35
رجحان الشعائر الحسينية
لقد شن الاستعمار بنفسه حملات مباشرة
على الشعائر الحسينية ، وكان من الطبيعي أن يفشل، فالمسلمون ـ مهما انجرفوا ـ لا
يأخذون دينهم عن المشركين، ومن ثم استعار الأوجه المنحرفة التي انحدرت من أصلاب
المسلمين، ثم اتخذ منها نقطة انطلاق امتد منها سرطان الاستعمار إلى شتى أعضاء
الكيان الإسلامي، فبرزت مع الأيام في المسلمين وجوه عميلة أو مسيرة تستّر بها
الاستعمار لنشر مبادئه وأفكاره، وقد اجتهد الاستعمار قبل كل شيء لتوجيه الأحزاب
الإسلامية وجهته، لأنّها أقدر من المستعمرين وعملائهم على أن تنخر في كيان
الإسلام، فإذا بالأحزاب الإسلامية تتناصر لمحاربة الشعائر الحسينية، لأنّ فكرة
التحزب في الإسلام فكرة استعمارية وافدة، والذين يركزون حركتهم على فكرة
استعمارية سينتهون إلى أهداف الاستعمار مهما كانوا مخلصين للإسلام لأنّ الغاية
تكون أبداً من نوع الواسطة، والشر لا ينتج الخير.
36
وكان من غير الطبيعي ومن غير المتوقع أن تتجاوب مع هذه الآراء وجوه بريئة،
ولكن وقع بالفعل ما لم يكن طبيعياً ولا متوقعاً، فقد غرر العملاء والأحزاب برجال
صالحين، ودفعوهم إلى القول بأنّ الشعائر الحسينية محرمة، وأخذ العملاء والأحزاب
هذه الكلمة، وجعلوا يرددون: الشعائر الحسينية محرمة، وليتهم وقفوا عند هذا الحد،
إذاً لهان الخطب، ولكن المريب هو أن ينصرف هؤلاء فجأة عن جميع أعمالهم التي
عاشوها وعاشوا من أجلها، ويوقفوا أنفسهم على الصراخ والعويل ليل نهار بأنّ
الشعائر الحسينية محرّمة، وأنها تعرقل تقدم المسلمين، وهذا العمل الفجائي المريب
يبعث فينا أكثر من شك، ويوفر لنا الحق في أكثر من سؤال، ومنها:
لو كنتم حقاً تريدون مكافحة المحرمات والاحتفاظ بالإسلام فلماذا لا تحاربون
بقية المحرمات العلنية التي لم يختلف فيها اثنان من المسلمين؟ وإنْ كانت الشعائر
الحسينية تعرقل تقدم الإسلام فلم لم تصرخوا ضدها من أول يوم، وقد كان الشيعة
يمارسون مجموعة هذه الشعائر الموجودة وأكثر منها قبل أن ينعقد أجدادكم؟ هل
الشعائر الحسينية ابتدعت في هذا اليوم بالذات فأردتم القضاء عليها في مهدها كما
تقولون؟ أم أنّكم ولدتم في هذا اليوم فوجدتم الشعائر الحسينية قائمة
فاستنكرتموها؟ أو أنّ الاستعمار حرككم اليوم
37
فتحركتم تشترون مرضاة المخلوق بسخط الخالق؟ وإن كنتم مخلصين في دعوتكم كما
تتظاهرون فما الذي دفعكم إلى إهمال أعمالكم السابقة التي عشتموها عمراً، والتفرغ
لمحاربة هذه الشعائر المقدسة؟ هل وجدتم أعمالكم السابقة فاسدة فأضربتم عنها؟ أو
وجدتم الأهم فتركتموها توفراً على الأهم، أم قال لكم الاستعمار، إنّه يأبى أن
يمنحكم العمالة إذا لم تكرسوا جهودكم لحرب الشعائر الحسينية.
ومما يدين هؤلاء بالعمالة أنّهم جميعاً كانوا ممن يقيمون الشعائر الحسينية،
ويتحمسون لها، ويدافعون عنها، ثم انقلبوا فجأة يحاربونها بكل قواهم، ولم تنزل
عليهم آية، ولم يبعث لهم نبي جديد ينسخ شرائع الأولين.
ولكني أنصح هؤلاء بأن ينصرفوا إلى أعمالهم السابقة، ولا يجعلوا الحسين (عليه
السلام) وأباه وجده والإسلام خصومهم يوم القيامة، وأُطمئنهم بأنّهم وكل من في
الأرض جميعاً لو تناصروا لحرب هذه الشعائر العظيمة فإنّما هم الذين سيفشلون
وينهارون وينتصر الحسين (عليه السلام) ودعاته، ولا تزداد شعائره إلا توسعاً
وانتشاراً، لأنهّم ليسوا أقوى من يزيد الذي حشد لحرب الحسين (عليه السلام) ثلاثين
ألفاً أو يزيد من المجرمين الذين كان كل فرد منهم يتقرب إلى الله بدمه، فاكتسحهم
الحسين (عليه السلام) واكتسح يزيد والحكومة الأموية كلها،
38
وارتفعت قبته الذهبية تناطح السحاب، وانتصبت له في كل مكان راية تلوح وخطيب يروي
البطولات. هذا من وجهة النظر الاجتماعية.
وأما من وجهة النظر الشرعية فإنّ الشعائر الحسينية ليست بدعة كما يقولون، بل
بالعكس إن تحريم الشعائر بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، لأنّ البدعة في الدين
التي يعاقب عليها المبتدع أشد العقاب لا تعني سوى إسناد حكم إلى الشارع(1)
دون أن يكون عليه دليل شرعي، وتحريم الشعائر الحسينية إسناد حكم إلى الشارع دون
أن يكون عليه دليل شرعي فهو بدعة.
وقد منع القرآن من البدعة في الدين بعنف قاصف(2)، قد لا يوجد
نظيره بالنسبة إلى أي حرام آخر، فالقرآن الذي يأبى للنبي (صلى الله عليه وآله
وسلم) أن تذكر كنيته حين التخاطب، فيقول:
(ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ
رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ)(3)
ويامر المؤمنين بالصلاة والسلام عليه قائلاً: (إِنَّ
اللهَ
1 ـ الشارع : هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والمتشرعة ما
عداه ، مجمع البحرين 4 / 352 ، (باب ما أوله الشين).
2 ـ القاصف : الشديد الصوت ، مجمع البحرين / 5 / 109 ، (باب ما أوله القاف).
3 ـ سورة الأحزاب ، آية : 40.
39
وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)(1)
هو هذا القرآن نفسه الذي يهدد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأخطر تهديد
سمعه الرسول في حياته، إذ سوّل له البعض أن يغير شيئاً من أحكام الله، أو يتقول
على الله بعض الأقاويل فيقول: (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ
عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً
لاَتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73) وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ
إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (74) إِذاً لأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ
الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً)(2) ، (وَلَوْ
تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأَقاوِيلِ (44) لأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45)
ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ
حاجِزِين)(3).
وهذا العنف الرهيب من القرآن في المنع عن البدعة يكشف عن مدى خطورتها وضخامة
جريمتها، كما أنّ هذه الآيات حددت مفهوم البدعة بأنّها الافتراء على الله والتقول
عليه، وما دامت هذه الآيات قد حددت خطورة البدعة ومفهومها فكل من قال: إنّ الشيء
(كذا) واجب دون أن يجد على وجوبه دليلاً معتبراً فقد
1 ـ سورة الأحزاب ، آية 56 .
2 ـ سورة الإسراء ، آية 73 ـ 75 .
3 ـ سورة الحاقة ، آية : 44 ـ 47 .
40
ابتدع، وكل من قال: إنّ الشيء (كذا) حرام دون أن يجد على حرمته دليلاً معتبراً
فقد ابتدع، وهكذا بالنسبة إلى الاستحباب والكراهة، وإذا حق ذلك فلنعرض عليه أقوال
الذين يحرمون الشعائر الحسينية، ليبرز هل أنها من أكمل مصاديق البدعة أم لا؟ فنحن
لا نجد في مجموعة الأدلة التي وصلت إلينا من المعصومين عليهم السلام دليلاً يقول:
إنّ الشعائر الحسينية محرمة، ولا دليلاً يقول: إنّ اللطم على الحسين (عليه
السلام) حرام، أو إنّ لبس السواد حرام، أو أنّ التطبير حرام، وما داموا يحرمون ما
لا دليل على حرمته فهم يفترون على الله ويتقولون عليه، وبالتالي فهم يبدعون في
الدين بدعة.
والواقع أن الأدلة الشرعية ليست ساكتة عن حكم الشعائر الحسينية حتى يتاح
للمبدعين أن يفتروا على الله سبحانه الكذب، وإنّما هي واضحة تفيد أنّ الشعائر
الحسينية مباحة بطبيعتها الأولية ومستحبة بطبيعتها الثانوية.
أما كون الشعائر الحسينية مباحة بطبيعتها الأولية فتدل عليها أصالة الإباحة
العقلية والشرعية، لأنّ أنواع الحكم الشرعي خمسة: الوجوب، والحرمة، والاستحباب،
والكراهة، والإباحة، وهذه الأحكام الخمسة عامة تشمل كافة الأعمال والأقوال
الصادرة عن العباد، وكافة الأشياء الموجودة في متناول العباد، فكل عمل أو
41
قول أو شيء لا بد أن يكون محكوماً بأحد هذه الأحكام الخمسة، إذ لم يترك الشارع
عملاً أو قولاً أو شيئاً لم يحكم عليه بحكمه، ولم يصدره إلى العباد ولو في ضمن
الأدلة العامة المقررة تفاصيلها في الفقه.
فكل ما لم يوجد له حكم من الأحكام الخمسة فهو مباح للأدلة الأربعة، فأما
القرآن فقد دلت عليه آيات منه، منها: قوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ
اللهُ نَفْساً إِلاَّ ما آتاها).(1)
ومنها : قوله عز وجلّ: (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى
نَبْعَثَ رَسُولاً).(2)
ومنها: قوله عز من قائل: (وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً
بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ).(3)
ومنها: قوله عزّ اسمه: (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ
بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ).(4)
وهذه الآيات تتفق على أن الله تعالى لا يؤاخذ العباد على شيء لم يبينه لهم.
(1) سورة الطلاق : الآية 7 .
(2) سورة الإسراء : الآية 15 .
(3) سورة التوبة : الآية 115 .
(4) سورة الأنفال : الآية 42 .
42
وأما من السنة فأخبار كثيرة، فعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ((رفع عن
أمتي تسعة... وما لا يعلمون)).(1)
وفي غوالي اللآلئ عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((كل شيء مطلق حتى يرد فيه
نهي)).(2)
وفي أمالي الشيخ بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام): ((الأشياء مطلقة ما
لم يرد عليك أمر ونهي، وكل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبداً ما لم تعرف
الحرام منه فتدعه)).(3)
وفي التهذيب عن ابن محبوب عن أبي عبد الله (عليه السلام): ((كل شيء يكون فيه
حرام وحلال فهو لك حلال أبداً حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه)).(4)
وروى الشهيد في الذكرى عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((كل
1 ـ التوحيد : ص353 ، ح : 24 باب / 56 ، وفيه : عن أبي عبد الله
عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : رُفع عن أمتي تِسعةُ
: الخطاء والنسيان وما أكرهوا عليه وما لا يطيقون وما لا يعلمون وما اضطُرُّوا
إليه والحَسَدُ والطَّيرَةُ والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم يُنْطقْ بشفَةٍ ،
بحار الأنوار : ج2 ص 280 ، ح : 47 كتاب العلم باب / 32 .
2 ـ من لا يحضره الفقيه : ج1 ، ص 208 ح 937 / 22 ، باب / 45 ، غوالي اللئالي : ج3
، ص166 ج60 باب الحج وص462 ح1 باب الأطعمة والأشربة.
3 ـ آمالي الشيخ الطوسي : ص679 ، مجلس يوم الجمعة .
4 ـ تهذيب الأحكام : ج 9 ص 79 ، ح 337 / 72 .
43
شيء لك حلال حتى تعرف أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون
عليك قد اشتريته وهو سرقة، والمملوك عندك ولعله حر قد باع نفسه، أو خدع فبيع، أو
قهر فبيع، أو امرأة تحتك وهي أُختك أو رضيعتك، والأشياء كلها على هذا حتى يستبين
لك غير ذلك، أو تقوم به البينة)) .
وفي الحديث المشهور: ((ما حجب الله عن العباد فهو موضوع عنهم)).(1)
وفي بعض الأحاديث: ((هم في سعة ما لم يعلموا)).(2)
و: ((أي رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه))(3) ، و: ((إنّ الله
يحتج على العباد بما آتاهم، وعرفهم))(4).
وهذه الأحاديث تتفق على إباحة ما لم يرد فيه نهي الشارع، وأنّ أصالة الإباحة
تجري في كل شيء لم يصل إلى العباد حكم إلزامي في شأنه.
وأما من الإجماع فيكفي فيه اتفاق عامة الأصوليين وأكثر
1 ـ الأصول من الكافي : ج1 ، ص 164 ، ح 3 ، كتاب التوحيد ، باب
حجج الله على خلقه .
2 ـ ترتيب نوادر الراوندي ، ص 49 ، باب السفرة تؤخذ لقطة .
3 ـ تهذيب الأحكام : ج 5 ، ص 73 ، ح 47 ، باب صفة الإحرام .
4 ـ الأصول من الكافي : ج 1 ، ص 164 ، ح 4 ، كتاب التوحيد باب حجج الله على خلقه
.
44
الإخباريين على أنّ الحكم الشرعي هو الإباحة في كل ما لم يرد فيه دليل إلزامي من
الشرع أو العقل.
وأما من العقل فهو حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان.
إذاً أصالة الإباحة محكمة في كل شيء لم يرد فيه حكم إلزامي، والشعائر
الحسينية من الأشياء التي لم يرد فيها حكم إلزامي فتكون مشمولة بأصالة الإباحة،
فمن حرمها فقد ابتدع في الدين، لأنّه أسقط الأصل عن الاعتبار بلا مبرر.
وهنا يسرع أصحاب هذه الدعوة الباطلة إلى القول بأنّ التطبير وضرب الأكتاف
العارية بالسلاسل مضرة بالصحة، وكل شيء يضر بالصحة فهو حرام.
والجواب عنه:
أولاً: ليس في الشعائر الحسينية ما يضر بالصحة، فالتطبير لا يزيد على جرح
الرأس ونزف كمية محدودة من الدم لا تضر الجسم، بل قد تنفعه كالحجامة والفصد، وأما
ضرب الأكتاف بالسلاسل فإنّه لا يضر الأكتاف، بل يسبب قوة جلدها.
وأمّا إذا كان هناك إنسان يضرّ به أيّة واحدة من هذه الشعائر بحيث يؤدي إلى
هلاك نفسه أو طرف من أطرافه فإنّه يحرم عليه بالنسبة إلى نفسه فقط، ولكن هذا داخل
في العناوين الثانوية التي لا تؤثر على أحكام العناوين الأولية، وأين هذا من
موضوع البحث؟
45
فكل شيء إذا أصبح ضررياً يحرم وإن كان بعنوانه الأولي واجباً كالصوم والحج، فهل
هذا يبرر أن نقول: إن الصوم والحج محرمان لأنهما قد يؤديان إلى ضرر؟ .
وثانياً: أنّ الضرر الذي يحرم تحمله باتفاق العقل والشرع هو الضرر الذي يكون
بلا هدف عقلائي صحيح، وأما إذا تحمل الإنسان مشقة مضرة لهدف عقلائي فلا دليل على
حرمته، كتحمل المرتاضين والزهاد كثيراً من المشقات المضنية التي تنهك قواهم،
وكتحمل أصحاب الحرف الشاقة صعوبات تبري أجسامهم، وتضعف جميع أجهزتهم العضلية دون
أن يكون محرماً عليهم.
ثالثاً: ليس في الشرع دليل يقول: إنّ كل ما يضر بالصحة حرام حتى يصح التمسك
بعمومه، كل ما يوجد في هذا الباب هو قوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا
بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)(1) وأحاديث جمّة تفيد أنّ
إهلاك النفس أو إهلاك أحد الأطراف حرام، ولا نناقش في حرمة إهلاك النفس أو الطرف،
فمن انتحر أو شلّ أحد أعضائه فقد اقترف جريمة كبيرة، ولكن ليس كل ما يضر بالصحة
داخلاً في عنوان إهلاك النفس أو الطرف.
وأما قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ((لا ضرر ولا إضرار في الإسلام))(2)
فيجاب عنه:
1 ـ سورة البقرة : الآية 195 .
2 ـ من لا يحضره الفقيه : ج 4 ، ص 243 ، ح 2 ، باب / 171 ميراث أهل الملل.
46
أولاً: بأنّه مختص بغير الأحكام الصادرة في مورد الضرر، كالجهاد، والحج،
والختان، والخمس، والزكاة، وتمكين النفس من الحدود، والقصاص، والتعزيرات، والصبر
على المصائب، ومجاهدة النفس بترك الأخلاق الرديئة، وتحمل المرأة أوجاع الحمل
والولادة.
وثانياً: بأن هذا الحديث يعني عدم وجود الأحكام الضررية في أصل الشرع لا حرمة
تحمل الضرر مطلقاً، ولهذا لا يحرم نذر صوم الدهر سوى العيدين، وإدامة الوضوء،
والتزام جميع النوافل، والسعي ماشياً إلى الحج والعتبات المقدسة، وإحياء الليالي
بالعبادة.
كل هذا بالإضافة إلى وجود أدلة تدل على أنّ المعصومين كانوا يتحملون الضرر
بأنفسهم، ويقررون تحمل الضرر لغيرهم.
فإن آدم (عليه السلام) بكى على فراق الجنة حتى خد الدمع في خديه أخدودين.
ويعقوب بن إسحاق انتحب على فراق نجله يوسف حتى قال له الناس: (تَاللهِ
تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ
الْهالِكِينَ)(1) وحتى قال الله تعالى: (وَتَوَلَّى
عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ
فَهُوَ كَظِيمٌ).(2)
1 ـ سورة يوسف : الآية 85 .
2 ـ سورة يوسف : الآية 84 .
47
وورد في أحاديث زهد يحيى بن زكريا (عليه السلام): ((أن الدمع خدّ خدّيه، وأكل
منهما حتى وضعت أُمه عليهما لبداً))(1).
وورد في شعيب (عليه السلام): ((أنّه بكى حباً لله وخشية منه حتى عمي فرد الله
بصره، ثم بكى حتى عمي فرد الله بصره، ثم بكى حتى عمي فرد الله عليه بصره)) وعندما
استجوب من قبل الله على كثيرة بكائه وأجاب بأنّه يبكي حباً لله قال الله عز وجل:
((لهذا أخدمتك كليمي موسى بن عمران)).(2)
والنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وقف في محراب العبادة حتى تورمت
قدماه، فقد روى الطبرسي في الاحتجاج بسنده عن علي (عليه السلام): ((لقد قام
1 ـ قصص الأنبياء: ص216، باب / 14 في حديث زكريا ويحيى عليهما السلام، بحار
الأنوار: ج67، ص388، ح54 وفيه: قال: كان يحيى ابن زكريا يصلي ويبكي حتى ذهب لحم
خدّه وجعل لبداً وألزقه بخده حتى يجري الدموع عليه.
2 ـ أنظر بحار الأنوار: ج12، ص380، ح1، باب / 11، وفيه عن أنس قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم: بكى شعيب (ع) من حب الله عز وجل حتى عمي، فردَّ الله عز
وجل عليه بصره، ثم بكى حتى عمي فردّ الله عليه بصره، ثم بكى حتى عمي فرد الله
عليه بصره، فلما كانت الرابعة أوحى الله إليه: يا شعيب إلى متى يكون هذا أبداً
منك؟ إن يكن هذا خوفاً من النار فقد آجرتك وإن يكن شوقاً إلى الجنة فقد أبحتك،
فقال: إلهي وسيدي أنت تعلم أني ما بكيت خوفاً من نارك ولا شوقاً إلى جنتك ولكن
عقد حبك على قلبي فلست أصبر أو أراك، فأوحى الله جلّ جلاله إليه: أما إذا كان هذا
هكذا فمن أجل هذا سأخدمك كليمي موسى بن عمران، علل الشرائع: ج1 ص74 ح1 باب / 51.
48
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عشر سنين على أطراف أصابعه حتى تورمت قدماه،
واصفرّ وجهه، يقوم الليل أجمع حتى عوتب في ذلك)).(1)
وروى الشيخ الطوسي عن أبي جعفر (عليه السلام) قول السجاد (عليه السلام):
((إنّ جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد غفر الله سبحانه له ما تقدم من
ذنبه وما تأخر، فلمْ يدع الاجتهاد له، وتعبّد بأبي هو وأمي حتى انتفخ الساق، وورم
القدم، وقيل له: أتفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون
عبداً شكوراً)).(2)
ولم يزل يقف على أطراف أصابعه حتى نزلت سورة (طه) مفتتحة بقوله: (طه
* ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى)(3) وكان إذا
صلى ارتعد واصفر وسمع من صدره أزيز كأزيز المرجل، وهذا يكون عندما تنتفخ الرئة
فتضايق القصبة الهوائية، ولا يكون ذلك إلا عند أشد الخوف والفزع.
وإنّ فاطمة الزهراء (عليها السلام) وقفت في محرابها حتى تورمت قدماها،
1 ـ الاحتجاج: ج1، 326، احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على اليهود، انظر
مستدرك الوسائل: ج1، ص122، باب / 18، تأكد استحباب الجدّ والاجتهاد في العبادة.
2 ـ آمالي الشيخ الطوسي: ص648، مجلس يوم الجمعة / 25 جمادي الآخر 457هـ، مناقب بن
شهر آشوب: ج4، ص149، باب أمامة أبي محمد علي بن الحسين عليه السلام فصل في زهده.
3 ـ سورة طه: الآية 21.
49
ففي البحار عن الحسن (عليه السلام): (ما كان في الدنيا أعبد من فاطمة (عليها
السلام)، كانت تقوم حتى تتورم قدماها))(1) وتورم القدم ونزول الماء
إليها من الوقوف مرض خطير يعجز الطب عن معالجتها معالجة شافية.
وجاء في أخبار كثيرة: ((أنّ فاطمة (عليها السلام) استقت بالقربة حتى أثر في
صدرها، وطحنت بالرحى حتى مجلت يداها)).(2)
وفي الخرائج عن سلمان الفارسي وقد دخل على فاطمة (عليها السلام) فقال: ((كانت
فاطمة (عليها السلام) جالسة قدامها رحى تطحن بها الشعير، وعلى عمود الرحى دم سائل
والحسين (عليه السلام) في ناحية من الدار يبكي)).(3)
وإنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان في كل ليلة يناجي الله سبحانه، ويذكر
الموت والقبر والنار حتى تعتريه من خوف الله غشوة يخر منها كالخشبة اليابسة.
وإنّ الإمام الحسن (عليه السلام) حج ماشياً خمساً وعشرين حجة والنجائب تقاد
خلفه.
وفي الكافي عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((قال خرج الحسن بن علي (عليه
السلام) إلى مكة سنة ماشياً فورمت قدماه، فقال له بعض مواليه:
1 ـ بحار الأنوار: ج43، ص76، ح62.
2 ـ بحار الأنوار: ج43، ص82، ح5.
3 ـ الخروج والجرائح: ج2، ص530، ح6، فصل في ذكر أعلام فاطمة البتول عليها السلام.
لو ركبت لسكن عنك هذا الورم، فقال: كلا، إذا أتينا
هذا المنزل فإنّه يستقبلك أسود ومعه دهن فاشتر منه ولا تماكسه)).
وإنّ الإمام الحسين (عليه السلام) حمل على كتفه الجراب إلى دور اليتامى
والمساكين حتى وجد على كتفه بعد قتله جرح لم يعرفه الأعداء، فلما سألوا عنه
الإمام زين العابدين (عليه السلام) قال: ((إنّه أثر الجراب)) .
وروي في البحار عن أبي مخنف عن الجلودي: أنّ الحسين (عليه السلام) لما اقتحم
فرسه على الفرات وولجه وغرف منه غرفة ليشرب سمع صائح القوم يقول: إنّ الحسين
(عليه السلام) حمل على الأعور السلمي وعمر وبن الحجاج الزبيدي، وكانا في أربعة
آلاف رجل على الشريعة، وأقحم الفرس على الفرات... فمد الحسين (عليه السلام) يده
فغرف من الماء، فقال فارس: يا أبا عبد الله، تتلذذ بشرب الماء وقد هتكت حرمك،
فنفض الماء من يده، وحمل على القوم فكشفهم فإذا الخيمة سالمة.
بينما كان العطش قد أضر به حتى حال بينه وبين السماء كدخان، وكان ترك شرب
الماء مضراً به حتماً.
وإنّ أهل البيت صاموا ثلاثة أيام دون أن يفطروا بغير الماء حتى كان الحسنان
(عليهما السلام) يرتعشان من الجوع كأنهما فرخان منتوفان، فقدر الله إيثارهم بسورة
((هَلْ أَتى)) .
والإمام السجاد (عليه السلام) بكى وانتحب على أبيه الحسين (عليه السلام) حتى
قال مولى له: جعلت فداك يا ابن رسول الله، إنّي أخاف أن تكون من الهالكين، وقال
له بعض أصحابه: إنّك لتبكي دهرك، فلو قتلت نفسك ما زدت على هذا.
وقد عاش السجاد (عليه السلام) دائم السقم، دائم الحزن، نحيف البدن، واصفر
لونه بالاستدامة على العبادة، وعمشت عيناه من السهر، ودبرت جبهته، وخرم أنفه من
السجود.
وفي رواية الصدوق في الخصال قال الإمام الباقر (عليه السلام): ((كان لأبي
(عليه السلام) في موضع سجوده آثار ناتية كان يقطعها في السنة مرتين في كل مرة خمس
ثفنات، فسمي ذا الثفنات لذلك)) حتى لُقّب بذي الثفنات.
وفي القاموس: ذو الثفنات هو علي بن الحسين (عليه السلام) .
وقد ضعف من كثرة العبادة حتى كانت الريح تحركه، ولما سأله جابر ابن عبد الله
الأنصاري البقاء على نفسه أجابه (عليه السلام): ((لا أزال على منهاج أبويّ
مؤتسياً بهما حتى ألقاهما)).
وعندما قال له نجله الإمام الباقر (عليه السلام): ((يا أبه كم هذا الدأب؟))
أجابه قائلاً: ((أتحبب إلى ربي لعله يزلفني)).
والإمام الكاظم (عليه السلام) قد هزل من العبادة حتى إذا سجد بدا كأنّه ثوب
مطروح على الأرض، وصار كالشن البالي.
وفي رياض المصائب: فلما أراد العباس (عليه السلام) أن يشرب غرفة من الماء ذكر
عطش الحسين (عليه السلام) وأهل بيته، فرمى الماء،وملأ القربة.
وإنّ الرباب زوجة الحسين (عليه السلام) آلت على نفسها بعد رجوعها إلى المدينة
أن لا تستظل تحت سقف، وعاشت بعد الحسين (عليه السلام) سنة واحدة، ثم ماتت كمداً،
وقيل: إنّها أقامت على قبره سنة وعادت إلى المدينة فماتت أسفاً عليه.
وهذه الأعمال والكثير من أمثالها التي ملأت السيرة الطاهرة تدل على أنّ مجرد
الإضرار بالصحة غير محرم في الإسلام، بل محمود إن كان في سبيل الله كما يظهر من
وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) للمتقين في خطبته المشهورة.
وروى بن قولويه في كامل الزيارات عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال:
((إيما مؤمن مسّه أذى فينا فدمعت عيناه حتى تسيل على خذه من مضاضة ما أوذي فينا
صرف الله عن وجهه الأذى)) .
ومن كل هذا ظهر أنّ كل ما يضر بالصحة ليس حراماً كما يبدو لبعض الناس، بل قد
يكون مستحباً شرعاً، ونحن نفضل الشعائر الحسينية واحدة، ونعرضها على الأدلة
الشرعية لنتأكد من رأي الإسلام فيها.