فتاوى الشعائر في النشرة الى المكتبة الهاشمية الى الصفحة الرئيسية

1 . كتاب فتاوى علماء الدين حول الشعائر الحسينية وفيه ما يلي

الى المجموعة الأولى مقدمة كتاب الفتاوى فهرس كتاب الفتاوى
الى المجموعة الرابعة الى المجموعة الثالثة الى المجموعة الثانية

المجموعة الثانية

(30)

الإمام محمد الحسين كاشف الغطاء (قدس سره)

نص ما كتبه سماحة آية الله العظمى الإمام الشيخ

محمد حسين كاشف الغطاء النجفي (طاب ثراه)

في كتابه (الآيات البينات)

بسم الله الرحمن الرحيم

بعد حمد الله والصلاة على أنبيائه وأوليائه يقول ناشر هذه الطرف وحاشر هذه التحف العبد الفقير إلى ربه (محمد بن المرحوم الشيخ عبد الحسين آل كاشف الغطاء) أن أستاذنا الأعظم حامل أمانة الشرع الشريف وكافل سدانة الدين الحنيف آية الله والحجة وصراطه والمحجة (الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء أدام الله بركات إفاضته وأيام إفادته ـ ما زال منذ ثلاثين عاماً يناضل عن دين الإسلام ويحامي ويذب عنه؛ قد أوقف نفسه سحابة عمره في سد ثغوره، وتشييد سوره، وأعلاء نوره، ودفع كل واردة سوء ترد عليه، وقطع كل يد تمد بالعدوان إليه، وقد اشتهر وانتشر من مؤلفاته في تلك المقاصد والمناحي ما لم تكتحل عين الدهر بمثلها نحو كتاب (الدين والإسلام) (والمراجعات الريحانية) مما بلغت تخوم الأرض وجازت أقاصي المعمور.

ولكن في هذه البرهة الأخيرة حيث نهض بأعباء الزعامة الدينية، واستوى على منصة الفتوى والمرجعية، واستغرقت أوقاته الثمينة العناية بمصالح العامة وقضاء حوائج الناس والبحث والتدريس وتوسيع نطاق التأليف في علم الفقه، والتوسع في أدلته كل ذلك مما عاقه عما كان عليه من الدفاع الديني والجهاد الإسلامي وبثّ الهداية والإرشاد لعامة الخلق إلى دين الحق.

ولكننا كنا ولا نزال حرصاً على استنارة كنوز معارفه والاستنارة بأنوار علومه وثقة منا بأنه في صناعة النقد والرد وتحقيق الحق وتمزيق الأباطيل لا يباري ولا يجاري وله المزبر الذي لا يشق غباره، ولا يدرك في السباق شاوه؛ الأخذ بأعنّة البراعة في الإنشاء لفظاً ومعنى وعلماً وعملاً مع الإحاطة بأسرار العلوم وغوامض الفنون، وخفايا المعارف وكنوز الشريعة وبواطن الدين وظواهره، لذلك كنا نترصد أي فادحة ترد على الدين وتريد أن تصدع بيضة الإسلام وتقضي على أُمهات عقائد المسلمين حتى إذا عثرنا به انتهزنا فرصة من أوقاته، وفراغاً من ساعاته، فعرضناها عليه، أو قدمناها إليه متعرضين بذلك في قمعها ودفعها لنفحات كلمه، أو رشحات قلمه، ثم نعود إليه ثانياً وثالثاً حتى نجمع من إفاضاته ومحاضراته في ذلك الموضع جملة كافية في إزاحة العلة ودفع تلك المضلّة، من ذلك عندما نشرت الصحف فتوى علماء المدينة لقاضي الوهابية (ابن بليهد) التي تذرع بها إلى هدم قبور أئمة البقيع (سلام الله عليهم).

وحينما تلوناها عليه صار يلقى ـ علينا محاضرةً في ردها وتفنيدها في كل أسبوع مرة أو مرتين وكانت تنشر في جريدة النجف ـ شذوذاً ونتفاً.

ولما شاعت الشبهة في مواكب؛ عزاء الحسين (سلام الله عليه) ؛ وقامت لها عواصم بلاد الشيعة وقعدت وبالأخص بلاد البصرة تواردت عليه البرقيات مستفتين عن جواز تلك المواكب وعدم جوازها فكتب فيها بقلمه الشريف جملة جوابات قالعة لجراثيم الشبهة وجادعة لخراطيم الضلالة.

وكنا ذات يوم سئلناه أن يلقى علينا شيئاً من شأن مذهب (البهائية) المعروفين بالبابية فألقى علينا نبذة وافية في شرح حالهم ومقدار جهلهم وضلالهم.

ثم أحببنا أن نضم تلك الشذور النفسية والأعلاق الثمينة التي عقمت أمهات الكتب والمؤلفات الغابرة والحاضرة عن الإتيان بواحدة من مثلها، أحببنا أن نضمها في مجموع يؤلف شتاتها، ويجمع متفرقاتها وبعد أن وفق الله لجمعه، رغبنا في نشره وطبعه نصرة للحقيقة، وخدمة للحق والفضيلة، وإخماداً للنائرة، وقطعاً لدابر الفساد والفتنة، إن شاء الله، وقد أعاننا على نشره بعض أعاظم العلماء في عواصم بلاد الشيعة شكر الله مساعيه، وغرّ أياديه؛ ثم استجزنا شيخنا الأعظم أدام الله أيامه في ذلك فتكرم بالإجازة وكان جملة منها قد طبع منفرداً وقد جمعناها هنا مع ما أضافه إليها ثانياً ويليق أن يرسم هذا المجموع الزاهر (بالآيات البينات، في قمع البدع والضلالات) فاغتنمه علقاً ثميناً، وفرقاناً مبيناً، فرقاناً بين الحق والباطل وتبياناً للهدى من الضلالة ولله الحمد والمنة على ذلك.

كتب مد الله ظله في أجوبة الأسئلة الواردة إليه عن فتواه في المواكب الحسينية زادها الله عزاً وكرامة، عدة مقالات وكتب مطولة ومختصرة ومتوسطة، ونحن ننتخب منها ثلاثاً على ذلك النسق، وكان أول استفتاء ورد إليه في النجف من جماعة من ذوي الفضل وهذه صورته:

السؤال:

ما يقول مولانا حجة الإسلام شيخنا الشيخ محمد حسين مد ظله العالي على رؤوس الأنام في المواكب المشجية التي اعتاد الجعفريون اتخاذها في العاشر من المحرم الحرام تمثيلاً لفاجعة الطف وإعلاماً لما انتهك فيها من حرمة الرسول (صلى الله عليه وآله) في عترته المجاهدين بالتمثيل للشهداء وجهادهم وما جرى عليهم وما جرى على الأطفال من القتل والقسوة وبإعلانهم الحزن لذلك الفادح بأنواعه من ندب ونداء وعويل وبكاء وضرب بالأكف على الصدور وبالسلاسل على الظهور فهل هذه الأعمال مباحة في الشرع الأزهر أم لا أفتونا مأجورين؟

 

فكتب دامت بركاته ما نصه:

بسم الله الرحمن الرحيم

قال سبحانه وتعالى (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب لكم فيها منافع إلى أجل مسمى)(1) ولا ريب أن تلك المواكب المحزنة وتمثيل هاتيك الفاجعة المشجية من أعظم شعائر الفرقة الجعفرية شيد الله أركانها.

ونحن إذا لم نقل باستحبابها ورجحانها لتوفر الأدلة من الأخبار والأحاديث المتظافرة المشعرة بمحبوبية تلك المظاهرات لأهل البيت (عليهم السلام) فلا أقل من القول بالجواز والإباحة، وما يتداول ويستعمل فيها من ضرب الطبول ونحوه غير معلوم اندراجه فيما علم حرمته من آلات اللهو والطرب.

نعم لو علم كونها منها فاللازم تنزيه تلك الأعمال الشريفة مما يشينها ويحبط أجرها وفضلها الجسيم، وما احسب التعرض للسؤال عن تلك الأعمال التي استمرت السيرة عليها منذ مئات السنين وذلك بمشاهدة أعاظم العلماء لها وصلحاء أهل الدين مع عدم النكير من واحد منهم لا حديثاً ولا قديماً مع أنها بمرئى منهم ومسمع ما أحسب وضعها في مجال السؤال والتشكيك إلا دسيسة أموية أو نزعة وهابية يريدون أن يتوصلوا بذلك إلى إطفاء ذلك النور الذي أبى الله ألا أن يتمه ولو كره الكافرون.

كما أني لا ارتاب في أنه لو تمت لهم هذه الحيلة، ونجحت لا سمح الله هذه الوسيلة، وعطلت تلك المواكب والمراسم في سنتين أو ثلاث سرى الداء واستفحل الخطب وتطرقوا إلى السؤال والتشكيك فيما يقام في بلاد الشيعة من المآتم وجعلوا ذلك باباً إلى إماتة تلك المحافل والمحاشد التي بإحيائها إحياء الدين وبإماتتها إماتة ذكر الأئمة الطاهرين (سلام الله عليهم).

ومن له أقل إلمام ووقوف على المجتمعات والجمعيات التي عقدت في هذه الأعصار في مصر ودمشق وغيرهما وما أصبحت تنشره من المقالات والمؤلفات في إحياء ذكر بني أمية وتنزيههم وتبرير أعمالهم وتبرئتهم من قتل الحسن والحسين (عليهم السلام) والتنويه بذكر يزيد وأنه من الخلفاء الراشدين والأئمة المرضيين عرف من أين سرى هذا السم الخبيث، وجاءت تلك البلية التي تريد أن تقضي على حياة الشيعة وتزهق روح الشريعة ولا يروج هذا إلا على السذّج والبسطاء والمغفلين الذين يقتلون الدين باسم الدين من حيث لا يشعرون.

فالرجاء والأمل من جميع إخواننا المؤمنين ثبتهم الله بالقول الثابت وأيدهم بروح منه ترك الخوض في مثل هذه الأمور المتسالم عليها خلفاً عن سلف والتي هي من أعظم الوسائل إلى نيل الشفاعة والدخول في سفينة النجاة وأبواب الرحمة، وليصرفوا أوقاتهم الثمينة في الاتفاق والتعاضد والتعاون على البر والتقوى فيما يعود إلى إصلاح شؤون دينهم ودنياهم وجمع كلمتهم على الحق والهدى إن شاء الله تعالى، ولا يخوضوا في ما يوجب اختلاف الأمة وتفرقة الكلمة، والله ولي التوفيق وبه المستعان.

 

برقيات تتالى:

ثم تتابعت البرقيات من البصرة وغيرها سائلين منه دام علاه طالبين فتواه في تلك الأعمال فكتب إليهم كتاباً أبسط من الجواب المتقدم، وقد طبع في مطبعة الكاظمية بالبصرة، وانتشر بصورة منشور منفرد في عامة الأطراف، ونحن نذكر ذلك المنشور بحروفه المطبوعة حفظاً به:

بسم الله الرحمن الرحيم

وله الحمد والمجد والصلاة على أمناء وحيه وأمراء أمره ونهيه صورة ما ورد من النجف الأشرف من الفتوى لجناب المصلح الكبير والعلاّمة الشهير صاحب الكتاب الدين والإسلام، العالم الرباني والزعيم الروحاني كبير مشاهير العصر وعظيم فقهاء المصر حجة الإسلام والمسلمين وعميد الإيمان والمؤمنين زعيم زعماء الحقيقة ورئيس رؤساء المذهب والطريقة وحيد الدهر وكبير نواب الدست الإمامي من العرب ورجل رجال العلم في القرن الرابع عشر الآية الكبرى في العالم الإسلامي الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء دام مجده حين سئل عن عنوان المواكب التي تندب الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) في الشوارع والطرقات وما اشتملت عليه:

 

جواب الإمام كاشف الغطاء:

إلى إخواننا وعباد الله الصالحين من السادة الأشراف والأماجد الكرام السيد هاشم البعاج والسيد عبد الباقي البعاج والحاج داود العطية وعبد الواحد العطية والملا جعفر أدام الله حراستهم وتوفيقهم، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته وتحياته.

وردتنا برقيتكم فأزعجتنا غاية الإزعاج وما كنا نظن أن الأمر يبلغ إلى هذه المنزلة، ثم وردنا بعد ذلك كتاب من السيد الأمجد السيد هاشم أدام الله عزه في طيه الرسالة ذات الاسم الخشن الهائل، وكنا كتبنا في جواب السيد الأعز السيد فاخر البعاج حفظه الله ما كنا أن يعود حاسماً لتلك المشاجرة التي هي من أضر الحوادث في الحال الحاضر علينا معشر المؤمنين، ويكفينا عن وقوع الخلاف بيننا تهاجم الأعداء علينا من كل ناحية ومكان (ويلزم علينا اليوم أن تكون حادثة المدينة وهدم قبور أئمة البقيع (سلام الله عليهم) هي الشغل لنا عن كل خلاف الداعية لكل تعاضد بيننا وائتلاف).

أما الحكم الشرعي في تلك المظاهرات والمواكب فلا إشكال في أن اللطم على الصدور وضرب السلاسل على الظهور، وخروج الجماعات في الشوارع والطرقات بالمشاعل والأعلام مباحة مشروعة بل راجحة مستحبة وهي وسيلة من الوسائل الحسينية وباب من أبواب سفينة النجاة.

وأما الضرب بالطبول والأبواق وأمثالها، مما لا يعد من آلات اللهو والطرب فلا ريب أيضاً في إباحتها ومشروعيتها للإعلام والأشعار وتعظيم الشعائر.

 

التطبير:

وأما الضرب بالسيوف أو الخناجر والإدماء فهو كسوابقه مباح بمقتضى أصل الإباحة بل راجح بقصد إعلان الشعار للأحزان الحسينية، نعم إلا أن يعلم بعروض عنوان ثانوي يقتضي حرمة شيء من تلك الأعمال الجليلة مثل كونه موجباً للضرر بتلف النفس أو الوقوع في مرض مزمن أما الألم الذي يزول بسرعة فلا يوجب الحرمة.

وكذلك الخروج في الشوارع إذا أوجب الفساد بالمقابلة أو المقاتلة فهو حرام أيضاً، وهذه عوارض وقتية وموارد شخصية لا يمكن ضبطها، وليس على الفقيه إلا بيان الأحكام الكلية، أما الجزئيات فليست من شأن الفقيه ولا من وظيفته، على أن أستلزمها للفساد أحياناً لا يوجب تحريمها أبداً.

(أما الشبيه) فلا ريب أن أصل تشبه شخص بآخر مباح جائز. كيف وقد ألقى الله سبحانه شبه نبيه عيسى (عليه السلام) على أبغض خلقه وهو (يهوذا الأسخر يوطى) الذي نمّ على عيسى (عليه السلام) عند اليهود وحرضهم على قتله كما أشار إليه سبحانه وتعالى بقوله: (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم)(2).

وكان أمين الوحي جبرائيل (عليه السلام) يتشبه بدحية الكلبي إذا حضر في السدة النبوية والملائكة تشبهت يوم بدر بأمير المؤمنين (صلوات الله عليه).

نعم خروج النساء سوافر محرم سواء كان في التشبيه أو غيره، وهذا لا يقتضي حرمة الشبيه بل ينبغي ويلزم التجنب عنه بنفسه ولو أن كل راجح يستلزم محرماً أو يقع فيه محرم تركناه لبطلت سنن الشريعة وقوّضت دعائم الدين، ولكن يلزم على أمناء العلم وحملة الشريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالموعظة الحسنة والقول اللّين فإنها أنجع وأنفع في تهذيب الأخلاق وإصلاح النفوس.

ووصيتي ونصيحتي ورغبتي وطلبتي من كافة إخواننا المؤمنين البصريين خصوصاً ومن في سائر الأقطار عموماً أمران مهمان:

(الأول): تنزيه المواكب الحسينية الشريفة من كل ما يشينها ويدلسها ويخرج بها عن عنوان مظاهر الحزن والفجيعة، إذ ليس الغرض من تكرار فاجعة الطف كل سنة بل كل يوم اللهو واللعب بقصة من الأقاصيص وعجيبة من الأعاجيب، بل في ذلك من الحكم السامية والأسرار المقدّسية ما يقصر عنه اللسان ويضيق به البيان، فاللازم تطهير تلك المواكب الشريفة عن كل ما يمس شرفها وكرامتها حتى يترتب عليها آثارها المشروعة وغاياتها الشريفة التي من أجلها وفي سبيلها بذل الحسين (أرواحنا فداه) نفسه وأفلاذ قلبه وأعز أهل بيته وأصحابه حتى جرى عليه من زوابع الفجائع ما لم يجر على بشر، ولا نحسبه يجري على أحد من بعده.

(الأمر الثاني) ـ ولعله أهم من الأول ـ: ألا وهو رفض هذه الخلافات والمشاجرات التي لا تعود إلا بالضرر المبيد والضعف المهلك علينا معشر المؤمنين إنما اللازم المحتم علينا سيما في مثل هذه الأعصار أن نكون يداً واحدة أمام العدو الذي لا يزال يجد ويدأب في هدم (بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه)(3).

ولعمر الله والحق ـ لئن استمر هذا الحال من تخاذلنا وتضارب بعضنا ببعض وتكالب الأعداء علينا من كل حدب وصوب لنذهبن ذهاب أمس الدابر ولا يبقى لهذه الطائفة أثر ولا عين. فالله الله يا عبادي الله الصالحين في جمع الكلمة ولم الشعث وتدارك الخطر قبل فواته ورتق الفتق قبل اتساعه، ونبذ تلك المشاجرات المفرقة والمؤججة لنيران العداوة المحرقة على غير طائل.

كونوا يا عباد الله إخواناً في دين الله رحماء بينكم أشداء على أعدائكم ولا تعكسوا الآية، فإن ذلك أربح وأنجح وأفضل وأجمل في الدنيا والآخرة، والله سبحانه ولي التوفيق لنا ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وأرجو أن يكون هذا القدر على اختصاره يغني عن تأليف الرسالة وعسى مع سنوح الفرصة أن يوفق الله سبحانه لذلك إن شاء الله.

17 صفر سنة 45

طبعت بالمطبعة الكاظمية في البصرة

وحيث لم تنحسم الشبهة، ولم تبرء العلّة، ولم تمسك ألسنة المعارضين بتلك البينات الشافية لذلك تظاهرت وتظافرت عليه البرقيات من عدة جهات يرقبون إليه في أن يكتب، ما هو أبسط من ذلك فعززهما بثالث لم يبق للشبهة مجالاً ولا للشك موضعاً وكتب بقلمه دامت بركاته ما نصه:

بسم الله الرحمن الرحيم

(وله المجد والكبرياء)

إلى عموم إخواننا المؤمنين من أهالي البصرة ونواحيها ـ وفقهم الله جميعاً للعمل الصالح، والمتجر الرابح، والسعي الناجح إلى سعادة الدارين وفوز النشأتين إن شاء الله ـ بتوسط الأمجدين السيد هاشم البعاج والحاج داود العطية أدام الله لهما السلامة والكرامة.

سئلتم (أعزكم الله) في عدة برقيات وردت إلينا منكم ومراسلات تتابعت لدينا عنكم عن المواكب الحسينية ـ زاد الله شرفها ـ وعما يجري فيها من ضرب الرؤوس والصدور بالسلاسل والسيوف والإدماء وقرع الطوس والطبول والشبيه أو الخروج في الشوارع والأزقة بالهيئات المتعارفة والكيفيات المتداولة في أكثر بلاد الشيعة (نصرها الله) سيما في العتبات المقدسة دام شرفها.

 

التشكيكات:

ولعمري ما كنت أحسب أن هذا الموضوع يعرض على مطرقة النقد والتشكيك؛ أو يطرح في منطقة السؤال والترديد، كيف وقد مرت عليه الدهور والأحقاب وخضعت له أساطين الملة وأعلام الشريعة في جميع الأعصار والأدوار، وما أنكره منكر ولا اعترضه معترض، وهو بمرأى منهم ومسمع ومنتدى ومجمع؛ وقد كان يجري في القرن الماضي أزمنة السيد بحر العلوم وكاشف الغطاء (قدس الله أسرارهم) من التشبيهات التي كانت تمسى (الدائرة) ما هو أوسع وأشيع، وأكثر وأوفر، مما يجري في هذه العصور وفضلاً عن سكوت أولئك الأساطين كانوا يمدونهم بالمساعدة، ويعضدونهم بالحضور والمشاهدة وفي كشف الغطاء وجامع الشتات للمحقق القمي وغيرهما من أقرانهما ما يشهد بذلك أكبر شهادة.

دع عنك هذه الشواهد والمشاهد وانظر إلى المسألة من وجهها العلمي ومن حيث القواعد والأدلة.

(أما أولاً): فالأصول الأولية تقضي بإباحة جميع تلك الأعمال وعلى مدّعي الحرمة إقامة الدليل عليها والأصل مع المنكر ـ أي منكر الحرمة ـ ومطالبته بالدليل تضليل.

(وأما ثانياً): فكل واحد من تلك الأعمال على الإجمال مما يتخرج لمشروعيته وجه وجيه عند المتظلّع الفقيه من عمومات الأدلة ومحكمات القواعد المعقولة والمنقولة.

 

اللطم واللدم:

من ذا يشك ويرتاب في رجحان مواساة أهل البيت الرحمة وسفن النجاة والتأسي بهم في الأفراح والأتراح والضراء والسراء، أو من ذا يشك أن أهل البيت سلام الله عليهم قد لطموا في فاجعة الطف وجوههم، ولدموا صدورهم وقرح البكاء خدودهم وعيونهم، وفي زيارة الناحية المقدسة: (فبرزن من الخدور ناشرات الشعور لاطمات الخدود سافرات الوجوه) ولا تقل أن هذا مخصوص بيوم الطف وما قاربه، فقد روى الصدوق رضوان الله عليه أن دعبل لما أنشد الرضا (عليه السلام) تائيته المشهورة التي فيها: (إذاً للطمت الخدّ فاطم عنده الخ) لطمت النساء وعلا الصراخ من وراء الستر وبكى الرضا (عليه السلام) في إنشاد القصيدة حتى أغمي عليه مرتين..

فإذا جاز للرضا (عليه السلام) أن يتعرض لسبب الإغماء الذي هو أخ الموت، فلماذا لا يجوز لشيعته ضرب الرؤوس والظهور ولدم الصدور وأمثالها مما هو دون الإغماء بكثير؟

 

خروج المواكب في الطرقات:

بزغت شمس هذه الحقيقة المكنونة من عهدٍ يناهز الألف سنة أعني من زمن معز الدولة وركن الدولة حيث أمرا بخروج مواكب العزاء يندبون سيد الشهداء (سلام الله عليه) وبأيديهم المشاعل ليلاً حتى تعود بغداد وطرقاتها ضجة واحدة وذلك في أخريات القرن الرابع على ما ذكره ابن الأثير في كامله في مواضع وكان ذلك العصر الزاهي حافلاً بأكابر علماء مذهب الإمامية كالشيخ المفيد وابن قولويه والسيدين الإمامين المرتضى والرضي نور الله مراقدهم وكان ملوك آل بويه قيد إشارة أولئك الأساطين ورهن أوامرهم ونواهيهم وحسبك ما شاع وأخذ بمجامع الأسماع من أن السيد الرضي ورد لزيارة جده الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء في بعض السنين فرأى جماعة من الأعراب يعدون وهم ينوحون ويلطمون متهافتين للهجوم على الحائر الحسيني ـ أي كما هو المعروف من عزاء طويريج ـ فدخل في زمرتهم وانشأ في ذلك الحال على البديهة قصيدته الغراء المشهورة التي يقول في براعتها:

كربلا لا زالت كرباً وبلا           ما لقى عندك آل المصطفى

ولولا خروج المواكب في الطرقات لبطلت الغاية وفسدت الثمرة وانتفى الغرض المهم من التذكار الحسيني بل ومن الشهادة الحسينية كما يعرفه كل متعمق في الأسرار.

وأما ترتب بعض المحرمات عليه من فتنة وفساد ومضاربة ومقاتلة فذلك لا يستوجب حرمة الخروج الراجح فإن حرمة الشيء لا توجب حرمة ما يقع فيه، ومن تغنّى في القرآن لا يقال له:

إن قراءة القرآن حرام، بل التغني بالقرآن حرام، فليس الخروج حراماً بل المضاربة والمقاتلة محرمة أينما كانت.

 

ضرب الرؤوس والظهور بالسيوف والسلاسل:

لا ريب أن جرح الإنسان نفسه وإخراج دمه بيده ـ في حد ذاته من المباحات الأصلية ولكنه قد يجب تارة وقد يحرم أخرى، وليس وجوبه أو حرمته إلا بالعناوين الثانوية الطارية عليه وبالجهات والاعتبارات فيجب كما لو توقفت الصحة على إخراجه كما في الفصد والحجامة، وقد يحرم كما لو كان موجباً للضرر والخطر من مرض أو موت وقد تعرض له جهة تحسنه ولا توجبه، وناهيك بقصد مواساة سيد أهل الإبا، وخامس أصحاب العبا، وسبعين باسل من صحبه وذويه، حسبك بقصد مواساتهم وإظهار التفجع والتلهف عليهم وتمثيل شبح من حالتهم مجسمة أمام عيون محبيهم، ناهيك بهذه الغايات و المقاصد جهات محسّنة وغايات شريفة ترتقى بتلك الأعمال من أخس مراتب الحطّة إلى أعلى مراتب الكمال.

(وإن الأولى بالطف من آل هاشم             تأسّوا فسنّوا للكرام التأسيا)

أما ترتب الضرر أحياناً بنزف الدم المؤدي إلى الموت أو إلى المرض المقتضى لتحريمه، فذاك كلام لا ينبغي أن يصدر من ذي لب فضلاً عن فقيه أو متفقه.

(أما أولاً): فلقد بلغنا من العمر ما يناهز الستين وفي كل سنة تقام نصب أعيننا تلك المحاشد الدموية وما رأينا شخصاً مات بها أو تضرر ولا سمعنا به في الغابرين.

(وأما ثانياً): فتلك الأمور على فرض حصولها إنما هي عوارض وقتية، ونوادر شخصية، لا يمكن ضبطها و لا جعلها مناطاً لحكم أو ملاكاً لقاعدة، وليس على الفقيه إلا بيان الأحكام الكليّة،أما الجزئيات فليست من شأن الفقيه ولا من وظيفته.

والذي علينا أن نقول: إن كل من يخاف الضرر على نفسه من عمل من الأعمال يحرم عليه ارتكاب ذلك العمل.

ولا أحسب أن أحد الضاربين رؤوسهم بالسيوف يخاف من ذلك الضرب على نفسه ويقدم على فعله، ولئن حرّم ذلك العمل عليه فهو لا يستلزم حرمته على غيره.

وأما ما ورد في الأخبار وذكره الفقهاء في كتاب الحدود والديات من أقسام الشجاج (كالحارصة) وهي التي تقشر الجلد وفيها بعير (والدامية) وهي التي تأخذ من اللحم يسيراً وفيها بعيران وهلم جرّا إلى (الهاشمية) وفيها عشرة، فمعلوم أن المراد ما لو جناه إنسان على آخر عدواناً، لا ما إذا فعله الإنسان بنفسه، ضرورة أن الإنسان لا يملك على نفسه شيئاً، وهذا مما لا أظنه يخفى على جاهل فضلاً عن فاضل، هذا وأن بالأصل الذي شيدّناه من أن المباح قد تعرض له جهات محسّنة يتضح لك الوجه في جميع تلك الأعمال العزائية في المواكب الحسينية.

 

ضرب الطبول ونفح الأبواق وقرع الطوس:

كلها أمور مباحة، فإنك أيها السامع تحس وكل ذي وجدان أنها لا تُحدث لك بسماعها طرباً ولا خفةً ولا نشاطاً، بل وبالعكس توجب هولاً وفزعاً وكمداً وحزناً، فإذا قصد منها الضارب الإعلام والتهويل ونظم المواكب وتعديل الصفوف والمناكب، حسنت بهذا العنوان، ورجحت بذلك الميزان.

 

الشبيه ومواكب التمثيل:

مباح في حد ذاته ـ وإن كان بتشبيه الأدنى بالأعلى والسافل بالسامي، والشريف بالعامي وذي الميزة بالعادي، كيف لا وقد ألقى الله تعالى شبه نبيه وروحه عيسى (عليه السلام) على أبغض خلقه إليه (يهوذا الأسخر يوطى) الذي نمّ على عيسى وحثّ اليهود على صلبه. وكان أمين الوحي جبرائيل (عليه السلام) يتشبه بدحية الكلبي إذا حضر عند السدّة النبوية وتشبهت الملائكة بأمير المؤمنين (عليه السلام) يوم بدر.

وروى السيد ابن طاووس رضوان الله عليه في كتاب الإقبال في فضل زيارة النبي (صلى الله عليه وآله) يوم المولود ما نصّه: وفي حديث عن الصادق (عليه السلام) وذكر زيارة النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: إنه يسمعك من قريب ويبلغه عنك من بعيد، فإذا أردت ذلك فمثّل بين يديك شبه القبر واكتب عليه اسمه وتكون على غسل ثم قم قائماً وقل أنت متخيّل بقلبك مواجهته (انتهى) إلى كثير من أمثال ذلك مما يضيق المقام عن تعداده كما يضيق المقام عن تعداد الحكم والمصالح والفوائد المترتبة على تلك المواكب التمثيلية، ولعلها أحد أسرار الشهادة ومُفادات الإمام (سلام الله عليه) بنفسه وبأعز الأنفس على وجه الأرض.