، حين شرط ألا يسميه أمير المؤمنين، فكيف يقيم الشهادة عند من أزال عنه الامرة بشرط أن لا يسميه أمير المؤمنين، وإذا زال ذلك عنه بالشرط أزال عنه الحكم، لأن الأمير هو الحاكم، وهو المقيم للحاكم، ومن ليس له تأمير ولا تحاكم، فحكمه هذر، ولا تقام الشهادة عند من حكمه هذر. فان قال: فما تأويل عهد الحسن عليه السلام على معاوية وشرطه عليه أن لا يتعقب على شيعة علي عليه السلام شيئا ؟ قيل: إن الحسن عليه السلام علم أن القوم جوزوا لأنفسهم التأويل، وسوغوا في تأويلهم إراقة ما أرادوا إراقته من الدماء، وإن كان الله عز وجل حقنه، وحقن ما أرادوا حقنه، وإن كان الله عز وجل أراقه في حكمه. فأراد الحسن عليه السلام أن يبين أن تأويل معاوية على شيعة علي عليه السلام بتعقبه عليهم ما يتعقبه زائل مضمحل فاسد، كما أنه أزال إمرته عنه وعن المؤمنين، بشرط

 

(1) عند من يحيى بشهادته حقا. ظ، بقرينة قوله " يميت " وما في الصلب مطابق للنسخ والمصدر.

 

[9]

أن لا يسميه أمير المؤمنين، وأن إمرته زالت عنه وعنهم، وأفسد حكمه عليه وعليهم. ثم سوغ الحسن عليه السلام بشرطه عليه أن لا يقيم عنده شهادة، للمؤمنين القدوة منهم به في أن لا يقيموا عنده شهادة فتكون حينئذ داره دائرة وقدرته قائمة لغير الحسن ولغير المؤمنين، فتكون داره كدار بخت نصر وهو بمنزلة دانيال فيها وكدار العزيز وهو كيوسف فيها. فان قال: دانيال ويوسف عليهما السلام كانا يحكمان لبخت نصر والعزيز، قلنا: لو أراد بخت نصر دانيال والعزيز يوسف أن يريقا بشهادة عمار بن الوليد، وعقبة بن أبي معيط، وشهادة أبي بردة بن أبي موسى، وشهادة عبد الرحمن بن أشعث بن قيس دم حجر بن عدي بن الأدبر وأصحابه رحمهم الله وأن يحكما له بأن زيادا أخوه وأن دم حجر وأصحابه مراقة بشهادة من ذكرت، لما جاز أن يحكما لبخت نصر والعزيز، والحكم بالعدل يرمي الحاكم به في قدرة عدل أو جائر ومؤمن أو كافر لا سيما إذا كان الحاكم مضطرا إلى أن يدين للجائر الكافر، والمبطل والمحق بحكمه. فإن قال: ولم خص الحسن عليه السلام عد الذنوب إليه وإلى شيعة علي عليه السلام وقدم أمامها قتله عبد الله بن يحيى الحضرمي وأصحابه، وقد قتل حجرا وأصحابه وغيرهم ؟ قلنا: لو قدم الحسن عليه السلام في عده على معاوية ذنوب حجر وأصحابه على عبد الله بن يحيى الحضرمي وأصحابه لكان سؤالك قائما فتقول: لم قدم حجرا على عبد الله بن يحيى وأصحابه أهل الأخيار والزهد في الدنيا والاعراض عنها فأخبر معاوية بما كان عليه ابن يحيى وأصحابه من الخرق (1) على أمير المؤمنين عليه السلام وشدة حبهم إياه، وإفاضتهم في ذكره وفضله، فجاء بهم وضرب أعناقهم صبرا. ومن أنزل راهبا من صومعته فقتله بلا جناية منه إلى قاتله أعجب ممن يخرج

 

(1) في النسخ المطبوعة وهكذا المصدر ص 205 " الحزق " وهو بمعنى المنع والقبض ولعل الصحيح: " الحرق " من الحرارة والحب الشديد.

 

[10]

قسا من ديره فيقتله لأن صاحب الدير أقرب إلى بسط اليد لتناول ما معه من صاحب الصومعة الذي هو بين السماء والأرض، فتقديم الحسن عليه السلام العباد على العباد والزهاد على الزهاد، ومصابيح البلاد على مصابيح البلاد، لا يتعجب منه، بل يتعجب لو قدم في الذكر مقصرا على مخبت ومقتصدا على مجتهد. فان قال: ما تأويل اختيار مال دارا بجرد على سائر الأموال لما اشترط أن يجعله لأولاد من قتل مع أبيه صلوات الله عليهم يوم الجمل وبصفين، قيل: لدارا بجرد خطب في شأن الحسن عليه السلام، بخلاف جميع فارس (1).

 

(1) قد ذكر الصدوق رحمه الله في وجه اختيار الامام الحسن السبط عليه السلام خراج درا بجرد ما تتلوه، والذى أراه أن درابجرد لم يفتح عنوة بل صالح أهلها على ما صرح به البلاذرى في فتوح البلدان ص 380 حيث قال: " وأتى عثمان بن أبى العاص درابجرد وكانت شادروان علمهم ودينهم وعليها الهربذ فصالحه الهربذ على مال أعطاه اياه، وعلى أن أهل دراجرد كلهم اسوة من فتحت بلاده من أهل فارس، واجتمع له جمع بناحية جهرم ففضهم، وفتح أرض جهرم، وأتى عثمان فصالحه عظيمها على مثل صلح درابجرد، ويقال: ان الهربذ صالح عليها أيضا " انتهى. فحيث كان درابجرد صولح عليها مثل فدك، كان يجب حمل مال صلحها إلى زعيم أهل البيت لقوله تعالى: " وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب - إلى قوله تعالى - ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كى لا يكون دولة بين الاغنياء منكم ". وأما سائر الاراضي المفتوحة عنوة بايجاف الخيل والركاب، فكان حكم خراجها أن يقاسم بين مقاتليها، فانها فيئ وغنيمة كما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله في أراضي خيبر، بعد ما أخرج سهم الخمس، لكن لم يعمل عمر بن الخطاب بتلك السنة النبوية وتأول قوله تعالى " والذين جاؤا من بعدهم " فجعل خراجها لعامة المسلمين ودون لهم ديوان العطاء. فجرى بعده سائر الخلفاء والامراء على سنة عمر بن الخطاب، ولم يتهيأ لعلى عليه السلام أن يرد ذلك إلى نصابه الحق المطابق لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله فقد كان الحسن السبط عليه السلام يحكم بأن المتبع من السنن، انما هو سنة النبي الاقدس، ولا يرى لاوليائه وأصحابه المخصوصين به أن يرتزقوا ويأخذوا العطاء من خراج الاراضي المفتوحة عنوة، ولذلك شرط على معاوية أموال درابجرد التى صولح عليها.

 

[11]

وقلنا: إن المال مالان: الفيئ الذي ادعوا أنه موقوف على المصالح الداعية إلى قوام الملة وعمارتها، من تجييش الجيوش للدفع عن البيضة، ولأرزاق الأسارى، ومال الصدقة الذي خص به أهل السهام وقد جرى في فتوح الأرضين بفارس والأهواز وغيرهما من البلدان: فيما فتح منها صلحا، وما فتح منها عنوة وما أسلم أهلها عليها هنات وهنات، وأسباب وأسباب (1). وقد كتب ابن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن زيد بن الخطاب وهو عامله على العراق: أيدك الله هاش في السواد ما ير كبون فيه البراذين، ويتختمون بالذهب، ويلبسون الطيالسة وخذ فضل ذلك فضعه في بيت المال. وكتب ابن الزبير إلى عامله " جنبوا بيت مال المسلمين ما يؤخذ على المناظر والقناطر فانه سحت "، فقصر المال عما كان، فكتب إليهم " ما للمال قد قصر " ؟ فكتبوا إليه إن أمير المؤمنين نهانا عما يؤخذ على المناظر والقناطر، فلذلك قصر المال، فكتب إليهم: " عودوا إلى ما كنتم عليه " هذا بعد قوله: " إنه سحت ". ولا بد أن يكون أولاد من قتل من أصحاب علي صلوات الله عليه بالجمل وبصفين من أهل الفيئ ومال المصلحة ومن أهل الصدقة والسهام. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله في الصدقة " قد امرت أن آخذها من أغنياءكم وأردها في فقرائكم " بالكاف والميم، ضمير من وجبت عليهم في أموالهم الصدقة، ومن وجبت لهم الصدقة فخاف الحسن عليه السلام أن كثيرا منهم لا يرى لنفسه أخذ الصدقة من كثير منهم ولا أكل صدقة كثير منهم، إذ كانت غسالة ذنوبهم، ولم يكن للحسن عليه السلام في مال الصدقة سهم. روى بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه، عن جده (2) أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: في كل أربعين من الابل ابنة لبون ولا تفرق إبل عن

 

(1) زاد في المصدر بعده: [بايجاب الشرائط الدالة عليها]. (2) هذا هو الصحيح كما في المصدر ص 207، وقد روى الحديث أبو داود في سننه عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده ولفظه:

 

[12]

حسابها، من أتانا بها مؤتجرا فله أجرها ومن منعناها أخذناها منه وشرط إبله عزمة من عزمات ربنا وليس لمحمد وآل محمد فيها شئ، وفي كل غنيمة خمس أهل الخمس بكتاب الله عزوجل وإن منعوا. فخص الحسن عليه السلام ما لعله كان عنده أعف وأنظف من مال أردشير خره ولأنها حوصرت سبع سنين حتى اتخذ المحاصرون لها في مدة حصارهم إياها مصانع (1) وعمارات، ثم ميزوها من جملة ما فتحوها بنوع من الحكم وبين الاصطخر الأول والاصطخر الثاني هنات علمها الرباني الذي هو الحسن عليه السلام فاختار لهم أنظف ما عرف. فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في تفسير قوله عزوجل: " وقفوهم إنهم مسؤلون " (2) أنه لا يجاوز قدما عبد حتى يسأل عن أربع: عن ثيابه (3) فيما أبلاه

 

ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: في كل سائمة ابل في أربعين بنت لبون لا يفرق ابل عن حسابها، من أعطاها مؤتجرا بها فله أجرها، ومن منعها فانا آخذوها وشطر ما له عزمة من عزمات ربنا عزوجل، ليس لال محمد منها شئ. ". فما في النسخ المطبوعة: " روى بهذين حكيم عن معاوية بن جندة القشيرى " فهو تصحيف. والرجل معنون بنسبته ونسبه في رجال العامة، راجع التاريخ الكبير للبخاري ج 1 ق 2 ص 290، الجرح والتعديل ج 1 ق 1 ص 430، اسد الغابة ج 4 ص 385 وعنونه في التقريب ص 57 وقال: صدوق من السادسة. (1) المصانع: جمع مصنع ومصنعة: ما يصنع كالحوض يجمع فيه ماء المطر. (2) الصافات: 24. والحديث رواه الشيخ في الامالى عن أبى حمزة عن أبى جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله: لا يزال قدما عبد الخ. وهكذا أخرجه موفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب من حديث أبى برذة ولفظه: لا يزول الخ كما في البرهان ج 4 في تفسير سورة الصافات. وأخرجه المؤلف رضوان الله في ج 36 ص 79 من الطبعة الحديثة عن كتاب منقبة المطهرين للحافظ أبى نعيم باسناده عن نافع بن الحارث عن أبى بردة فراجع. (3) شبابه، خ.

 

[13]

وعمره فيما أفناه، وعن ماله من أين جمعه، وفيما أنفقه، وعن حبنا أهل البيت وكان الحسن والحسين عليهما السلام يأخذان من معاوية الأموال فلا ينفقان من ذلك على أنفسهما ولا على عيالهما ما تحمله الذبابة بفيها. قال شيبة بن نعامة: كان علي بن الحسين عليهما السلام ينحل فلما مات نظروا فإذا هو يعول في المدينة أربعمائة بيت من حيث لم يقف الناس عليه. فان قال: فان هذا محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري قال: حدثنا أبو بشر الواسطي قال: حدثنا خالد بن داود، عن عامر قال: بايع الحسن بن علي معاوية على أن يسالم من سالم ويحارب من حارب، ولم يبايعه على أنه أمير المؤمنين. قلنا: هذا حديث ينقض آخره أوله، وأنه لم يؤمره، وإذا لم يؤمره لم يلزمه الايتمار له إذا أمره، وقد روينا من غير وجه ما ينقض قوله: " يسالم من سالم، ويحارب من حارب " فلا نعلم فرقة من الامة أشد على معاوية من الخوارج وخرج على معاوية بالكوفة جويرية بن ذراع أو ابن وداع أو غيره من الخوارج فقال معاوية للحسن: اخرج إليهم وقاتلهم، فقال: يأبى الله لي بذلك، قال: فلم ؟ أليس هم أعداؤك وأعدائي ؟ قال: نعم يا معاوية، ولكن ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فوجده، فأسكت معاوية. ولو كان ما رواه أنه بايع على أن يسالم من سالم، ويحارب من حارب، لكان معاوية لا يسكت على ماحجه به الحسن عليه السلام ولأنه يقول له: قد يايعتني على أن تحارب من حاربت كائنا من كان، وتسالم من سالمت كائنا من كان، وإذا قال عامر في حديثه: " ولم يبايعه على أنه أمير المؤمنين " قد ناقض لأن الأمير هو الآمر والزاجر، والمأمور هو المؤتمر والمنزجر، فأبى تصرف الآمر، فقد أزال الحسن عليه السلام في موادعته معاوية الايتمار له، فقد خرج من تحت أمره حين شرط أن لا يسميه أمير المؤمنين. ولو انتبه معاوية بحيلة الحسن عليه السلام بما احتال عليه، لقال له: يا با محمد أنت


 

[14]

مؤمن وأنا أمير، فإذا لم أكن أميرك لم أكن للمؤمنين أيضا أميرا وهذه حيلة منك تزيل أمري عنك، وتدفع حكمي لك وعليك، فلو كان قوله " يحارب من حارب " مطلقا ولم يكن شرطه " إن قاتلك من هو شر منك قاتلته، وإن قاتلك من هو مثلك في الشر وأنت أقرب منه إليه لم اقاتله " ولأن شرط الله على الحسن وعلى جميع عباده التعاون على البر والتقوي، وترك التعاون على الاثم والعدوان، وإن قتال (1) من طلب الحق فأخطأه، مع من طلب الباطل فوجده، تعاون على الاثم والعدوان (2). فان قال: هذا حديث ابن سيرين يرويه محمد بن إسحاق بن خزيمة قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن ابن عون، عن أنس بن سيرين قال: حدثنا الحسن بن علي يوم كلم فقال: ما بين جابرس وجابلق رجل جده نبي غيري وغير أخي وإني رأيت أن اصلح بين امة محمد، وكنت أحقهم بذلك، فانا بايعنا معاوية ولعله فتنة لكم ومتاع إلى حين. قلنا: ألا ترى إلى قول أنس كيف يقول: " يوم كلم الحسن " ولم يقل: " يوم بايع " إذ لم يكن عنده بيعة حقيقة، وإنما كانت مهادنة كما يكون بين أولياء الله وأعدائه، لا مبايعة تكون بين أوليائه وأوليائه فرأى الحسن عليه السلام رفع السيف مع العجز بينه وبين معاوية، كما رأى رسول الله صلى الله عليه واله رفع السيف بينه وبين أبي سفيان وسهيل بن عمرو، ولو لم يكن رسول الله مضطرا إلى تلك المصالحة والموادعة لما فعل. فان قال: قد ضرب رسول الله صلى الله عليه واله بينه وبين سهيل وأبي سفيان مدة، ولم يجعل الحسن بينه وبين معاوية مدة، قلنا: بل ضرب الحسن عليه السلام أيضا بينه وبين معاوية مدة وإن جهلناها ولم نعلمها، وهي ارتفاع الفتنة وانتهاء مدتها، وهو متاع إلى حين.

 

(1) في الاصل المطبوع: " وان قاتل " وان صح فيكون جوابه " تعاون على الاثم ". (2) زاد في المصدر ص 208 بعده: والمبايع غير المبايع، والمؤازر غير المؤازر.

 

[15]

فإن قال: فان الحسن قال لجبير بن نفير (1) حين قال له: إن الناس يقولون إنك تريد الخلافة فقال: قد كان جماجم العرب في يدي يحاربون من حاربت، ويسالمون من سالمت، تركتها ابتغاء وجه الله، وحقن دماء امة محمد ثم أثيرها يا تياس أهل الحجاز ؟. قلنا: إن جبيرا كان دسيسا إلى الحسن عليه السلام دسه معاوية إليه ليختبره هل في نفسه الاثارة ؟ وكان جبير يعلم أن الموادعة التي وداع معاوية غير مانعة من الاثارة التي اتهمه بها، ولو لم يجز للحسن عليه السلام مع المهادنة التي هادن أن يطلب الخلافة لكان جبير يعلم ذلك، فلا يسأله، لأنه يعلم أن الحسن عليه السلام لا يطلب ما ليس له طلبه، فلما اتهمه بطلب ما له طلبه، دس إليه دسيسه هذا ليستبرئ برأيه وعلم أنه الصادق وابن الصادق وأنه إذا أعطاه بلسانه أنه لا يثيرها بعد تسكينه إياها فانه وفي بوعده، صادق في عهده. فلما مقته قول جبير قال له: يا تياس أهل الحجاز، والتياس بياع عسب الفحل الذي هو حرام، وأما قوله " بيدي جماجم العرب " فقد صدق عليه السلام ولكن كان من تلك الجماجم الأشعث بن قيس في عشرين ألفا ويزهدونهم (2). قال الأشعث يوم رفع المصاحف: ووقع تلك المكيدة: " إن لم تجب إلى ما دعيت إليه لم يرم معك غدا يمانيان بسهم، ولم يطعن يمانيان برمح، ولا يضرب يمانيان بسيف " وأومأ بيده (3) إلى أصحابه أبناء الطمع وكان في تلك الجماجم شيث بن ربعي تابع كل ناعق، ومثير كل فتنة، وعمرو بن حريث الذي ظهر على

 

(1) هذا هو الصحيح كما في المصدر ص 209 وعنونه في الاصابة في القسم الثاني وقال: جبير بن نفير بالنون والفاء ابن مالك بن عامر الحضرمي أبو عبد الرحمان مشهور من كبار التابعين ولا بيه صحبة، وهكذا عنونه في الاستيعاب. (2) في بعض نسخ المصدر ؟ يزيدونهم ". (3) بقوله خ ل.

 

[16]

علي صلوات الله عليه وبايع ضبة احتوشها مع الأشعث والمنذر بن الجارود الطاغي الباغي. وصدق الحسن صلوات الله عليه أنه كان بيده هذه الجماجم، يحاربون من حارب ولكن محاربة منهم للطمع، ويسالمون من سالم لذلك، وكان من حارب لله عزوجل، وابتغى القربة إليه والحظوة منه قليلا، وليس فيهم عدد يتكافى أهل الحرب لله، والنزاع لأولياء الله، واستمداد كل مدد وكل عدد، وكل شدة على حجج الله عزوجل. بيان: قوله صلى الله عليه واله " قاما أو قعدا " أي سواء قاما بأمر الامامة أم قعدا عنه للمصلحة والتقية، ويقال " سفهه " أي نسبه إلى السفه، و " تعقبه " أي أخذه بذنب كان منه. قوله: " والمبايعة على ما يدعيه المدعون " المبايعة مبتدأ ولم يلزم خبره أي لو كانت مبايعة على سبيل التنزل فهي كانت على شروط ولم تتحقق تلك الشروط فلم تقع المبايعة، ويحتمل أن يكون نتيجة لما سبق أي فعلى ما ذكرنا لم تقع المبايعة على هذا الوجه أيضا. قوله " على نفسه " لعله متعلق بالاسقاط بأن يكون " على " بمعنى " عن " قوله: " هو الذي امره مأمور " الظاهر زيادة لفظ " مأمور " وعلى تقديره يصح أيضا إذ في العرف لا يطلق الأمير على النبي صلى الله عليه واله فيكون كل من نصب أميرا مأمورا. قوله " يريد أن من حكمه " لعل خبر " أن " محذوف (1) بقرينة المقام والاسعاف الاعانة وقضاء الحاجة. قوله " لمن أمره رسول الله عليهم " أي على هوازن أو على أهل مكة، والمعنى كما أن هوازن لا يكونون أمراء على الذين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله على هوازن كذلك قريش وأهل مكة بالنسبة إلى من أمرهم الله عليهم وبعثهم لقتالهم.

 

(1) بل قد عرفت ان الضمير في " حكمه " يرجع الى الفئ فيكون " من حكمه " خبر " أن " واسمه " حكم هوازن ".

 

[17]

قوله " فهو " أي التأمير مطلقا أو تأمير معاوية، قوله " أن يتخذ " أي عن أن يتخذ، وهو متعلق بقوله " فرغ " أي لما خلص عليه السلام نفسه عن البيعة، فرغ عن أن يتخذ بيعة الشقي على المؤمنين، لأن بيعتهم كان تابعا لبيعته، ولم يبايعوا أنفسهم بيعة على حدة، وإليه أشار بقوله " لأن هذه الطبقة " وقوله: " ولأن الحسن " دليل آخر على عدم تأميره على الحسن عليه السلام وقوله " فقد اعتقد " جزاء للشرط في قوله: " ولو لم يشترط ". وقال الجزري: وفي حديث أبي هريرة إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين اتخذوا عباد الله خولا، بالتحريك أي خدما وعبدا يعني أنهم يستخدمونهم ويستعبدونهم وقال: الدخل بالتحريك، الغش والعيب والفساد، ومنه الحديث إذا بلغ بنوا أبي العاص ثلاثين كان دين الله دخلا، وحقيقته أن يدخلوا في الدين امورا لم تجر به السنة انتهى. والدول بضم الدال وفتح الواو جمع دولة بالضم وهو ما يتداولونه بينهم يكون مرة لهذا ومرة لهذا، قوله " من اتخذه " أي اتخاذ من اتخذه، وهو فاعل " جاز " وقوله " من اعتمد " مبتدأ وقوله " علم وسلم " خبره. ويقال: سامه سوء العذاب أي حمله عليه، قوله " إن البر " كأنه استيناف أو اللام فيه مقدر أي لأن البر مقهور، ويمكن أن يكون اتقى تصحيف أتقن أو أيقن. و " بانقيا " قرية بالكوفة " والحيرة " بلدة قرب الكوفة، والكناسة بالضم موضع بالكوفة. قوله " الداعية " هي خبر " أن " أي أمثال تلك المعاونات على الظلم صارت أسبابا لتغيير أحكام الله التي من جملتها نقل صدقة بانقيا إلى الحيرة. و " الاثرة " الاستبداد بالشئ والتفر دبه، و " الهذر " بالتحريك " الهذيان " وبالدال المهملة البطلان. قوله " ومن أنزل راهبا " حاصله أن عبد الله كان من المترهبين المتعبدين


 

[18]

وكان أقل ضررا بالنسبة إليهم من حجر وأصحابه، فكان قتله أشنع، فلذا قدمه والاخبات الخشوع والتواضع. قوله: " هنات وهنات " أي شرور وفساد وظلم. وقال الفيروز آبادي " الهوشة " الفتنة، والهيج، والاضطراب، والاختلاط والهواشات بالضم الجماعات من الناس والابل والأموال الحرام، والمهاوش ما غصب وسرق، وقال: الهيش الافساد، والتحريك والهيج، والحلب الرويد والجمع. قوله " مؤتجرا " أي طالبا للأجر والثواب، وقال الجزري في حديث مانع الزكاة " أنا آخذها وشطر ماله عزمة من عزمات الله " أي حق من حقوق الله وواجب من واجباته. قال الحربي: غلط الراوي في لفظ الرواية إنما هو " شطر ماله " أي يجعل ما له شطرين ويتخير عليه المصدق فيأخذ الصدقة من خير النصفين، عقوبة لمنعه الزكاة فأما ما لا يلزمه فلا، وقال الخطابي في قوله الحربي: لا أعرف هذا الوجه وقيل معناه أن الحق مستوفى منه غير متروك عليه، وإن ترك شطر ماله كرجل كان له ألف شاة مثلا فتلفت حتى لم يبق إلا عشرون فانه يؤخذ منه عشر شياة لصدقة الألف، وهو شطر ماله الباقي، وهذا أيضا بعيد لأنه قال: أنا آخذها وشطر ماله ولم يقل: أنا آخذ وأشطر ماله. وقيل: إنه كان في صدر الاسلام يقع بعض العقوبات في الأموال ثم نسخ كقوله في الثمر المعلق: من خرج بشئ فله غرامة مثليه، والعقوبة، وكقوله: في ضالة الابل المكتومة غرامتها ومثلها معها، وكان عمر يحكم به، وقد أخذ أحمد بشئ من هذا وعمل به. وقال الشافعي في القديم: من منع زكاة ماله اخذت منه واخذ شطر ماله عقوبة على منعه، واستدل بهذا الحديث وقال في الجديد: لا يؤخذ منه إلا الزكاة لا غير وجعل هذا الحديث منسوخا انتهى. قوله " ينحل " من النحلة بمعنى العطية أو النحول بمعنى الهزال والثاني بعيد


 

[19]

قوله عليه السلام: " ليس من طلب الحق " المعنى أن هؤلاء الخواج مع غاية كفرهم خير من معاوية وأصحابه، لأن للخوارج شبهة وكان غرضهم طلب الحق فأخطأوا بخلاف معاوية وأصحابه، فانهم طلبوا الباطل معاندين فأصابوه، لعنة الله عليهم أجميعن. قوله: " إليه " أي إلى الشر، والجماجم جمع الجمجمة جمجمة الرأس ويكنى بها عن السادات والقبائل التي تنسب إليها البطون. وقال الفيروز آبادي: التيس ذكر الظباء والمعز والتياس ممسكه والعسب ضراب الفحل أو ماؤه أو نسله، واحتوش القوم على فلان جعلوه في وسطهم. 3 - ج: عن حنان بن سدير، عن أبيه سدير بن حكيم، عن أبيه، عن أبي سعيد عقيصا قال: لما صالح الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام معاوية بن أبي سفيان دخل عليه الناس فلامه بعضهم على بيعته فقال الحسن عليه السلام: ويحكم ما تدرون ما عملت، والله الذي عملت خير لشيعتي مما طلعت عليه الشمس أو غربت، ألا تعلمون أني إمامكم ومفترض الطاعة عليكم، وأحد سيدي شباب أهل الجنة، بنص من رسول الله صلى الله عليه واله علي ؟ قالوا: بلى، قال: أما علمتم أن الخضر لما خرق السفينة وأقام الجدار، وقتل الغلام، كان ذلك سخطا لموسى بن عمران عليه السلام إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك، وكان ذلك عند الله تعالى ذكره حكمة وصوابا أما علمتم أنه ما منا أحد إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم الذي يصلي خلفه روح الله عيسى بن مريم عليه السلام ؟ فإن الله عزوجل يخفي ولادته، ويغيب شخصه لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج، ذاك التاسع من ولد أخي الحسين ابن سيدة الاماء يطيل الله عمره في غيبته، ثم يظهره بقدرته في صورة شاب ابن دون الأربعين سنة ذلك ليعلم أن الله على كل شئ قدير. ك: المظفر العلوي، عن ابن العياشي، عن أبيه، عن جبرئيل بن أحمد عن موسى بن جعفر البغدادي، عن الحسن بن محمد الصيرفي، عن حنان بن


 

[20]

سدير مثله (1). 4 - ج: عن زيد بن وهب الجهني قال: لما طعن الحسن بن علي عليهما السلام بالمدائن أتيته وهو متوجع فقلت: ما ترى يا ابن رسول الله فان الناس متحيرون ؟ فقال: أرى والله معاوية خيرا لي من هؤلاء، يزعمون أنهم لي شيعة ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي، وأخذوا مالي، والله لأن آخذ من معاوية عهدا أحقن به دمي وآمن به في أهلي خير من أن يقتلوني فتضيع أهل بيتي، وأهلي، والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلما. فو الله لأن اسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسيره أو يمن علي فتكون سبة على بني هاشم إلى آخر الدهر، ومعاوية لا يزال يمن بها وعقبه على الحي منا والميت. قال: قلت: تترك يا ابن رسول الله شيعتك كالغنم ليس لهم راع ؟ قال: وما أصنع يا أخا جهينة إني والله أعلم بأمر قد ادي به إلي عن ثقاته: إن أمير المؤمنين عليه السلام قال لي ذات يوم وقد رآني فرحا: يا حسن أتفرح ؟ كيف بك إذا رأيت أباك قتيلا ؟ أم كيف بك إذا ولي هذا الأمر بنو امية وأميرها الرحب البلعوم الواسع الأعفاج، يأكل ولا يشبع، يموت وليس له في السماء ناصر، ولا في الأرض عاذر، ثم يستولي على غربها وشرقها، تدين له العباد ويطول ملكه، يستن بسنن البدع والضلال، ويميت الحق وسنة رسول الله صلى الله عليه واله. يقسم المال في أهل ولايته، ويمنعه من هو أحق به، ويذل في ملكه المؤمن ويقوى في سلطانه الفاسق، ويجعل المال بين أنصاره دولا ويتخذ عباد الله خولا ويدرس في سلطانه الحق، ويظهر الباطل، ويلعن الصالحون، ويقتل من ناواه على الحق، ويدين من والاه على الباطل. فكذلك حتى يبعث الله رجلا في آخر الزمان وكلب من الدهر، وجهل من الناس يؤيده الله بملائكته، ويعصم أنصاره، وينصره بآياته، ويظهره على

 

(1) تراه في ج 1 ص 432 من كمال الدين، والاحتجاج ص 148.

 

[21]

الأرض، حتى يدينوا طوعا وكرها: يملا الأرض عدلا وقسطا ونورا وبرهانا يدين له عرض البلاد وطولها، حتى لا يبقى كافر إلا آمن، ولا طالح إلا صلح، وتصطلح في ملكه السباع، وتخرج الأرض نبتها، وتنزل السماء بركتها، وتظهر له الكنوز يملك ما بين الخافقين أربعين عاما فطوبى لمن أدرك أيامه وسمع كلامه (1). ايضاح: يقال: صار هذا الأمر سبة عليه، بضم السين، وتشديد الباء أي عارا يسب به، قوله " عن ثقاته " لعل الضمير راجع إلى الأمر أو إلى الله، وكل منهما لا يخلو من تكلف وقال الجوهري: الرحب بالضم السعة، تقول منه: فلان رحب الصدر، والرحب بالفتح الواسع والبلعوم بالضم مجرى الطعام في الحلق وهو المرئ والأعفاج من الناس ومن الحافر والسباع كلها ما يصير الطعام إليه بعد المعدة، وهو مثل المصارين لذوات الخف والظلف. ودانه أي أذله واستعبده، ودان له أي أطاعه، ودينت الرجل وكلته إلى دينه، والكلب بالتحريك الشدة، والطالح خلاف الصالح والخافقان افقا المشرق والمغرب. 5 - اعلام الدين للديلمي: قال: خطب الحسن بن علي عليهما السلام: بعد وفاة أبيه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما والله ما ثنانا عن قتال أهل الشام ذلة ولا قلة ولكن كنا نقاتلهم بالسلامة والصبر، فشيب السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع وكنتم تتوجهون معنا ودينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم الآن ودنياكم أمام دينكم وكنا لكم وكنتم لنا، وقد صرتم اليوم علينا. ثم أصبحتم تصدون قتيلين: قتيلا بصفين تبكون عليهم، وقتيلا بالنهروان تطلبون بثأرهم، فأما الباكي فخاذل، وأما الطالب فثائر. وإن معاوية قد دعا إلى أمر ليس فيه عز ولا نصفة، فان أردتم الحياة قبلناه منه، وأغضضنا على القذى، وإن أردتم الموت، بذلناه في ذات الله، وحاكمناه إلى الله.

 

(1) الاحتجاج ص 148 و 149.

 

[22]

فنادى القوم بأجمعهم بل البقية والحياة (1). 6 - ج، د: عن سليم بن قيس قال: قام الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام على المنبر حين اجتمع مع معاوية، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إن معوية زعم أني رأيته للخلافة أهلا، ولم أر نفسي لها أهلا، وكذب معاوية أنا أولى الناس بالناس، في كتاب الله، وعلى لسان نبي الله، فاقسم بالله لو أن الناس بايعوني وأطاعوني ونصروني لأعطتهم السماء قطرها، والأرض بركتها، ولما طمعت فيها يا معاوية، وقد قال رسول الله صلى الله عليه واله: ماولت امة أمرها رجلا قط وفيهم من هو أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالا، حتى يرجعوا إلى ملة عبدة العجل. وقد ترك بنو إسرائيل هارون، واعتكفوا على العجل، وهم يعلمون أن هارون خليفة موسى، وقد تركت الامة عليا عليه السلام وقد سمعوا رسول الله صلى الله عليه واله يقول

 

(1) روى هذه الخطبة ابن الاثير الجزري ج 2 ص 13 من اسد الغابة باسناده الى ابى بكر بن دريد قال قام الحسن بعد موت أبيه أمير المؤمنين فقال بعد حمد الله عزوجل: انا والله ما ثنانا عن أهل الشام شك ولا ندم، وانما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر فسلبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع، وكنتم في منتدبكم الى صفين: دينكم أمام دنياكم، فأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، ألا وانا لكم كما كنا، ولستم لنا كما كنتم. ألا وقد أصبحتم بين قتيلين: قتيل بصفين تبكون له، وقتيل بالنهروان تطلبون بثأره فأما الباقي فخاذل، وأما الباكى فثائر، الا وان معاوية دعانا الى امر ليس فيه عزولا نصفة فان أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه الى الله عزوجل بظبا السيوف، وان أردتم الحياة قبلناه، وأخذنا لكم الرضا، فناداه القوم من كل جانب: البقية ! البقية ! فلما أفردوه أمضى الصلح. وروى مثله في تذكرة خواص الامة ص 114 قال: وفى رواية أنه قال عليه السلام: نحن حزب الله المفلحون، وعترة رسوله المطهرون، وأهل بيته الطيبون الطاهرون، و أحد الثقلين اللذين خلفهما رسول الله صلى الله عليه وآله فيكم، فطاعتنا مقرونة بطاعة الله فان تنازعتم في شئ فردوه الى الله والرسول. وان معاوية دعانا الحديث.

 

[23]

لعلي عليه السلام: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير النبوة فلا نبي بعدي " وقد هرب رسول الله صلى الله عليه واله من قومه، وهو يدعوهم إلى الله، حتى فر إلى الغار، ولو وجد عليهم أعوانا ما هرب منهم، ولو وجدت أنا أعوانا ما بايعتك يا معاوية. وقد جعل الله هارون في سعة حين استضعفوه وكادوا يقتلونه، ولم يجد عليهم أعوانا، وقد جعل الله النبي صلى الله عليه واله في سعة حين فر من قومه، لما لم يجد أعوانا عليهم، وكذلك أنا وأبي في سعة من الله، حين تركتنا الامة وبايعت غيرنا ولم نجد أعوانا. وإنما هي السنن والأمثال يتبع بعضها بعضا، أيها الناس إنكم لو التمستم فيما بين المشرق والمغرب لم تجدوا رجلا من ولد نبي غيري وغير أخي. 7 - كش: روي عن علي بن الحسن الطويل، عن علي بن النعمان، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: جاء رجل من أصحاب الحسن عليه السلام يقال له: سفيان بن ليلى (1) وهو على راحلة له، فدخل على الحسن وهو

 

(1) اختلف في اسمه بين سفيان بن ليلى، وسفيان بن ابى ليلى، وسفيان بن ياليل وعلى أي عده بعض الرجاليين في حوارى الامام الحسن السبط، وبعضهم نظر في ذلك كابن داود قال: سفيان بن [ابي] ليلى الهمداني من أصحاب الحسن عليه السلام عنونه الكشى وقال: ممدوح من أصحابه عليه السلام، عاتب الحسن بقوله " يا مذل المؤمنين " واعتذر له بأنه قال ذلك محبة، وفيه نظر. أقول: روى المفيد في الاختصاص ص 61 والكشى ص 73، في حديث ضعيف عن ابى الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام انه قال: ثم ينادى المنادى اين حوارى الحسن بن على ؟ فيقوم سفيان بن أبى ليلى الهمداني وحذيفة بن اسيد الغفاري. ولكن قال في تذكرة الخواص: وفي رواية ابن عبد البر المالكى في كتاب الاستيعاب ان سفيان بن ياليل وقيل ابن ليلى وكنيته أبو عامر، ناداه يا مذل المؤمنين، وفى رواية هشام، ومسود وجوه المؤمنين، فقال له: ويحك ايها الخارجي لا تعنفى، فان الذى أحوجنى الى ما فعلت: قتلكم أبي، وطعنكم اياي، وانتهابكم متاعي: وانكم لما سرتم الى صفين كان دينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم.

 

[24]

محتب (1) في فناء داره فقال له: السلام عليك يا مذل المؤمنين فقال له الحسن: انزل ولا تعجل، فنزل فعقل راحلته في الدار، وأقبل يمشي حتى انتهى إليه قال فقال له الحسن: ما قلت ؟ قال: قلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين، قال وما علمك بذلك ؟ قال: عمدت إلى أمر الامة، فخلعته من عنقك، وقلدته هذا الطاغية، يحكم بغير ما أنزل الله، قال: فقال له الحسن عليه السلام: سأخبرك لم فعلت ذلك. قال: سمعت أبي عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لن تذهب الأيام والليالي حتى يلي أمر هذه الامة رجل واسع البلعوم، رحب الصدر (2) يأكل ولا يشبع وهو معاوية، فلذلك فعلت. ما جاء بك ؟ قال: حبك، قال: الله ؟ قال: الله، فقال الحسن عليه السلام: والله لا يحبنا عبد أبدا ولو كان أسيرا في الديلم إلا نفعه حبنا، وإن حبنا ليساقط الذنوب من بني آدم كما يساقط الريح الورق من الشجر. ختص: جعفر بن الحسين المؤمن وجماعة مشايخنا عن محمد بن الحسين بن

 

ويحك أيها الخارجي ! انى رأيت أهل الكوفة قوما لا يوثق بهم، وما اغتر بهم الا من ذل، ليس [راى] أحد منهم يوافق رأى الاخر، ولقد لقى أبي منهم امورا صبعة وشدائد مرة، وهى أسرع البلاد خرابا، وأهلها هم الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا. وفى رواية: ان الخارجي لما قال له: يا مذل المؤمنين ! قال: ما اذللتهم، ولكن كرهت أن أفنيهم واستأصل شافتهم لاجل الدنيا. والظاهر أن الرجل كان مع محبته لاهل البيت خصوصا الحسن السبط، على رأى الخوارج، ولذلك عنفه وعابه بمصالحته مع معاوية، فتحرر. (1) أي كان محتبيا: جمع بين ظهره وساقيه بيديه أو بازاره. (2) رحب الصدر: اي واسع الصدر، وانما يريد به معناه اللغوي، لا الكنائي الذي هو مدح، وسيجئ القصة عن ابن ابي الحديد نقلا عن مقاتل أبى الفرج، وفيه بدل " رحب الصدر ": " واسع السرم " والسرم: هو مخرج الثقل وهو طرف المعى المستقيم وهو المناسب المقابل لقوله " واسع البلعوم ".

 

[25]

أحمد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن علي بن النعمان مثله (1). 8 - كشف: روى الدولابي مرفوعا إلى جبير بن نفير، عن أبيه قال: قدمت المدينة (2) فقال الحسن بن علي عليهما السلام: كانت جماجم العرب بيدي، يسالمون من سالمت، ويحاربون من حاربت، فتركتها ابتغاء وجه الله، وحقن دماء المسلمين. وروي أن رسول الله صلى الله عليه واله أبصر الحسن بن علي عليهما السلام مقبلا فقال: اللهم سلمه وسلم منه. 9 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن أبي الصباح ابن عبد الحميد، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: والله الذي صنعه الحسن ابن علي عليهما السلام كان خيرا لهذه الامة مما طلعت عليه الشمس، ووالله لقد نزلت هذه الآية " ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيدكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ": إنما هي طاعة الإمام، و [لكنهم] طلبوا القتال " فلما كتب عليهم القتال " مع الحسين عليه السلام " قالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب " " نجب دعوتك، ونتبع الرسل " (3) أرادوا تأخير ذلك إلى القائم عليه السلام. توضيح: قوله عليه السلام: " إنما هي طاعة الإمام " أي المقصود في الآية طاعة الإمام الذي ينهى عن القتال، لعدم كونه مأمورا به، ويأمر بالصلاة والزكاة، وسائر

 

(1) راجع الاختصاص ص 82، الكشى ص 73. (2) كذا في الاصل وهكذا المصدر ج 2 ص 99، لكنه روى في الكشف ج 2 ص 141 عن حلية الاولياء للحافظ أبى نعيم قال: وعن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: قلت للحسن بن على عليهما السلام: ان الناس يقولون انك تريد الخلافة ؟ فقال: قد كانت جماجم العرب الحديث. وهذا هو الصحيح الظاهر متنا وسندا، وقد مر مع اضافة قوله عليه السلام بعد ذلك " ثم أثيرها يا تياس أهل الحجاز ؟ " راجع ص 15 من هذا المجلد. (3) ملفق من آيتين: النساء: 77، وابراهيم: 44. والحديث في روضة الكافي ص 330.

 

[26]

أبواب البر، والحاصل أن أصحاب الحسن عليه السلام كانوا بهذه الآية مأمورين بطاعة إمامهم في ترك القتال، فلم يرضوا به، وطلبوا القتال، فلما كتب عليهم القتال مع الحسين عليه السلام قالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب أي قيام القائم عليه السلام. ثم اعلم أن هذه الآية كما ورد في الخبر، ليست في القرآن ففي سورة النساء " ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل "، وفي سورة إبراهيم " فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل " فلعله عليه السلام وصل آخر الآية بالآية السابقة لكونهما لبيان حال هذه الطائفة، أو أضاف قوله " نجب دعوتك " بتلك الآية على وجه التفسير والبيان، أي كان غرضهم أنه إن أخرتنا إلى ذلك نجب دعوتك [ونتبع] ويحتمل أن يكون في مصحفهم عليهم السلام هكذا. أقول: سيأتي بعض الأخبار المناسبة لهذا الباب في باب شهادته عليه السلام. * (تذييل) * قال السيد المرتضى في كتاب تنزيه الأنبياء: فان قال قائل: ما العذر له عليه السلام في خلع نفسه من الإمامة، وتسليمها إلى معاوية، مع ظهور فجوره، وبعده عن أسباب الامامة، وتعريه من صفات مستحقها، ثم في بيعته وأخذ عطائه وصلاته وإظهار موالاته والقول بامامته، هذا مع توفر أنصاره واجتماع أصحابه ومبايعة من كان يبذل عنه دمه وماله، حتى سموه مذل المؤمنين وعابوه في وجهه عليه السلام. الجواب: قلنا: قد ثبت أنه عليه السلام الإمام المعصوم المؤيد الموفق بالحجج الظاهرة، والأدلة القاهرة، فلا بد من التسليم لجميع أفعاله، وحملها على الصحة


 

[27]

وإن كان فيها ما لا يعرف وجهه على التفصيل، أو كان له ظاهر ربما نفرت النفس عنه وقد مضى تلخيص هذه الجملة وتقريرها في مواضع من كتابنا هذا. وبعد فان الذي جرى منه عليه السلام كان السبب فيه ظاهرا، والحامل عليه بينا جليا، لأن المجتمعين له من الأصحاب وإن كانوا كثيري العدد، فقد كانت قلوب أكثرهم نغلة غير صافية، وقد كانوا صبوا إلى دنيا معاوية، من غير مراقبة ولا مساترة، فأظهروا له عليه السلام النصرة، وحملوه على المحاربة والاستعداد لها طمعا في أن يور طوه ويسلموه، فأحس بهذا منهم قبل التولج والتلبس، فتخلى من الأمر، وتحرز من المكيدة التي كادت تتم عليه في سعة من الوقت. وقد صرح بهذه الجملة، وبكثير من تفصيلها في مواقف كثيرة، وبألفاظ مختلفة، وقال عليه السلام: إنما هادنت حقنا للدماء، وضنا بها، وإشفاقا على نفسي وأهلي، والمخلصين من أصحابي، فكيف لا يخاف أصحابه ويتهمهم على نفسه وأهله. وهو عليه السلام لما كتب إلى معاوية، يعلمه أن الناس قد بايعوه بعد أبيه عليه السلام ويدعوه إلى طاعته فأجابه معاوية بالجواب المعروف المتضمن للمغالطة منه والموارية وقال له فيه: لو كنت أعلم أنك أقوم بالأمر، وأضبط للناس، وأكيد للعدو وأقوى على جميع الامور مني، لبايعتك، لأنني أراك لكل خير أهلا، وقال في كتابه: إن أمري وأمرك شبيه بأمر أبي بكر وأمركم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه واله. فدعاه ذلك إلى أن خطب أصحابه بالكوفة يحضهم على الجهاد ويعرفهم فضله وما في الصبر عليه من الأجر، وأمرهم أن يخرجوا إلى معسكرهم، فما أجابه أحد، فقال لهم عدي بن حاتم: سبحان الله ألا تجيبون إمامكم أين خطباء المصر فقام قيس بن سعد وفلان وفلان فبذلوا الجهاد وأحسنوا القول ونحن نعلم أن من يضن بكلامه أولى أن يضن بفعاله. أو ليس أحدهم جلس له في مظلم ساباط، وطعنه بمغول كان معه أصاب فخذه وشقه حتى وصل إلى العظم، وانتزع من يده، وحمل عليه السلام إلى المدائن، وعليها سعد بن مسعود عم المختار، وكان أمير المؤمنين صلوات الله عليه ولاه إياها فادخل


 

[28]

منزله فأشار المختار على عمه أن يوثقه ويسير به إلى معاوية على أن يطعمه خراج جوحى سنة فأبى عليه، وقال للمختار: قبح الله رأيك، أنا عامل أبيه، وقد ائتمنني وشرفنني، وهبني بلاء أبيه (1) ءأنسى رسول الله صلى الله عليه واله ولا أحفظه في ابن ابنته وحبيبته. ثم إن سعد بن مسعود أتاه عليه السلام بطبيب وقام عليه حتى برأ وحوله إلى بيض المدائن (2) فمن الذي يرجو السلامة بالمقام بين أظهر هؤلاء القوم، فضلا على النصرة والمعونة، وقد أجاب عليه السلام حجر بن عدي الكندي لما قال له: سودت

 

(1) البلاء: الاختبار، ويكون بالخير والشر، يقال: أبلاه الله بلاء حسنا، وابتليته معروفا، قال زهير: جزى الله بالاحسان ما فعلا بكم * وأبلاهما خير البلاء الذى يبلو أي خير الصنيع الذى يختبر به عباده. ومراده هبني أن أبيه أمير المؤمنين عليه السلام لم يسد الى نعمة حيث ولانى على المدائن ء أنسى رسول الله الخ. أقول سعد بن مسعود الثقفى: كان عاملا على المدائن من قبل أمير المؤمنين وقد كتب إليه علي عليه السلام " أما بعد فانك قد اديت خراجك، وأطعت ربك، وأرضيت امامك: فعل البر التقى النجيب، فغفر الله ذنبك، وتقبل سعيك، وحسن مآبك. (راجع تاريخ اليعقوبي). (2) قال ابن الجوزى في التذكرة ص 112: قال الشعبى: فبينا الحسن في سرادقه بالمدائن وقد تقدم قيس بن سعد، إذ نادى مناد في العسكر: الا ان قيس بن سعد قد قتل فانفروا فنفروا الى سرادق الحسن فنازعوه حتى أخذوا بساطا كان تحته، وطعنه رجل بمشقص فأدماه، فازدادت رغبته في الدخول في الجماعة، وذعر منهم فدخل المقصورة التى في المدائن بالبيضاء، وكان الامير على المدائن سعد بن مسعود الثقفى عم المختار ولاه عليها على عليه السلام. فقال له المختار، وكان شابا: هل لك في الغناء والشرف ؟ قال: وما ذلك ؟ قال: تستوثق من الحسن وتسلمه الى معاوية، فقال له سعد: قاتلك الله، أثب على ابن رسول الله وأوثقه واسلمه الى ابن هند ؟ بئس الرجل أنا ان فعلته.

 

[29]

وجوه المؤمنين فقال عليه السلام: ما كل أحد يحب ما تحب ولا رأيه كرأيك، وإنما فعلت ما فعلت إبقاء عليكم. وروى عباس بن هشام، عن أبيه، عن أبي مخنف، عن أبي الكنود عبد الرحمان ابن عبيد قال: لما بايع الحسن عليه السلام معاوية أقبلت الشيعة تتلاقى باظهار الأسف والحسرة على ترك القتال، فخرجوا إليه بعد سنتين من يوم بايع معاوية فقال له سليمان بن صرد الخزاعي: ما ينقضي تعجبنا من بيعتك معاوية، ومعك أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة، كلهم يأخذ العطاء، وهم على أبواب منازلهم، ومعهم مثلهم من أبنائهم، وأتباعهم، سوى شيعتك من أهل البصرة والحجاز. ثم لم تأخذ لنفسك ثقة في العقد، ولا حظا من العطية، فلو كنت إذ فعلت ما فعلت أشهدت على معاوية وجوه أهل المشرق والمغرب، وكتبت عليه كتابا بأن الأمر لك بعده، كان الأمر علينا أيسر، ولكنه أعطاك شيئا بينك وبينه، لم يف به، ثم لم يلبث أن قال على رؤس الأشهاد: " إني كنت شرطت شروطا ووعدت عداة إرادة لاطفاء نار الحرب، ومداراة لقطع الفتنة، فلما أن جمع الله لنا الكلم والالفة فان ذلك تحت قدمي " والله ما عنى بذلك غيرك، وما أراد إلا ما كان بينك وبينه، وقد نقض. فإذا شئت فأعد الحرب خدعة، وائذن لي في تقدمك إلى الكوفة، فاخرج عنها عامله واظهر خلعه، وتنبذ إليه على سواء، إن الله لا يحب الخائنين، وتكلم الباقون بمثل كلام سليمان. فقال الحسن عليه السلام: أنتم شيعتنا وأهل مودتنا فلو كنت بالحزم في أمر الدنيا أعمل، ولسلطانها أركض وأنصب، ما كان معاوية بأبأس مني بأسا، ولا أشد شكيمة

 

وذكر ابن سعد في الطبقات: ان المختار قال لعمه سعد: هل لك في أمر تسود به العرب ؟ قال: وما هو ؟ قال: دعني أضرب عنق هذا يعنى الحسن - وأذهب به الى معوية. فقال له: قبحك الله ما هذا بلاؤهم عندنا أهل البيت.

 

[30]

ولا أمضى عزيمة (1) ولكني أرى غير ما رأيتم، وما أردت بما فعلت إلا حقن الدماء فارضوا بقضاء الله، وسلموا لأمره، والزموا بيوتكم وأمسكوا. أو قال: كفوا أيديكم حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر، وهذا كلام منه عليه السلام يشفي الصدور، ويذهب بكل شبهة في هذا الباب. وقد روي أنه عليه السلام لما طالبه معاوية بأن يتكلم على الناس، ويعلمهم ما عنده في هذا الباب، قام فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: إن أكيس الكيس التقى، وأحمق الحمق الفجور، أيها الناس إنكم لو طلبتم بين جابلق وجابرس رجلا جده رسول الله صلى الله عليه واله ما وجدتموه غيري، وغير أخي الحسين، وإن الله قد هداكم بأولياء محمد صلى الله عليه واله (2) وإن معاوية نازعني حقا هو لي، فتركته لصلاح الامة وحقن دمائها، وقد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، فقد رأيت أن اسالمه ورأيت أن ما حقن الدماء خير مما سفكها، وأردت صلاحكم، وأن يكون ما صنعت حجة على من كان يتمنى هذا الأمر، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين. وكلامه عليه السلام في هذا الباب الذي يصرح في جميعه بأنه مغلوب مقهور ملجأ إلى التسليم، ودافع بالمسالمة الضرر العظيم عن الدين والمسلمين، أشهر من الشمس وأجلى من الصبح، فأما قول السائل " إنه خلع نفسه من الامامة " فمعاذ الله لأن الامامة بعد حصولها للامام لا يخرج عنه بقوله، وعند أكثر مخالفينا أيضا في الامامة أن خلع الامام نفسه لا يؤثر في خروجه من الامامة، وإنما ينخلع من الامامة عندهم بالأحداث والكبائر، ولو كان خلعه في نفسه مؤثرا لكان إنما يؤثر إذا وقع اختيارا فأما مع الالجاء والاكراه فلا تأثير له، ولو كان مؤثرا في موضع

 

(1) الشكيمة: الانفة والانتصار من الظلم يقال: فلان شديد الشكيمة: أي أنوف أبى لا ينقاد. (2) كذا في النسخ، والمروى من الخطبة أنه قال: فان الله هداكم باولنا [محمد صلى الله عليه وآله وسلم] وحقن دماءكم بآخرنا. سيجيئ الخطبة بألفاظها المروية في الباب الاتى.

 

[31]

من المواضع. ولم يسلم أيضا الأمر إلى معاوية، بل كف عن المحاربة والمغالبة، لفقد الأعوان وعوز الأنصار، وتلاقي الفتنة على ما ذكرناه، فيغلب عليه معاوية بالقهر والسلطان، مع ما أنه كان متغلبا على أكثره، ولو أظهر عليه السلام له التسليم قولا لما كان فيه شئ إذا كان عن إكراه واضطهاد. فأما البيعة فان اريد بها الصفقة وإظهار الرضا والكف عن المنازعة، فقد كان ذلك، لكنا قد بينا جهة وقوعه، والأسباب المحوجة إليه، ولا حجة في ذلك عليه صلوات الله عليه كما لم يكن في مثله حجة على أبيه صلوات الله عليهما لما بايع المتقدمين عليه، وكف عن نزاعهم، وأمسك عن غلابهم. وإن اريد بالبيعة الرضا وطيب النفس، فالحال شاهد بخلاف ذلك، وكلامه المشهور كله يدل على أنه أحوج وأحرج، وأن الأمر له وهو أحق الناس به وإنما كف عن المنازعة فيه للغلبة والقهر والخوف على الدين والمسلمين. فأما أخذ العطاء فقد بينا في هذا الكتاب عند الكلام فيما فعله أمير المؤمنين صلوات الله عليه من ذلك أن أخذه من يد الجابر الظالم المتغلب جائز، وأنه لا لوم فيه على الأخذ ولا حرج، وأما أخذ الصلات فسائغ بل واجب، لأن كل مال في يد الغالب الجابر المتغلب على أمر الامة، يجب على الامام وعلى جميع المسلمين انتزاعه من يده كيف ما أمكن، بالطوع أو الاكراه، ووضعه في مواضعه. فإذا لم يتمكن عليه السلام من انتزاع جميع ما في يد معاوية من أموال الله تعالى وأخرج هو شيئا منها إليه على سبيل الصلة، فواجب عليه أن يتناوله من يده، ويأخذ منه حقه ويقسمه على مستحقه، لأن التصرف في ذلك المال بحق الولاية عليه لم يكن في تلك الحال إلا له عليه السلام. وليس لأحد أن يقول: إن الصلات التي كان يقبلها من معاوية أنه كان ينفقها على نفسه وعياله، ولا يخرجها إلى غيره، وذلك أن هذا مما لا يمكن أن يدعى العلم به والقطع عليه، ولا شك أنه عليه السلام كان ينفق منها لأن فيها حقه وحق


 

[32]

عياله وأهله، ولابد من أن يكون قد أخرج منها إلى المستحقين حقوقهم، وكيف يظهر ذلك وهو عليه السلام كان قاصدا إلى إخفائه وستره لمكان التقية، والمحوج له عليه السلام إلى قبول تلك الأموال على سبيل الصلة، هو المحوج له إلى ستر إخراجها أو إخراج بعضها إلى مستحقيها من المسلمين، وقد كان عليه وآله السلام يتصدق بكثير من أمواله، ويواسي الفقراء، ويصل المحتاجين، ولعل في جملة ذلك هذه الحقوق. فأما إظهار موالاته فما أظهر عليه السلام من ذلك شيئا كما لم يبطنه، وكلامه عليه السلام فيه بمشهد معاوية ومغيبه معروف ظاهر، ولو فعل ذلك خوفا واستصلاحا وتلافيا للشر العظيم، لكان واجبا، فقد فعل أبوه صلوات الله عليه وآله مثله، مع المتقدمين عليه. وأعجب من هذا كله دعوى القول بامامته، ومعلوم ضرورة منه عليه السلام خلاف ذلك، فانه كان يعتقد ويصرح بأن معاوية لا يصلح أن يكون بعض ولاة الامام وأتباعه، فضلا عن الامامة نفسها. وليس يظن مثل هذه الامور إلا عامي حشوي قد قعد به التقليد، وما سبق إلى اعتقاده من تصويب القوم كلهم عن التأمل وسماع الأخبار المأثورة في هذا الباب، فهو لا يسمع إلا ما يوافقه، وإذا سمع لم يصدق إلا بما أعجبه والله المستعان، انتهى كلامه رفع الله مقامه. وأقول: بعد ما أسسناه في كتاب الامامة بالدلائل العقلية والنقلية أنهم عليهم السلام لا يفعلون شيئا إلا بما وصل إليهم من الله تعالى، وبعد ما قرع سمعك في تلك الأبواب من الأخبار الدالة على وجه الحكمة في خصوص ما فعله عليه السلام، لا أظنك تحتاج إلى بسط القول في ذلك، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.


 

[33]

19. (باب) " (كيفية مصالحة الحسن بن على صلوات الله عليهما) " " (معاوية عليه اللعنة وما جرى بينهما قبل ذلك) " 1 - ع: دس معاوية إلى عمرو بن حريث والأشعث بن قيس وإلى حجر بن الحارث (1) وشبث بن ربعي دسيسا أفرد كل واحد منهم بعين من عيونه، أنك إن قتلت الحسن بن علي فلك مائتا ألف درهم، وجند من أجناد الشام، وبنت من بناتي، فبلغ الحسن عليه السلام فاستلأم ولبس درعا وكفرها، وكان يحترز ولا يتقدم للصلاة بهم إلا كذلك. فرماه أحدهم في الصلاة بسهم فلم يثبت فيه، لما عليه من اللأمة فلما صار في مظلم ساباط ضربه أحدهم بخنجر مسموم فعمل فيه الخنجر فأمر عليه السلام أن يعدل به إلى بطن جريحي (2) وعليها عم المختار بن أبي عبيد بن مسعود بن قيلة فقال المختار لعمه: تعال حتى نأخذ الحسن ونسلمه إلى معاوية، فيجعل لنا العراق فنذر بذلك الشيعة من قول المختار لعمه فهموا بقتل المختار فتلطف عمه لمسألة الشيعة بالعفو عن المختار، ففعلوا. فقال الحسن عليه السلام: ويلكم والله إن معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي، وإني أظن أني إن وضعت يدي في يده فاسالمه يتركني أدين لدين جدي صلى الله عليه واله وإني أقدر أن أ عبد الله عزوجل وحدي، ولكني كأني أنظر إلى أبناءكم واقفين على أبواب أبنائهم، يستسقونهم ويستطعمونهم، بما جعله الله لهم فلا يسقون ولا يطعمون، فبعدا وسحقا لما كسبته أيديهم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

 

(1) هذا هو الظاهر المطابق لبعض نسخ الكتاب وفى بعضها " حجر بن الحجر " وفى بعضها " حجرين الحر " وفبعضها " حجر بن الجر ". (2) فليتحرر

 

[34]

فجعلوا يعتذرون بما لا عذر لهم فيه، فكتب الحسن من فوره ذلك إلى معاوية: أما بعد فان خطبي انتهى إلى اليأس من حق احييه وباطل اميته، وخطبك خطب من انتهى إلى مراده، وإنني أعتزل هذا الأمر، واخليه لك، وإن كان تخليتي إياه شرا لك في معادك، ولي شروط أشترطها، لا تبهظنك إن وفيت لي بها بعهد ولا تخف إن غدرت - وكتب الشروط في كتاب آخر فيه يمنيه بالوفاء، وترك الغدر - وستندم يا معاوية كما ندم غيرك ممن نهض في الباطل، أو قعد عن الحق حين لم ينفع الندم، والسلام. فان قال قائل: من هو النادم الناهض ؟ والنادم القاعد ؟ قلنا: هذا الزبير ذكره أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ما أيقن بخطاء ما أتاه، وباطل ما قضاه. وبتأويل ما عزاه، فرجع عنه القهقرى، ولو وفا بما كان في بيعته لمحانكثه، ولكنه أبان ظاهرا الندم والسريرة إلى عالمها. وهذا عبد الله بن عمر بن الخطاب، روى أصحاب الأثر في فضائله أنه قال: مهما آسا عليه من شئ فاني لا آسا على شئ أسفي على أني لم اقاتل الفئة الباغية مع علي. (1) فهذا ندم القاعد. وهذه عائشة روى الرواة أنها لما أنبها مؤنب فيما أتته، قالت: قضي القضاء وجفت الأقلام، والله لو كان لي من رسول الله صلى الله عليه واله عشرون ذكرا كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فثكلتهم بموت وقتل، كان أيسر علي من خروجي على علي، ومسعاي التي سعيت، فالى الله شكواي لا إلى غيره (2). وهذا سعد بن أبي وقاص لما انهى إليه أن عليا صلوات الله عليه قتل ذا الثدية أخذه ما قدم وما أخر، وقلق ونزق، وقال: والله لو علمت أن ذلك كذلك

 

(1) تراه في الاستيعاب لابن عبد البر المالكى بذيل الاصابة ج 2 ص 337، بألفاظ مختلفة وفى بعضها أنه قال ذلك حين حضرته الوفاة. (2) روى مثله ابو الفرج الاصبهاني في كتاب مرج البحرين على ما نقله في تذكرة الخواص ص 61.

 

[35]

لمشيت إليه ولوحبوا. ولما قدم معاوية دخل إليه سعد فقال له: يا أبا إسحاق ما الذي منعك أن تعينني على الطلب بدم الإمام المظلوم ؟ فقال: كنت اقاتل معك عليا ؟ وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى ؟ قال: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه واله ؟ قال: نعم، وإلا صمتا، قال: أنت الآن أقل عذرا في القعود عن النصرة، فوالله لو سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه واله ما قاتلته (1). وقد أحال، فقد سمع رسول الله صلى الله عليه واله يقول لعلي عليه السلام أكثر من ذلك فقاتله وهو بعد مفارقته للدنيا يلعنه ويشتمه، ويرى أن ملكه وثبات قدرته بذلك إلا أنه أراد أن يقطع عذر سعد في القعود عن نصره والله المستعان. فان قال قائل لحمقه وخرقه: فان عليا ندم مما كان منه من النهوض في تلك الامور، وإراقة تلك الدماء كما ندموا هم في النهوض والقعود. قيل: كذبت وأحلت لأنه في غير مقام قال: إني قلبت أمري وأمرهم ظهرا لبطن، فما وجدت إلا قتالهم أو الكفر بما جاء محمد صلى الله عليه واله وقد روي عنه: امرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، وروي هذا الحديث من ثمانية عشر وجها عن النبي صلى الله عليه واله أنك تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ولو أظهر ندما بحضرة من سمعوا منه هذا وهو يرويه عن النبي صلى الله عليه واله لكان مكذبا فيه نفسه، وكان فيهم المهاجرون كعمار والأنصار كأبي الهيثم وأبي أيوب ودونهما فان لم يتحرج ولم يتورع عن الكذب على من كذب عليه تبوأ مقعده من النار، استحيى من هؤلاء الأعيان من المهاجرين والأنصار. وعمار الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه واله: عمار مع الحق والحق مع عمار، يدور معه حيث دار، يحلف جهد أيمانه: والله لو بلغوا بنا قصبات هجر لعلمت أنا على الحق وأنهم على الباطل (2) ويحلف أنه قاتل رايته التي أحضرها صفين وهي التي أحضرها

 

(1) ترى مثله في صحيح مسلم ج 7 ص 120 و 121. (2) راجع اسد الغابة ج 4 ص 46 ترجمة عمار.

 

[36]

يوم احد والأحزاب، والله لقد قاتلت هذه الراية آخر أربع مرات، والله ما هي عندي بأهدى من الاولى (1) وكان يقول: إنهم أظهروا الاسلام وأسروا الكفر حتى وجدوا عليه أعوانا. ولو ندم علي عليه السلام عند قوله امرت أن اقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين لكان من مع علي يقول له: كذبت على رسول الله صلى الله عليه واله، وإقراره بذلك على نفسه وكانت الامة: الزبير وعائشة وحزبهما، وعلي وأبو أيوب وخزيمة بن ثابت وعمار وأصحابه وسعد [وا] بن عمر وأصحابه (2) فإذا اجتمعوا جميعا على الندم فلابد من أن يكون اجتمعوا على ندم من شئ فعلوه ودوا أنهم لم يفعلوه، وأن الفعل الذي فعلوه باطل فقد اجتمعوا على الباطل، وهم الامة التي لا تجتمع على الباطل أو اجتمعوا على الندم من ترك شئ لم يفعلوه ودوا أنهم فعلوه، فقد اجتمعوا على الباطل بتركهم جميعا الحق، ولا بد من أن يكون النبي صلى الله عليه واله حين قال لعلي عليه السلام إنك تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، كان ذلك من النبي صلى الله عليه واله خبرا، ولا يجوز أن لا يكون ما أخبر إلا بأن يكذب المخبر أو يكون أمره بقتالهم (3) وتركه

 

(1) وقال ابن سعد: نظر عمار إلى عمرو بن العاص وبيده راية فناداه: ويحك يا ابن العاص هذه راية قد قاتلت بها مع رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاث مرات وهذه الرابعة. (2) يريد ان الامة بين ثلاث طوائف: طائفة: الزبير وعائشة وحزبهما الناكثون في الجمل، وطائفة على عليه السلام والمهاجرون والانصار يقاتلونهم، وطائفة قاعدون عن الحرب وهم عبد الله بن عمرو بن سعد بن ابى وقاص، فإذا كان هؤلاء الطوائف وهم أمة محمد كلهم ندموا على ما تدعون، فقد اجتمعوا على الخطأ، والنبى صلى الله عليه وآله قال: لا تجتمع امتى على الخطأ. (3) أي يكون النبي صلى الله عليه وآله أمر عليا بقتالهم وتركه كذلك ولم يخبر الاخرين بالامر لانه عليه السلام يأتمر بما أمر به عنده، ولذلك قال " فوالله ما وجدت الا السيف أو الكفر بما انزل الله على محمد صلى الله عليه وآله على ما ذكره ابن الاثير ج 4 ص 31 من اسد الغابة.

 

[37]

للائتمار بما أمر به عنده، كما قال علي عليه السلام: إنه كفر. فان قال [قائل]: فإن الحسن أخبر بأنه حقن دماء أنت تدعي أن عليا عليه السلام كان مأمورا باراقتها، والحقن لما أمر الله ورسوله باراقته من الحاقن عصيان، قلنا: إن الامة التي ذكر الحسن عليه السلام امتان وفرقتان وطائفتان: هالكة وناجية، وباغية ومبغي عليها، فإذا لم يكن حقن دماء المبغي عليها إلا بحقن دماء الباغية، لأنهما إذا اقتتلا وليس للمبغي عليها قوام بازالة الباغية حقن دم المبغي عليها، وإراقة دم الباغية مع العجز عن ذلك إراقة لدم المبغي عليها لا غير فهذا هذا. فان قال: فما الباغي عندك ؟ أمؤمن أو كافر أولا مؤمن ولا كافر، قلنا: إن الباغي هو الباغي باجماع أهل الصلاة، وسماهم أهل الارجاء مؤمنين مع تسميتهم إياهم بالباغين، وسماهم أهل الوعيد كفارا مشركين وكفارا غير مشركين كالأباضية والزيدية وفساقا خالدين في النار كواصل وعمر، ومنافقين خالدين في الدرك الأسفل من النار كالحسن وأصحابه، فكلهم قد أزال الباغي عما كان [فيه] قبل البغي فأخرجه قوم إلى الكفر والشرك كجميع الخوارج غير الأباضية (1) وإلى الكفر غير الشرك كالأباضية والزيدية، وإلى الفسق والنفاق [كواصل] وأقل ما حكم عليهم أهل الارجاء إسقاطهم من السنن والعدالة والقبول. فان قال: فان الله عز وجل سمى الباغي مؤمنا فقال عز وجل: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا " (2) فجعلهم مؤمنين، قلنا: لابد من أن المأمور بالاصلاح بين الطائفتين المقتتلين، كان قبل اقتتالهما عالما بالباغية منهما أولم يكن عالما بالباغية منهما ؟ فان كان عالما بالباغية منهما، كان مأمورا بقتالها مع المبغي عليها حتى تفيئ إلى أمر الله وهو الرجوع إلى ما خرج منه بالبغي، وإن كان المأمور بالاصلاح جاهلا بالباغية والمبغي عليها، فانه كان جاهلا بالمؤمن غير الباغي والمؤمن الباغي وكان المؤمن غير الباغي عرف بعد التبيين، والفرق بينه وبين الباغي [كان] ظ مجمعا من

 

(1) فرقة من الخوارج انتسبوا إلى عبد الله بن أباض التميمي. (2) الحجرات: 9.

 

[38]

أهل الصلاة على إيمانه، لاختلاف بينهم في اسمه والمؤمن الباغي بزعمك مختلف فيه، فلا يسمى مؤمنا حتى يجمع على أنه مؤمن، كما أجمع على أنه باغ، فلا يسمى الباغي مؤمنا إلا باجماع أهل الصلاة على تسميته مؤمنا كما أجمعوا عليه وعلى تسميته باغيا. فإن قال: فإن الله عزوجل سمى الباغي للمؤمنين أخا ولا يكون أخ المؤمنين إلا مؤمنا، قيل: أحلت وباعدت، فان الله عزوجل سمى هودا وهو نبي أخا عاد وهم كفار فقال: " وإلى عاد أخاهم هودا " (1) وقد يقال للشامي يا أخا الشام ولليماني يا أخا اليمن، ويقال للمسايف اللازم له المقاتل به فلان أخ السيف، فليس في يد المتأول " أخ المؤمن لا يكون إلا مؤمنا " مع شهادة القرآن بخلافه، وشهادة اللغة بأنه يكون المؤمن أخا الجماد الذي هو الشام واليمن والسيف والرمح، وبالله أستعين على امورنا في أدياننا، ودنيانا وآخرتنا، وإياه نسأل التوفيق لما قرب منه وأزلف لديه بمنه وكرمه. بيان: استلأم الرجل إذا لبس اللأمة وهي الدرع، وكفرت الشئ أكفره بالكسر كفرا أي سترته، ونذر القوم بالعدو بكسر الذال أي علموا، والخطب: الأمر والشأن، وبهظه الأمر كمنع غلبه وثقل عليه. قوله عليه السلام: " ولا تخف إن غدرت " أي لا يرتفع عنك ثقل إن لم تف بالعهد كما أنه لا يثقل عليك إن وفيت، قوله " ما عزاه " أي نسبه إلى النبي صلى الله عليه واله من العذر في هذا الخروج، ويقال أسي على مصيبة بالكسر يأسى أسى أي حزن، قوله " أخذه ما قدم وما أخر " أي أخذه هم ما قدم من سوء معاملته مع علي عليه السلام وما أخر من نصرته، أو من عذاب الآخرة أو كناية عن هموم شتى لامور كثيرة مختلفة. والقلق محركة الانزعاج، ونزق كفرح وضرب: طاش وخف عند الغضب قوله " عن النصرة " أي عن نصرة علي عليه السلام قوله " وأحال " هذا كلام الصدوق أي

 

(1) هود: 50.

 

[39]

كذب معاوية وأتى بالمحال حتى ادعى عدم سماع ذلك، قوله " أنه قاتل رايته " أي راية معاوية، قوله " بأهدى من الاولى " أي هي مثل الاولى راية شرك في أنها راية شرك وكفر، قوله " أو يكون أمره " حاصله أن هذا الكلام من النبي صلى الله عليه واله إما إخبار أو أمر في صورة الخبر، وعلى ما ذكرت من كونهم على الحق يلزم على الأول كذب الرسول صلى الله عليه واله وعلى الثاني مخالفة أمير المؤمنين عليه السلام لما أمره به الرسول صلى الله عليه واله. أقول: قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: قال أبو الفرج الاصفهاني كتب الحسن عليه السلام إلى معاوية مع جندب (1) بن عبد الله الأزدي: من الحسن بن علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان سلام عليكم فاني أحمد إليك الله الذي لا إله إلأهو، أما بعد فان الله عزو جل بعث محمدا صلى الله عليه واله رحمة للعالمين، ومنة للمؤمنين توفاه الله غير مقصر ولاوان، بعد أن أظهر الله به الحق، ومحق به الشر، وخص قريشا خاصة فقال له " وإنه لذكر لك ولقومك " (2) فلما توفي تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته واسرته وأولياؤه، ولا يحل لكم أن تنازعونا سلطان محمد وحقه، فرأت العرب أن القول ما قالت قريش، وأن الحجة لهم في ذلك على من نازعهم أمر محمد صلى الله عليه واله، فأنعمت لهم وسلمت إليهم. ثم حاججنا نحن قريشا بمثل ما حاجت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها، إنهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالانصاف والاحتجاج، فلما صرنا أهل بيت ممد وأولياؤه إلى محاجتهم، وطلب النصف منهم، باعدونا واستولوا بالاجتماع على ظلمنا ومراغمتنا والعنت منهم لنا، فالموعد الله وهو المولي النصير. ولقد تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا وسلطان نبينا وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الاسلام، وأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب في ذلك مغمزا يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سبب إلى ما أرادوا من إفساده، فاليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمر لست من * (هامش) (1) في الاصل: حرب بن عبد الله، وهو تصحيف. (2) الزخرف: 44.


 

[40]

أهله، لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الاسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول الله صلى الله عليه واله ولكن الله حسيبك، فسترد فتعلم لمن عقبى الدار: وبالله لتلقين عن قليل ربك ثم ليجزينك بما قدمت يداك وما الله بظلام للعبيد. إن عليا لما مضى لسبيله رحمة الله عليه يوم قبض، ويوم من الله عليه بالاسلام ويوم يبعث حيا - ولاني المسلمون الأمر بعده، فأسأل الله أن لا يؤتينا في الدنيا الزائلة شيئا ينقصنا به في الآخرة مما عنده من كرامته، وإنما حملني على الكتاب إليك الإعذار فيما بيني وبين الله عزوجل في أمرك، ولك في ذلك إن فعلته الحظ الجسيم والصلاح للمسلمين، فدع التمادي في الباطل، وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي فانك تعلم أني أحق بهذا الأمر منك عند الله، وعند كل أواب حفيظ، ومن له قلب منيب. واتق الله ! ودع البغي، واحقن دماء المسلمين، فو الله مالك من خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لا قيه به، وادخل في السلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله ومن هو أحق به، منك ليطفئ الله النائرة بذلك، ويجمع الكلمة، ويصلح ذات البين، وإن أنت أبيت إلأ التمادي في غيك، سرت إليك بالمسلمين، فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين. أقول: ثم ذكر جواب معاوية، وما أظهر فيه من الكفر والالحاد إلى قوله: وقد فهمت الذي دعوتني إليه من الصلح، فلو علمت أنك أضبط مني للرعية وأحوط على هذه الأمة، وأحسن سياسة، وأقوى على جمع الأموال، وأكيد للعدو، لأجبتك إلى ما دعوتني إليه، ورأيتك لذلك أهلا، ولكن قد علمت أني أطول منك ولاية، وأقدم منك لهذه الأمة تجربة، وأكبر منك سنا فأنت أحق أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني، فادخل في طاعتي ولك الأمر من بعدي ولك ما في بيت مال العراق بالغا ما بلغ، تحمله إلى حيث أحببت، ولك خراج أي كور العراق شئت، معونة لك على نفقتك، يجبيها أمينك، ويحملها إليك في


 

[41]

كل سنة، ولك أن لا يستولى عليك بالأشياء، ولا يقضى دونك الأمور، ولا تعصى في أمر أردت به طاعة الله أعاننا الله، وإياك على طاعته إنه سميع مجيب الدعاء والسلام. قال جندب: فلما أتيت الحسن عليه السلام بكتاب معاوية قلت له: إن الرجل سائر إليك فابدأه بالمسير حتى تقاتله في أرضه وبلاده [وعمله] فأما أن تقدر أنه ينقاد لك، فلا والله حتى يرى منا أعظم من يوم صفين، فقال: أفعل، ثم قعد عن مشور تي وتناسي قولي (1). 2 - ب: ابن طريف، عن ابن علوان، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام أن الحسن والحسين صلوات الله عليهما كانا يغمزان معاوية، ويقولان فيه، ويقبلان جوائزه. 3 - ف: قال معاوية للحسن عليه السلام بعد الصلح: اذكر فضلنا، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد النبي وآله ثم قال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن رسول الله، أنا ابن البشير النذير، أنا ابن المصطفى بالرسالة، أنا ابن من صلت عليه الملائكة، أنا ابن من شرفت به الامة، أنا ابن من كان جبرئيل السفير من الله. إليه، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين [صلى الله عليه وآله أجمعين]. فلم يقدر معاوية يكتم عداوته وحسده فقال: يا حسن عليك بالرطب فانعته لنا، قال: نعم يا معاوية، الريح تلقحه، والشمس تنفخه، والقمر يلونه، والحر ينضجه، والليل يبرده. ثم أقبل على منطقه فقال: أنا ابن المستجاب الدعوة، أنا ابن من كان من ربه كقاب قوسين أو أدنى أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن من خضعت له قريش رغما أنا ابن من سعد تابعه، وشقي خاذله، أنا ابن من جعلت الأرض له طهورا ومسجدا أنا ابن من كانت أخبار السماء إليه تترى، أنا ابن من أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. فقال معاوية: أظن نفسك يا حسن تنازعك إلى الخلافة، فقال: ويلك يا معاوية

 

(1) راجع مقاتل الطالبيين ص 37 - 40.

 

[42]

إنما الخليفة من سار بسيرة رسول الله، وعمل بطاعة الله، ولعمري إنا لأعلام الهدى ومنار التقى، ولكنك يا معاوية ممن أباد السنن، وأحيا البدع، واتخذ عباد الله خولا، ودين الله لعبا، فكأن قد أخمل ما أنت فيه، فعشت يسيرا، وبقيت عليك تبعاته، يا معاوية والله لقد خلق الله مدينتين إحداهما بالمشرق، والأخرى بالمغرب أسماؤهما جابلقا وجابلسا، ما بعث الله إليهما أحدا غير جدي رسول الله صلى الله عليه واله. فقال معاوية: يا أبا محمد أخبرنا عن ليلة القدر، قال: نعم، عن مثل هذا فاسأل إن الله خلق السماوات سبعا والأرضين سبعا، والجن من سبع، والانس من سبع فتطلب من ليلة ثلاث وعشرين إلى ليلة سبع وعشرين ثم نهض عليه السلام. أقول: قال ابن أبي الحديد: روى أبو الحسن المدائني قال: سأل معاوية الحسن بن علي عليهما السلام بعد الصلح أن يخطب الناس فامتنع، فناشده أن يفعل فوضع له كرسي فجلس عليه، ثم قال: الحمد لله الذي توحد في ملكه، وتفرد في ربوبيته: يؤتي الملك من يشاء، وينزعه عمن يشاء، والحمد لله الذي أكرم بنا مؤمنكم، وأخرج من الشرك أو لكم، وحقن دماء آخركم، فبلاؤنا عندكم قديما وحديثا أحسن البلاء، إن شكرتم أو كفرتم، أيها الناس إن رب علي كان أعلم بعلي حين قبضه إليه، ولقد اختصه بفضل لن تعهدوا بمثله، ولن تجدوا مثل سابقته. فهيهات هيهات طالما قلبتم له الامور حتى أعلاه الله عليكم، وهو صاحبكم غزاكم في بدر وأخواتها، جرعكم رنقا وسقاكم علقا، وأذل رقابكم وشرقكم بريقكم، فلستم بملومين على بغضه، وأيم الله لا ترى امة محمد خفضا ما كانت سادتهم وقادتهم في بني امية، ولقد وجه الله إليكم فتنة لن تصدوا عنها حتى تهلكوا لطاعتكم طواغيتكم، وانضوائكم إلى شياطينكم، فعند الله أحتسب ما مضى، وما ينتظر من سوء رغبتكم، وحيث حلمكم. ثم قال: يا أهل الكوفة لقد فارقكم بالأمس سهم من مرامي الله، صائب على أعداء الله، نكال على فجار قريش، لم يزل آخذا بحناجرها جاثما على أنفسها


 

[43]

ليس بالملومة في أمر الله، ولا بالسروقة لمال الله، ولا بالفروقة في حرب أعداء الله، أعطى الكتاب خواتيمه وعزائمه، دعاه فأجابه، وقاده فاتبعه، لا تأخذه في الله لومة لائم، فصلوات الله عليه ورحمته. فقال معاوية: أخطا عجل أو كاد، وأصاب متثبت أو كاد (1) ماذا أردت من خطبة الحسن عليه السلام. بيان: رنق رنقا بالتحريك كدر، وانضوى إليه: مال، وجثم لزم مكانه فلم يبرح أو وقع على صدره أو تلبد بالأرض. 4 - يج: روي عن الحارث الهمداني قال: لما مات علي عليه السلام جاء الناس إلى الحسن، وقالوا: أنت خليفة أبيك، ووصيه، ونحن السامعون المطيعون لك فمرنا بأمرك فقال عليه السلام: كذبتم، والله ما وفيتم لمن كان خيرا مني، فكيف تفون لي ؟ وكيف أطمئن إليكم ولا أثق بكم ؟ إن كنتم صادقين فموعد ما بيني وبينكم معسكر المدائن، فوافوا إلى هناك. فركب وركب معه من أراد الخروج، وتخلف عنه كثير، فما وفوا بما قالوه وبما وعدوه، وغروه كما غروا أمير المؤمنين عليه السلام من قبله، فقال خطيبا، وقال: غررتموني كما غررتم من كان من قبلي، مع أي إمام تقاتلون بعدي، مع الكافر الظالم الذي لم يؤمن بالله ولا برسوله قط، ولا أظهر الإسلام هو وبني امية إلا فرقا من السيف ؟ ولو لم يبق لبني امية إلا عجوز درداء، لبغت دين الله عوجا، وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه واله. ثم وجه إليه قائدا في أربعة آلاف، وكان من كندة وأمره أن يعسكر بالأنبار ولا يحدث شيئا حتى يأتيه أمره، فلما توجه إلى الأنبار ونزل بها، وعلم معاوية بذلك، بعث إليه رسلا وكتب إليه معهم أنك إن أقبلت إلي أو لك بعض كور الشام والجزيرة، غير منفس عليك، وأرسل إليه بخمسمائة ألف درهم: فقبض * (هامش) (1) العجل - ككتف وعضد - العجول وزاده الخطأ، والمتثبت: هو الذى يتأنى في الامور ويروى فيصيب مرماه.


 

[44]

الكندي عدو الله المال، وقلب على الحسن، وصار إلى معاوية في مائتي رجل من خاصته وأهل بيته. فبلغ ذلك الحسن عليه السلام فقام خطيبا وقال: هذا الكندي توجه إلى معاوية وغدر بي وبكم، وقد أخبرتكم مرة بعد مرة أنه لا وفاء لكم، أنتم عبيد الدنيا: وأنا موجه رجلا آخر مكانه، وإني أعلم أنه سيفعل بي وبكم ما فعل صاحبه، ولا يراقب الله في ولا فيكم، فبعث إليه رجلا من مراد في أربعة آلاف، وتقدم إليه بمشهد من الناس، وتوكد عليه وأخبره أنه سيغدر كما غدر الكندي فحلف له بالأيمان التي لا تقوم لها الجبال: أنه لا يفعل. فقال الحسن: إنه سيغدر. فلما توجه إلى الأنبار، أرسل معاوية إليه رسلا وكتب إليه بمثل ما كتب إلى صاحبه، وبعث إليه بخمسة آلاف درهم، ومناه أي ولاية أحب من كور الشام والجزيرة، فقلب على الحسن، وأخذ طريقه إلى معاوية، ولم يحفظ ما أخذ عليه من العهود، وبلغ الحسن ما فعل المرادي فقام خطيبا فقال: قد أخبرتكم مرة بعد اخرى أنكم لا تفون لله بعهود، وهذا صاحبكم المرادي غدر بي وبكم، وصار إلى معاوية. ثم كتب معاوية إلى الحسن: يا ابن عم، لا تقطع الرحم الذي بينك وبيني فان الناس قد غدروا بك وبأبيك من قبلك. فقالوا: إن خانك الرجلان وغدروا بك فانا مناصحون لك، فقال لهم الحسن: لأعودن هذه المرة فيما بيني وبينكم، وإني لأعلم أنكم غادرون ما بيني وبينكم إن معسكري بالنخيلة فوافوني هناك، والله لا تفون لي بعهدي، ولتنقضن الميثاق بيني وبينكم. ثم إن الحسن أخذ طريق النخيلة، فعسكر عشرة أيام، فلم يحضره إلا أربعة آلاف، فانصرف إلى الكوفة فصعد المنبر وقال: يا عجبا من قوم لا حياء لهم ولا دين، ولو سلمت له الأمر فأيم الله لا ترون فرجا أبدا مع بني امية، والله ليسومونكم سوء العذاب حتى تتمنوا أن عليكم جيشا جيشا ولو وجدت أعوانا


 

[45]

ما سلمت له الأمر، لأنه محرم على بني امية فاف وترحا يا عبيد الدنيا. وكتب أكثر أهل الكوفة إلى معاوية: فانا معك، وإن شئت أخذنا الحسن وبعثناه إليك، ثم أغاروا على فسطاطه، وضربوه بحربة، واخذ مجروحا، ثم كتب جوابا لمعاوية: إنما هذا الأمر لي والخلافة لي ولأهل بيتي، وإنها لمحرمة عليك وعلى أهل بيتك، سمعته من رسول الله صلى الله عليه واله والله لو وجدت صابرين عارفين بحقي غير منكرين ما سلمت لك ولا أعطيتك ما تريد وانصرف إلى الكوفة. بيان: امرأة درداء: أي ليس في فمها سن، قوله عليه السلام: " لبغت دين الله عوجا " أي لطلبت أن يثبت له اعوجاجا، وتلبس على الناس أن فيه عوجا، مقتبس من قوله تعالى: " قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا " (1) والكور بضم الكاف وفتح الواو جمع الكورة، وهي المدينة والصقع، و قال الجوهري " أنفسني فلان في كذا " أي رغبني فيه، ولفلان منفس ونفيس أي مال كثير، ونفس به بالكسر أي ضن به، يقال: نفست عليه الشئ نفاسة إذا لم تره يستأهله، قوله " وقلب على الحسن " أي صرف العسكر أو الأمر إليه، والترح بالتحريك ضد الفرح والهلاك. 5 - شا: لما بلغ معاوية بن أبي سفيان وفاة أمير المؤمنين عليه السلام وبيعة الناس ابنه الحسن عليه السلام دس رجلا من حمير إلى الكوفة، ورجلا من بني القين إلى البصرة ليكتبا إليه بالأخبار، ويفسدا على الحسن الامور، فعرف ذلك الحسن عليه السلام فأمر باستخراج الحميري من عند لحام (2) بالكوفة، فاخرج وأمر بضرب عنقه، وكتب إلى البصرة باستخراج القيني من بني سليم فاخرج وضربت عنقه. وكتب الحسن عليه السلام إلى معاوية: أما بعد فانك دسست الرجال للاحتيال والاغتيال وأرصدت العيون كأنك تحب اللقاء، وما أشك في ذلك فتوقعه

 

(1) آل عمران: 99. (2) حجام، خ ل.

 

[46]

إنشاء الله، وبلغني أنك شمت بما لم يشمت به ذوحجى، وإنما مثلك في ذلك كما قال الأول: فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى تزود لاخرى مثلها فكأن قد فانا ومن قد مات منا لكالذي يروح فيمسي في المبيت ليغتدي فأجابه معاوية عن كتابه بما لا حاجة لنا إلى ذكره، وكان بين الحسن عليه السلام وبينه بعد ذلك مكاتبات ومراسلات، واحتجاجات للحسن عليه السلام في استحقاقه الأمر وتوثب من تقدم على أبيه عليه السلام وابتزازهم سلطان ابن عم رسول الله صلى الله عليه واله وتحققهم به دونه، أشياء يطول ذكرها. وسار معاوية نحو العراق ليغلب عليه، فلما بلغ جسر منبج (1) تحرك الحسن عليه السلام وبعث حجر بن عدي يأمر العمال بالمسير، واستنفر الناس للجهاد فتثاقلوا عنه، ثم خفوا [و] معه أخلاط من الناس بعضهم شيعة له ولأبيه، وبعضهم محكمة (2) يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة، وبعضهم أصحاب فتن وطمع في الغنائم وبعضهم شكاك، وبعضهم أصحاب عصبية اتبعوا رؤساء قبائلهم لا يرجعون إلى دين. فسار حتى أتى حمام عمر، ثم أخذ على دير كعب، فنزل ساباط دون القنطرة وبات هناك. فلما أصبح أراد عليه السلام أن يمتحن أصحابه، ويستبرئ أحوالهم له في الطاعة ليتميز بذلك أولياؤه من أعدائه، ويكون على بصيرة من لقاء معاوية وأهل الشام فأمر أن ينادي في الناس بالصلاة جامعة، فاجتمعوا فصعد المنبر فخطبهم فقال: الحمد لله كلما حمده حامد، وأشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق [بشيرا] وائتمنه على الوحي صلى الله عليه وآله. أما بعد فاني والله لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنه وأنا أنصح خلق * (هامش 46) * (1) منبج - كمجلس - بلد من بلاد الشام، وقيل: أول من بناها كسرى لما غلب على الشام ومنه الى حلب عشر فراسخ. (2) يعنى أصحاب التحكيم وهم الخوارج.


 

[47]

الله لخلقه، وما أصبحت محتملا على مسلم ضغينة، ولا مريدا له بسوء ولا غائلة، ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيرا من نظركم لأنفسكم، فلا تخالفوا أمري، ولا تردوا علي رأيي، غفر الله لي ولكم، وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرضا. قال: فنظر الناس بعضهم إلى بعض، وقالوا: ما ترونه يريد بما قال ؟ قالوا: نظنه والله يريد أن يصالح معاوية، ويسلم الأمر إليه، فقالوا: كفر والله الرجل ثم شدوا على فسطاطه، وانتهبوه، حتى أخذوا مصلاه من تحته، ثم شد عليه عبد الرحمان بن عبد الله بن جعال الأزدي فنزع مطرفة عن عاتقه فبقي جالسا متقلدا بالسيف بغير رداء، ثم دعا بفرسه وركبه وأحدق به طوائف من خاصته وشيعته ومنعوا منه من أراده، فقال: ادعو الي ربيعة وهمدان، فدعوا له فأطافوا به، ودفعوا الناس عنه عليه السلام وسار ومعه شوب من غيرهم. فلما مر في مظلم ساباط، بدر إليه رجل من بني أسد يقال له الجراح بن سنان، وأخذ بلجام بغلته وبيده مغول وقال: ألله أكبر أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل، ثم طعنه في فخذه فشقه حتى بلغ العظم ثم اعتنقه الحسن عليه السلام وخرا جميعا إلى الأرض فوثب إليه رجل من شيعة الحسن يقال له عبد الله بن خطل الطائي فانتزع المغول من يده، وخضخض به جوفه، فأكب عليه آخر يقال له: ظبيان بن عمارة فقطع أنفه فهلك من ذلك، وأخذ آخر كان معه فقتل، وحمل الحسن عليه السلام على سرير إلى المدائن، فانزل به على سعد بن مسعود الثقفي وكان عامل أمير المؤمنين عليه السلام بها فأقره الحسن عليه السلام على ذلك، واشتغل الحسن عليه السلام بنفسه يعالج جرحه. وكتب جماعة من رؤساء القبائل إلى معاوية بالسمع والطاعة له في السر واستحثوه على السير نحوهم، وضمنوا له تسليم الحسن عليه السلام إليه عند دنوهم من عسكره أو الفتك به، وبلغ الحسن عليه السلام ذلك وورد عليه كتاب قيس بن سعد وكان قد أنفذه مع عبيد الله بن العباس عند مسيره من الكوفة، ليلقى معاوية


 

[48]

ويرده عن العراق، وجعله أميرا على الجماعة، وقال: إن اصبت فالأمير قيس ابن سعد. فوصل كتاب قيس بن سعد يخبره أنهم نازلوا معاوية بقرية يقال لها: الحبونية، بإزاء مسكن (1) وأن معاوية أرسل إلى عبيد الله بن العباس يرغبه في المصير إليه، وضمن له ألف ألف درهم يعجل له منها النصف ويعطيه النصف الآخر عند دخوله إلى الكوفة فانسل عبيد الله في الليل إلى معسكر معاوية في خاصته وأصبح الناس قد فقدوا أميرهم، فصلى بهم قيس بن سعد ونظر في امورهم. فازدادت بصيرة الحسن عليه السلام بخذلان القوم له وفساد نيات المحكمة فيه بما أظهروه له من السب والتكفير له، واستحلال دمه، ونهب أمواله، ولم يبق معه من يأمن غوائله إلا خاصة من شيعة أبيه وشيعته، وهم جماعة لا يقوم لاجناد الشام فكتب إليه معاوية في الهدنة والصلح وأنفذ إليه بكتب أصحابه الذين ضمنوا له فيها الفتك به وتسليمه إليه، واشترط له على نفسه في إجابته إلى صلحه شروطا كثيرة وعقد له عقودا كان في الوفاء بها مصالح شاملة، فلم يثق به الحسن وعلم باحتياله بذلك واغتياله، غير أنه لم يجد بدا من إجابته إلى ما التمس منه من ترك الحرب، وإنفاذ الهدنة، لما كان عليه أصحابه مما وصفناه من ضعف البصائر في حقه والفساد عليه والخلف منهم له، وما انطوى عليه كثير منهم في استحلال دمه وتسليمه إلى خصمه، وما كان من خذلان ابن عمه له، ومصيره إلى عدوه، وميل الجمهور منهم إلى العاجلة وزهدهم في الآجلة. فتوثق عليه السلام لنفسه من معاوية لتوكيد الحجة عليه، والإعذار فيما بينه وبينه عند الله تعالى وعند كافة المسلمين، واشترط عليه ترك سب أمير المؤمنين عليه السلام والعدول عن القنوت عليه في الصلوات وأن يؤمن شيعته ولا يتعرض لأحد منهم بسوء

 

(1) مسكن - بكسر الكاف - موضع على نهر دجيل قريبا من أواني عند دير الجاثليق ذكره الخطيب في تاريخه، وفى هذا المكان قتل عبد الملك بن مروان مصعب بن الزبير وفيه قبر مصعب وابراهيم بن الاشتر النخعي.

 

[49]

ويوصل إلى كل ذي حق حقه، وأجابه معاوية إلى ذلك كله، وعاهد عليه وحلف له بالوفاء له. فلما استتمت الهدنة على ذلك سار معاوية حتى نزل بالنخيلة، وكان ذلك اليوم يوم الجمعة فصلى بالناس ضحى النهار فخطبهم وقال في خطبته: إني والله ما فاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا إنكم لتفعلون ذلك، ولكني قاتلتكم لأتامر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون، ألا وإني كنت منيت الحسن وأعطيته أشياء، وجميعها تحت قدمي لا أفي بشئ منها له. ثم سار حتى دخل الكوفة فأقام بها أياما فلما استتمت البيعة له من أهلها صعد المنبر، فخطب الناس وذكر أمير المؤمنين عليه السلام ونال منه، ونال من الحسن عليه السلام ما نال، وكان الحسن والحسين عليهما السلام حاضرين، فقام الحسين عليه السلام ليرد عليه، فأخذ بيده الحسن عليه السلام فأجلسه، ثم قام فقال: أيها الذاكر عليا أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية وأبوك صخر، وامي فاطمة وامك هند، وجدي رسول الله صلى الله عليه وآله وجدك حرب، وجدتي خديجة وجدتك قتيلة، فلعن الله أخملنا ذكرا وألأمنا حسبا، وشرنا قدما، وأقدمنا كفرا ونفاقا، فقالت طوائف من أهل المسجد: آمين آمين (1). توضيح: قوله " فكأن قد " أي فكأن قد نزلت أو جاءت، وحذف مدخول قد شائع، قوله " وبيده مغول " في بعض النسخ بالغين المعجمة، قال الفيروز آبادي: المغول كمنبر حديدة تجعل في السوط فيكون لها غلاف وشبه مشمل إلا أنه أدق [وأطول منه] ونصل طويل أو سيف دقيق له قفا واسم وفي بعضها بالمهملة وهي حديدة ينقر بها الجبال، و " الخضخضة " التحريك، و " الفتك " أن يأتي الرجل صاحبه وهو

 

(1) الارشاد ص 170 - 173. ورواه ابو الفرج في مقاتل الطالبيين عن ابى عبيد عن يحيى بن معين، وبعد ما أتى على آخر الخبر من قوله فقال طوائف من أهل المسجد آمين. قال فقال يحيى بن معين ونحن نقول آمين، قال أبو عبيد ونحن أيضا نقول آمين قال أبو الفرج وأنا أقول آمين قلت وأنا أيضا أقول: آمين.

 

[50]

غار غافل حتى يشد عليه فيقتله. أقول: وقال عبد الحميد بن أبي الحديد: لما سار معاوية قاصدا إلى العراق وبلغ جسر منبج نادى المنادي الصلاة جامعة، فلما اجتمعوا خرج الحسن عليه السلام فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فان الله كتب الجهاد على خلقه وسماه كرها ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين: " اصبروا إن الله مع الصابرين " (1) فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون، إنه بلغني أن معاوية بلغه أنا كنا أزمعنا على المسير إليه فتحرك لذلك، فاخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة، حتى ننظر وتنظرون، ونرى وترون، قال: وإنه في كلامه ليتخوف خذلان الناس له. قال: فسكتوا فما تكلم منهم أحد، ولا أجابه بحرف، فلما رأى ذلك عدي ابن حاتم قام فقال: أنا ابن حاتم، سبحان الله ما أقبح هذا المقام ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيكم ؟ أين خطباء مصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة فإذا جد الجد فرواغون كالثعالب أما تخافون مقت الله ولاعنتها وعارها. ثم استقبل الحسن عليه السلام بوجهه فقال: أصاب الله بك المراشد، وجنبك المكاره، ووفقك لما يحمد ورده وصدره، وقد سمعنا مقالتك، وانتهينا إلى أمرك وسمعنا لك وأطعناك فيما قلت ورأيت، وهذا وجهي إلى معسكرنا، فمن أحب أن يوافي فليواف. ثم مضى لوجهه، فخرج من المسجد ودابته بالباب فركبها ومضى إلى النخيلة وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه، فكان عدي أول الناس عسكرا. ثم قام قيس بن عبادة الأنصاري ومعقل بن قيس الرياحي وزياد بن حصفة التيمي فأنبوا الناس ولاموهم وحرضوهم، وكلموا الحسن عليه السلام بمثل كلام عدي ابن حاتم في الاجابة والقبول، فقال لهم الحسن عليه السلام: صدقتم رحمكم الله ما زلت أعرفكم بصدق النية والوفاء، والقبول، والمودة الصحيحة، فجزاكم الله خيرا

 

(1) الانفال: 46.

 

[51]

ثم نزل. وخرج الناس وعسكروا، ونشطوا للخروج، وخرج الحسن عليه السلام إلى المعسكر واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث، وأمره باستحثاث الناس على اللحوق إليه، وسار الحسن عليه السلام في عسكر عظيم حتى نزل دير عبد الرحمان فأقام به ثلاثا حتى اجتمع الناس. ثم دعا عبيد الله بن العباس فقال له: يا ابن عم إني باعث معك اثني عشر ألفا من فرسان العرب، وقراء المصر، الرجل منهم يزيد الكتيبة، فسربهم، وألن لهم جانبك، وابسط لهم وجهك، وافرش لهم جناحك، وأدنهم من مجلسك، فانهم بقية ثقات أمير المؤمنين عليه السلام وسر بهم على شط الفرات حتى تقطع بهم الفرات حتى تسير بمسكن، ثم امض حتى تستقبل بهم معاوية، فان أنت لقيته فاحتبسه حتى آتيك فاني على أثرك وشيكا، وليكن خبرك عندي كل يوم وشاور هذين يعني قيس بن سعد، وسعيد بن قيس، وإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك فان فعل فقاتله، فان اصبت فقيس بن سعد على الناس فان اصيب فسعيد بن قيس على الناس. فسار عبيد الله حتى انتهى إلى شينور، حتى خرج إلى شاهي، ثم لزم الفرات والفلوجة حتى أتى مسكن، وأخذ الحسن على حمام عمر، حتى أتى دير كعب ثم بكر فنزل ساباط دون القنظرة. أقول: ثم ذكر ما جرى عليه صلوات الله عليه هناك، وقد مر ذكره ثم قال: فأما معاوية فإنه وافى حتى نزل في قرية يقال له الحبونية وأقبل عبيد الله بن العباس حتى نزل بازائه فلما كان من غد وجه معاوية إلى عبيد الله أن الحسن قد راسلني في الصلح، وهو مسلم الأمر إلي فان دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعا وإلا دخلت وأنت تابع، ولك إن جئتني الآن أن أعطيك ألف ألف درهم، أعجل لك في هذا الوقت نصفها وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر. فانسل عبيد الله ليلا فدخل عسكر معاوية، فوفا له بما وعده، وأصبح الناس


 

[52]

ينتظرونه أن يخرج فيصلي بهم فلم يخرج حتى أصبحوا فطلبوه فلم يجدوه، فصلى بهم قيس بن سعد بن عبادة، ثم خطبهم فثبتهم، وذكر عبيد الله فنال منه ثم أمرهم بالصبر والنهوض إلى العدو، فأجابوه بالطاعة، وقالوا له: انهض بنا إلى عدونا على اسم الله، فنهض بهم. وخرج إليهم بسر بن أرطاة فصاحوا إلى أهل العراق: ويحكم هذا أميركم عندنا قد بايع، وإمامكم الحسن قد صالح، فعلام تقتلون أنفسكم ؟ فقال لهم قيس ابن سعد: اختاروا إحدى اثنين إما القتال مع غير إمام، وإما أن تبايعوا بيعة ضلال، قالوا: بل نقاتل بلا إمام، فخرجوا فضربوا أهل الشام حتى ردوهم إلى مصافهم. وكتب معاوية إلى قيس بن سعد يدعوه ويمنيه، فكتب إليه قيس: لا والله لا تلقاني أبدا إلا بيني وبينك الرمح، فكتب إليه معاوية لما يئس منه: أما بعد فانك يهودي ابن يهودي تشقي نفسك وتقتلها فيما ليس لك، فان ظهر أحب الفريقين إليك نبذك وعزلك، وإن ظهر أبغضهما إليك نكل بك وقتلك، وقد كان أبوك أو ترغير قوسه، ورمى غير غرضه، فخذله قومه، وأدركه يومه، فمات بحوران طريدا غريبا والسلام. فكتب إليه قيس بن سعد أما بعد فانما أنت وثن ابن وثن، دخلت في الاسلام كرها، وأقمت فيه فرقا، وخرجت منه طوعا، ولم يجعل الله لك فيه نصيبا، لم يقدم إسلامك، ولم يحدث نفاقك، ولم تزل حربا لله ولرسوله، وحزبا من أحزاب المشركين، وعدو الله ونبيه، والمؤمنين من عباده، وذكرت أبي فلعمري ما أو تر إلا قوسه، ولا رمي إلا غرضه، فشغب عليه من لا يشق غباره، ولا يبلغ كعبه وزعمت أني يهودي ابن يهودي، وقد علمت وعلم الناس أني وأبي أعداء الدين الذي خرجت منه، وأنصار الدين الذي دخلت فيه وصرت إليه، والسلام. فلما قرأ معاوية كتابه غاظه وأراد إجابته، فقال له عمرو: مهلا فانك إن كاتبته أجابك بأشد من هذا، وإن تركته دخل فيما دخل فيه الناس، فأمسك عنه وبعث معاوية عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة إلى الحسن عليه السلام للصلح فدعواه


 

[53]

إليه وزهداه في الأمر، وأعطياه ما شرط له معاوية، وأن لا يتبع أحد بما مضى ولا ينال أحد من شيعة علي بمكروه، ولا يذكر علي إلا بخير وأشياء اشترطها الحسن، فأجاب إلى ذلك، وانصرف قيس بن سعد فيمن معه إلى الكوفة. ثم قال: وروى الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن سويد قال: صلى بنا معاوية بالنخيلة الجمعة، فخطب ثم قال: إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا إنكم لتفعلون ذلك، إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد أعطاني الله ذلك، وأنتم كارهون. قال: فكان عبد الرحمن بن شريك إذا حدث بذلك يقول: هذا والله هو التهتك. قال أبو الفرج: ودخل معاوية الكوفة بعد فراغه من خطبته بالنخيلة، بين يديه خالد بن عرفطة، ومعه حبيب بن حمار، يحمل رايته، فلما صار بالكوفة دخل المسجد من باب الفيل، واجتمع الناس إليه. قال أبو الفرج: فحدثني أبو عبد الله الصيرفي، وأحمد بن عبيد [الله] بن عمار عن محمد بن علي بن خلف، عن محمد بن عمرو الرازي، عن مالك بن سعيد (1) عن محمد بن عبد الله الليثي، عن عطاء بن السائب، عن أبيه قال: بينما علي بن أبي طالب عليه السلام على منبر الكوفة إذ دخل رجل فقال: يا أمير المؤمنين مات خالد بن عرفطة فقال: لا والله ما مات ولا يموت حتى يدخل من باب المسجد وأشار إلى باب الفيل - ومعه راية ضلالة يحملها حبيب بن حمار، قال: فوثب إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أنا حبيب بن حمار، وأنا لك شيعة، فقال: فانه كما أقول قال: فو الله لقد قدم خالد بن عرفطة على مقدمة معاوية يحمل رايته حبيب بن حمار. قال أبو الفراج: ومقال مالك بن سعيد: وحدثني الأعمش بهذا الحديث فقال: حدثني صاحب هذه الدار وأشار إلى دار السائب أبي عطا - أنه سمع عليا عليه السلام يقول هذا.

 

(1) في المقاتل ص 49 (ط نجف) مالك بن شعير.

 

[54]

قال أبو الفرج: فلما تم الصلح بين الحسن ومعاوية أرسل إلى قيس بن سعد يدعوه إلى البيعة فجاء وكان رجلا طوالا يركب الفرس المشرف، ورجلاه يخطان في الأرض وما في وجهه طاقة شعر، وكان يسمى خصي الأنصار، فلما أرادوا إدخاله إليه، قال: حلفت أن لا ألقاه إلا وبيني وبينه الرمح أو السيف، فأمر معاوية برمح وبسيف فوضعا بينه وبينه ليبر يمينه. قال أبو الفرج: وقد روي أن الحسن لما صالح معاوية اعتزل قيس بن سعد في أربعة آلاف وأبى أن يبايع، فلما بايع الحسن أدخل قيس ليبايع فأقبل على الحسن فقال: أفي حل أنا من بيعتك ؟ قال: نعم، فالقي له كرسي وجلس معاوية على سريره والحسن معه، فقال له معاوية: أنبايع يا قيس، قال: نعم، ووضع يده على فخذه ولم يمدها إلى معاوية، فحنى معاوية على سريره (1) وأكب على قيس حتى مسح يده على يده، وما رفع قيس إليه يده. 6 - قب: لما مات أمير المؤمنين عليه السلام خطب الحسن بالكوفة فقال: أيها الناس إن الدنيا دار بلاء وفتنة، وكل ما فيها فالى زوال واضمحلال، فلما بلغ إلى قوله: وإني ابايعكم على أن تحاربوا من حاربت، وتسالموا من سالمت، فقال الناس: سمعنا وأطعنا فمرنا بأمرك يا أمير المؤمنين (2) فأقام بها شهرين. قال أبو مخنف: قال ابن عباس كلاما فيه: فشمر في الحرب، وجاهد عدوك ودار أصحابك، واستتر من الضنين دينه بما لا ينثلم لك دين، وول اهل البيوتات والشرف، والحرب خدعة، وعلمت أن أباك إنما رغب الناس عنه، وصاروا إلى معاوية، لأنه آسا بينهم في العطاء. فرتب عليه السلام العمال، وأنفذ عبد الله إلى البصرة، فقصد معاوية نحو العراق فكتب إليه الحسن عليه السلام: أما بعد فان الله تعالى بعث محمدا رحمة للعالمين، فأظهر به الحق وقمع به الشرك، وأعز به العرب عامة، وشرف به من شاء منها خاصة فقال: " وإنه

 

(1) في المقاتل ص 50: فجثا معاوية على سريره. وحتى، انسب فانه بمعنى الانعطاف. (2) في المصدر ج 4 ص 31: يا امام المؤمنين.

 

[55]

لذكر لك ولقومك " (1) فلما قبضه الله تعالى تنازعت العرب الأمر من بعده، فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فقالت قريش: نحن أولياؤه وعشيرته، فلا تنازعونا سلطانه، فعرفت العرب ذلك لقريش، ثم جاحدتنا قريش ما قد عرفته العرب لهم، وهيهات ما أنصفتنا قريش. الكتاب. فأجابه معاوية على يدي جندب الأزدي موصل كتاب الحسن عليه السلام: فهمت ما ذكرت به محمدا صلى الله عليه واله وهو أحق الأولين والآخرين بالفضل كله، وذكرت تنازع المسلمين الأمر من بعده، فصرحت بنميمة فلان وفلان، وأبي عبيدة وغيرهم، فكرهت ذلك لك، لأن الامة قد علمت أن قريشا أحق بها، وقد علمت ما جرى من أمر الحكمين، فكيف تدعوني إلى أمر إنما تطلبه بحق أبيك، وقد خرج أبوك منه. ثم كتب أما بعد فان الله يفعل في عباده ما يشاء، لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، فاحذر أن تكون منيتك على يدي رعاع الناس (2) وآيس من أن تجد فينا غميزة، وإن أنت أعرضت عما أنت فيه وبايعتني وفيت لك بما وعدت، وأجزت لك ما شرطت، وأكون في ذلك كما قال أعشى بني قيس: وإن أحد أسدى إليك كرامة فأوف بما تدعى إذا مت وافيا فلا تحسد المولى إذا كان ذا غنى ولا تجفه إن كان للمال نائيا ثم الخلافة لك من بعدي، وأنت أولى الناس بها، وفي رواية ولو كنت أعلم أنك أقوى للأمر، وأضبط للناس، وأكبت للعدو، وأقوى على جمع الأموال مني لبايعتك لأنني أراك لكل خير أهلا ثم قال: إن أمري وأمرك شبيه بأمر أبي بكر [وأبيك] بعد رسول الله صلى الله عليه واله. فأجابه الحسن عليه السلام: أما بعد فقد وصل إلي كتابك تذكر فيه ما ذكرت وتركت جوابك خشية البغي، وبالله أعوذ من ذلك فاتبع الحق فانك تعلم من

 

(1): الزخرف: 44. (2) الرعاع - بالفتح - سقاط الناس وسفلتهم وغوغاؤهم، الواحد رعاعة وقيل: لا وا