الى اجزاء البحار الى المكتبة الهاشمية الى الصفحة الرئيسية

بحار الانوار الجزء 30

العلامة المجلسي


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار


 

[3]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس الله سره) الجزء الثلاثون تحقيق الشيخ عبد الزهراء العلوي دار الرضا بيروت - لبنان


 

[5]

قال جعفر بن محمد الصادق عليه السلام...... في حديث: فقال له رجل: يا بن رسول الله ! إني عاجز ببدني عن نصرتكم ولست أملك إلا البراءة من أعدائكم واللعن [عليهم]، فكيف حالي ؟. فقال الصادق عليه السلام: حدثني أبي عن أبيه عن جده عن رسول الله صلوات الله عليهم أنه قال: من ضعف عن نصرتنا أهل البيت فلعن في خلواته أعداءنا بلغ الله صوته جميع الاملاك من الثرى إلى العرش، فكلما لعن هذا الرجل أعداءنا لعنا ساعدوه ولعنوا من يلعنه ثم ثنوا، فقالوا: اللهم صل على عبدك هذا الذي قد بذل ما في وسعه ولو قدر على أكثر منه لفعل، فإذا النداء من قبل الله عزوجل: قد أجبت دعاءكم، وسمعت نداءكم، وصليت على روحه في الارواح، وجعلته عندي من المصطفين الاخيار. بحار الانوار: 27 / 222 - 223 حديث 11 تفسير الامام العسكري (ع): 16 و 17


 

[6]

عن الصادق عليه السلام: من خالفكم وإن عبد واجتهد منسوب إلى هذه الآية: * (وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية) *. تفسير القمي: 723 بحار الانوار: 8 / 356 روضة الكافي: 160. ثواب الاعمال: 200.


 

[7]

[16] باب آخر فيما كتب عليه السلام إلى أصحابه في ذلك تصريحا وتلويحا 1 - قال السيد ابن طاوس رحمه الله في كتاب كشف المحجة لثمرة المهجة (1): قال محمد بن يعقوب في كتاب الرسائل: علي بن ابراهيم، بإسناده، قال: كتب أمير المؤمنين عليه السلام كتابا بعد منصرفه من النهروان وأمر أن يقرأ على الناس، وذلك أن الناس سألوه عن أبي بكر وعمر وعثمان، فغضب عليه السلام وقال: قد تفرغتم للسؤال عما لا يعنيكم، وهذه مصر قد انفتحت، وقتل معاوية بن خديج محمد بن أبي بكر، فيا لها من مصيبة ما أعظمها مصيبتي بمحمد ! فو الله ما كان إلا كبعض بني، سبحان الله ! بينا نحن نرجو أن نغلب القوم على ما في أيديهم إذ غلبونا على ما في أيدينا، وأنا كاتب لكم كتابا فيه تصريح ما سألتم إن شاء الله تعالى. فدعا كاتبه عبيد الله بن أبي رافع فقال له: أدخل علي عشرة من ثقاتي، فقال: سمهم لي يا أمير المؤمنين، فقال: أدخل أصبغ بن نباتة وأبا الطفيل عامر

 

(1) كشف المحجة لثمرة المهجة: 173 - 189 - طبعة النجف - باختلاف يسير. [235 - 269 مركز النشر].

 

[8]

ابن واثلة (1) الكناني، وزر بن حبيش الاسدي، وجويرية (2) بن مسهر العبدي، وخندق (3) بن زهير الاسدي، وحارثة بن مضرب (4) الهمداني، والحارث بن عبد الله الاعور الهمداني، ومصابيح (5) النخعي، و (6) علقمة بن قيس، وكميل بن زياد، وعمير بن زرارة، فدخلوا إليه (7)، فقال لهم: خذوا هذا الكتاب وليقرأه عبيد الله ابن أبي رافع وأنتم شهود كل يوم جمعة، فإن شغب شاغب عليهم فانصفوه بكتاب الله بينكم وبينه: بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى شيعته من المؤمنين والمسلمين، فإن الله يقول: * (وإن من شيعته لابراهيم) * (8) وهو اسم شرفه الله تعالى في الكتاب وأنتم شيعة النبي محمد صلى الله عليه وآله كما أن من شيعته إبراهيم (9) اسم غير مختص، وأمر غير مبتدع، وسلام عليكم، والله هو السلام المؤمن أولياءه من العذاب المهين، الحاكم عليهم بعدله، بعث محمدا صلى الله عليه وآله وأنتم معاشر العرب على شر حال، يغذوا أحدكم كلبه (10)، ويقتل ولده، ويغير على غيره، فيرجع وقد أغير عليه، تأكلون العلهز والهبيد (11) والميتة والدم، منيخون (12) على أحجار خشن وأوثان مضلة، تأكلون الطعام الجشب، وتشربون

 

(1) في المصدر: واثلة. (2) في (ك): حويريه. (3) في المصدر: خندف. (4) في (ك): مضراب. (5) في المصدر: مصباح وهو خلاف الظاهر، فراجع. (6) شطب على الواو في (ك)، وهو الظاهر. انظر: تنقيح المقال 2 / 259. (7) في كشف المحجة: عليه، بدلا من: إليه. (8) الصافات: 83. (9) في المصدر: كما أن محمدا من شيعة إبراهيم. (10) في (س): كلية، وفي المصدر: يغدوا أحدكم كلبه. (11) في المصدر: الهبيدة، وسيذكرهما المصنف في بيانه. (12) قال في القاموس 1 / 272: تنوخ الجمل الناقة: أبركها للفساد، كأناخها فاستناخت، وتنوخت. = أي يجعلون أنفسهم خاضعين على أحجار خشن وأوثان مضلة، كناية عن عبادتهم للاصنام والاوثان.

 

[9]

الماء الآجن، تسافكون دماءكم، ويسبي بعضكم بعضا، وقد خص الله قريشا بثلاث آيات وعم العرب بآية، فأما الآيات اللواتي في قريش فهو قوله تعالى: * (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الارض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون) * (1)، والثانية: * (وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) * (2)، والثالثة: قول قريش لنبي الله صلى الله عليه وآله حين دعاهم إلى الاسلام والهجرة: * (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا) *، فقال الله تعالى: * (أو لم نمكن لهم حرما ءامنا يجبى إليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون) * (3)، وأما الآية التي عم بها العرب فهو قوله (4): * (واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم ءاياته لعلكم تهتدون) * (5)، فيا لها نعمة ما أعظمها إن لم تخرجوا منها إلى غيرها، ويا لها مصيبة (6) ما أعظمها إن لم تؤمنوا بها وترغبوا عنها، فمضى نبي الله صلى الله عليه وآله وقد بلغ ما أرسل به، فيا لها مصيبة خصت الاقربين وعمت المؤمنين لم تصابوا بمثلها ولن تعاينوا بعدها مثلها، فمضى لسبيله صلى الله عليه وآله وترك كتاب الله وأهل

 

(1) لانفال: 26. (2) النور: 55. (3) القصص: 57. (4) في المصدر: قوله تعالى. (5) آل عمران: 103. (6) في كشف المحجة: من مصيبة.

 

[10]

بيته إمامين لا يختلفان، وأخوين لا يتخاذلان، ومجتمعين لا يفترقان، ولقد قبض الله نبيه (1) صلى الله عليه وآله ولانا أولى بالناس (2) مني بقميصي هذا، وما ألقى في روعي، ولا عرض في رأيي ان وجه الناس إلى غيره، فلما أبطأوا عني بالولاية لهممهم، وتثبط (3) الانصار - وهم أنصار الله وكتيبة الاسلام - قالوا: اما إذا لم تسلموها لعلي فصاحبنا (4) أحق بها من غيري (5)، فو الله ما أدري إلى من أشكو ؟ فإما أن يكون الانصار ظلمت حقها، وإما أن يكونوا ظلموني حقي، بل حقي المأخوذ وأنا المظلوم. فقال قائل قريش: إن نبي الله صلى الله عليه وآله قال: الائمة من قريش، فدفعوا الانصار عن دعوتها ومنعوني حقي منها، فأتاني رهط يعرضون علي النصر، منهم ابنا (6) سعيد، والمقداد بن الاسود، وأبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، وسلمان الفارسي، والزبير بن العوام، والبراء بن العازب. فقلت لهم: إن عندي من نبي الله صلى الله عليه وآله عهدا وله (7) إلي (8) وصية لست أخالف عما أمرني به، فو الله لو خزموني (9) بأنفي لاقررت لله تعالى سمعا وطاعة، فلما رأيت الناس قد انثالوا على أبي بكر للبيعة أمسكت يدي وظننت أني أولى وأحق بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله منه ومن غيره، وقد كان نبي الله أمر أسامة بن زيد على جيش وجعلهما في جيشه، وما زال النبي صلى الله عليه

 

(1) في المصدر: محمدا نبيه (ص). (2) جاءت العبارة في المصدر: أولى الناس به.. (3) في (ك): نبثط، وهو خلاف الظاهر. وفي المصدر: وتثبيط. (4) الكلمة في مطبوع البحار مشوشة، وما أثبتناه من المصدر، ونسخة بدل في (ك). (5) في المصدر: أحق لها حق غيره. (6) جاء في المصدر: ابناء، بدلا من: ابنا - بالتثنية -. (7) لا توجد: عهدا وله، في المصدر. (8) في (س): إليه، بدلا من: إلي. (9) في المصدر: خرموني.. كما مر.

 

[11]

وآله إلى أن فاضت نفسه يقول: أنفذوا جيش أسامة (1)، فمضى جيشه إلى الشام حتى انتهوا إلى اذرعات (2) فلقى جمعا (3) من الروم فهزموهم (4) وغنمهم الله أموالهم، فلما رأيت راجعة من الناس قد رجعت عن (5) الاسلام تدعو إلى محودين محمد وملة ابراهيم عليهما السلام خشيت إن أنا لم أنصر الاسلام وأهله أرى فيه ثلما وهدما تك المصيبة علي فيه أعظم من فوت ولاية أموركم التي إنما هي متاع أيام قلائل ثم تزول وتنقشع كما يزول وينقشع (6) السحاب، فنهضت مع القوم في تلك الاحداث حتى زهق الباطل وكانت كلمة الله هي العليا وإن زعم (7) الكافرون. ولقد كان سعد لما رأى الناس يبايعون أبا بكر نادى: أيها الناس ! إني والله ما أردتها حتى رأيتكم تصرفونها عن علي، ولا أبايعكم حتى يبايع علي، ولعلي لا أفعل وإن بايع، ثم ركب دابته وأتى حوران (8) وأقام في خان (9) حتى هلك ولم يبايع. وقام فروة بن عمر الانصاري - وكان يقود مع رسول الله صلى الله عليه وآله

 

(1) قوله عليه السلام: انفذوا جيش أسامة، كرر في المصدر. (2) قال في القاموس 3 / 23: واذرعات - بكسر الراء وتفتح - بلدة بالشام. وانظر: مراصد الاطلاع 1 / 47، ومعجم البلدان: 1 / 130 - 131، وغيرهما. قال في المراصد: اذرعات - بالفتح، ثم السكون، وكسر الراء، وعين مهملة والف وتاء - بلد في طرف الشام، وتجاور أرض البلقاء (3) في المصدر: جيشا، وهي نسخة بدل في المطبوع من البحار. (4) جاءت نسخة في (ك): فهزمهم. (5) في المصدر: من، بدلا من: عن. (6) في كشف المحجة: وتتقشع كما يزول ويتقشع.. (7) كذا، ولعله: رغم. (8) قال في القاموس 2 / 15: حواروان - بفتح الحاء مشددة الواو - بلد، والحوراء: موضع قرب المدينة، وهو مرفأ سفن مصر، وماء لبني نبهان. وانظر معجم البلدان 2 / 613، ومراصد الاطلاع 1 / 534. (9) خ. ل: عنان. جاء على مطبوع البحار.

 

[12]

فرسين ويصرم ألف وسق من تمر (1) فيتصدق به على المساكين - فنادى: يا معشر قريش ! أخبروني هل (2) فيكم رجل تحل له الخلافة وفيه ما في علي عليه السلام ؟ !. فقال قيس بن مخزمة الزهوي (3): ليس فينا من فيه ما في علي عليه السلام. فقال له: صدقت، فهل في علي عليه السلام ما ليس في أحد منكم ؟. قال: نعم. قال: فما يصدكم عنه ؟. قال: إجماع (4) الناس على أبي بكر. قال: أما والله لئن أحييتم (5) سنتكم لقد أخطأتم سنة نبيكم، ولو جعلتموها في أهل بيت نبيكم لاكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم. فولي أبو بكر فقارب واقتصد فصحبته مناصحا، وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهدا، حتى إذا احتضر، قلت في نفسي: ليس يعدل بهذا الامر عني، ولولا خاصة بينه وبين عمر وأمر كانا رضياه بينهما، لظننت أنه لا يعدله عني وقد سمع قول النبي صلى الله عليه وآله لبريدة الاسلمي حين بعثني وخالد بن الوليد إلى اليمن وقال: إذا افترقتما فكل واحد منكما على حياله، وإذا اجتمعتما فعلي عليكم جميعا، فأغزنا (6) وأصبنا سبيا فيهم خويلة (7) بنت جعفر جار الصفا - وإنما سمي جار الصفا من حسنه - فأخذت الحنفية (8) خولة واغتنمها خالد مني، وبعث بريدة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله محرشا علي، فأخبره بما كان من اخذي خولة، فقال: يا بريدة ! حظه في الخمس أكثر مما أخذ، إنه وليكم بعدي، سمعها أبو بكر وعمر، وهذا بريدة حي لم يمت، فهل

 

(1) في المصدر: ويصرع الفساد ويشتري تمر.. والصرم - لغة - هو: القطع، كما في القاموس 4 / 139. (2) لا توجد: هل، في (ك). (3) في المصدر: الزهري، وهي نسخة جاءت في (ك). (4) في كشف المحجة: اجتماع. (5) في المصدر ونسخة مصححة (خ صححه) جاءت على مطبوع البحار: أصبتم. (6) في المصدر: فغزونا. (7) في كشف المحجة: خولة، وهي نسخة في (س). (8) في المصدر: الخيفة.

 

[13]

بعد هذا مقال لقائل ؟ !. فبايع عمر دون المشورة فكان مرضي السيرة (1) من الناس عندهم، حتى إذا احتضر قلت في نفسي: ليس يعدل بهذا الامر عني، للذي قد رأى مني في المواطن، وسمع من الرسول صلى الله عليه وآله، فجعلني سادس ستة وأمر صهيبا أن يصلي بالناس، ودعا أبا طلحة زيد بن سعد الانصاري فقال له: كن في خمسين رجلا من قومك فاقتل من أبى أن يرضى من هؤلاء الستة، فالعجب من اختلاف (2) القوم إذ زعموا أن أبي بكر (3) استخلفه النبي صلى الله عليه وآله، فلو كان هذا حقا لم يخف على الانصار فبايعه الناس على الشورى، ثم جعلها أبو بكر لعمر برأيه خاصة، ثم جعلها عمر برأيه شورى بين ستة، فهذا العجب من اختلافهم، والدليل على ما لا أحب أن أذكر قول (4) هؤلاء الرهط الذين قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وهو عنهم راض، فكيف يأمر بقتل قوم رضي الله عنهم ورسوله ؟ !. إن هذا الامر (5) عجيب، ولم يكونوا لولاية أحد منهم أكره منهم لولايتي ! كانوا يسمعون وأنا أحاج أبا بكر وأنا أقول: يا معشر قريش ! أنا أحق بهذا الامر منكم، ما كان منكم من يقرأ القرآن، ويعرف السنة، ويدين دين الحق (6)، وإنما حجتي إني ولي هذا الامر من دون قريش، إن نبي الله صلى الله عليه وآله قال: الولاء لمن أعتق، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله بعتق (7) الرقاب من النار، وأعتقها من الرق، فكان للنبي صلى الله عليه وآله ولاء هذه

 

(1) الشورة، بدلا من: السيرة، نسخة جاءت في (ك). (2) نسخة في (س): خلاف. (3) كذا في مطبوع البحار والمصدر، والصحيح: ان أبا بكر. (4) في (س) نسخة: قوله. (5) في (س): لامر. (6) في المصدر: دين الله الحق. (7) في كشف المحجة: يعتق.

 

[14]

الامة، وما لي بعده ما كان له، فما جاز لقريش من فضلها عليها بالنبي صلى الله عليه وآله جاز لبني هاشم على قريش، وجاز لي على بني هاشم، بقول النبي صلى الله عليه وآله يوم غدير خم: من كنت مولاه فهذا علي مولاه (1)، إلا أن تدعي قريش فضلها على العرب بغير النبي صلى الله عليه وآله، فإن شاؤا فليقولوا ذلك، فخشي القوم إن أنا وليت عليهم أن آخد بأنفاسهم، وأعترض في حلوقهم، ولا يكون لهم في الامر نصيب، فأجمعوا على إجماع رجل واحد منهم حتى صرفوا الولاية عني إلى عثمان رجاء أن ينالوها ويتداولوها فيما بينهم، فبينا هم كذلك إذ نادى مناد لا يدرى من هو - وأظنه جنيا - فأسمع أهل المدينة ليلة بايعوا عثمان فقال: يا ناعي الاسلام قم فانعه * قد مات عرف وبدا منكر ما لقريش لا علا كعبها * من قدموا اليوم ومن أخروا إن عليا هو أولى به * منه فولوه ولا تنكروا فكان لهم في ذلك عبرة، ولولا أن العامة قد علمت بذلك لم أذكره، فدعوني إلى بيعة عثمان فبايعت مستكرها، وصبرت محتسبا، وعلمت أهل القنوت أن يقولوا (2): اللهم لك أخلصت القلوب وإليك شخصت الابصار، وأنت دعيت بالالسن، وإليك تحوكم في الاعمال فافتح بيننا وبين قومنا بالحق، اللهم إنا نشكوا إليك غيبة نبينا، وكثرة عدونا، وقلة عددنا، وهواننا على الناس، وشدة الزمان، ووقوع الفتن بنا، اللهم ففرج ذلك بعدل تظهره، وسلطان حق تعرفه. فقال عبد الرحمن بن عوف: يا بن أبي طالب ! إنك على هذا الامر لحريص ؟ !. فقلت: لست عليه حريصا، و (3) إنما أطلب ميراث رسول الله صلى الله

 

(1) مرت مصادر الحديث مفصلا، وانظر جملة منها في الغدير 1 / 222 - 240 وغيره. (2) في (س): أن يقول. (3) لا توجد الواو في المصدر.

 

[15]

عليه وآله وحقه، وإن ولاء أمته لي من بعده، وأنتم أحرص عليه مني إذ تحولون بيني وبينه، وتصرفون (1) وجهي دونه بالسيف، اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم قطعوا رحمي وأضاعوا (2) أيامي، ودفعوا حقي، وصغروا (3) قدري وعظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به منهم، فاستلبونيه. ثم قال: اصبر مغموما أو مت متأسفا، وأيم الله لو استطاعوا أن يدفعوا قرابتي كما قطعوا سببي فعلوا، ولكنهم لا يجدون إلى ذلك سبيلا، إنما حقي على هذه الامة كرجل له حق على قوم إلى أجل معلوم، فإن أحسنوا وعجلوا له حقه قبله حامدا، وإن أخروه إلى أجله أخذه غير حامد، وليس يعاب المرء بتأخير حقه، إنما يعاب من أخذ ما ليس له، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله عهد إلي عهدا فقال: يا بن أبي طالب ! لك ولايتي (4) فإن ولوك في عافية ورجعوا عليك (5) بالرضا فقم بأمرهم، وإن اختلفوا عليك فدعهم وما هم فيه، فإن الله سيجعل لك (6) مخرجا، فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا معي مساعد إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن الهلاك، ولو كان (7) بعد رسول الله صلى الله عليه وآله عمي حمزة وأخي جعفر لم أبايع كرها (8)، ولكنني منيت برجلين حديثي عهد بالاسلام، العباس (9) وعقيل، فضننت بأهل بيتي عن الهلاك، فأغضيت عيني على القذى، وتجرعت

 

(1) تضربون: نسخة في (ك). (2) في نسخة في (ك): وأذاعوا. (3) في (س): وحروا. قال في القاموس 4 / 316: وحرى - كرمى -: نقص. (4) في المصدر: ولاء أمتي. وهي نسخة في مطبوع البحار. (5) في كشف المحجة: وأجمعوا عليك. (6) لا توجد: لك، في (س). (7) في المصدر: ولو كان لي. (8) مكرها: نسخة في (ك). (9) في (ك) نسخة: عباس.

 

[16]

ريقي على الشجا، وصبرت على أمر من العلقم، وآلم للقلب من حز (1) الشفار (2). وأما أمر عثمان فكأنه علم من القرون الاولى * (علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى) * (3) خذله أهل بدر وقتله أهل مصر، والله ما أمرت ولا نهيت ولو أنني (4) أمرت كنت قاتلا، ولو أني (5) نهيت كنت ناصرا، وكان الامر لا ينفع فيه العيان ولا يشفي فيه (6) الخبر، غير أن من نصره لا يستطيع أن يقول خذله (7) من أنا خير منه، ولا يستطيع من خذله أن يقول نصره من هو خير مني، وأنا جامع أمره: استأثر فأسا الاثرة، وجزعتم فأسأتم الجزع، والله يحكم بينكم وبينه (8) والله ما يلمزني في دم عثمان ثلمة (9) ما كنت إلا رجلا من المسلمين المهاجرين في بيتي فلما قتلتموه أتيتموني تبايعوني، فأبيت عليكم وأبيتم على، فقبضت يدي فبسطتموها، وبسطتها فمددتموها، ثم تداككتم علي تداك الابل الهيم (10) على حياضها يوم ورودها، حتى ظننت أنكم قاتلي، وأن بعضكم قاتل لبعض، حتى

 

في (ك) نسخة: جز وجاء في حاشيتها: جز الشعر والحشيش جزا وجزة حسنة فهو مجزور، وحزيز: قطعة قاموس. انظر: القاموس 2 / 168 وفيه: جزيز، بدلا من: حزيز. (2) جاء في حاشية (ك): شفر العين: حرف الجفن الذي ينبت عليه الهدب، قال ابن قتيبة: والعامة يجعل اشفار العين الشفر وهو غلط، وإنما الاشفار حروف العين التي ينبت عليه الشعر، والشفر: الهدب، والجمع أشفار، مثل قفل وأقفال، وشفر كل شي: حرفه. مصباح المنير. انظر المصباح المنير 1 / 383، وفيه: تجعل، بدلا من يجعل، وينبت عليها الشعر والشعر، بدلا من: ينبت عليه الشعر والشفر. (3) طه: 52. (4) في مطبوع البحار خ. ل: اني. (5) في المصدر: انني. (6) في المصدر: منه، وهي نسخة في (ك). (7) في المصدر: هو خذله. (8) في كشف المحجة: بيننا وبينه. (9) في المصدر: تهمة،، وهي نسخة في (ك). (10) أي العطاش.

 

[17]

انقطعت النعل، وسقط الرداء، ووطئ الضعيف، وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إياي أن حمل إليها الصغير وهدج (1) إليها الكبير، وتحامل إليها العليل، وحسرت لها الكعاب (2). فقالوا: بايعنا على ما بويع عليه أبو بكر وعمر، فإنا لا نجد غيرك ولا نرضى إلا بك، فبايعنا لا نفترق ولا نختلف، فبايعتكم على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله، ودعوت الناس إلى بيعتي، فمن بايعني طائعا قبلت منه، ومن أبى تركته، فكان أول من بايعني طلحة والزبير، فقالا: نبايعك على أنا شركاءك في الامر. فقلت: لا، ولكنكما شركائي في القوة، وعوناي في العجز. فبايعاني على هذا الامر ولو أبيا لم أكرههما كما لم أكره غير هما، وكان طلحة يرجو اليمن والزبير يرجو العراق، فلما علما أني غير موليهما استأذناني للعمرة يريدان الغدر، فأتيا عائشة (3) واستخفاها مع كل شئ في نفسها علي، والنساء نواقص الايمان، نواقص العقول، نواقص الحظوظ، فأما نقصان أيمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن، وأما نقصان عقولهن فلا شهادة لهن إلا في الدين وشهادة امرأتين برجل، وأما نقصان حظوظهن فمواريثهن على الانصاف من مواريث الرجال، وقادهما عبيد الله بن عامر إلى البصرة، وضمن لهما الاموال والرجال، فبينما هما يقودانها إذ (4) هي تقود هما، فاتخذاها فئة يقتلان دونها (5)، فأي خطيئة أعظم مما أتيا إخراجهما زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله من بيتها، فكشفا عنها حجابا ستره الله عليها، وصانا حلائلهما في بيوتهما ولا أنصفا الله ولا رسوله من أنفسها،

 

(1) قال في القاموس 1 / 212: الهدجان - محركة - وكغراب: مشية الشيخ، وقد هدج يهدج وهو هداج. (2) في المصدر: الكعبات. (3) في المصدر: فأتبعا عائشة. (4) في (ك) نسخة: أو، بدلا من: إذ. (5) دونهما. نسخة في (ك).

 

[18]

ثلاث خصال مرجعهما على الناس، قال الله تعالى: * (يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم) * (1)، وقال: * (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه) * (2) وقال: * (لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله) * (3) فقد بغيا علي، ونكثنا بيعتي، ومكرابي (4)، فمنيت بأطوع الناس في الناس عائشة بنت أبي بكر، وبأشجع (5) الناس الزبير، وبأخصم الناس طلحة، وأعانهم علي يعلى بن منبه بأصوع (6) الدنانير، والله لئن استقام أمري لاجعلن ماله فيئا للمسلمين، ثم أتوا البصرة وأهلها مجتمعون على بيعتي وطاعتي، وبها شيعتي خزان بيت مال الله ومال المسلمين، فدعوا الناس إلى معصيتي وإلى نقض بيعتي (7)، فمن أطاعهم أكفروه، ومن عصاهم قتلوه، فناجزهم حكيم بن جبلة فقتلوها (8) في سبعين رجلا من عباد أهل البصرة ومخبتيهم يسمون: المثفنين، كأن راح أكفهم ثفنات الابل، وأبي أن يبايعهم يزيد بن الحارث اليشكري، فقال: اتقيا الله ! إن أولكم قادنا إلى الجنة فلا يقودنا آخركم إلى النار، فلا تكلفونا أن نصدق المدعي ونقضى على الغائب، أما يميني فشغلها علي بن أبي طالب ببيعتي إياه، وهذه شمالي فارغة فخذاها إن شئتما، فخنق حتى مات، وقام عبد الله بن حكيم التميمي فقال: يا طلحة ! هل تعرف هذا (9) الكتاب ؟ قال: نعم، هذا كتابي إليك. قال: هل تدري ما فيه ؟ قال: اقرأه علي، فإذا فيه عيب عثمان ودعاؤه إلى قتله، فسيره من البصرة، وأخذوا على عاملي عثمان

 

(1) يونس: 23. (2) الفتح: 10. (3) الفاطر: 43. (4) في المصدر: ومكراني. (5) في (ك) نسخة: أشجع، وفي نسخة صحيحة: أنجع، وفي نسخة على (س): أفجع. (6) في المصدر: بأصواع. (7) في المصدر زيادة: وطاعتي. (8) في المصدر: فقتلوه.. وهو الظاهر. (9) في كشف المحجة: من يعرف هذا..

 

[19]

ابن حنيف الانصاري غدرا فمثلوا به كل المثلة، ونتفوا كل شعرة في رأسه ووجهه، وقتلوا شيعتي، طائفة صبرا، وطائفة غدرا، وطائفة عضوا بأسيافهم حتى لقوا الله، فو الله لو لم يقتلوا منهم إلا رجلا واحدا لحل لي به دماءهم ودماء ذلك الجيش لرضاهم بقتل من قتل، دع مع أنهم قد قتلوا أكثر من العدة التي قد دخلوا بها عليهم، وقد أدال الله منهم (1) فبعدا للقوم الظالمين، فأما طلحة فرماه مروان بسهم فقتله، وأما الزبير فذكرته قول رسول الله صلى الله عليه وآله: انك تقاتل عليا (ع) وأنت ظالم له (2)، وأما عائشة فإنها كان نهاها رسول الله صلى الله عليه وآله عن مسيرها فعضت (3) يديها نادمة على ما كان منها. وقد كان طلحة لما نزل ذا قار (4) قام خطيبا فقال: يا أيها الناس ! إنا أخطأنا في عثمان خطيئة ما يخرجنا منها إلا الطلب بدمه، وعلي قاتله، وعليه دمه. وقد نزل دارن (5) مع شكاك اليمن ونصارى ربيعة ومنافقي مضر، فلما بلغني قوله وقل كان عن الزبير فيه (6)، بعثت اليهما أناشدهما بحق محمد صلى الله عليه وآله (7) ما أتيتماني وأهل مصر محاصروا عثمان، فقلتما: اذهب بنا إلى هذا الرجل فإنا لا نستطيع قتله إلا بك، فلما تعلم أنه سير أبا ذر رحمه الله، وفتق عمارا، وآوى الحكم بن أبي العاص - وقد طرده رسول الله صلى الله

 

(1) قال في الصحاح 4 / 1700: وأدالنا الله من عدونا من الدولة، والادالة: الغلبة، يقال: اللهم أدلني على فلان وانصرني عليه. وفي المصدر: أزال الله منهم. (2) وهي رواية مشهورة من الطريقين. انظر بعض مصادرها في الغدير 3 / 191 وغيره. (3) في (ك): فغضت، قال في القاموس 2 / 337: عضضته وعليه - كسمع ومنع - عضا وعضيضا: أمسكته بأسناني أو بلساني. وقال: بعد صفحة: غض طرفه..: خفضه، واحتمل المكروه. أقول: لا يخفى مناسبة الاول وبعد الثاني. (4) ذوقار: ماء لبكر.. قاله في مراصد الاطلاع 3 / 1055 - 1056. وانظر: معجم البلدان 3 / 293 - 295. (5) لم نجد لهذه البلدة في معجم البلدان ومراصد الاطلاع ذكرا، وليس في الاسماء المقاربة لها ما يناسب المقام، ولعل النون زائدة، فتدبر، أو لعلها: دارا. (6) في المصدر: قبيح، بدلا من: فيه. (7) في كشف المحجة: بحق محمد وآله.

 

[20]

عليه وآله وأبو بكر وعمر - واستعمل الفاسق على كتاب الله الوليد بن عقبة، وسلط خالد بن عرفطة العذري (1) على كتاب الله يمزق ويخرق، فقلت: كل هذا قد علمت ولا أرى قتله يومي هذا، وأوشك سقاءه أن يخرج المخض زبدته، فأقرا بما قلت. وأما قولكما: إنكما تطلبان بدم عثمان فهذان ابناه عمرو (2) وسعيد فخلوا عنهما يطلبان دم أبيهما، متى كانت أسد وتيم أولياء بني أمية ؟ ! فانقطعا عند ذلك. فقام عمران بن حصين الخزاعي صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله - وهو الذي جاءت عنه (3) الاحاديث - وقال: يا هذان لا تخرجان (4) ببيعتكما من طاعة علي، ولا تحملانا على نقض بيعته، فإنا لله رضا، أما وسعتكما بيوتكما حتى أتيتما بأم المؤمنين ؟ ! فالعجب لاختلافها اياكما، ومسيرها معكما، فكفا عنا أنفسكما، وارجعا من حيث جئتما، فلسنا عبيد من غلب، ولا أول من سبق، فهما به ثم كفا عنه، وكانت عائشة قد شكت في مسيرها وتعاظمت (5) القتال، فدعت ء كاتبها عبيد الله بن كعب النميري فقالت: اكتب، من عائشة بنت أبي بكر إلى علي ابن أبي طالب فقال هذا أمر لا يجري به القلم، قالت: ولم ؟ ! قال: لان علي بن أبي طالب في الاسلام أول، وله بذلك البداء في الكتاب. فقالت: اكتب، إلى علي بن ابي طالب من عائشة بنت أبي بكر، أما بعد: فإني لست أجهل قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا قدمك في الاسلام، ولا غناك من رسول الله صلى الله عليه وآله، وإنما خرجت مصلحة بين بيني لا أريد حربك إن كففت عن هذين الرجلين.. في كلام لها كثير، فلم أجبها بحرف، وأخرت جوابها لقتالها، فلما قضى الله لي الحسني سرت إلى الكوفة واستخلف عبد الله بن عباس على

 

(1) في (ك): الغدري. (2) في (ك) نسخة: عمر - بدون واو. (3) في المصدر: فيه، بدلا من: عنه. (4) في الكشف المحجة: لا تخرجانا.. وهو الظاهر. (5) في (ك): جائت نسخة هي في المصدر: تعاضمها.

 

[21]

البصرة، فقدمت الكوفة وقد اتسقت (1) لي الوجوه كلها إلا الشام، فأحببت أن أتخذ الحجة، وأقضى العذر، وأخذت بقول الله تعالى: * (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء) * (2)، فبعثت جرير بن عبد الله إلى معاوية معذرا إليه، متخذا للحجة عليه، فرد كتابي، وجهد حقي، ودفع بيعتي، وبعث إلي أن ابعث إلي قتلة عثمان، فبعثت إليه: ما أنت وقتلة عثمان ؟ ! أولاده أولى به، فادخل أنت وهم في طاعتي ثم خاصموا إلي (3) القوم لاحملكم وإياهم على كتاب الله، وإلا فهذه خدعة الصبي عن رضاع الملي، فلما يئس من هذا الامر بعث إلي أن اجعل الشام لي حياتك، فإن حدث بك حادثة عن الموت لم يكن لاحد علي طاعة، وإنما أراد بذلك أن يخلع طاعتي من عنقه (4) فأبيت عليه. فبعث إلي: إن أهل الحجاز كانوا الحكام على أهل الشام فلما قتلوا (5) عثمان صار أهل الشام الحكام على أهل الحجاز، فبعثت إليه: إن كنت صادقا فسم لي رجلا من قريش الشام تحل له الخلافة، ويقبل في الشورى فإن لم تجده سميت لك من قريش الحجاز من تحل له الخلافة، ويقبل في الشورى، ونظرت إلى أهل شام فإذا هم بقية الاحزاب فراش نار وذباب (6) طمع تجمع من كل اوب ممن ينبغي له أن يؤدب ويحمل على السنة، ليسوا من المهاجرين ولا الانصار ولا التابعين بإحسان، فدعوتهم إلى الطاعة والجماعة فأبوا إلا فراقي وشقاقي، ثم نهضوا في وجه المسلمين، ينضحونهم بالنبل، ويشاجرونهم بالرماح، فعند ذلك نهضت إليهم، فلما عضتهم السلاح، ووجدو ألم الجراح رفعوا المصاحف فدعوكم (7) إلى ما فيها،

 

(1) في (س): اتسعت. (2) الانفال: 58، وذكر في المصدر ذيل الآية أيضا وهو: (إن الله لا يحب الخائنين). (3) لا توجد: إلي، في المصدر. (4) في (ك): عن عنقه.. (5) في (ك): فلما قتل.. (6) في المصدر: وذئاب، وفي (س): ذو ذئاب. (7) في المصدر: يدعوكم.

 

[22]

فأنبأكم أنهم ليسوا بأهل دين ولا قرآن وإنما رفعوها مكيدة (1) وخديعة، فامضوا لقتالهم، فقلتم: اقبل منهم وأكففت عنهم، فإنهم إن أجابوا إلى ما في القرآن جامعونا (2) على ما نحن عليه من الحق، فقبلت منهم وككفت عنهم، فكان الصلح بينكم وبينهم على رجلين حكمين ليحييا ما أحياه القرآن ويميتا من أماته القرآن، فاختلف رأيهما واختلف حكمهما، فنبذا ما في الكتاب وخالفا ما في القرآن وكانا أهله، ثم إن طائفة اعتزلت فتركناهم ما تركونا حتى إذا عاثوا في الارض يفسدون ويقتلون، وكان فيمن قتلوه أهل ميرة من بني أسد، وقتلوا خباب (3) بن الارت (4) وابنه وأم ولده، والحارث بن مرة العبدي، فبعثت إليهم داعيا، فقلت: ادفعوا الينا قتلة إخواننا، فقالوا: كلنا قتلتهم، ثم شدت علينا خيلهم ورجالهم فصرعهم الله مصارع الظالمين، فلما كان ذلك من شأنهم أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوكم، فقلتم: كلت سيوفنا، ونصلت أسنة رماحنا، وعاد أكثرها قصيدا (5) فأذن لنا فلنرجع ولنقصد (6) بأحسن عدتنا، وإذا نحن رجعنا زدنا في مقاتلتنا عدة من قتل منا حتى إذا أظللتم (7) على النخيلة أمرتكم أن تلزموا معسكركم، وأن

 

(1) في كشف المحجة: رفعوا بها مكيدة. (2) في المصدر: ان حاجونا. (3) جاء في حاشية (ك) ما يلي: خباب - بالخاء المعجمة والباءين الموحدتين بينهما ألف - ابن الارت - بالالف والراء المهملة والتاء الفوقانية المشددة - مات قبل الفتنة، ترحم عليه علي عليه السلام فقال: يرحم الله خبابا لقد اسلم راعبا، وهاجر طائعا، وعاش مجاهدا، والارت من في كلامه رنة وهي عجمة لا تغير الكلام. مجمع. انظر: مجمع البحرين 2 / 48. (4) في (ك) نسخة: الارب، ولعلها غلط أو تصحيف، إذ لا يعرف بهذا الاسم. وفي المصدر: الخباب وابنه و.. (5) في المصدر: قصيرا. ونسخة جائت في (ك): قعيدا، واللفظة مشوشة في (س) ولعها: قصدا أو قعيدا. وانظر ما جاء في بيانه طاب ثراه. (6) في المصدر: ولنصتعد. (7) نسخة في (س): ظللتم، وهي كذلك في المصدر، وهي سهو لما سيأتي في بيانه، وقد جائت على = = بناء التفعيل والافعال، فلا حظ. (*)

 

[23]

تضموا إليه نواصيكم، وأن توطنوا على الجهاد نفوسكم، ولا تكثروا زيارة أبنائكم (1) ولا (2) نسائكم، فإن أصحاب الحرب مصابروها وأهل التشهير (3) فيها، والذين لا يتوجدن من سهر ليلهم، ولا ظمأ نهارهم، ولا فقدان أولادهم ولا نسائهم، وأقامت طائفة منكم معدة وطائفة دخلت المصر عاصية، فلا من دخل المصر عاد إلي، ولا من أقام منكم ثبت معي ولا صبر، فلقد رأيتني (4) وما في عسكري منكم خمسون رجلا، فلما رأيت ما أنتم عليه دخلت عليكم فما قدر لكم أن تخرجوا معي إلى يومكم هذا، لله أبوكم (5) ألا ترون أي مصر (6) قد افتتحت ؟ وأي (7) أطرافكم قد انتقصت ؟ وأي (8) مسالحكم (9) ترقى ؟ وأي (10) بلادكم تغزى ؟ وأنتم ذوو عدد جم وشوكة شديدة (11)، واولو بأس قد كان مخوفا، لله أنتم ! أين تذهبون ؟ وأنى تؤفكون ؟. ألا إن القوم جدوا وتأسوا (12) وتناصروا، وإنكم أبيتم ونيتم وتخاذلتم

 

(1) في (س): أبياتكم. (2) لا توجد في المصدر كلمة: لا. (3) في المصدر: أهل التشمير، ولعل ما في (س) يقرء كذلك. (4) رابتني، بدلا من: رأيتني في المصدر. (5) قال في مجمع البحرين 1 / 17: في الحديث: لله أبوك، قيل: الاصل فيه انه إذا اضيف شئ إلى عظيم اكتسى عظما كبيت الله، فإذا وجد من الولد ما يحسن موقعه قيل: لله أبوك للمدح والتعجب.. أي لله أبوك خالصا حيث أتى بمثلك.. وقيل: هو تهزؤ: وقيل: تعجب منهم وليس بدعاء. (6) في المصدر: إلى مصر.. وهو الظاهر. (7 و 8 و 10) إلى، بدلا من أي في المصدر. (9) كذا، وسيأتي في بيانه - قدس سره - أنها بالصاد، وجعل كونها بالسين نسخة. (11) في (ك) نسخة: جديدة. (12) في المصدر: وبأسوا.

 

[24]

وتغاششتم، ما أنتم إن بقيتم على ذلك سعداء، فأنبهوا (1) - رحمكم الله - نائمكم، وتحروا (2) لحرب عدوكم، فقد أبدت الرغوة عن الصريح، وأضاء الصبح لذي عينين، فانتبهوا (3) إنما تقاتلون الطلقاء وأبناء الطلقاء وأهل الجفاء، ومن أسلم كرها، وكان لرسول الله صلى الله عليه وآله انفا، وللاسلام كله حربا، أعداء السنة والقرآن، وأهل البدع والاحداث، ومن كانت نكايته تتقى (4) وكان على الاسلام وأهله مخوفا، وأكلة الرشا، وعبيد الدنيا، ولقد أنهي إلي أن ابن النابغة لم يبايع معاوية حتى شرط له أن يؤتيه أتية هي أعظم مما في يديه من سلطانه، فصغرت يد هذا البائع دينه بالدنيا، وخزيت أمانة هذا المشتري بنصرة فاسق غادر بأموال المسلمين، وأي سهم لهذا المشتري (5) وقد شرب الخمر، وضرب حدا في الاسلام، وكلكم يعرفه بالفساد في الدنيا (6)، وإن منهم من لم يدخل في الاسلام وأهله حتى رضخ له (7) عليه رضيخة، فهؤلاء قادة القوم، ومن تركت لكم ذكر مساوية أكثر وأبور (8)، وأنتم تعرفونهم بأعيانهم وأسمائهم كانوا على الاسلام ضدا، ولنبي الله صلى الله عله وآله حربا، وللشيطان حزبا، لم يتقدم إيمانهم، ولم يحدث نفاقهم، وهؤلاء الذين لو ولوا عليكم لاظهروا فيكم الفخر والتكبر والتسلط بالجبرية والفساد في الارض، وأنتم على ما كان منكم من تواكل وتخاذل خير منهم وأهدى سبيلا، منكم الفقهاء والعلماء والفهماء وحملة الكتاب والمتهجدون بالاسحار، ألا تسخطون وتنقمون أن ينازعكم الولاية السفهاء البطاة عن الاسلام

 

(1) في مطبوع البحار: فانتبهوا. (2) في المصدر: وتحرزوا. (3) في (س): فانبهوا. (4) في (ك): تبقى. (5) هنا زيادة جاءت في المصدر: بنصرة فاسق غادر. (6) في المصدر: في الدين، وهي نسخة جاءت على حاشية (ك). (7) لا توجد: له في المصدر. (8) في كشف المحجة: وأنور.

 

[25]

الجفاة فيه ؟ ! اسمعوا قولي - يهدكم الله - إذا قلت، وأطيعوا أمري إذا أمرت، فو الله لئن أطعتموني لا تغووا، وإن عصيتموني لا ترشدوا، قال الله تعالى: * (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون) * (1)، وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله: * (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) * (2)، فالهادي (3) من بعد النبي صلى الله عليه وآله هاد لامته على ما كان من رسول الله صلى الله عليه وآله، فمن عسى أن يكون الهادي إلا الذي دعاكم إلى الحق وقادكم إلى الهدى، خذوا للحرب أهبتها (4)، وأعدوا لها عدتها، فقد شبت وأوقدت نارها، وتجرد لكم الفاسقون لكيلا يطفئوا نور الله بأفواههم ويغزوا عباد الله، ألا إنه ليس أولياء الشيطان من أهل الطمع والجفاء أولى بالحق من أهل البر والاخباث (5) في طاعة ربهم ومناصحة إمامهم، إني والله لو لقيتهم وحدي وهم (6) أهل الارض ما استوحشت منهم ولا باليت، ولكن أسف يريني (7)، وجزع يعتريني من أن يلي هذه الامة فجارها وسفهاؤها فيتخذون (8) مال الله دولا، وكتاب الله (9) دغلا، والفاسقين حزبا، والصالحين حربا، وأيم الله لولا ذلك ما أكثرت تأنيبكم وتحريصهم (10)، وتركتكم إذا (11) أبيتم حتى ألقاهم متى حم لي لقاءهم،

 

(1) يونس: 35. (2) الرعد: 7. (3) في (س): فالهاد - بلا ياء - وهو سهو. (4) قال في القاموس 1 / 37: الاهبة - بالضم -: العدة. (5) كذا، والظاهر: الاخبات، وتقرأ ما في (س): الاجنات، وهي تحتمل أن تكون جمع الجنت، وهي بمعنى الاصل، كما في القاموس 1 / 163. (6) في (ك) نسخة: لهم. (7) في المصدر: يريبني، وهي نسخة في (ك). (8) في كشف المحجة: يتخذون. (9) في المصدر: وكتابه. (10) في كشف المحجة: وتحريضكم.. وهو الظاهر. (11) في المصدر: ولتركتكم إذا. وفي (س): إذ.

 

[26]

فو الله إني لعلى الحق، وإنني للشهادة لمحب، وإني إلى لقاء الله ربي لمشتاق، ولحسن ثوابه منتظر (1)، إني نافرتكم (2) ف‍ * (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله) * (3) ولا تثاقلوا في الارض فتعموا (4) بالذل، وتقروا بالخسف، ويكون نصيبكم الاخسر (5)، إن أخا الحرب اليقظان الارق إن نام لم تنم عينه، ومن ضعف أو ذي، ومن كره الجهاد في سبيل الله كان المغبون المهين، إني لكم اليوم على ما كنت عليه أمس ولستم لي على ما كنتم عليه، من تكونوا ناصريه أخذ بالسهم الاخيب، والله لو نصرتم الله لنصركم (6) وثبت (7) أقدامكم، إنه حق على الله أن ينصر من نصره ويخذل من خذله، أترون الغلبة لمن صبر بغير نصر وقد يكون الصبر جبنا ويكون حمية، وإنما الصبر بالنصر (8) والورود بالصدر (9)، والبرق بالمطر. اللهم اجمعنا وإياهم على الهدى، وزهدنا وإياهم في الدنيا، واجعل الآخرة خيرا لنا من الاولى. تبيين: الشغب - بالتسكين (10) -: تهييج الشر (11).

 

(1) في كشف المحجة: لمنتظر. (2) في المصدر: نافر بكم، وهي نسخة في (ك). (3) التوبة: 41. (4) في (ك) نسخة: فتغموا. (5) في المصدر: الخسران. (6) نسخة في (ك): لينصركم. (7) نسخة في (ك): يثبت. (8) خ. ل: النصر بالصبر، كذا في حاشية (ك)، وهو الظاهر. (9) خ. ل: بالصدور، جاءت على مطبوع البحار. (10) لا توجد: بالتسكين، في (س). (11) ذكره في مجمع البحرين 2 / 91، والصحاح 1 / 157

 

[27]

وقال الجوهري: العلهز - بالكسر -: طعام كانوا يتخذونه من الدم ووير البعير في سني المجاعة (1). وقال: الهبيد: حب الحنظل (2). والجشب - بكسر الشين - الغليظ (3). والاجن: المتغير (4). والروع - بالضم -: القلب والعقل (5)، ولعله كناية عن أنه لم يكن مظنة أن يفعلوا ذلك لما اجتمع له من النصوص والفواضل والسوابق، لانه عليه السلام كان يعلم وقوع تلك الامور ويخبر بها قبل وقوعها. ويقال (6): خزمت البعير بالخزامة وهي حلقة من شعر تجعل في وترة انفه يشد فيها (7) الزمام ويقال لكل مثقوب: مخزوم، ذكره الجوهري (8). وقال: انثال عليه الناس من كل وجه: انصبوا (9). قوله عليه السلام: وظننت.. أي علمت، كما ورد كثيرا في الآيات بهذا المعني (10)، أو المعنى: إني ظننت أن الناس يرونني أولى وأحق ويعاونونني على

 

(1) الصحاح 3 / 887، وانظر: لسان العرب 3 / 431. (2) الصحاح 2 / 554، ومثله في لسان العرب 5 / 381، وغيره. (3) نص عليه في لسان العرب 1 / 266، والصحاح 1 / 99. (4) قاله في الصحاح 5 / 2067، وفي القاموس 4 / 195: الاجن: الماء المتغير الطعم واللون. (5) كما في الصحاح 3 / 1223، ولسان العرب 8 / 137. (6) لا يوجد: يقال، في المصدر. (7) في (ك) نسخة: يشد بها. (8) كما جاء في الصحاح 5 / 1911، ومثله في لسان العرب 12 / 174 - 175 باختلاف يسير في اللفظ. (9) قاله في لسان العرب 11 / 95، والصحاح 4 / 1649، وغيرهما. (10) كما لو أسند إلى الانبياء مثلا كقوله تعالى في سورة الانبياء: 87: (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن..)، أو في سورة ص: 24: (وظن داود انما فتناه..)، أو سورة الحاقة: 22: (اني ظننت اني ملاق حسابيه..)، وغيرها.

 

[28]

منازعتهم. وقوله عليه السلام: تقارب.. أي لم يبالغ في معاندة الحق بعد غصب الخلافة حيلة وخديعة، لانه كان يستقيل تارة ويعتذر إليه عليه السلام أخرى، ويرجع إليه في الامور ليتمشى أمره، ويظهر للناس أنه إنما ولي الامر لصلاح المسلمين. قال في النهاية: فيه سددوا وقاربوا.. أي اقتصدوا في الامور كلها، واتركوا الغلو فيها والتقصير، يقال: قارب فلان في أموره: إذا اقتصد (1). قوله عليه السلام: لولا خاصة.. أي محبة أو خلطة خاصة. والتحريش: الاغراء بين القوم (2). وهذا الخبر يدل على أن خولة إنما سبيت في حياة النبي صلى الله عليه وآله فلا تبقى للمخالفين فيها شبهة، وقد مر الكلام فيه (3) وسيأتي (4). والنعي: خبر الموت (5). وقوله عليه السلام: لا علا كعبها.. جملة دعائية. قال في النهاية:.. في حديث قيلة: والله لا يزال كعبك عاليا.. هو دعاء لها بالشرف والعلو (6). قوله عليه السلام: واضاعوا أيامي.. أي ضيعوا (7) ولم يلتفتوا إلى أيامي (8) المشهورة التي نصرت فيها الدين ووقيت فيها المسلمين، وفي بعض النسخ:

 

(1) كما جاء في النهاية 4 / 33، ولسان العرب 1 / 669، والقاموس 3 / 296. (2) صرح بذلك في مجمع البحرين 4 / 133، والصحاح 3 / 1001، وغيرهما. (3) بحار الانوار: 22 / 181 و 192 - 193. (4) بحار الانوار 42 / 84 - 87 و 99. ولا حظ: 41 / 303 و 326. (5) ذكره في الصحاح 6 / 2512، ومجمع البحرين 1 / 418. (6) قاله في النهاية: 4 / 179، ولسان العرب 1 / 719. (7) نص عليه في الصحاح 3 / 1252، وقريب منه في القاموس 3 / 58. (8) في (س): أيام. (*)

 

[29]

بالذال المعجمة من الاذاعة بمعنى الافشاء (1)، فالمراد بالايام أيام (2) مظلوميته عليه السلام، ولعله تصحيف، والظاهر: واكفئوا إنائي أو أصغوا إنائي كما مر (3). قوله عليه السلام: فكأنه علم.. إشارة إلى ما ذكره تعالى في قصة فرعون إنه قال لموسى عليه السلام: * (فما بال القرون الاولى) * (4)، والمشهور في تفسيره أنه سئل عن حالهم بعد موتهم من السعادة والشقاوة، فقال موسى: * (علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى) * (5) أي إنه غيب لا يعلمه إلا الله، وإنما أنا عبد ملك لا أعلم منه إلا ما أخبرني به (6)، فمراده عليه السلام هنا أن أمر عثمان في الآخرة وما ترتب على أعماله الشنيعة في علمه تعالى وهو أعلم بذلك، وإنما عبر كذلك للمصلحة، أو المعنى أن أمره كان شبيها بأمور وقعت على القرون الاولى كقارون. قوله عليه السلام: لا ينفع فيه العيان.. لعل المعنى أن أمره كان أمرا مشتبها على من عاين الامر وعلى من سمع الخبر فلا يدري (7) كيف وقع، أو اشتبه على أكثر الناس إنه هل كان قتله حقا أو باطلا. والثلمة - بالضم -: الخلل في الحايط وغيره (8). قوله عليه السلام: فئة يقاتلان دونها.. لعل المراد بها هنا المرجع، من فاء إذا رجع (9)، ولا يبعد أن يكون قبة - بالقاف والباء الموحدة المشددة أو بالقاف

 

(1) كذا ذكره في القاموس 3 / 24، والصحاح 3 / 1211، وغيرهما. (2) لا توجد: أيام، في (س). (3) كما مر ذلك قريبا: (4) طه: 51. (5) طه: 52. (6) لا توجد: به في (س). (7) خ. ل: ولا يدري. (8) صرح بذلك في مجمع البحرين 6 / 25، والصحاح 5 / 1881. (9) قال به في مجمع البحرين 1 / 333، والصحاح 1 / 63، وغيرهما.

 

[30]

والنون المشددة - وهي بالضم (1) -: الجبل الصغير وقلة الجبل، والمنفرد المستطيل في السماء أو الجبل السهل المستوي المنبسط على الارض (2). وقوله عليه السلام: ثلاث خصال.. استئناف كلام. قوله عليه السلام: بأطوع الناس.. أي انها لقلة عقلها كانت تطيع الناس في كل باطل، أو على بناء المفعول.. أي كان الناس يطيعونها في كل ما تريد، والاول أظهر لفظا، والثاني معنى. والانجع: الانفع، والذي أثر كلامه أكثر، أو تدبيره أوفر، قال في القاموس: نجع الطعام - كمنع - نجوعا (3): هنأ أكله، والعلف في الدابة والوعظ والخطاب فيه: دخل فأثر كانجع.. وانتجع: طلب الكلا في موضعه، وفلانا: اتاه طالبا معروفة (4)، وفي بعض النسخ: وبأشجع الناس. والمناجزة في الحرب: المبادرة والمقاتلة (5). والراح - جمع الراحة - وهي الكف (6)، ولعل المراد بها هنا بطونها. والثفنة - بكسر الفاء: واحدة ثفنات البعير - وهي ما يقع على الارض من أعضائه إذا استناخ وغلظ كالركبتين وغيرهما (7). قوله عليه السلام: الفاسق على كتاب الله.. أي الذي سماه الله في كتابه

 

(1) أي القنة. (2) كما جاء في القاموس 4 / 261، ولسان العرب 13 / 348. (3) لا توجد: نجوعا في (س). (4) كما جاء في القاموس 3 / 87، ومثله معنى في لسان العرب 8 / 347 - 348، وغيره. (5) قال في القاموس 2 / 193: المناجزة: المقاتلة.. والمحاجزة قبل المناجزة.. أي المسالمة قبل المعالجة في القتال. وقال في النهاية 5 / 21: المناجزة في الحرب: المبارزة.. لاناجزنك.. أي لاقاتلنك وأخاصمنك. وقال في الصحاح 3 / 898: والمناجزة في الحرب: المبارزة والمقاتلة. وعليه فيحتمل قويا أن يكون الصحيح: المبارزة والمقاتلة. (6) كذا صرح به في القاموس 1 / 224، والصحاح 1 / 368، ونظائرهما. (7) نص بذلك في الصحاح 5 / 2088، ونظيره في النهاية 1 / 215 - 216.

 

[31]

فاسقا، في قوله تعالى: * (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا) * (1) كما مر مرارا. وعرفطة - بضم العين وسكون الراء وضم الفاء (2) -. والعذري.. نسبة إلى جدته العليا: عذرة بن سعد. قوله عليه السلام: وأوشك سقاءه.. لعله مثل. والمخض: تحريك السقاء الذي فيه اللبن ليخرج ما فيه من الزبد (3)، والمعنى أنه يفعل بنفسه ما يحصل به المقصود، أو يفعل هؤلاء فيه ما يغني عن فعل غيرهم. قولها: ولا قدمك.. أي تقدمك في الاسلام وسبقك، ذكره الجزري (4). والغنا - بالفتح - النفع: ويقال ما يغني عنك هذا.. أي ما يجدي عنك وما ينفعك (5). وفي بعض النسخ بالعين المهملة وهو التعب، والاول أظهر. قوله تعالى: * (من قوم) *.. أي معاهدين * (خيانة) *.. أي نقض (6) عهد بأمارات تلوح لك * (فانبذ إليهم) *.. أي فاطرح إليهم (7) عهدهم * (على سوآء) * (8).. أي على عدل (9) وطريق قصد في العداوة، ولا تناجزهم الحرب فإنه يكون خيانة منك، أو على سواء في الخوف أو العلم بنقض العهد، وهو في موضع الحال من النابذ على الوجه الاول.. أي ثابتا على طريق سوي، أو من (10) المنبوذ إليهم، أو

 

(1) السجدة: 18. (2) كما قاله في القاموس 2 / 373، ولسان العرب 7 / 350، وهي علم هنا. (3) ذكره في النهاية 5 / 306، وانظر: لسان العرب 7 / 230، وتاج العروس 5 / 83، وغيرهما. (4) قاله في النهاية 4 / 25 و 26، وقارن بتاج العروس 9 / 19. (5) صرح به في مجمع البحرين 1 / 320، وانظر: الصحاح 6 / 2449، والمصباح المنير 2 / 126. (6) في (س): نقص. (7) كما جاء في مجمع البحرين 3 / 189، والقاموس 1 / 359، وغيرهما. (8) الانفال: 58. (9) نص عليه في مجمع البحرين 1 / 234، وقريب منه في القاموس 4 / 345. (10) في المصدر زيادة: أو منه، قبل أو من.

 

[32]

منهما على غيره، ذكره البيضاوي (1). قوله عليه السلام: عن رضاع الملي.. في الروايات الاخر: خدع الصبي عن اللبن، ولعله هنا عن الرضاع الملي.. أي عن رضاع يتملا الصبي منه (2)، ولعله - على ما في النسخ - المراد به رضاع اللبن الملي، أو الطفل الملي. والفراش - بالفتح -: الطير الذي يلقي نفسه في ظوء السراج (3). قوله عليه السلام: من كل أوب.. أي من جهة (4)، وفي بعض النسخ: ادب - بالدال المهملة - وهو الظرف (5). وقال الفيروز آبادي: نضح فلانا بالنبل: رماه (6)، وقال: شجرة (7) بالرمح: طعنه (8). قوله عليه السلام: وكانا أهله.. أي كانا أهلا لمخالفة القرآن، ولم يكن مستبعدا منهما. وعثا يعثو عثوا: أفسد (9). وقال في النهاية: يقال نصل السهم: إذا خرج منه النصل، ونصل - أيضا -: إذا ثبت نصله في الشئ.. فهو من الاضداد (10).

 

(1) نفسير البيضاوي 1 / 388 - بدون أي التفسيرية بعد الآيات -. (2) بمعنى يستمتع الصبي منه، ولعل مراده - طاب ثراه - كونه رضاعا في مدة طويلة يستمتع الصبي فيها من اللبن، وذلك لان الملي بمعني الحين الطويل، والمدة الطويلة التي لا حد لها، كما نص عليه غير واحد كما في مجمع البحرين 1 / 367 وغيره. (3) كما جاء في النهاية 3 / 430، ولسان العرب 6 / 330، وغيرهما. (4) ذكره في القاموس 1 / 37، وانظر: لسان العرب 1 / 220، وغيره. (5) قاله في القاموس 1 / 36، ومثله في لسان العرب 1 / 206. (6) صرح به في لسان العرب 2 / 620، والقاموس 1 / 253، وغيرهما. (7) في (س): شحره - بالحاء المهملة - ولا معنى لها. (8) قاله في القاموس 2 / 56، ونظيره في لسان العرب 4 / 396. (9) كما صرح به في مجمع البحرين 1 / 282، والقاموس 4 / 359، وغيرهما. (10) قاله في النهاية 5 / 67، ومثله في لسان العرب 11 / 662.

 

[33]

قوله عليه السلام: وعاد أكثرها قصدا.. قال في القاموس: رمح قصد - ككتف - وقصيد واقصاد: متكسر (1) انتهى. وفي بعض النسخ: وعاد أكثرنا قعيدا.. أي قاعدا عن الحرب عاجزا، والقعيد: الجراد لم يستو جناحه (2)، ولعله تصحيف. قوله عليه السلام: ظللتم على النخيلة.. على بناء التفعيل، وفي بعض النسخ على الافعال.. أي أشرفتم، يقال: اظلك فلان: إذا دنا منك كأنه القى عليك ظله (3) فضمن معنى الاشراف، ويقال: ظللت اعمل كذا - بالكسر -: إذا عملته بالنهار (4)، فيمكن أن يقرأ على بناء المجرد، لكن فيه تكلف. قوله عليه السلام: نواصيكم.. أي تطيعوا إمامكم في لزوم معسكركم، فإن الاخذ بالناصية كناية عن الاطاعة، وفي بعض النسخ: قواصيكم.. أي تدعوا إلى حضور معسكركم الفرق القاصية البعيدة عنكم، ولعله أظهر. قوله عليه السلام: والى مصالحكم ترقى.. أي تصعد (5) وترفع من بينكم، أو من المهموز من رقأ الدمع إذا سكن (6)، ولا يبعد أن يكون بالزاء مهموزا من الرزء (7) بمعنى النقص فخفف، وفي بعض النسخ إلى مسالحكم - بالسين -.. أي ثغوركم (8) وهو الصواب.. أي يرقى العدو عليها.

 

(1) القاموس 1 / 327، ونظيره في لسان العرب 3 / 355، وغيره. (2) كما صرح به في الصحاح 2 / 526، وقاله في القاموس 1 / 328. (3) جاء في الصحاح 5 / 1756، ولسان العرب 11 / 418، وغيرهما. (4) ذكره في مجمع البحرين 5 / 415، والصحاح 5 / 1756، وغيرهما. (5) كما صرح به في مجمع البحرين 1 / 194، والقاموس 4 / 336، وغيرهما. (6) ذكره صاحب الصحاح فيه 1 / 53، والقاموس 1 / 16. (7) في حاشية (ك) حاشية غير معلمة لعل محلها هنا، وهي: يقال: ما رزأته - بالكسر -: ما نقصته، وارتزأ: انتقص. قاموس. القاموس المحيط 1 / 16 باختلاف يسير. (8) قاله في مجمع البحرين 2 / 374، والقاموس 1 / 229، وغيرهما.

 

[34]

قوله عليه السلام: تأسوا.. أي اقتدى بعضهم ببعض في التعاون والجد (1)، وفي بعض النسخ: بؤسوا - بضم الهمزة - من البأس - بمعنى الشدة في الحرب (2). قوله عليه السلام: فقد أبدت (3) الرغوة (4).. هذا مثل ساير يضرب لظهور الحق (5).

 

(1) قال في الصحاح 6 / 2268، والقاموس 4 / 299 ما نصه: تأسوا.. أي آسى بعضهم بعضا وآساه بماله مواساة.. أي جعله فيه اسوة. ولعل ما في المتن يرجع إلى ما ذكرناه، فتدبر. (2) كما جاء في القاموس 2 / 199، والصحاح 3 / 906 - 907، وغيرهما. (3) في (س): أبدب. وجاء في حاشية (ك) تعليقة غير معلمة، لعلها هنا، وهي: أبدى: لازم ومتعدي، يقال: أبديت في منطقك.. أي جرت، فيكون المعني بدأ الصريح عن الرغوة، ويجوز أن يكون متعد أو المفعول محذوف.. أي أبدى الصريح نفسه، وهذا المثل لعبيد الله بن زياد قاله لهاني بن عروة المرادي، وكان مسلم بن عقيل بن أبي طالب قد استخفى عنده أيام بعثه الحسين بن علي عليهما السلام، فلما عرف مكانه عبيد الله أرسل إلى هاني فسأله فكتمه، فتوعده وخوفه، فقال هاني: هو عندي، فعندها قال عبيد الله: أبدى الصريح عن الرغوة.. أي وضح الامر وبان. قال فضلة شعرا: ألم تسل الفوارس يوم غول * بنضلة وهو موتور مشيح رأوه فازدروه وهو حر * وينفع أهله الرجل القبيح ولم يخشوا مصالته عليهم * وتحت الرغوة اللبن الصريح ومعني البيت: رأواني فازدروني لدمامتي فلما كشفوا عني وجدوا غير ما رأوا ظاهرا، يضرب عند انكشاف الامر وظهوره. أقول: هذا ما ذكره الميداني في مجمع الامثال 1 / 103 بألفاظ مقاربة. (4) جاء في حاشية (ك) تعليقة غير معلمة ظاهرها هنا، وهي: والرغوة فيها ثلاث لغات: رغوة ورغوة ورغوة، وحكى الكسر فيها اللحياني وغيره، وهو زبد اللبن، وفي المثل: يسر حسوا في ارتغاء، يضرب لمن يظهر امرا ويريد غيره. الصحاح. أقول: انظر: مجمع الامثال للميداني 2 / 416، والمستقصى 2 / 412، وفرائد اللآلي 2 / 366، والعبارة كلها جاءت في الصحاح 6 / 2360. مثلها في لسان العرب 14 / 330 إلا أنه ليست فيه الجملة المعترضة، أعني وحكي الكسر.. إلى آخره. (5) كما جاء في كتب الامثال كمجمع الامثال 1 / 103، وفرائد اللآلي 1 / 84، وغيرهما.

 

[35]

قال الزمخشري في المستقصى (1): أبدى الصريح عن الرغوة هذا من مقلوب (2) الكلام، وأصله أبدت الرغوة عن الصريح، كقوله وتحت الرغوة اللبن الصريح. قال (3) عبيد الله بن زياد لهانئ بن عروة حين سأل (4) عن مسلم ابن عقيل (5) - وكان متواريا عنه - فجحد ثم اقر، يضرب في ظهور كامن الامر. قوله: انفا - ككتف أو كصاحب - ولعله من الانفة بمعنى الاستنكاف (6) والتكبر، والاظهر إلبا - باللام والباء - بقرينة حربا، يقال: هم عليه إلب - بالفتح والكسر - أي مجتمعون عليه باظلم والعداوة، والتأليب: التحريص والافساد، والالب - بالفتح -: التدبير على العدو من حيث لا يعلم والطرد الشديد (7)، والالب والحرب كثيرا ما يذكران معا، وعلى تقديرين لا بد من تجوز في اللام. وقال الجوهري (8): شببت النار والحرب أشبها شبا وشبوبا: إذا اوقدتهما. قوله عليه السلام: ولكن أسف يبريني.. أي يهزلني، من بريت السهم (9) أو ينبريني من انبرى له أي اعترض (10)، أو يريني من ورى القيح جوفه: افسده، وفلان فلانا اصاب رئته (11)، أو يريبني من اربيته.. أي زدته (12) يعني يزيدني هما،

 

(1) المستقصى 1 / 15. (2) في (س): مغلوب - بالغين المعجمة - وهو خلاف الظاهر. (3) في المستقصى: قاله. (4) في المصدر: سأله. (5) في المستقصى: مسلم بن عقيل بن أبي طالب. (6) كما جاء في القاموس 3 / 119، والصحاح 4 / 1333، وغيرهما. (7) ذكره في لسان العرب 1 / 215 - 216، والقاموس 1 / 37. (8) الصحاح 1 / 151، ونظيره في لسان العرب 1 / 481، وفيهما: أوقدتها. (9) قال في القاموس 4 / 303: وبراه السفر يبريه بريا: هزله. وقال في الصحاح 6 / 2280: وبريت (3) القلم بريا وبريت البعير أيضا: إذا حسرته وأذهبت لحمه. (10) كما جاء في الصحاح 6 / 2280، والقاموس 4 / 303، وغيرهما. (11) ذكره في القاموس 4 / 399، وتاج العروس 10 / 388. (12) نص عليه في النهاية 2 / 192، ولسان العرب 7 / 305، وغيرهما.

 

[36]

وكانت نسخ المنقول منه تحتمل الجميع. والدول - جمع دولة، بالضم -: هو ما يتداول من المال، فيكون لقوم دون قوم (1). وكتاب الله دغلا.. أي يخدعون الناس به (2). والدغل بالتحريك -: الفساد والشر والمكر (3). وحم له كذا - على المجهول - قدر (4). والخسف: الذل والمشقة والنقصان (5). والارق: السهر، وقد أرقت - بالكسر -.. أي سهرت.. فانا ارق، ذكره الجوهري (6). قوله: بغير نصر.. أي من الله تعالى، فينبغي أن يكون الصبر لله تعالى، فإن الصبر قد يكون لاجل الجبن عن الفرار وللحمية، ويمكن أن يقرأ بالبصر - بالباء -.. أي بالعلم أو البصيرة. قوله عليه السلام: وإنما الصبر بالنصر.. أي ما قرن الصبر إلا بالنصر، وفي بعض النسخ بالعكس، وهو ظاهر، ويؤيد الاول الفقرتان اللتان بعدهما، فإن المراد بهما أن الورود على الماء مقرون بالصدور. والصدر - بالفتح (7) - الرجوع،

 

(1) قاله في النهاية 2 / 140، ومقارب له في تاج العروس 7 / 326. (2) صرح به في لسان العرب 11 / 245، والنهاية 2 / 123. (3) قال في مجمع البحرين 5 / 372: دغل السريرة: خبثها ومكرها وخديعتها. وقال في الصحاح 4 / 1697: الدغل بالتحريك -: الفساد، مثل الدخل، وقال في صفحة: 1696 منه: والدخل: العيب والريبة.. وكذلك الدخل - بالتحريك - دخلا بينكم.. أي مكرا وخديعة. (4) كما جاء في القاموس 4 / 100، والصحاح 5 / 1904، وغيرهما. (5) قاله في الصحاح 4 / 1250، ولسان العرب 9 / 68. (6) صرح به في الصحاح في اللغة 4 / 1445، ولسان العرب 10 / 4، وغيرهما. (7) سقطت: بالفتح، عن (س).

 

[37]

وبالتحريك الاسم منه (1). والبرق مقرون بالمطر.. ويمكن أن يقرأ بالبصر هنا - أيضا بالباء -، فتفطن. وقد مر تفسير بعض الفقرات وسيأتي شرح بعضها فيما نقلناه وسننقل من خطبه عليه السلام. 2 - وروى السيد رضي الله عنه في الكتاب المذكور (2)، عن محمد بن يعقوب الكليني مما رواه في كتاب الرسائل، عن علي بن محمد ومحمد بن الحسن وغيرهما، عن سهل بن زياد، عن العباس بن عمران، عن محمد بن القاسم بن الوليد الصيرفي، عن المفضل، عن سنان بن ظريف، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يكتب بهذا الخطبة إلى (3) أكابر أصحابه، وفيها كلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. بسم الله الرحمن الرحيم، إلى المقربين في الاضلة، الممتحنين بالبلية، المسارعين في الطاعة، المنشئين (4) في الكرة، تحية منا إليكم، سلام عليكم، أما بعد: فإن نور البصيرة روح الحياة الذي لا ينفع إيمان إلا به مع اتباع (5) كلمة الله والتصديق بها، فالكلمة من الروح، والروح من النور، والنور نور السماوات والارض، فبأيديكم سبب وصل إليكم منا نعمة (6) من الله لا تعقلون (7) شكرها،

 

(1) ذكره في القاموس 2 / 68، ومجمع البحرين 3 / 363، وغيرهما. (2) كشف المحجة لثمرة المهجة: 189 - 193، باختلاف يسير. (3) في المصدر: إلى بعض.. (4) المنشرين: نسخة في (ك). وفي المصدر: المستيقنين بي الكرة. (5) في (ك) نسخة: اتباعه. (6) في المصدر: واتيان نعمة من.. (7) في كشف المحجة: لا تغفلون..

 

[38]

خصكم بها واستخلصكم لها * (وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) * (1) إن الله عهد أن لن يحل عقده أحد سواه، فتسارعوا إلى وفاء العهد (2)، وامكثوا (3) في طلب الفضل، فإن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر، وإن الآخرة وعد صادق (4) يقضي فيها ملك قادر، ألا وإن الامر كما قد (5) وقع لسبع بقين من صفر، تسير فيها الجنود، يهلك (6) فيها البطل الجحود، خيولها عراب، وفرسانها حراب (7)، ونحن بذلك واقفون (8)، ولما ذكرنا منتظرون انتظار المجدب المطر لينبت العشب، ويجنى الثمر، دعاني إلى الكتاب اليكم استنقاذكم من العمى، وإرشادكم باب الهدى، فاسلكوا سبيل السلامة، فإنها جماع الكرامة، اصطفى الله منهجه، وبين حججه (9)، وأرف أرفه (10)، ووصفه وحده وجعله نصا (11) كما وصفه (12)، إن العبد إذا أدخل حفرته يأتيه ملكان أحدهما منكر

 

(1) العنكبوت: 43. (2) في حاشية (ك) جملة لم يعلم عليها ولعل محلها هنا وهي: إتيان الواجبات، وفيها نسخة: الواجبتان، وسيذكرهما المصنف رحمه الله في بيانه. (3) في (س) ونسخة جاءت في (ك): واكمشوا. وهي بمعنى شمروا وجدوا في الطلب كما جاء في مجمع البحرين 4 / 153. (4) في (ك) نسخة: معاوق. قال في مفردات الراغب: 353: العائق: الصارف عما يراد من خير، ومنه عوائق الدهر، يقال: عاقه وعوقه واعتاقه، قال: قد يعلم الله المعوقين.. أي المثبطين الصارفين عن طريق الخير. والمعنى المناسب للمقام.. أي وعد غير حاضر يصرف الناس عن الدنيا. (5) لا توجد: قد في المصدر. (6) في (ك): ويهلك. (7) في المصدر: احزاب. (8) في كشف المحجة: واثقون، وهي نسخة في (ك). (9) في (س): حجبه. (10) في المصدر: وازف أزفة. (11) في (ك) نسخة: رصا. (12) هنا سقط جاء في المصدر: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

 

[39]

والآخر نكير، فأول ما يسألانه عن ربه، وعن نبيه، وعن وليه، فإن أجاب نجا وإن تحير عذباه. فقال قائل: فما حال من عرف ربه، وعرف نبيه، ولم يعرف وليه ؟. فقال: ذلك مذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. قيل: فمن الولي يا رسول الله (ص) ؟. فقال: وليكم في هذا الزمان أنا، ومن بعدي وصيي، ومن بعد وصيي لكل زمان حجج الله كي ما تقولوا كما قال الضلال قبلكم حيث (1) فارقهم (2) نبيهم: * (ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع ءاياتك من قبل أن نذل ونخزى) * (3)، وإنما كان تمام ضلالتهم جهالتهم بالآيات وهم الاوصياء (4) فأجابهم الله: * (قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى) * (5) وإنما كان تربصهم أن قالوا: نحن في سعة عن معرفة الاوصياء حتى يعلن إمام (6) علمه، فالاوصياء قوام عليكم (7) بين الجنة والنار، لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه، لانهم عرفاء العباد عرفهم الله إياهم عند أخذ المواثيق علهيم بالطاعة لهم، فوصفهم في كتابه فقال عزوجل: * (وعلى الاعراف رجال يعرفون كلا بسيمهم) * (8) وهم الشهداء على الناس، والنبيون شهداء لهم بأخذه (9) لهم مواثيق العباد بالطاعة، وذلك قوله: * (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا * يومئذ يود الذين

 

(1) في (ك) نسخة: حين، ولا توجد حيث ولا حين في المصدر. (2) في المصدر: من قبلكم فارقهم. (3) طه: 134. (4) في المصدر: وفهم الاوصياء. (5) طه: 134. (6) جاءت كلمة الامام في المصدر بالالف واللام. (7) في (ك): عليك. (8) الاعراف: 46. (9) نسخة في (ك): بأخذهم.

 

[40]

كقروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الارض ولا تكتمون الله حديثا) * (1). وكذلك (2) أوحى الله إلى آدم: أن يا آدم ! قد انقضت مدتك، وقضيت نبوتك، واستكملت أيامك، وحضر أجلك، فخذ النبوة وميراث النبوة واسم الله الاكبر فادفعه إلى ابنك: هبة الله، فإني لم أدع الارض بغير علم يعرف، فلم تزل (3) الانبياء والاوصياء يتوارثون ذلك حتى انتهى الامر إلي، وأنا أدفع ذلك إلى علي وصيي، وهو مني بمنزلة هارون من موسى، وإن عليا يورث ولده حيهم عن ميتهم، فمن سره أن يدخل جنة ربه فليتول عليا والاوصياء من بعده، وليسلم لفضلهم، فإنهم الهداة بعدي، أعطاهم الله فهمي وعلمي، فهم عترتي من لحمي ودمي، أشكوا إلى الله عدوهم والمنكر لهم فضلهم، والقاطع عنهم صلتي، فنحن أهل البيت (4) شجرة النبوة ومعدن الرحمة ومختلف الملائكة، وموضع الرسالة، فمثل أهل بيتي في هذه الامة كمثل سفينة نوح (ع) من ركبها نجى ومن تخلف عنها هلك (5)، ومثل باب حطة في بني اسرائيل من دخله غفر له، فأيما (6) راية خرجت ليست من أهل بيتي فهي الدجالية، إن الله اختار لدينه أقواما انتجبهم للقيام عليه والنصر له، طهرهم بكلمة الاسلام، وأوحى إليهم (7) مفترض القرآن، والعمل بطاعته في مشارق الارض ومغاربها، إن الله خصكم بالاسلام، واستخلصكم له، وذلك لانه أمتع (8) سلامة، وأجمع كرامة، اصطفى الله منهجه،

 

(1) السناء: 41 - 42. (2) في نسخة جاءت على حاشية (ك): ولذلك. (3) في المصدر: فلم يزل. (4) في كشف المحجة: أهل بيت.. (5) حديث السفينة سبق، وقد ذكرنا له جملة مصادر، وجاء بألفاظ مختلفة. انظر: الغدير 10 / 280 وما بعدها وغيره. (6) نسخة في (ك): فإنما. (7) في (س): إليه. (8) في المصدر ونسخة في (ك): أمنع.

 

[41]

ووصفه ووصف أخلاقه، ووصل أطنابه من ظاهر علم وباطن حكم (1)، ذي حلاوة ومرارة، فمن طهر (2) باطنه رأى عجائب مناظره في موارده ومصادره، ومن فطن لما بطن (3) راى مكنون الفطن (4) وعجائب الامثال والسنن، فظاهره أنيق (5)، وباطنه عميق، ولا تفنى (6) غرائبه، ولا تنقضي عجائبه، فيه مفاتيح الكلام، ومصابيح الظلام، لا يفتح الخيرات إلا بمفاتحه، ولا تكشف الظلمات إلا بمصابيحه، فيه تفصيل وتوصيل، وبيان الاسمين الاعلين اللذين جمعا فاجتمعا، لا يصلحان إلا معا، يسميان فيفترقان، ويوصلان فيجتمعان، تمامهما في تمام أحدهما، حواليها (7) نجوم، وعلى نجومها نجوم، ليحمي حماه، ويرعى مرعاه، وفي القرآن تبيانه وبيانه (8) وحدوده وأركانه، ومواضع مقاديره، ووزن ميزانه، ميزان العدل، وحكم الفصل، إن دعاة (9) الدين فرقوا بين الشك واليقين، وجاؤا بالحق، بنوا للاسلام (10) بنيانا فأسسوا له أساسا وأركانا، وجاؤا على ذلك شهودا بعلامات وأمارات، فيها كفي المكتفي، وشفاء المشتفي (11)، يحمون (12) حماه، ويرعون مرعاه، ويصونون مصونه، ويفجرون عيونه، بحب الله وبره وتعظيم أمره وذكره بما يحب أن يذكر به، يتواصلون بالولاية، ويتنازعون بحسن الرعاية،

 

(1) في المصدر: حلم، وهي نسخة في (ك). (2) في كشف المحجة: ظهر. (3) هنا زيادة في المصدر وهي: لما فطر. (4) في (ك) نسخة: مكتوم الفتن. (5) الانيق: المعجب، كما ذكره في مجمع البحرين 5 / 136. (6) ولا تغني: نسخة جاءت في (ك). (7) نسخة في (ك): عليهما. (8) لا يوجد في المصدر: وبيانه. (9) في كشف المحجة: رعاة. (10) في المصدر: الاسلام. (11) في المصدر: المستشفى. (12) في طبعة (ك): يحومون.

 

[42]

ويتساقون (1) بكأس رؤية، ويتلاقون بحسن التحية، وأخلاق سنية، قوام علماء أمناء (2)، لا يسوق (3) فيهم الريبة، ولا تشرع (4) فيهم الغيبة، فمن استبطن من ذلك شيئا استبطن خلقا سنيا (5)، فطوبى لذى قلب سليم أطاع من يهديه، واجتنب من يرديه، ويدخل مدخل كرامة، وينال سبيل سلامة، تبصرة لمن بصره، وطاعة لمن يهديه (6) إلى أفضل الدلالة، وكشفا لغطاء (7) الجهالة المضلة المهلكة، ومن أراد بعد هذا فليظهر بالهدى (8) دينه، فإن الهدى لا تغلق أبوابه (9)، وقد فتحت أسبابه ببرهان وبيان، لامرئ (10) استنصح وقبل نصيحة من نصح بخضوع وحسن خشوع، فليقبل امرئ بقبولها، وليحذر قارعة قبل حلولها، والسلام. توضيح: إلى المقربين في الاظلة.. أي الذين قربوا إلى الله أو (11) إلينا في عالم الظلال وعالم الارواح قبل حلولها الاجساد، وفي بعض النسخ: المقرين.. أي أقروا بإمامتنا في عالم الارواح عند الميثاق. قوله عليه السلام: المنشئين.. وفي بعض النسخ: المنشرين.. أي الذين

 

(1) نسخة: يتناسقون، ونسخة أخرى: يتراشفون، جاءتا في (ك)، وسيتعرض لهما المصنف - في بيانه - طاب ثراه. (2) في المصدر: علماء وأوصياء. (3) نسخة في (ك): يسوغ. (4) نسخة في (ك): لا تسرع. (5) في كشف المحجة: سيئا. (6) في المصدر: لمن أطاع يهديه. (7) في كشف المحجة: وكشف غطاء. (8) في المصدر: بالمهدي. (9) في المصدر: فإن المهدي لا يغلق بابه.. (10) كذا، وفي كشف المحجة: لامر. (11) خ. ل: و، بدلا من: أو.

 

[43]

ينشرهم الله ويبعثهم وينشئهم بعد موتهم في الرجعة، أي هذا كتاب إلى المقربين، و (تحية) حال، أو خبر ثان، أو خبر مبتدأ محذوف يفسره قوله: سلام عليكم، أو (سلام) مبتدأ و (تحية) خبره، وفي الاخير بعد. وقوله عليه السلام: كلمة الله.. مبتدأ، وقوله: مع اتباعه.. خبره، والضمير راجع إلى الروح أو النور، أو الضمير راجع إلى المؤمن بقرينة المقام، وكلمة (الله) مفعول المصدر، ويؤيده أن في بعض النسخ: مع اتباع.. فيكون حال [كذا] عن المضير المجرور. والحاصل، أن نور البصيرة - وهي الولاية ومعرفة الائمة (ع) - يصير سببا لتعلق روح الايمان، وبروح الايمان يحصل ويكمل التوحيد الخالص المقبول، والنور هو الذي مثل الله تعالى به نوره في القرآن المجيد في آية النور (1)، والسبب الذي بأيدي الشعبة أيضا الولاية التي هي سبب التقرب إلى الله والنجاة من عقابه، أو حججها وبراهينها، أو علومهم ومعارفهم التي علموها مواليهم، والاحكام (2) والشرائع خاصة، فإنها الوسيلة إلى التقرب إليه تعالى والى حججه عليهم السلام، ويؤيده ما في بعض النسخ وهو قوله: إتيان الواجبات.. وفي بعضها: إتيان واجبتان [كذا] - أي الكتاب وأهل البيت عليهم السلام - وإنما أتي بصيغة المفرد أولا وثانيا لارتباطهما بل اتحادهما حقيقة، و (نعمة) بدل أو عطف بيان للسبب، أو خبر الضمير الراجع إليه. قوله عليه السلام: أن لن يحل عقده.. لعل المراد عقد الامامة.. أي ليس للناس أن يحلوا عقدا وبيعة عقده الله تعالى لي في زمن الرسول صلى الله عليه وآله، وفي بعض النسخ: عقده الاهواء.. أي لا يحل ما عقده الله تعالى لاحد آراء الناس وأهوائهم.

 

(1) النور: 35. (2) في (س): بالاحكام.

 

[44]

وقوله عليه السلام: كما قد وقع.. لعله إشارة إلى الصلح والرضا بالحكمين، أو إلى بعض غزواة الصفين (1)، فعلى الاول سير الجنود إشارة إلى قتال الخوارج، وعلى الثاني إلى ما أراد عليه السلام من الرجوع إلى قتال معاوية. والحراب: مصدر كالمحاربة، وجمع حربة (2)، وفيها هنا تجوز، ويمكن أن يقرأ بالضم والتشديد جمع حارب، وفي بعض النسخ: أحزاب.. أي أحزاب الشرك الذين حاربوا الرسول صلى الله عليه وآله. والارف، كغرف جمع: أرفة - بالضم -، وهي الحد بين الارضين، وأرف على الارض تأريفا جعل لها حدودا وقسما (3). ونص الشئ: أظهره (4). وفي بعض النسخ: رصا - بالراء - من قولهم: رص البناء رصا: إذا لصق بعضه ببعض (5). قوله عليه السلام: حيهم (6).. أي يرص حيهم (7). والمراد بالاسمين الاعلين: كلمتا التوحيد، أو القرآن وأهل البيت عليهم السلام، والمراد بالنجوم أولا الائمة، وثانيا الدلائل الدالة على إمامتهم. قوله عليه السلام: ليحيى حماه.. الضمير راجع إلى الاسلام، وحماه ما حرمه الله فيه، ومرعاه ما أحله، وميزان العدل بيان للميزان، وحكم الفصل الحكم الذي يفصل بين الحق والباطل، ويقال: كفيك من رجل - مثلثة - حسبك (8).

 

(1) كذا، ولعله من باب إضافة المظروف إلى ظرفه، أي غزواة من الصفين. (2) كما جاء في القاموس 1 / 53، ولسان العرب 1 / 303، وغيرهما. (3) قاله في لسان العرب 9 / 4، والقاموس 3 / 117. (4) ذكره في تاج العروس 4 / 440، والقاموس 2 / 319، وغيرهما. (5) صرح به في الصحاح 3 / 1041، ولسان العرب 7 / 40. (6) و (7) في (س): حبهم. (8) كما جاء في القاموس 4 / 383، وتاج العروس 10 / 316 وغيرهما.

 

[45]

وقوله: يحب (1) الله.. إما متعلق بيفجرون، أو به وبما قبله على التنازع، أو بقوله: يتواصلون. قوله: ويتساقون.. تفاعل من السقي. وفي بعض النسخ: يتناسقون.. أي يتتابعون (2)، وفي بعضها: يتراشفون من قولهم رشف الماء: مصه (3). أقول: وكانت النسخ التي عندنا سقيمة فصححناها على ما تيسر من اجتماعها، وعسى أن تيسر نسخة أخرى أقرب إلى الصحة، وبالله التوفيق. * * * * *

 

(1) في (س): بجب، والظاهر بحب - بالحاء المهملة -. (2) قال في القاموس 3 / 285: وناسق بينهما: تابع، وتناسقت الاشياء وانتسقت وتنسقت بعضها إلى بعض بمعنى. وقال في النهاية 5 / 48: ناسق بمعنى تابع. (3) صرح بذلك في القاموس 3 / 144، ولسان العرب 9 / 119.

 

[47]

[17] باب احتجاج الحسين عليه السلام على عمر وهو على المنبر 1 - ج (1): روي أن عمر بن الخطاب كان يخطب الناس على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله فذكر في خطبته أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم. فقال له الحسين عليه السلام من ناحية المسجد: انزل أيها الكذاب عن منبر أبي رسول الله صلى الله عليه وآله، لا منبر (2) أبيك. فقال له عمر: فمنبر أبيك لعمري يا حسين ! لا منبر أبي، من علمك هذا (3) ؟ أبوك (4) علي بن أبي طالب ؟. فقال له الحسين: إن أطع أبي فيما أمرني فلعمري إنه لهاد وأنا مهتد به، وله في رقاب الناس البيعة على عقد رسول الله (ص) نزل بها جبرئيل عليه السلام من عند الله تعالى لا ينكرها أحد إلا جاحد بالكتاب، قد عرفها الناس بقلوبهم وأنكروها بألطسنتهم، وويل للمنكرين حقنا أهل البيت (ع)، ماذا يلقاهم به محمد رسول الله صلى الله عليه وآله من إدامة الغضب وشدة العذاب ؟ !.

 

(1) الاحتجاج 2 / 292 [طبعة النجف 2 / 13 - 15] تحت عنوان، احتجاج الحسين بن علي عليهما السلام على عمر.. (2) في (س): إلى منبر.. وهو الظاهر. (3) إلى هنا ورد في تاريخ ابن عساكر 4 / 321، وفيه: من أمرك بهذا. وحكاه عنه في الغدير 7 / 126. (4) لا توجد: أبوك، في (س).

 

[48]

فقال (1) عمر: يا حسين ! من أنكر حق أبيك فعليه لعنة الله ! أمرنا الناس فتأمرنا، ولو أمروا أباك لاطعنا، فقال له الحسين (ع): يا بن الخطاب ! فأي الناس أمرك على نفسه قبل أن تؤمروا أبا بكر على نفسك ليؤمرك على الناس بلا حجة من نبي ولا رضى من آل محمد ؟ ! فرضاكم كان لمحمد عليه وآله السلام رضى، أو رضى أهله كان له سخطا ؟ ! أما والله لو أن للسان مقالا يطول تصديقه، وفعلا يعينه المؤمنون لما تخطيت رقاب آل محمد (ص)، ترقى منبرهم وصرت الحاكم عليهم بكتاب نزل فيهم، لا تعرف معجمه، ولا تدري تأويله إلا سماع الآذان، المخطئ والمصيب (2) عندك سواء، فجزاك الله جزاك، وسألك عما أحدثت سؤالا حفيا. قال: فنزل عمر مغضبا، ومشى معه أناس من أصحابه حتى أتى باب أمير المؤمنين صلواتت الله عليه، فاستأذن عليه فأذن له، فدخل فقال: (3): يا أبا الحسن ! ما لقيت من (4) ابنك الحسين ؟ ! يجهرنا بصوت في مسجد رسول الله (ص) ويحرض علي الطغام وأهل المدينة ؟ !. فقال له الحسن عليه السلام: مثل (5) الحسين بن النبي صلى الله عليه وآله يستحث (6) بمن لا حكم له، أو يقول بالطغام على أهل دينه، أما والله ما نلت ما نلت (7) إلا بالطغام، فلعن الله من حرض الطغام !. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: مهلا يا أبا محمد ! فإنك لن تكون قريب الغضب، ولا لئيم الحسب، ولا فيك عروق من السودان، اسمع كلامي، ولا

 

(1) في (ك): فقال له. (2) وضع على كلمة: المصيب في المطبوع من البحار رمز نسخة بدل، وهي موجودة في المصدر. (3) في (ك): فقال له. (4) في الاحتجاج: ما لقيت اليوم من.. (5) في المصدر: على مثل.. (6) في الاحتجاج: يشخب، بدلا من: يستحث. (7) لا توجد: ما نلت، الثانية في المصدر. وفي (ك): تحت (ما) الاولى.. أي نافيه، وتحت (ما) الثانية.. أي موصولة.

 

[49]

تعجل بالكلام. فقال له عمر: يا أبا الحسن ! إنهما ليهمان في أنفسما بما لا يرى بغير الخلافة. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: هما أقرب نسبا برسول الله صلى الله على وآله من أبيهما (1) أما فأرضهما - يا بن الخطاب - بحقهما يرض عنك من بعدهما. قال: وما رضاهما يا أبا الحسن ؟ قال: رضاهما الرجعة عن الخطيئة، والتقية عن المعصية بالتوبة. فقال له عمر: أدب - يا أبا الحسن - ابنك أن لا يتعاطى السلاطين الذين هم الحكماء (2) في الارض. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أنا أودب أهل المعاصي على معاصيهم، ومن أخاف عليه الزلة والهلكة، فأما من ولده (3) رسول الله (ص) لا يحل (4) أدبه، فإنه ينتقل (5) إلى أدب خير له منه، أما فارضهما يا بن الخطاب !. قال: فخرج عمر فاستقبله عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، فقال له عبد الرحمن (6): يا أبا حفص ! ما صنعت وقد (7) طالت بكما الحجة ؟. فقال له عمر: وهل حجة مع ابن أبي طالب وشبليه ؟ !. فقال له عثمان: يا بن الخطاب ! هم بنو عبد مناف الاسمنون والناس عجاف. فقال له عمر: ما أعد (8) ما صرت إليه فخرا فخرت به، أبحمقك (9) ؟. فقبض عثمان على مجامع ثيابه ثم جذبه ورده، ثم قال (10): يا بن الخطاب ! كأنك تنكر ما أقول. فدخل بينهما عبد الرحمن بن عوف

 

(1) في الاحتجاج: من أن يهما، بدلا من: من أبيهما. (2) في (ك) نسخة: الحكام. (3) في الاحتجاج: والده.. (4) في المصدر: ونحله ادبه، وفي نسخة في (ك): لا يخل.. (5) في الاحتجاج: لا ينتقل. (6) في (ك): عبد الرحمن بن عوف. (7) في المصدر: فقد. (8) في (ك): أعذ. (9) لا توجد همزة الاستفهام في المصدر. (10) في الاحتجاج: نبذ به، ورده ثم قال له..

 

[50]

وفرق بينهما، وافترق القوم (1). بيان: قوله عليه السلام: إلا سماع الآذان.. أي لا تعرف معنى الكتاب إلا بما تسمعه الآذان من الناس، وفي بعض النسخ: الفعلان - بصيغة الغيبة - أي لا يمكن معرفة الكتاب وتأويله إلا (2) بالسماع ممن ينتهي عمله إلى الوحي الالهي. والحفاوة والحفاية (3) والاحفاء: الاستقصاء في السؤال (4). والتحريض على القتال: الحث (5) والترغيب والتحريض عليه. والطغام: الاراذل (6). قوله: ليهمان.. أي يقصدان أمرا لا يحصل إلا بالخلافة، فأجاب عليه السلام بأن الخلافة غير بعيد منهما، فإن أباهما خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وهما أقرب نسبا به صلى الله عليه وآله منه. قوله عليه السلام: فإنه ينتقل.. أي يترقى بنفسه في الآداب الحسنة من غير تأديب، ويحتمل الاستفهام الانكاري، ويؤيده أن في بعض النسخ: ويحك ! أأؤدبه ؟ ! فإنه ينتقل.. والسمن.. كناية عن وفور المال والشرف، كما أن العجف.. كناية عن

 

(1) وتجد نظائر هذه الاحتجاجات من ريحانتي رسول الل وسيدي شباب أهل الجنة سلام الله عليهما كثيرة. انظر كتب العامة: الرياض النضرة 1 / 139، الصواعق المحرقة: 108، تاريخ الخلفاء للسيوطي: 4، كنز العمال 3 / 132، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 / 17، وغيرها. (2) في (س): أي، بدلا من: إلا. (3) وقال في القاموس 4 / 318: وحفى به - كرضى - حفاوة ويكسر وحفاية - بالكسر - وتحفاية فهو حاف وحفي - كغني - وتحفى، واحتفى: بالغ في إكرامه وأظهر السرور والفرح، وأكثر السؤال عن حاله. (4) كما في مجمع البحرين 1 / 104، والنهاية 1 / 410، وغيرهما. (5) قاله في القاموس 2 / 327، وانظر: الصحاح 3 / 1070. (6) ذكره في النهاية 3 / 128، والصحاح 5 / 1975، وغيرهما.

 

[51]

عدمهما وقلتهما. 2 - كشف (1): عن زيد بن علي، عن أبيه، أن الحسين بن علي عليهما السلام أتى عمر بن الخطاب - وهو على المنبر يوم الجمعة - فقال له: انزل عن منبر أبي. فبكى عمر، ثم قال: صدقت يا بني، منبر أبيك لا منبر أبي ! فقال علي عليه السلام: ما هو والله عن رأيي. فقال: صدقت ! والله ما اتهمتك (2) يا أبا الحسن، ثم نزل عن المنبر فأخذه فأجلسه إلى جانبه على المنبر فخطب الناس - وهو جالس على المنبر معه (3) -، ثم قال: أيها الناس ! سمعت نبيكم صلى الله عليه وآله يقول: احفظوني في عترتي وذريتي، فمن حفظني فيهم حفظه الله، ألا لعنة الله على من آذاني فيهم.. ثلاثا. 3 - ما (4): ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن محمد بن عيسى الضرير، عن محمد بن زكريا المكي، عن كثير بن طارق، عن زيد.. مثله. * * *

 

(1) كشف الغمة في معرفة الائمة 1 / 552 [المطبعة العلمية قم: 1 / 416]. (2) في المصدر: ما أتهمك.. ونظير ما في المتن في أمالي الشيخ. (3) في (ك): وهو جالس معه على المنبر.. وهي موافقة لما في الامالي. (4) أمالي الشيخ الطوسي 2 / 313 - 314، وحكاه عنه في معالم الزلفى 59. أقول: ما في الامالي عين ما في الكشف متنا لا إسنادا، وفيه: عن كثير، عن زيد بن علي، عن أبيه.. وما قبل كثير لم نجده هناك، فراجع.

 

[53]

[18] باب في ذكر ما كان من حيرة الناس بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وغصب الخلافة، وظهور جهل الغاصبين وكفرهم ورجوعهم إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقد أوردنا كثيرا من ذلك في أبواب الاحتجاج (1)، ونورد هاهنا أمثالها بأسانيد أخرى لمناسبتها لهذا الكتاب أيضا، ولكونها مشتملة على تغييرات وزيادات. 1 - إرشاد القلوب (2): بحذف الاسناد مرفوعا إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: كان من البلاء العظيم الذي ابتلى الله عزوجل به قريشا بعد نبيها صلى الله عليه وآله ليعرفها أنفسها ويجرح (3) شهادتها على ما ادعته على رسول الله

 

(1) في مطبوع البحار الاحتجات، ولعله: الاحتجات. انظر: بحار الانوار، المجلد العاشر، في احتجاجاتهم عليهم السلام في فروع ومسائل مختلفة. (2) إرشاد القلوب 2 / 92 - 108 [2 / 299 - 315] في كلامه مع الجاثليق. وقد ذكرنا أكثر الاختلافات بين المصدر والمتن مع عدم تثبتنا من صحة هذه الطبعة لكثرة ما فيها من أغلاط (3) في المصدر: وتخرج..

 

[54]

صلى الله عليه وآله بعد وفاته، ودحض حجتها، وكشف غطاء (1) ما أسرت في قلوبها، وأخرجت ضغاينها لآل رسول الله صلى الله عليه وآله أجمعين وأزالتهم عن إمامتهم، وميراث كتاب الله فيهم، ما عظمت خطيئته، وشملت فضيحته، ووضحت هداية الله فيه لاهل (2) دعوته وورثة نبيه صلى الله عليه وآله، وأنارت (3) به قلوب أوليائهم، وغمرهم نفعه وأصابهم بركاته: أن (4) ملك الروم لما بلغه وفاة (5) رسول الله صلى الله عليه وآله وخبر أمته واختلافهم في الاختيار عليهم، وتركهم سبيل هدايتهم، وادعائهم على رسول الله صلى الله عليه وآله أنه لم يوص إلى أحد بعد وفاته صلى الله عليه وآله، وإهماله إياهم يختاروا (6) لانفسهم، وتوليتهم الامر بعده الاباعد من قومه، وصرف ذلك عن أهل بيته وورثته وقرابة (7)، دعا علماء بلده واستفاهم (8) فناظرهم في الامر الذي ادعته قريش بعد نبيها صلى الله عليه وآله وفيما جاء به محمد صلى الله عليه وآله فأجابوه بجوابات من حججهم على أنه (9) محمد صلى الله عليه وآله، فسأل أهل مدينة أن يوجههم إلى المدينة لمناظرتهم والاحتجاج عليهم، فأمر الجاثليق أن يختار من أصحابه وأساقفته، فاختار منهم مائة رجل، فخرجوا يقدمه جاثليق لهم قد أقرت العلماء له جميعا بالفضل والعلم، متبحرا (10) في علمه يخرج الكلام من تأويله، ويرد كل فرع

 

(1) لا توجد في المصدر: وكشف غطاء. (2) لا توجد: لاهل، في المصدر. (3) في المصدر: وأثارت. (4) زيادة في المصدر قبل كلمة أن، وهي: وعمهم نفعه وأضاء به برهانه ان.. (5) في إرشاد القلوب: خبر وفاة.. (6) في إرشاد القلوب: حتى يختاروا. (7) في المصدر: وذريته وأقرباؤه. (8) في إرشاد القلوب ونسخة جاءت على (ك): وأساقفتهم. (9) في (ك): أمة. (10) في (ك): متجرءا.

 

[55]

إلى أصله، ليس بالخرق (1) ولا بالنزق (2) ولا بالبليد والرعديد (3)، ولا النكل (4) ولا الفشل، ينصت لمن يتكلم، ويجيب إذا سئل، ويصبر إذا منع، فقدم المدينة بمن معه من خيار (5) أصحابه حتى نزل القوم عن رواحلهم، فسأل أهل المدينة عمن أوصى إليه محمد صلى الله عليه وآله ومن قام مقامه فدلوه على أبي بكر، فأتوا مسجد رسول الله، فدخلوا، على أبي بكر وهو في حشدة (6) من قريش فيهم عمر بن الخظاب وأبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد وعثمان بن عفان وأنا في القوم (7)، فوقفوا عليه فقال زعيم القوم: السلام عليكم.. فردوا عليه السلام، فقال: أرشدونا إلى القائم مقام نبيكم فإنا قوم من الروم، وإنا على دين المسيح عيسى بن المريم عليهما السلام، فقدمنا (8) لما بلغنا وفاة نبيكم واختلافكم نسأل (9) عن صحة نبوته ونسترشد لديننا، ونتعرف (10) دينكم، فإن كان أفضل من ديننا دخلنا فيه وسلمنا وقبلنا الرشد منكم طوعا وأجبناكم إلي دعوة نبيكم (ص)، وإن يكن على

 

(1) الحمق وضعف العقل، كذا جاء في حاشية (ك). أقول: قال في النهاية 2 / 16: الخرق - بالضم -: الجهل والحمق. (2) جاء في (ك) كذا: نزق - كفرح وضرب -: طاش وحف عند الغذب، قاموس. انظر: القاموس 3 / 285. وفي المصدر: البزق. قال في القاموس 3 / 213: بزق: بسق، والارض: بذرها، والشمس: بزغت. (3) فسره في حاشية (ك) ب: الجبان، قاله في القاموس 1 / 295. وفي المصدر: الرعيد. (4) نكل عن العدو وعن اليمين ينكل - بالضم -: أي جبن، والناكل: الجبان الضعيف. صحاح. كذا جاء في حاشية (ك). انظر: الصحاح 5 / 1835. (5) في المصدر: اخبار قومه - بالباء الموحدة -، والظاهر: أخيار، أو أحبار. (6) في حاشية (ك) عبارة وهي: عندي حشد من الناس: أي جماعة. صحاح. انظر: صحاح اللغة 2 / 2465، وفيه: حسك. كما في الارشاد. قال في القاموس 3 / 298: الحسك: الحقد والعداوة، وحسك: غضب. (7) في إرشاد القلوب: وباقي القوم، بدلا من: وأنا في القوم. (8) في المصدر: قدمنا. (9) في (س): لنسأل. (10) في المصدر: نتعرض.

 

[56]

خلاف ما جائت به الرسل وجاء به عيسى عليه السلام رجعنا إلى دين المسيح فإن عنده من عهد رأينا فيه أنبياءه (1) ورسله دلالة ونورا واضحا، فأيكم صاحب الامر بعد نبيكم صلى الله وعليه وآله ؟. فقال عمر بن الخطاب: هذا صاحبنا (2) وولي الامر بعد نبينا. قال الجاثليق: هو هذا الشيخ ؟ !. فقال (3): نعم. فقال: يا شيخ (4) ! أنت القائم الوصي لمحمد صلى الله عليه في أمته ؟. وأنت العالم المستغنى بعلمك مما علمك (5) نبيك من أمر الامة وما تحتاج إليه ؟. قال أبو بكر: لا، ما أنا بوصي. قال له: فما أنت ؟ !. قال عمر: هذا خليفة رسول الله. قال النصراني: أنت خليفة رسول الله استخلفك في أمته ؟. قال أبو بكر لا. قال: فما هذا الاسم الذي ابتدعتموه وإدعيتموه بعد نبيكم ؟ !. فإنا قد قرأنا كتب الانبياء صلوات الله عليهم فوجدنا الخلافة لا تصلح إلا لنبي من أنبياء الله، لان الله تعالى جعل آدم خليفة في الارض فرض طاعته على أهل السماء والارض، ونوه (6) باسم داود عليه السلام فقال: * (يا داود إنا جعلناك خليفة في الارض) * (7)

 

(1) في المصدر: ربنا في أنبيائه. وهي نسخة في مطبوع البحار. (2) في إرشاد القلوب زيادة: هذا صاحب أمر نبينا بعده قالوا صاحبنا.. (3) في المصدر: فقالوا. (4) في المصدر: أيها الشيخ.. (5) لا توجد في المصدر: مما علمك. (6) نوه وبه: دعاه ورفعه، قاله في القاموس 4 / 294. (7) سورة ص: 26.

 

[57]

كيف تسميتم بهذا الاسم ؟ ومن سماك به ؟ أنبيك سماك به ؟. قال: لا، ولكن تراضوا الناس فولوني واستخلفوني. فقال: أنت خليفة قومك لا نبيك (2)، وقد قلت إن النبي لم يوص إليك، وقد وجدنا في كتب من (3) سنن الانبياء، إن الله لم يبعث نبيا إلا وصي يوصي إليه (4)، ويحتاج الناس كلهم إلى علمه وهو مستغن عنهم، وقد زعمت أنه لم يوص كما أوصت الانبياء، وادعيت أشياء لست بأهلها، وما أراكم إلا وقد دفعتم نبوة محمد وقد أبطلتم سنن الانبياء في قومهم. قال: فالتفت (5) الجاثليق إلى أصحابه وقال: إن هؤلاء يقولون إن محمدا لم يأتهم بالنبوة وإنما كان أمره بالغلبة، ولو كان نبيا لاوصى كما أوصت الانبياء، وخلف فيهم كما خلفت الانبياء من الميراث والعلم، ولسنا نجد عند القوم أثر ذلك، ثم التفت كالاسد، فقال: يا شيخ ! أما أنت فقد أقررت أن محمدا (6) لم يوص إليك ولا استخلفك وإنما تراضوا الناس بك، ولو رضي الله عزوجل برضى (7) الخلق واتباعهم لهواهم واختيارهم لانفسهم ما بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وآتاهم الكتاب والحكمة ليبينوا للناس ما يأتون ويذرون وما فيه يختلفون: * (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) * (8)، فقد دفعتم النبيين عن رسالاتهم، واستغنيتم بالجهل من اختيار الناس عن اختيار الله عزوجل الرسل للعباد، واختيار الرسل لامتهم، ونراكم تعظمون بذلك الفرية على الله عز

 

(1) في المصدر: فكيف تسميت.. (2) في المصدر: لا خليفة نبيك. (3) لا توجد: كتب من، في المصدر. (4) في إرشاد القلوب: يوصي به اليوم. (5) في المصدر: ثم التفت. (6) في المصدر: محمدا النبي. (7) في إرشاد القلوب: لرضى. (8) النساء: 165 (*).

 

[58]

وجل وعلى نبيكم، ولا ترضون إلا أن تسسموا بعد ذلك بالخلافة، وهذا لا يحل إلا لنبي أو وصي نبي، وإنما تصح الحجة لكم بتأكيدكم النبوة لنبيكم وأخذكم بسنن الانبياء في هداهم، وقد تغلبتم فلا بد لنا أن نحتج عليكم فيما أدعيتم حتى نعرف سبيل ما تدعون إليه، ونعرف الحق فيكم بعد نبيكم، أصواب ما فعلتم بإيمان أم كفرتم بجهل (1) ؟. ثم قال: يا شيخ ! أجب. قال: فالتفت أبو بكر إلى أبي عبيدة ليجيب عنه، فلم يحر جوابا، ثم التفت الجاثليق إلى أصحابه فقال: بناء القوم على غير أساس ولا أرى لهم حجة، أفهمتم ؟. قالوا: بلى. ثم قال لابي بكر: يا شيخ ! أسألك ؟. قال: سل. قال: أخبرني عني وعنك ما (2) أنت عند الله، وما أنا عند الله (3) ؟. قال: أما أنا فعند نفسي مؤمن، وما أدري ما أنا عند الله فيما بعد، وأما أنت فعندي كافر، وما (4) أدري ما أنت عند الله ؟. قال الجاثليق: أما أنت فقد منيت نفسك الكفر بعد الايمان، وجهلت مقامك في إيمانك، أمحق أنت فيه أم مبطل، وأما أنا فقد منيتني الايمان بعد الكفر، فما أحسن حالي وأسوأ (5) حالك عند نفسك، إذ كنت لا توقن بما لك عند الله، فقد شهدت لي بالفوز والنجاة، وشهدت لنفسك بالهلاك والكفر.

 

(1) في المصدر: بإيمان أو بجهل وكفرتم.. (2) في (ك): وما. (3) لا توجد: عند الله.. في المصدر. (4) في (ك): ولا. بدلا من: وما، وفي المصدر: ولا أدري ما أدري قال:.. (5) في المصدر: ما أسوء..

 

[59]

ثم التفت إلى أصحابه فقال: طيبوا نفسا (1) فقد شهد لكم بالنجاة بعد الكفر، ثم التفت إلى أبي بكر فقال: يا شيخ ! اين مكانك الساعة من الجنة إذا ادعيت الايمان، وأين مكاني من النار ؟ !. قال: فالتفت أبو بكر إلى عمر وأبو عبيدة مرة أخرى ليجيبا عنه، فلم ينطق أحدهما (2). قال: ثم قال: ما أدري أين مكاني وما حالي عند الله ؟. قال الجاثليق: يا هذا ! أخبرني كيف استجزت لنفسك أن تجلس في هذا المجلس وأنت محتاج إلى علم غيرك ؟ فهل في أمة محمد (3) من هو أعلم منك ؟. قال: نعم. قال: ما أعلمك وإياهم إلا وقد حملوك أمرا عظيما، وسفهوا بتقديمهم إياك على من هو أعلم منك، فإن كان الذي هو أعلم منك يعجز عما سألتك كعجزك فأنت وهو واحد في دعواكم، فأرى نبيكم إن كان نبيا فقد ضيع علم الله عزوجل وعهده وميثاقه الذي أخذه على النبيين من قبله في إقامة الاوصياء لامتهم حيث لم يقم وصيا ليتفرغوا (4) إليه فيما (5) تتنازعون (6) في أمر دينكم، فدلوني على هذا الذي هو أعلم منكم، فعساه في العلم أكثر منك في (7) محاورة وجواب وبيان وما يحتاج إليه من أثر النبوة وسنن الانبياء، ولقد ظلمك القوم وظلموا أنفسهم فيك. قال سلمان رضي الله عنه: فلما رأيت ما نزل بالقوم من البهت والحيرة والذل

 

(1) في المصدر: أنفسكم. (2) في إرشاد القلوب: أحد منهما قال إنه قال:.. (3) في المصدر: نبيكم، بدلا من: محمد. (4) في (ك): لتفزعوا. (5) في المصدر: لامتهم ليفزعوا إليهم فيما.. (6) في المصدر: يتنازعون. وهي نسخة في مطبوع البحار. (7) في إرشاد القلوب: في العلم أقل منكم في..

 

[60]

والصغار، وما حل بدين محمد (ص)، وما نزل بالقوم من الحزن، نهضت - لا أعقل أين أضع قدمي - إلى باب أمير المؤمنين عليه السلام، فدققت عليه الباب، فخرج وهو (1) يقول: ما دهاك يا سلمان ؟ ! قال: قلت: هلك دين محمد صلى الله عليه وآله (2)، وهلك الاسلام بعد محمد صلى الله عليه وآله، وظهر أهل الكفر على دينه وأصحابه بالحجة، فأدرك - يا أمير المؤمنين ! - دين محمد صلى الله عليه وآله والقوم قد ورد عليهم مالا طاقة لهم به ولا بد ولا حيلة، وأنت اليوم مفرج كربها، وكاشف بلواها، وصاحب ميسمها (3) وتاجها، ومصباح ظلمها، ومفتاح مبهمها. قال: فقال علي عليه السلام و (4) ما ذاك ؟. قال: قلت: قد قدم قوم من ملك الروم في مائة رجل من أشراف الناس من قومهم (5) يقدمهم جاثليق لهم (6) لم أر مثله، يورد الكلام على معانيه، ويصرفه على تأويله (7)، ويؤكد حجته ويحكم ابتداءه، لم أسمع مثل حجته ولا سرعة جوابه من كنوز علمه، فأتى أبا بكر - وهو في جماعة - فسأله عن مقامه ووصية رسول الله صلى الله عليه وآله، فأبطل دعواه (8) بالخلافة، وغلبهم بادعائهم تخليفهم مقامه، فأورد على أبي بكر مسألة أخرجه بها عن إيمانه، وألزمه الكفر والشك في دينه، فعلتهم لذلك (9) ذلة وخضوع وحيرة، فأدرك - يا أمير المؤمنين - دين محمد،

 

(1) لا توجد: وهو، في (س). (2) في المصدر: هلك دين الله و.. (3) الميسم - بكسر الميم -: أثر الحسن، قاله في القاموس 4 / 186. (4) وضع في مطبوع البحار على حرف الواو رمز نسخة بدل. (5) في المصدر: من أشراف قومهم. (6) لا توجد: لهم، في المصدر. (7) في (س) على ما تأويله. (8) في إرشاد القلوب: دعواهم. (9) في المصدر: في ذلك.

 

[61]

فقد ورد عليهم مالا طاقة لهم به (1). فنهض أمير المؤمنين عليه السلام معي حتى أتينا القوم وقد ألبسو الذلة والمهانة والصغار والحيرة، فسلم علي عليه السلام ثم جلس، فقال: يا نصراني ! أقبل علي بوجهك واقصدني بمسائلك (2) فعندي جواب ما يحتاج الناس إليه فيما يأتون ويذرون، وبالله التوفيق. قال: فتحول النصراني إليه، وقال: يا شاب ! إنا وجدنا في كتب الانبياء أن الله لم يبعث نبيا قط إلا وكان له وصيا [كذا] يقوم مقامه، وقد بلغنا اختلاف عن أمة محمد في مقام نبوته، وادعاء قريش على الانصار وادعاء الانصار على قريش، واختيارهم لانفسهم، فأقدمنا ملكنا وفدا، وقد اختارنا لنبحث عن دين محمد صلى الله عليه وآله ونعرف سنن الانبياء فيه (3) والاستماع من قومه الذين ادعوا مقامه، أحق ذلك أم باطل ؟ قد كذبوا عليه كما كذبت الامم بعد أنبيائها على نبيها، ودفعت الاوصياء عن حقها، فإنا وجدنا قوم موسى عليه السلام بعده عكفوا على العجل ودفعوا هارون عن وصيته، واختاروا ما أنتم عليه، وكذلك: * (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا) * (4)، فقدمنا فأرشدنا (5) القوم إلى هذا الشيخ، فادعى مقامه والامر له من بعده، فسألنا عن الوصية إليه عن نبيه (ص) (6) ؟ فلم يعرفها، وسألناه عن قرابته منه إذ كانت الدعوة في إبراهيم (7) عليه السلام فيما سبقت في الذرية في إمامته أنه لا ينالها إلا (8) ذرية بعضها من بعض،

 

(1) لا توجد: به، في المصدر. (2) في المصدر: بحاجتك، بدلا من: بمسائلك. (3) لا توجد: فيه، في المصدر. (4) الاحزاب: 62. (5) في (ك) نسخة بدل: وأرشدنا، في المصدر: وأرشدونا إلى هذا.. (6) في المصدر: من نبيه. (7) في المصدر: إذا كانت الدعوة من ابراهيم. (8) هنا سقط، وجاءت العبارة في المصدر هكذا:.. في الذرية إني جاعلك للناس إماما، قال ومن = = ذريتي قال: لا ينال عهدي الظالمون [كذا]، وإن الامامة لا ينالها إلا..

 

[62]

ولا ينالها إلا مصطفى مطهر، فأردنا أن نتبين السنة من محمد صلى الله عليه وآله وما جاء به النبيون عليهم السلام، واختلاف الامة على الوصي كما اختلفت على من مضى من الاوصياء، ومعرفة العترة فيهم ؟، فإن وجدنا لهذا الرسول وصيا وقائما بعده وعنده علم ما يحتاج إليه الناس، ويجيب بجوابات بينة، ويخبر عن أسباب البلايا والمنايا وفصل الخطاب والانساب، وما يهبط من العلم في ليلة القدر في كل سنة، وما ينزل (1) به الملائكة والروح إلى الاوصياء صدقنا بنبوته، وأجبنا دعوته، واقتدينا بوصيته، وآمنا به وبكتابه (2)، وبما جاءت به الرسل من قبله، وإن يكن غير ذلك رجعنا إلى ديننا وعلمنا أن محمدا (3) لم يبعث، وقد سألنا هذا الشيخ فلم نجد عنده تصحيح نبوة (4) محمد صلى الله عليه وآله، وإنما ادعوا له وكان جبارا (5) غلب على قومه بالقهر، وملكهم ولم يكن عنده أثر النبوة، ولا ما جاءت به الانبياء عليهم السلام قبله، وأنه مضى وتركهم بهما يغلب بعضهم بعضا، وردهم جاهلية جهلاء مثل ما كانوا يختارون بآرائهم لانفسهم.. أي دين أحبوا، وأي ملك أرادوا، وأخرجوا محمدا صلى الله عليه وآله من سبيل الانبياء، وجهلوه في رسالته، ودفعوا وصيته (6)، وزعموا أن الجاهل يقوم مقام العالم، وفي ذلك هلاك الحرث والنسل وظهور الفساد في الارض في البر والبحر، وحاشا الله عزوجل أن يبعث نبيا إلا مطهرا مسددا مصطفى على العالمين، وإن العالم أمير على الجاهل أبدا إلى يوم القيامة، فسألته عن اسمه فقال الذي إلى جنبه: هذا خليفة رسول

 

(1) في (ك): وما يتنزل. وفي المصدر: وما تنزل. (2) في المصدر: واقتدينا بوصيه وأمنائه وبكتابه. (3) في إرشاد القلوب: وان أحمد.. (4) في المصدر: النبوة نبوة.. (5) في الارشاد: وإنما ادعى أنه كان جبارا. (6) في (س): وصيه.

 

[63]

الله. فقلت: إن (1) هذا الاسم لا نعرفه لاحد بعد النبي إلا أن يكون لغة من اللغات (2)، فأما الخلافة فلا تصلح إلا لآدم وداود عليهما السلام، والسنة فيها للانبياء والاوصياء، وإنكم لتعظمون الفرية (3) على الله وعلى رسوله، فانتفى من العلم، واعتذر من الاسم، وقال: إنما تراضوا الناس بي فسموني خليفة، وفي الامة من هو أعلم مني، فاكتفينا بما حكم على نفسه وعلى من اختاره، فقدمت مسترشدا وباحثا عن الحق، فإن وضح لي ابتعته (4) ولم تأخذني في الله لومة لائم، فهل عندك أيها الشاب شفاء لما في صدورنا (5) ؟. قال علي عليه السلام: بلى ! عندي شفاء لصدوركم، وضياء لقلوبكم، وشرح لما أنتم عليه، وبيان لا يختلجكم الشك معه، وإخبار عن أموركم، وبرهان لدلالتكم، فأقبل علي (6) بوجهك، وفرغ لي مسامع قلبك، وأحضرني ذهنك، وع ما أقول لك: إن الله بمنه وطوله وفضله - له الحمد كثيرا دائما - قد صدق وعده، وأعز دينه، ونصر محمدا عبده ورسوله، وهزم الاحزاب وحده، فله الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، إنه (7) تبارك وتعالى اختص محمدا صلى الله عليه وآله واصطفاه وهداه، وانتجبه لرسالته إلى الناس كافة برحمته، وإلى الثقلين برأفته، وفرض طاعته على أهل السماء والارض (8)، وجعله إماما لمن قبله من الرسل، وخاتما لمن بعده من الخلق، وورثه مواريث الانبياء، وأعطاه مقاليد الدنيا والآخرة،

 

(1) في (ك): وضع رمز نسخة بدل على كلمة: إن. (2) في المصدر: من لغات العرب. (3) في (ك): القربة، ولا معنى لها هنا. (4) في إرشاد القلوب: اتبعه. (5) في (س): الصدور. (6) في المصدر: إلى، بدلا من: علي. (7) لا توجد: إنه، في المصدر. (8) في الارشاد: وأهل الارض.

 

[64]

واتخذه نبيا ورسولا وحبيبا وإماما، ودفعه (1) إليه، وقربه يمين (2) عرشه بحيث لا يبلغه (3) ملك مقرب ولا نبي مرسل، فأوحى الله إليه في وحيه ما أوحى (4) * (ما كذب الفؤاد ما رأى) * (5)، وأنزل علاماته على الانبياء، وأخذ ميثاقهم: * (لتؤمنن به ولتنصرنه) * (6). قال: ثم * (قال (7) ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين) * (8) وقال: * (يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينههم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم فالذين ءامنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) * (9) فما مضى صلى الله عليه وآله حتى أتم الله مقامه، وأعطاه وسيلته، ورفع له درجته، فلن يذكر الله تعالى (10) إلا كان معه مقرونا، وفرض دينه، ووصل طاعته بطاعته، فقال: و * (من يطع الرسول فقد أطاع الله) * (11) وقال: * (ماءاتكم الرسول فخذوه وما نهكم عنه فانتهوا) * (12) فأبلغ عن الله عزوجل رسالته، وأوضح برهان ولايته، وأحكم آياته، وشرع شرائعه وأحكامه، ودلهم على سبيل نجاتهم، وباب هدايته

 

(1) في المصدر: رفعه. وهي نسخة في مطبوع البحار. (2) في الارشاد: عن يمين. (3) في المصدر: لم يبلغه. (4) لا توجد: ما أوحى، في المصدر. (5) النجم: 11. (6) آل عمران: 81. (7) لا توجد: قال، في (س). وفي المصدر: ثم قال للانبياء. (8) آل عمران: 81. (9) الاعراف: 157. (10) في المصدر: عزوجل، بدلا من: تعالى. (11) النساء: 80. (12) الحشر: 7.

 

[65]

وحكمته، وكذلك بشر به النبيون صلى الله عليهم قبله، وبشر به عيسى روح الله وكلمته إذ يقول في الانجيل: أحمد العربي النبي الامي صاحب الجمل الاحمر والقضيب، وأقام لامته وصيه فيهم، وعيبة علمه، وموضع سره، ومحكم آيات كتابه، وتاليه حق تلاوته، وباب حطته، ووارث كتابه، وخلفه مع كتاب الله فيهم، وأخذ فيهم الحجة (1)، فقال صلى الله عليه وآله: قد خلفت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا (2)، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وهما الثقلان: كتاب الله الثقل الاكبر حبل ممدود من السماء إلى الارض سبب بأيديكم وسبب بيد الله عز وجل، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فلا تقدموهم فتمرقوا (3) ولا تأخذوا عن غيرهم فتعطبوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، وأنا وصيه والقائم بتأويل كتابه، والعارف بحلاله وحرامه، وبمحكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه، وأمثاله وعبره وتصاريفه، وعندي علم ما يحتاج (4) إليه أمته من بعده، وكل قائم وملتو (5)، وعندي علم البلايا والمنايا والوصايا والانساب وفصل الخطاب، ومولد الاسلام، ومولد الكفر، وصاحب الكرات، ودولة الدول، فاسألني عما يكون إلى يوم القيامة وعما كان على عهد عيسى عليه السلام منذ بعثه الله تبارك وتعالى، وعن كل وصي، وكل فئة تضل مائة وتهدي مائة، وعن سائقها وقائدها وناعقها إلى يوم القيامة، وكل آية نزلت في كتاب الله في ليل نزلت أم نهار (6)، وعن التوراة والانجيل والقرآن (7) العظيم، فإنه صلى الله عليه وآله لم يكتمني من علمه شيئا ولا ما تحتاج إليه الامم من أهل التوراة والانجيل، وأصناف الملحدين وأحوال

 

(1) في المصدر: بالحجة. (2) في المصدر: لن تضلوا أبدا. (3) في إرشاد القلوب: فلا تتقدموهم فتمزقوا.. (4) في المصدر: تحتاج. (5) قال في القاموس 4 / 387: لوي القدح والرمل - كرضي - لوى فهو لو: إعوج، كالتوى. (6) في المصدر: أم في نهار. (7) خ. ل: الفرقان، جاءت على مطبوع البحار.

 

[66]

المخالفين، وأديان المختلفين، وكان (1) صلى الله عليه وآله خاتم النبيين بعدهم، وعليهم فرضت طاعته والايمان به والنصرة له، تجدون ذلك مكتوبا في التوراة والانجيل والزبور، و * (في الصحف الاولى صحف إبراهيم وموسى) * (2)، ولم يكن ليضيع عهد الله (3) في خلقه ويترك الامة قائهين (4) بعده، وكيف يكون ذلك وقد وصفه الله بالرأفة والرحمة والعفو والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة القسطاس المستقيم ؟ !. وإن الله عزوجل أوحى إليه كما أوحى (5) إلى نوح والنبيين من بعده، وكما أوحى إلى موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام فصدق الله وبلغ رسالته وأنا على ذلك من الشاهدين، وقد (6) قال الله تبارك وتعالى: * (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) * (7) وقال: كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) * (8) وقد صدقه الله وأعطاه الوسيلة إليه والى الله عزوجل، فقال: * (يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) * (9)، فنحن الصادقون (10)، وأنا أخوه في الدنيا والآخرة، والشاهد منه عليهم بعده، وأنا وسيلته بينه وبين أمته (11)، وأنا وولدي ورثته، وأنا وهم كسفينة

 

(1) في المصدر: إذ كان. (2) الاعلى: 18 - 19. (3) في الارشاد زيادة: عزوجل بعد لفظ الجلالة. (4) كذا، وجاءت نسخة بدل في مطبوع البحار: تائهين، وهو الظاهر. وفي المصدر: تاهين. ولم نجد معنا مناسبا لغة لما أثبتناه متنا. (5) لا يوجد في المصدر: إليه كما أوحى. (6) لا توجد: قد، في (ك). (7) النساء: 41. (8) الرعد: 43. (9) التوبة: 119. (10) في المصدر: فنحن والله الصادقون. (11) في (س): وبين الله.

 

[67]

نوح في قومه من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق، وأنا وهم كباب حطة في بني إسرائيل، وأنا (1) بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعده، وأنا الشاهد منه في الدنيا والآخرة، ورسول الله على بينة من ربه ويعرض (2) طاعتي ومحبتي بين (3) أهل الايمان وأهل الكفر وأهل النفاق، فمن أحبني كان مؤمنا، ومن أبغضني كان كافرا، والله ما كذبت ولا كذبت ولا كذب بي (4)، ولا ضللت ولا ضل بي، وإني لعلى (5) بينة بينها ربي عزوجل لنبيه صلى الله عليه وآله فبينها لي، فاسألوني عما كان وعما يكون (6) وعما هو كائن إلى يوم القيامة. قال: فالتفت الجاثليق إلى أصحابه وقال: هذا هو (7) والله الناطق بالعلم والقدرة الفاق (8) الراتق، ونرجو من الله تعالى أن نكون صادفنا (9) حظنا، ونور هدايتنا، وهذه والله حجج الاوصياء من الانبياء على قومهم. قال: فالتفت إلى علي عليه السلام: فقال: كيف عدل بك القوم عن قصدهم إياك، وادعوا ما أنت أولى به منهم ؟ ! ألا وقد وقع القول عليهم، قصروا في أنفسهم (10) وما ضر ذلك الاوصيا مع ما أغناهم الله عزوجل به من العلم واستحقاق مقامات رسله، فأخبرني - أيها العالم الحكيم - عني وعنك ما (11)

 

(1) في الارشاد: وأنا منه. (2) في المصدر: وفرض. (3) جاء في الارشاد: على، بدلا من: بين. (4) لا يوجد في المصدر: ولا كذبت ولا كذب بي. (5) في المصدر: وإني على. (6) في المطبوع وضع على: عما يكون، نسخة بدل، ولا توجد في المصدر. (7) في المصدر لا توجد: هو. (8) في (س): الفائق. وفي المصدر: الفاتن، بدلا من: الفاتق. (9) في الارشاد القلوب: أن يكون قد صادقنا. (10) في المصدر: فضربوا أنفسهم. (11) في المصدر: أيها الحكيم عني وأنت ما..

 

[68]

أنت عند الله ؟ وما أنا عند الله ؟. قال علي عليه السلام: أما أنا فعند الله عزوجل مؤمن وعند نفسي مؤمن متيقن (1) بفضله ورحمته وهدايته ونعمه علي، وكذلك أخذ الله جل جلاله (2) ميثاقي على الايمان وهداني لمعرفته (3) لا أشك في ذلك ولا أرتاب، ولم أزل على ما أخذ الله تعالى (4) علي من الميثاق، لم أبدل ولم أغير وذلك بمن الله ورحمة وصنعه، أنا في الجنة لا أشك في ذلك ولا أرتاب (5)، لم أزل على ما أخذ الله تعالى (6) علي من الميثاق، فإن الشك شرك لما أعطاني الله من اليقين والبينة، وأما أنت فعند الله كافرا بجحودك الميثاق والاقرار الذي أخذه الله عليك بعد خروجك من بطن أمك وبلوغك العقل ومعرفة التمييز (7) للجيد والردئ والخير والشر، وإقرارك بالرسل، وجحودك لما أنزل الله في الانجيل من أخبار النبيين عليهم السلام ما دمت على هذه الحالة، كنت في النار لا محالة. قال: فأخبرني عن مكاني من النار ومكانك من الجنة ؟. فقال علي عليه السلام: لم أدخلها فأعرف مكاني من الجنة ومكانك من النار، ولكن أعرفك ذلك (8) من كتاب الله عزوجل: إن الله جل جلاله بعث محمدا صلى الله عليه وآله بالحق، وأنزل عليه كتابا: * (لا يأتيه الباطل من بين يديه

 

(1) في الارشاد:.. عزوجل وعند نفسي مؤمن مستيقن. (2) في المصدر: الله عزوجل. (3) جاءت زيادة: ولا ارتاب، في المصدر. (4) لا توجد كلمة: تعالى، في (س) والمصدر، وفيه: ما أخذه الله على.. (5) وضع في طبعتي البحار على قوله: ولم أزل.. إلى هنا ما يوهم كونه نسخة بدل، وظاهره التكرار، فراجع. (6) في المصدر: عزوجل، بدلا من: تعالى. (7) في الارشاد: والمعرفة والتميز.. وهو الظاهر. (8) في المصدر: أعرف ذلك.

 

[69]

ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) * (1) أحكم فيه جميع علمه، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله عن الجنة بدرجاتها ومنازلها، وقسم الله (2) جل جلاله الجنان بين خلقه لكل عامل منهم ثوابا منها، وأحلهم على قدر فضائلهم في الاعمال والايمان، فصدقنا الله وعرفنا منازل الابرار، وكذلك (3) منازل الفجار، وما أعد لهم من العذاب في النار، وقال: * (لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم) * (4) فمن مات على كفره وفسوقه وشركه ونفاقه وظلمه ف‍ * (لكل باب منهم جزء مقسوم) * (5)، وقد قال جل جلاله: * (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) * (6) وكان رسول الله صلى الله عليه وآله هو المتوسم، وأنا والائمة من ذريتي المتوسمون إلى يوم القيامة. قال: فالتفت الجاثليق إلى أصحابه وقال: قد أصبتم إرادتكم وأرجوا أن تظفروا بالحق الذي طلبنا، ألا إنه (7) قد نصبت له مسائل فإن أجابني عنها نضرنا في أمرنا وقبلت منه. قال علي عليه السلام: فإن أجبتك عما تسألني عنه - وفيه تبيان وبرهان واضح لا تجد له مدفعا ولا من قبوله بدا أن (8) - تدخل في ديننا ؟ قال نعم. فقال علي عليه السلام: الله عليك راع و (9) كفيل، إذا وضح لك الحق وعرفت الهدى أن تدخل في ديننا أنت وأصحابك ؟. قال الجاثليق: نعم، لك الله علي راع و (10) كفيل أني أفعل ذلك.

 

(1) فصلت: 42. (2) الله، وضع عليها رمز نسخة بدل في (ك). (3) لا توجد: منازل الابرار، وكذلك في المصدر. (4 و 5) الحجر: 44. (6) الحجر: 75. (7) في المصدر: ألا إني.. وهو الظاهر. (8) لا توجد: أن، في المصدر، وهو أولى. (9 و 10) لا توجد الواو في المصدر.

 

[70]

فقال علي عليه السلام: فخذ على أصحابك الوفاء. قال: فأخذ عليهم العهد. ثم قال علي عليه السلام: سل عما أحببت. قال: خبرني عن الله عزوجل (1) أحمل العرش أم العرش يحمله ؟. قال علي عليه السلام: الله حامل العرش والسماوات والارض وما فيهما وما بينهما، وذلك قول الله تعالى: * (إن الله يمسك السموات والارض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا) * (2). قال: أخبرني عن قول الله: * (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) * (3) فكيف ذلك ؟ وقلت إنه يحمل العرش والسماوات (4) والارض ؟. قال علي عليه السلام: إن العرش خلقة الله تبارك وتعالى من أنوار أربعة: نور أحمر - أحمرت منه الحمرة -، ونور أخضر - أخضرت منه الخضرة -، ونور أصفر - اصفرت منه الصفرة -، ونور أبيض - ابيض (5) منه البياض - وهو العلم الذي حمله الله الحملة، وذلك نور من عظمته، فبعظمته ونوره ابيضت قلوب المؤمنين، وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون، وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات والارض - من جميع خلائقه - إليه الوسيلة بالاعمال المختلفة والاديان المتشتتة (6) وكل محمول يحمله الله بنوره وعظمته (7) وقدرته لا يستطيع لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، وكل شئ محمول (8) والله عزوجل الممسك لهما أن تزولا، والمحيط بهما

 

في المصدر: جل وعلا. (2) فاطر: 41. (3) الحاقة: 17. (4) لا توجد: والسماوات، في المصدر. (5) في (ك): ابيضت. (6) في (س): المنشأة، وهي نسخة في (ك). (7) في المصدر: نوره ونور عظمة. (8) في إرشاد القلوب: محمل.

 

[71]

وبما فيهما من شئ، وهو حياة كل شئ (1) ونور كل شئ * (سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا) * (2). قال: فأخبرني عن الله عزوجل أين هو ؟. قال عليه السلام: هو ها هنا.. وها هنا.. وها هنا.. وها هنا (3)..، وهو فوق (4) وتحت ومحيط بنا ومعنا، وهو قوله (5): * (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معه أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة) * (6)، والكرسي محيط بالسماوات والارض: * (ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم) * (7) فالذين يحملون العرش هم العلماء، وهم الذين حملهم الله علمه، وليس يخرج عن (8) هذه الاربعة شئ خلقه الله تعالى في ملكوته، وهو الملكوت الذي أراه الله أصفياءه، وأراه الله عزوجل خليله عليه السلام، فقال: * (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقنين) * (9) فكيف يحمله حملة العرش (10) وبحياته حييت قلوبهم، وبنوره اهتدوا إلى معرفته وانتقادوا (11) ؟ !. قال: فالتفت الجاثليق إلى أصحابه، فقال: هذا هو - والله - الحق من عند

 

(1) في المصدر زيادة: سبحانه. (2) الاسراء: 43. وفي الارشاد و (س): سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون.. فلا تصبح آيه. (3) في (ك) ذكر: هاهنا، ثلاث مرات. (4) في (ك) وضع على: وهو فوق، رمز نسخة بدل. (5) في المصدر زيادة: تعالى:. (6) المجادلة: 7. وفي المصدر زيادة: إن الله بكل شئ عليم. (7) البقرة: 255. (8) في المصدر: من، بدلا من، عن. (9) الانعام: 75. (10) في المصدر: وكيف يحمل عرش الله.. (11) لا توجد: وانقادوا، في المصدر. (*)

 

[72]

الله عزوجل على لسان المسيح والنبيين والاوصياء عليهم السلام. قال: أخبرني عن الجنة في الدنيا (1) هي أم في الآخرة ؟ وأين الآخرة والدنيا ؟. قال عليه السلام: الدنيا في الآخرة، والآخرة محيطة بالدنيا، إذا كانت النقلة من الحياة إلى الموت ظاهرة، كانت (2) الاخرة هي دار الحيوان لو كانوا يعلمون، وذلك أن الدنيا نقلة والآخرة حياط ومقام مثل ذلك النائم، وذلك أن الجسم ينام والروح لا تنام، والبدن يموت والروح لا تموت، قال الله عزوجل: * (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون) * (3) والدنيا رسم الآخرة، والآخرة رسم الدنيا، وليس الدنيا الآخرة ولا الآخرة الدنيا، إذا فارق الروج الجسم يرجع كل واحد (4) منهما إلي ما منه بدأ، وما منه خلق، وكذلك الجنة والنار في الدنيا موجودة وفي الآخرة موجودة (5)، لان العبد إذا مات صار في دار من الارض، إما (6) روضة من رياض الجنة، وإما بقعة من بقاع النار، وروحه إلى إحدى دارين: إم في دار نعيم مقيم لا موت فيها، وإما في دار العذاب أليم لا يموت فيها، والرسم لمن عقل موجود واضح، وقد قال الله تعالى: * (كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين * ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم) * (7)، وعن (8) الكفار فقال إنهم: * (كانت أعينهم في غطاء عن ذكري

 

(1) في (ك) نسخة بدل: هي في الدنيا أم.. وفي المصدر: هل في الدنيا. (2) في المصدر: وكانت. (3) العنكبوت: 64. (4) وضع على كلمة (واحد) رمز نسخة بدل في (ك). (5) لا توجد: موجودة - الثانية - في المصدر. (6) في (س) زيادة: روحة في. (7) التكاثر: 5 - 8. (8) خ. ل: عني.

 

[73]

وكانوا (1) لا يستطيعون سمعا) * (2)، ولو علم الانسان علم (3) ما هو فيه مات حبا (4) من الموت، ومن نجا فبفضل اليقين. قال: فأخبرني عن قول الله عزوجل: * (وما قدروا الله حق قدره والارض جميعا (5) قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشكرون) * (6)، فإذا طويت السماوات وقبضت الارض، فأين تكون الجنة والنار وهما (7) فيهما ؟. قال: فدعا بدواة وقرطاس ثم كتب فيه: الجنة والنار، ثم درج القرطاس ودفعه إلى النصراني، وقال له: اليس قد طويت هذا القرطاس ؟ قال: نعم. قال: فافتحه (8).. ففتحته قال: هل ترى آية النار وآية الجنة أمحاهما القرطاس (9) ؟. قال: لا. قال فهكذا في (10) قدرة الله تعالى إذا طويت السماوات وقبضت الارض لم تبطل الجنة والنار كما لم تبطل طي هذا الكتاب آية الجنة وآية النار. قال: فأخبرني عن قول الله تعالى: * (كل شئ هالك إلا وجهه) * (11) ما هذا الوجه ؟، وكيف هو ؟، وأين يؤتى ؟، وما دليلنا عليه ؟. قال علي عليه السلام: يا غلام ! علي بحطب ونار، فأتى بحطب ونار وأمر

 

(1) في المصدر: وعن الكافرين: فقال إنهم كانوا في شغل عن ذكري وكانوا.. (2) الكهف: 101. (3) لا توجد: علم، في المصدر، وهو الظاهر. (4) في (س)، ونسخة في (ك): حيا، وفي المصدر: مات خوفا، وهنو الظاهر. (5) جاءت العبارة في المصدر باختلاف، وهي:.. عن قوله تعالى جل ثناؤه: * (يوم تبدل الارض غير الارض جميعا) * وهو خلط بين الآيتين. (6) الزمر:. 67 (7) لا توجد: وهما، في المصدر. (8) هنا سقط كلمة: قال.. جاءت في المصدر. (9) في المصدر: طي القرطاس.. وهو الظاهر. (10) في (ك) وضع على: في، رمز نسخة بدل. (11) القصص: 88.

 

[74]

أن تضرم، فلما استوقدت واشتعلت، قال له: يا نصراني هل تجد لهذه النار وجها دون وجه ؟. قال: لا، حيثما أتيتها فهو (1) وجه. قال عليه السلام: فإذا كانت هذه النار المخلوقة المدبرة في ضعفها وسرعة زوالها لا تجد لها وجها فكيف من خلق هذه النار وجميع ما في ملكوته من شئ أجابه ؟ كيف (2) يوصف بوجه أو يحد بحد، أو يدرك ببصر، أو يحيط به عقل، أو يضبطه وهم، وقال الله تعالى: * (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) * (3). قال الجاثليق: صدقت أيها الوصي العليم (4) الحكيم الرفيق الهادي، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا، وأنك وصيه وصديقه ودليله وموضع سره وأمينه على أهل بيته وولي المؤمنين من بعده، من أحبك وتولاك هديته ونورت قلبه وأغنيته (5) وكفيته وشفيته، ومن تولى عنك وعدل عن سبيلك ضل (6) وغبن عن حظه واتبع هواه بغير هدى من الله ورسوله، وكفى هداك ونورك هاديا وكافيا وشافيا. قال: ثم التفت الجاثليق إلى القوم فقال: يا هؤلاء ! قد أصبتم أمنيتكم وأخطأتم سنة نبيكم، فاتبعوه تهتدوا وترشدوا، فما دعاكم إلى ما فعلتم ؟ ! ما أعرف لكم عذرا بعž