ضرب السلاسل
وموكب السلاسل يتكون بتجمع عدد غفير
من الناس في مركز معين يقيمون فيه مأتماً على الإمام الحسين (عليه السلام)، ثم
يجردون ظهورهم بلبس زي خاص من القماش الأسود، الذي فصّل خصيصاً لهذا الغرض،
ويقبضون بأيديهم مقابض حزمة من السلاسل الرقيقة فيضربون أكتافهم بتلك السلاسل،
بأسلوب هادئ رتيب، ينظمه قرع الطبول والصنوج(1) بطور حربي عنيف،
وينطلقون من مركزهم الذي تجمعوا فيه، ويسيرون عبر الشوارع إلى مكان مقّدس
يَنْفَضون فيه وهم يهزجون في كل ذلك بأناشيد حزينة أو يهتفون: ((مظلوم.. حسين..
شهيد.. حسين.. عطشان.. حسين..)).
وقد ابتكر الأتراك هذا الموكب ثم أخذه منهم الشيعة من
1 ـ الصنوج: مفردها صنج والصنوج: صحيفة مدورة من النحاس الأصفر تضرب على أخرى
مثلها. المنجد: ص436، باب الصاد، الصنج: الذي تعرفه العرب من هذا يتخذ من صفر
يضرب أحدها بالآخر. لسان العرب: ج2 ص311.
132
مختلف الجنسيات، وجعلوا يمارسونه أينما حطّتْ لهم قدم. ويتكيف هذا الموكب لجو
المدينة الذي تعيشه، وتثار العواطف من خلاله أكثر من المأتم، لأنّه هيجة عملية،
وأكثر من موكب اللطم، لأنّه يحتوي على عنف عاطفي أكثر.
وهذا العمل مباح بعنوانه الأولي، ومستحب بعنوانه الثانوي جزعاً على الإمام
الحسين (عليه السلام) لأنّ كل نوع من أنواع الانفجار العاطفي على الحسين (عليه
السلام) محمود ما لم يبلغ درجة إهلاك نفس أو طرف، والضرب بالسلاسل على الأكتاف
نوع من أنواع الانفجار العاطفي، فهو محمود، كما أنّه لون من ألوان الجزع المستحب
في مصيبة الإمام الحسين (عليه السلام) .
بل الذي يستفاد من مجموع الروايات أنّ جميع أقسام التألم من المصاب محبوب في
مصيبة الحسين (عليه السلام)، وقد كثرت ألفاظ التألم الواردة في الأخبار حتى
تجاوزت الخمسين، ومنها اللطم واللدم، اللذان رويا عن زينب الكبرى (عليها السلام)،
والهلع والقلق، اللذان وردا في حديث أم أيمن، والبكاء بدل الدمع دما الذي ورد في
زيارة الناحية، والجزع الذي جاء في حديث إخبار النبي (ص) فاطمة (عليها السلام)
بقتل الحسين(عليه السلام) .
وفي خطبة الإمام زين العابدين (عليه السلام) خارج المدينة بعد رجوعه عن
كربلاء: ((أي قلب لا ينصدع لقتله ... فإنا لله وإنا إليه
133
راجعون... من مصيبة ما أعظمها وأوجعها وأفجعا وأكظها وأفظها وأمرها وأفدحها!))(1).
وعن الإمام المنتظر (عج) في دعاء الندبة: ((فعلى الأطائب من أهل بيت محمد
وعلي (صلى الله عليهما وآلهما) فليبك الباكون، وإياهم فليندب النادبون... وليصرخ
الصارخون، ويضجّ الضاجون، ويعجّ العاجون... هل من جزوع فأساعد جزعه إذا خلا؟ هل
قذيت عين فساعدتها عيني على القذى))(2).
وإذا حمد الجزع على الإمام الحسين (عليه السلام) فإنّ الضرب بالسلاسل على
الأكتاف لا يعدو الجزع، بل يكون أحد مراتبه، وإذا عظمت الفاجعة حتى يكون تصدع
القلوب لها أمراً متوقعاً ـ بحيث يستفهم الإمام السجاد (عليه السلام) عن ذلك
القلب القاسي الذي لا يتصدع لقتله ـ فإنّ الضرب بالسلاسل على الأكتاف من أهون
الأمور بالنسبة إليه.
وإذاً للإمام السجاد (عليه السلام) أن يهلع حتى كادت روحه أن تزهق، فتدراكته
عمته زينب (عليه السلام) بقولها: ((ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي
وأخوتي؟))(3) فإنّ الضرب بالسلاسل على الأكتاف لا
1 ـ بحار الأنوار: ج45، ص148، باب 39، اللهوف في قتلى الطفوف: ص200 المسلك الثالث
في الأمور المتأخرة.
2 ـ انظر بحار الأنوار: ج99، ص107، باب 7.
3 ـ كامل الزيارات: 444 ـ 448، ح674 / 1، باب / 88، الحديث ذكر في حاشية كامل
الزيارات، بحار الأنوار: ج28، ص57، ح23.
134
يكون شيئاً مذكوراً يتحدث عنه.
بالإضافة إلى أنه ليس في اللطم واللدم والضرب بالسلاسل على الأكتاف مضرة توهم
الحرمة، لأنّ هذه الأعمال لا تضر بالجسم، بل إنها تنفع، لأنّها تثخن الجلد
وتصلبه، وعمليات تصليب الجلد من أنواع الرياضات القاسية التي يتعاطاها هواة
الرياضات الشديدة.