التطبير
حشود من الفدائيين يتجمعون ليلة
عاشوراء هنا وهناك في مراكز مهيبة قد جلل جدرانها السواد، واشتعلت في جوانبها
الأنوار الخافتة الحمراء، فيحلقون رؤوسهم بالمواسي، ويلبسون الأكفان البيض
قطعتين: إزار ورداء، ويشدون في أوساطهم السيوف، ثم يخرجون في مواكب منظمة تتقدمها
مشاعل حمراء، وتتقدم كل موكب جوقة من أصحاب الطبول والصنوج والأبواق، فيقرعون
الطبول والصنوج، وينفخون في الأبواق، بقوة وعنف، ويهتفون من الصميم: ((حسين..
حيدر)) بطور حربي تزلزل الأرض، فتقشعر لها الجلود، وتنتصب لها كل شعرة في جلد كل
من يسمعها من قريب أو بعيد. وتتجول المواكب أواخر الليل العاشر من المحرم بين
مراكزها والعتبات أو الأماكن المقدسة الموجودة في بلادها، حتى إذا لاح الفجر
وارتفع صوت الأذان خشعت الأصوات، فلا تسمع إلا همس المصلين، وإذا قرب طلوع الشمس
تتجمع المواكب من جديد، فتصك الطبول والصنوج، وتزعق الأبواق، ويهتفون:
152
(حسين.. حيدر) وتزلزل الأرض، وتقشعر الجلود، وينتصب كل شعرة في جلد من يسمعها من
قريب أو بعيد، وتهب المدينة عن بكرة أبيها على الطامة الكبرى، وتزدلف الحشود على
جوانب الطرق التي تجوبها المواكب، وتخرج المواكب من مراكزها.
وفي كربلاء المقدسة تخرج عادة من مبنى المخيم منسابة إلى الأماكن المقدسة
التي تنفض فيها، ثم لا ترى إلا السيوف التي تقطر الدم، والرؤوس المخضبة، والأكفان
الحمر، والدموع التي تتحادر بلا استئذان، ولا تسمع سوى دوي الطبول والصنوج،
وعربدة الأبواق، وأصوات الهاتفين: (حسين .. حيدر) وعويل النساء، ونشيد الرجال،
وتنقلب المدينة كلها ملحمة هادئة حزينة يختلط فيها الدمع بالدم، وتتمزق القلوب
أسفاً على أنّها لم تدرك الحسين (عليه السلام) فتنصره، ثم تسلي نفسها بأنّها إن
لم تدرك شخصه لتنصره فقد أدركت تأريخه لتنصره فيه، وتواسيه في المصاب، وتقاسمه
المأساة، ثم يتفرق الناس وكل فرد بركان صغير في صميمه النار، وفي قلبه ثورة، وفي
عقله عبر وعظات لا تمسح لو عصف بها الدهر كله، وتصببت عليها البحار.
وإنّني أتصور أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) لو بعث لوجد في هذه المواكب
أنصاراً إن لم يكونوا كثيرين فإنّهم لا يكونون أقل من الأنصار الذين يجدهم في غير
هذه المواكب.
153
وموكب التطبير أقدر موكب على إعادة ثورة الحسين (عليه السلام) إلى الحياة،
لأنّ فيها كل ما في الحرب: الطبول، والصنوج، والأبواق، والسيوف التي تقطر دماً،
والرؤوس المخضبة، والأكفان الحمر.
والهيجة التي يحدثها موكب التطبير لا يحدثها أي خطيب ولا موكب، بما في ذلك
موكب التمثيل، لأنّ موكب التمثيل وإن كان أدق في استعراض المأساة إلا أنّه تعوزه
الواقعية، فكل من ينظر إليها يعلم أنّها تمثيلية لا واقع فيها، بينما يكون موكب
التطبير غنياً بالواقعية، فها هي السيوف التي تقطر دماً، والرؤوس المخضبة،
والأكفان الحمر.
وهذه الواقعية الملموسة هي التي توفق موكب التطبير لأن يجلب الدموع الغزار
أكثر من غيره، ويركز ثورة الحسين (عليه السلام) في الأعماق أقوى من غيره.
وأما جواز التطبير على الإمام الحسين (عليه السلام) فهو جائز ذاتاً، ومستحب
عرضاً، ولا يناقش فيه فقيه تأمّل وتدبّر، ولكن حيث وقعت حوله مناقشات بدوية نعمد
فيه إلى شيء من التفصيل.
وقبل كل شيء لابد أن نوضح جانباً من عظمة فاجعة الطف.
فمأساة الإمام الحسين (عليه السلام) لم تكن من نوع بقية المآسي التي وردت على
الأنبياء والأوصياء، فإنّ النبي والوصي والزهراء والزكي وثمانية من الأئمة من
ذرية الحسين (عليهم السلام) قتلوا بالسيف أو
154
السم، وكثير من الأنبياء والأوصياء وخيار المؤمنين الصالحين نشروا بالمناشير، أو
قرضوا بالمقاريض، أو سلخت جلودهم، أو أحرقوا، أو طرحوا في الزيت المغلي حتى تفرقت
لحومهم وعظامهم، فما بكت عليهم السماء والأرض كما بكت على الحسين (عليه السلام)،
ولم يتغير الكون كما تغير على الحسين (عليه السلام) .
بكى الحسين (عليه السلام) كل شيء
ففي العلل عن ميثم التمار، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): ((يبكي عليه كل
شيء حتى الوحوش في الفلوات، والحيتان في البحار، والطير في جو السماء، وتبكي عليه
الشمس والقمر والنجوم والسماء والأرض، ومؤمنو الإنس والجنّ، وجميع ملائكة
السماوات، ورضوان ومالك وحملة العرش، وتمطر السماء دماً ورماداً)) .(1)
1 ـ آمالي الصدوق: ص110 ح1 مجلس 27، وفي نسخة الشعائر: وجميع ملائكة السماوات
والأرضين، بحار الأنوار: ج45 ص202، ح4 باب 40 وص218 ح44 باب 40، مثير الأحزان:
ص23 أخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشهادة الحسين عليه السلام، علل
الشرايع: ج1، ص227 باب 162، العلة التي من أجلها صار يوم عاشوراء أعظم الأيام
مصيبة، اللهوف في قتلى الطفوف ص25 المسك الأول في الأمور المتقدمة، مناقب بن شهر
آشوب: ج4 ص86، فصل في مقتله عليه السلام.
155
وروى الشيخ في الأمالي عن الحسين بن أبي فاختة، عن أبي عبد الله (عليه
السلام) أنه قال: ((إن أبا عبد الله الحسين (عليه السلام) لما قتل بكت عليه
السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن، ومن تتقلب في الجنة والنار،
وما يرى وما لا يرى))(1).
وفي جلاء العيون عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام): (أنّ الحسين
(عليه السلام) بكى لقتله السماء والأرض واحمرتا، ولم يبكيا على أحد قط إلا على
يحيى بن زكريا، والحسين بن علي (عليه السلام))(2).
وفي جلاء العيون ـ أيضاً ـ عن علي بن مسهر القرشي قال: حدثتني جدتي أنّها
أدركت الحسين بن علي (عليهما السلام) حين قُتل. قالت: فمكثنا سنة وتسعة أشهر
والسماء مثل العلقة، مثل الدم ما ترى الشمس(3).
وعن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: ((إنّ السماء لم تبك منذ وضعت إلا على
يحيى بن زكريا والحسين بن علي (عليهما السلام))) قلت: أي
1 ـ آمالي الشيخ الطوسي: ص53، الجزء الثاني.
2 ـ جلاء العيون: ج4 ص281، الفصل / 16.
3 ـ جلاء العيون: ج2 ص281 الفصل / 16، مجمع الزوائد: ج9 وفيه: عن أم حكيم، قالت:
قتل الحسين وأنا يومئذٍ جويرية فمكثت السماء أياماً مثل العلقه، رواه الطبراني،
مقتل الحسين للخوارزمي: ج2 ص89 وفيه: حدثنا علي بن مسهر حدثتني جدتي قالت: كنت
أيام الحسين بن علي جارية شابة فكانت السماء أياماً أي: كالدم ـ بعد ما قتل.
156
شيء بكاؤها؟ قال: ((كانت إذا استقبلت بالثوب وقع على الثواب شبه أثر البراغيث من
الدم)).(1)
وروى ابن شهر آشوب في المناقب، عن نظرة الأزدية قالت: لما أن قتل الحسين
(عليه السلام) مطرت السماء دماً، وأصبحت وكل شيء لنا ملئ دماً.(2)
وعنها : ((لما قتل الحسين (عليه السلام) أمطرت السماء دماً وحبابنا وجرارنا
صارت مملوءة دماً)).(3)
وعن قَرَضَة بن عبيد الله، قال: مطرت السماء يوماً نصف النهار على شملة
بيضاء، فنظرت فإذا هو دم، وذهبت الإبل إلى الوادي لتشرب فإذا هو دم، وإذا هو
اليوم الذي قتل فيه الحسين(عليه السلام).(4)
وعن أم سليم قالت: لما قتل الحسين (عليه السلام) مطرت السماء مطراً
1 ـ بحار الأنوار: ج45، ص211، ح26 باب 40، كامل الزيارات: ص183، ح254 / 14، باب
28، وفيه: أي شيءٍ كان بكاؤها.
2 ـ بحار الأنوار: ج45 ص216 ح39، مقتل الحسين للخوازرمي، ج2 ص89 وفيه: عن نضرة
الأزدية ، قالت: لما قتل الحسين مطرت السماء دماً فأصبحنا وكل شيء لنا ملئ دماً.
3 ـ مناقب بن شهر آشوب ج4 ص61 باب إمامة أبي عبد الله الحسين عليه السلام فصل في
آياته بعد وفاته، جلاء العيون: ج2 ص282.
4 ـ جلاء العيون: ج2، ص282.
157
كالدم احمرَّت منه البيوت والحيطان .(1)
ومن خطبة العقيلة زينب في الكوفة: أفعجبتم إن مطرت السماء دماً، ولعذاب
الآخرة أخزى وهم لا ينصرون.(2)
وفي بعض زياراته: بكته السماء ومن فيها والأرض ومن عليها.. قتيل العَبرة.(3)
وفي تأريخ ابن عساكر والصواعق المحرقة لابن حجر: أن السماء مطرت دماً يوم قتل
الحسين(عليه السلام) حتى صبغ البيوت والحيطان، وبقي أثره مدة طويلة.
وفي تأريخ ابن عساكر والصواعق المحرقة لابن حجر: لما قتل الحسين(عليه السلام)
لم يرفع حجر إلا وجد تحته دم عبيط.(4)
1 ـ بحار الأنوار: ج45، ص215، ح38.
2 ـ بحار الأنوار: ج45، ص215 ح38، فرائد السمطين: ج2 ص166 ح453 وفيه: لما قتل
الحسين عليه السلام مطرنا مطراً على البيوت والحيطان كالدم. فبلغني أنه كان
بالبصرة وبالكوفة وبالشام وبخراسان حتى كنا لا نشك أنه سينزل العذاب.
3 ـ بحار الأنوار: ج98، ص347، ح1 باب 28.
4 ـ مقتل الحسين للخوارزمي: ج2 ص90، وفيه أيضاً: عن حماد بن زيد قال: أول ما عرف
الزهري أن تكلم في مجلس الوليد بن عبد الملك، قال الوليد: أيكم يعلم ما فعلت
أحجار بيت المقدس يوم قتل الحسين، فقال الزهري: بلغني أنه لم يقلب حجر إلا وجد
تحته دم عبيط، انظر تهذيب الكمال: ج6 ص434، كفاية الطالب: 399، تاريخ مدينة دمشق:
ج14 ص299 ح3545، الصواعق المحرقة: ص194، جلاء العيون ج2 ص283، بحار الأنوار: ج45
ص216 ح39 وفيه: قال الزهري: بلغني أنه لم يقلب حجر إلا وجد تحته دم عبيط، فرائد
المسطين: ج2 ص162 ح450 وفيه، عن الزهري: لما قتل الحسين بن علي عليهما السلام لم
يرفع ببيت المقدس حصاة إلا وجدت تحته دم عبيط، رواه ابن سعد في آخر ترجمة الإمام
الحسين عليه السلام من الطبقات الكبرى: ج8 قال: سألني عبد الملك بن مروان، فقال:
ما كان علامة مقتل الحسين؟ قال: قلت: لم نكشف يومئذٍ حجراً إلا وجدنا تحته دماً
عبيطاً، فقال عبد الملك: أنا وأنت في هذا غريبان، مجمع الزوائد: ج3 ص199 وفيه:
إني وإياك في هذا الحديث لقرينان. انظر الحسين ريحانة النبي لمحقق الشعائر
الحسينية، فصل فاجعة الطف: ص145 حيث ذكر المصادر.
158
في جلاء العيون عن أم حيان، قالت: يوم قتل الحسين (عليه السلام) أظلمت علينا
ثلاثاً، ولم يمس أحد من زعفرانهم شيئاً فجعله على وجهه إلا احترق، ولم يقلب حجراً
في بيت المقدس إلا أصبح تحته دماً عبيطاً.(1)
وفي تأريخ ابن عساكر والصواعق: لما جيء برأس الحسين (عليه السلام) إلى دار
زياد سالت حيطانها دماً.
وفي كامل ابن الأثير: وخرجت نار من بعض جدران قصر
1 ـ تهذيب الكمال: ج6 ص433، ذخائر العقبى: ص249، سير أعلام النبلاء: ج4 ص425 رقم
/ 270، تاريخ مدينة دمشق: ج14 ص229 ح3545، الصواعق المحرقة: ص194، بغية الطالب:
ج6 ص2636 وفيه عن مروان ـ مولى هند بنت المهلَّب ـ قال: حدثني بوَّاب عبيد الله
بن زياد، أنه لما جيء برأس الحسين فوضع بين يديه رأيت حيطان دار الإمارة تسايل
دماً.
159
الإمارة، وقصدت عبيد الله بن زياد، فقال لمن حضر عنده: أكتمه، وولى هارباً.
وفي الكامل في التأريخ: ومكث الناس شهرين أو ثلاثة، كأنما تُلطّخ الحوائط
بالدماء ساعة تطلع الشمس حتى ترتفع.(1)
وفي الكامل والصواعق وتأريخ ابن عساكر وتذكرة الخواص وعدد كبير من التواريخ
والمقاتل جمل متفرقة نجمعها فيما يلي:
ولما قتل الحسين أظلمت الدنيا ثلاثة أيام، واسودت سواداً عظيماً حتى ظن الناس
أنّ القيامة قامت، وبدت الكواكب نصف النهار، وأخذ بعضها يضرب بعضاً، ودامت الدنيا
على هذا ثلاثة أيام.(2)
وفي تأريخ النسوي عن الأسود بن قيس قال: لما قتل الحسين(عليه السلام) ارتفعت
حمرة من قبل المشرق وحمرة من قبل المغرب، فكادتا تلتقيان في كبد السماء ستة أشهر.(3)
وعن الثعلبي في تفسير قوله تعالى: (فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ
السَّماءُ
1 ـ الكامل في التاريخ: ج2 ص580 احداث سنة 61هـ.
2 ـ انظر الصواعق المحرقة: ص194، مجمع الزوائد: ج9 ص200، مقتل الحسين للخوارزمي:
ج2 ص98 وفيه: عن أبي قبيل قال: لما قتل الحسين بن علي عليه السلام كسفت الشمس حتى
بدت الكواكب نصف النهار حتى ظننا انها هي ـ يعني القيامة ـ.
3 ـ انظر مناقب بن شهر آشوب: ج4 ص54 باب إمامة أبي عبد الله الحسين عليه السلام
فصل في آياته بعد وفاته، بحار الأنوار: ج45 ص216، ح39.
160
وَالأَرْضُ).(1) قال: إن الحمرة التي مع الشفق
لم تكن قبل قتل الحسين (عليه السلام).(2)
وقال السيد ابن طاووس: .. فلما قتل الحسين (عليه السلام) ارتفعت في السماء في
ذلك الوقت غبرة شديدة سوداء مظلمة فيها ريح حمراء لا ترى فيها عين ولا أثر، حتى
ظن القوم أنّ العذاب قد جاءهم، فلبثوا كذلك ساعة ثم انجلت عنهم.(3)
وفي جلاء العيون عن الفتح بن عابد: (كنت في كل يوم افتت الخبز لتأكله
العصافير فتأكله، فلما كان يوم عاشوراء فتت لها الخبز فلم تأكله، فعلمت أنّها لم
تأكله لعزائها على الحسين (عليه السلام).(4)
وفي الكامل عن الحارث الأعور. قال علي (عليه السلام): بأبي وأمي الحسين
المقتول بظهر الكوفة، والله كأني أنظر إلى الوحوش مادة أعناقها على قبره ـ من
أنواع الوحش ـ يبكونه ويرثونه ليلاً حتى الصباح، فإذا كان كذلك فإياكم والجفاء.(5)
1 ـ سورة الدخان: الآية 29.
2 ـ الصواعق المحرقة: ص194، بحار الأنوار ج45 ص217 ح40.
3 ـ سورة الدخان: الآية 29.
4 ـ جلاء العيون: ج2 ص285، مقتل الحسين للخوارزمي: ج2، ص90، وفيه: عن الفتح بن
سحر العابد يقول: كنت أفت الحب للعصافير كل يوم فكانت تأكل، فلما كان يوم عاشوراء
فتت لها فلم تأكل فعلمت انها امتنعت لقتل الحسين بن علي عليه السلام.
5 ـ كامل الزيارات: ص165 ح214 / 3 باب 26.
161
وروى ابن قولويه في الكامل عن رجل من أهل بيت المقدس أنّه قال: والله لقد
عرفنا ـ أهل بيت المقدس ونواحيها ـ عشية قتل الحسين بن علي (عليه السلام) . قلت:
وكيف ذلك؟ قال: ما رفعنا حجراً ولا مدراً ولا صخراً إلا ورأينا تحتها دماً عبيطاً
يغلي، واحمرت الحيطان كالعلق، ومطرنا ثلاثة أيام دماً عبيطاً).(1)
وفي الكامل ـ أيضاً ـ : (وانكسفت الشمس ثلاثة أيام ثم تجلّت عنها) .
وروى الصدوق في الأمالي والعلل عن جبلة المكية، عن ميثم التمار أنه قال: يا
جبلة، إذا نظرت السماء حمراء كأنّها دم عبيط
1 ـ كامل الزيارات: ص160 ح198 / 3، باب 24 وفيه تكملة الحديث: وسمعنا منادياً
ينادي في جوف الليل يقول:
أترجو أمة قتلت حسيناً شفاعة جده
يوم الحساب
معاذ الله لا نلتم يقيناً شفاعة أحمد وأبي تراب
قتلتم خير من ركب المطايا وخير الشيب طرَّاً والشباب
2 ـ ذكره: تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص242 ح3547، جواهر العقدين في فضل الشرفين: ص421، ذخائر العقبى: ص248، بغية الطالب: ج6 ص2653، الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج1 ص395 ح556، كفاية الطالب: 394، الخصائص الكبرى: ج2 ص127، تهذيب الكمال: ج6 ص442، مقتل الحسين للخوارزمي: ج2 ص93 وفيه: وجدنا في الحائط صخرة فيها مكتوب:
أترجو أمة قتلت حسيناً شفاعة جده
يوم الحساب
فلا والله ليس لهم شفيع وهم يوم القيامة في العذاب
162
فاعلمي أنّ سيد الشهداء الحسين (عليه السلام) قد قتل. قالت جبلة: فخرجت ذات يوم
فرأيت الشمس على الحيطان كأنّها الملاحف المعصفرة، فصحت حينئذ وبكيت، وقلت: قد
والله قتل سيدنا الحسين بن علي (عليهما السلام).(1)
وفي الصواعق المحرقة، والمقتل للخوارزمي، والكواكب الدرية، والإتحاف، وتأريخ
الخلفاء، ومجمع الزوائد كثير من المقاتل: لما قتل الحسين بن علي (عليهما السلام)
كسفت الشمس حتى بدت الكواكب نصف النهار، وزاد في مجمع الزوائد بعد كلمة انكسفت
الشمس كلمة ((كسفة)) وفي الصواعق ذكر انكسفت الشمس حتى بدت الكواكب نصف النهار.(2)
وذكر أبو نعيم الحافظ في كتاب دلائل النبوة: مما ظهر يوم قتله الحسين (عليه
السلام) من الآيات ـ أيضاً ـ أنّ السماء اسودت اسوداداً عظيماً
1 ـ آمالي الصدوق: ص110 المجلس 27، مجمع الزوائد: ج9 ص200 وفيه: عن عيسى بن
الحارث الكندي قال: لما قتل الحسين مكثنا سبعة أيام أذا صلينا العصر نظرنا إلى
السماء على أطراف الحيطان كأنها الملاحف المعصفرة ونظرنا إلى الكواكب بضرب بعضها
بعضاً.
2 ـ مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي: ج2، ص89، الفصل الثاني عشر في بيان عقوبة
قاتل الحسين عليه السلام، انظر الصواعق المحرقة: ص194، الفصل الثالث في الأحاديث
الواردة في بعض أهل البيت كفاطمة وولديها، مجمع الزوائد: ج9 ص200، باب مناقب
الحسين بن علي عليه السلام.
163
حتى رئيت النجوم نهاراً.
وفي الصواعق المحرقة: وأخرج أبو الشيخ: وأنّ السماء احمرت لقتله ـ الحسين
(عليه السلام) ـ وانكسفت الشمس حتى بدت الكواكب نصف النهار، وظن الناس أنّ
القيامة قد قامت.(1)(2)
1 ـ انظر: أنساب الأشراف: ج2 ص505، تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص227 ح3545 وفيه: عن
أبي قبيل قال: إن السماء أظلمت يوم قتل الحسين حتى رأوا الكواكب.
2 ـ ودلالة على هذه التواريخ والروايات، على كسوف الشمس لقتل الإمام الحسين عليه
السلام واضحة صريحة، غير أن هناك من يشق عليه أن يعترف بعظمة الإمام الحسين عليه
السلام إلى هذا الحد، الذي يؤثر على الإجرام السماوية، ولكنه يهاب المسلمين أن
يصارحهم بضعف عقيدته، فيقول: أن الشمس لا تكسف لموت إنسان، ويستدل لرأيه برواية
هي:
روي عن علي بن عبد الله، قال: قال سمعت أبا الحسن موسى عليه السلام يقول: لما قبض
ابراهيم بن رسول الله عليه السلام جرت فيه ثلاث سنن، أما واحدة، أنه لما مات
انكسفت الشمس، فقال الناس: انكسفت الشمس لفقد ابن رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم فصعد رسول الله المنبر فحمد الله واثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، أن الشمس
والقمر آيتان من آيات الله، يجريان بأمره مطيعان له لا ينكسفان لموت واحد ولا
لحياته، فأن انكسفتا أو واحدة منهما فصلوا، ثم نزل عن المنبر فصلى بالناس صلاة
الكسوف، فلما سلم، قال: يا علي قم، فهجر ابني، فقام علي فغسل ابراهيم، وحنطه
وكفنه، ثم خرج به، فمضى رسول الله صلى الله عليه وآله حتى انتهى به إلى قبره،
فقال الناس: إن رسول الله نسي أن يصلي على ابراهيم، لما دخله من الجزع عليه،
فانتصب قائماً، ثم قال: يا أيها الناس، أتاني جبرئيل بما قلتم، زعمتم: إني نسيت
أن أصلي على ابني، لما دخلني من الجزع، إلا وأنه ليس كما طننتم، ولكن اللطيف
الخبير، فرض عليكم خمس صلوات، وجعل لموتاكم من كل صلاة تكبيرة، وأمرني أن لا أصلي
إلا على من صلى .. الكافي 3 / 208 ـ 209 / 7، كتاب الجنائز، باب غسل الأطفال
والصبيان والصلاة عليهم ..
وأكثر الظن: أن هذه الرواية موضوعة لأمور:
أ ـ معارضة صدرها للأخبار والتواريخ الكثيرة، التي تدل على انكساف الشمس لقتل
الإمام الحسين عليه السلام، وقد سبق بعضها ومعارضتها لخطبة الإمام أمير المؤمنين
عليه السلام في وفاة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حيث يقول فيها:
(وكسفت الشمس لموته).
ب ـ معارضة ذيلها للأحاديث الدالة على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى
بنفسه على ابراهيم كصحيحة عبد الله بن بكير التي رواها الشيخ في التهذيب، عن عبد
الله بن بكير، عن قدامة بن زائدة، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (أن رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم على ابنه ابراهيم فكبر عليه خمساً ..) تهذيب
الأحكام 3 / 316 / 5، باب الصلاة على الأموات..
ج ـ موافقة ذيلها للعامة، حيث أنهم لا يصلون إلا على من عقل الصلاة فيما الخاصة
يصلون على كل مولود، وعليه أحاديث كما في الحدائق عن على بن يقطين قال: سألت أبا
الحسن عليه السلام: (لكم يصلى على الصبي، إذا بلغ من السنين والشهور؟ قال: يصلى
عليه على كل حال، إلا أن يسقط لغير تمام)، الاستبصار 1 / 480 / ح1859 / 5، باب
297 باب الصلاة على الأطفال ، والوسائل، 2 / 789 / ح3121 / 2، باب 14 استحباب
الصلاة على الطفل الذي مات ولم يبلغ ست سنين إذا كان ولد حياً .. وما عن السكوني،
عن جعفر عليه السلام، عن آبائه قال: (يورث الصبي ويصلى عليه إذا سقط من بطن أمه
فاستهل صارخاً) .. الوسائل 2 / 789 / 3، باب 14 باب استحباب الصلاة على الطفل
الذي مات ولم يبلغ ست سنين إذ كان ولد حياً ..
د ـ اعراض المشهور عنه، وتمسكهم بالأخبار المعارضة له وأعراض المشهور يوجب وهن
الحديث، وعلى أي حال، فأكثر الظن أن هذه الرواية موضوعة، قد وضعها دعاة بني امية،
الذين شق عليهم انكساف الشمس لمقتل الأمام الحسين عليه السلام، فذهبوا يكذبون على
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لجحد عظمة ابنائه، وإطفاء نوره، وقد أبي الله
إلا أن يتم نوره ولو كره المعاندون.
164
165
وفي الأحاديث الكثيرة أنّ الأئمة كانوا يحزنون أيام عشرة عاشوراء حتى إذا كان
يوم عاشوراء ازداد حزنهم، وجلسوا في بيوتهم يبكون وينحبون، ويدعون كل شاعر إلى
إنشاد مرثية عن الإمام الحسين (عليه السلام)، وكل موالٍ يزورهم يدعونه إلى البكاء
على الحسين (عليه السلام)، وزيارة قبره.
وفي عديد من الأخبار دلالة على محبوبية مشاطرة الإمام الحسين (عليه السلام)
في كافة مصائبه من الحزن والخوف والجوع والعطش وغيرها. فيستحب صوم يوم عاشوراء من
الصباح حتى ما بعد العصر مشاطرة للإمام الحسين (عليه السلام) في جوعه وعطشه.
فقد روى الشيخ في المصباح عن عبد الله بن سنان، عن الإمام الصادق (عليه
السلام) في خصائص يوم عاشوراء: (صمُه من غير تبييت، وافطره من غير تشميت، ولا
تجعله يوم صوم كمُلا، وليكن إفطارك بعد العصر بساعة على شربة من ماء) .(1)
1 ـ مصباح المتهجد 782 في المحرم، زيارة أخرى في يوم عاشوراء، الوسائل 7 / 338 /
ح13848 / 7، باب (20) باب استحباب صوم يوم التاسع والعاشر من المحرم حزناً.
166
مع العلم بأنّ هذا النوع من الإمساك ليس صوماً، لأنّ الصوم لا بد أن يبتدئ من
الفجر حتى المغرب، وإنّما هو مشاطرة للحسين(عليه السلام) في جوعه وعطشه يوم
عاشوراء، وقد دعا الإمام الصادق (عليه السلام) لمن يقوم بهذه المشاطرة قائلاً:
رحم الله شيعتنا، شيعتنا والله المؤمنون، فقد والله شركونا في المصيبة بطول الحزن
والحسرة.(1) ولو كان صوماً لكان مكروهاً، لما ورد في الكافي في الصحيح
عن الإمام الصادق (عليه السلام): أنّه سئل عن صوم تاسوعاء وعاشوراء فقال: (وأما
يوم عاشوراء فيوم أصيب فيه الحسين (عليه السلام) صريعاً بين أصحابه، وأصحابه
صرعى، أفصوم يكون ذلك اليوم؟ كلا ورب البيت الحرام، ما هو يوم صوم، وما هو إلا
يوم حزن ومصيبة دخلت على أهل السماء وأهل الأرض وجميع المؤمنين، ويوم فرح وسرور
لابن مرجانة وآل زياد وأهل الشام) .
إذاً فلا صوم في يوم عاشوراء، وإنّما تستحب مشاطرة الحسين(عليه السلام) في
مصابه، وإنّ الأئمة (عليهم السلام) كانوا يشاطرون جدهم الإمام الحسين (عليه
السلام)، فلا يشربون الماء في يوم عاشوراء.
وقد شاطرته من قبله أغنام النبي إسماعيل (عليه السلام) ففي حديث أنّ أحد
الرعاة كان يرعى قطيعاً لإسماعيل على ضفاف الفرات،
1 ـ ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: ص216 ـ 217.
167
فأخبره يوماً بأنّ الأغنام منذ أيام لا ترعى ولا تنهل، فناجى إسماعيل ربه في
شأنها، فنزل جبرئيل وقال: يا إسماعيل اسأل الغنم عن سبب امتناعها عن الرعي
والنهل، فسألها إسماعيل (عليه السلام) فأجابت بأنّ في هذه الأرض يذبح ابنك كبد
رسول الله الحسين (عليه السلام) عطشاناً، ونحن لا نشرب الماء حتى نواسيه في عطشه.
وحتى فرس الحسين (عليه السلام) شاطره في عطشه، ففي المقاتل: أنّ الحسين(عليه
السلام) لما أقحم فرسه على الماء رفع الجواد رأسه وأبى أن يشرب الماء قبل الحسين
(عليه السلام) .
وقد شاطره في عطشه قبل استشهاده ابن عمه مسلم بن عقيل من حيث يعلم أولا يعلم،
ففي عامة المقاتل: ولما أتي بمسلم بن عقيل إلى دار الإمارة طلب الماء، فأتي به،
فكلما أراد أن يشرب امتلأ القدح دماً من الجرح الذي أصاب فمه، وفي الثالثة ذهب
ليشرب فامتلأ القدح دماً، وسقطت فيه ثناياه، فتركه وقال: لو كان من الرزق المقسوم
لشربته.
وإن أبا الفضل العباس (عليه السلام) لما خاض الشريعة وأخذ كفاً من الماء
ليشرب تذكر عطش أخيه الحسين (عليه السلام) نفض الماء من يده مواساة للحسين (عليه
السلام) فاستحق أن يقف الأئمة (عليهم السلام) وشيعتهم خاشعين أمام قبره إلى يوم
القيامة ليرددوا: فنعم الأخ المواسي.
وهل تستكثر على أبي الفضل مواساته لأخيه في عطشه، وقد
168
ذكر الشيخ هادي الخراساني النجفي، في كتابه ـ عدة الشهور ـ: أنّ أمير المؤمنين
(عليه السلام) عند وفاته دعا العباس (عليه السلام) فضمه إليه، وقبّل عينيه،
وأوصاه، وأخذ عليه العهد: أنّه إذا ملك الماء يوم الطف أن لا يذوق منه قطرة وأخوه
الحسين (عليه السلام) عطشان، وكيف يشرب أبو الفضل الماء، ومن جفاء المؤمن على
أخيه أن يروى وهو ظمآن.
ففي الكافي روى معلى بن خنيس عن الصادق (عليه السلام) في تعداد حق المؤمن على
أخيه المؤمن: ((والخامس: أن لا تشبع ويجوع، ولا تروى ويظمأ، ولا تلبس ويعرى)).(1)
ولقد تعود المسلمون الإيثار في ساعة العسرة كما وصفهم القرآن بقوله: (وَيُؤْثِرُونَ
عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ).(2)
ففي غزوة (بدر) سقط عشرة من المسلمين صرعى يلفظون أنفاسهم الأخيرة، فحمل
أحدهم الماء إلى أول صريع فآثر صاحبه، فجاء إلى الثاني ليسقيه فرفض أن يشرب قبل
الثالث، ولما أتى نحو الثالث امتنع أن يستأثر بالماء دون الرابع، وهكذا أبى كل
إلا إيثار الآخر على نفسه، حتى أتى على العاشر أمره بالرجوع إلى الأول،
1 ـ الأصول من الكافي، 2 / 169 / 2، كتاب الإيمان والكفر، باب حق المؤمن على أخيه
وأداء حقه.
2 ـ سورة الحشر، الآية9.
169
وعندما رجع وجده ميتاً، فأسرع نحو الثاني وكان ميتاً، وكذلك طاف عليهم واحداً بعد
واحد فوجدهم قد ماتوا جميعاً عطاشى، وأصر كل واحد على أن لا يشرب الماء دون
أصحابه.
بل في تفسير علي بن إبراهيم في ذيل آيات المتخلفين عن غزوة تبوك: أنّ أبا ذر
الغفاري مر بغدير فيه ماء بارد عذب وكان ظمآن، ولكنه أبى أن يشرب منه قبل رسول
الله (ص) فاحتمل منه في قربة، وسار حتى إذا دنا من معسكر المسلمين أمر رسول الله
(ص) بأن يحمل إليه الماء كيلا يضر به العطش.
ويظهر من بعض الأحاديث أن الله أحب مواساة الحسين (عليه السلام) في مصائبه،
فأشرك بعض أنببائه في بعضها.
فإنّ سفينة نوح (عليه السلام) لما وصلت إلى كربلاء وجاءها موج فاضطربت حتى
كادت أن تغرق، فنزل جبرئيل وقال: يا نوح، إنّ هذه أرض يقتل فيها سبط نبي آخر
الزمان، وابن خير الأوصياء.
وإنّ سليمان (عليه السلام) كان على بساط الريح يجوب الآفاق، تجري به الريح
رخاءً حيث أصاب، إذ وصل إلى كربلاء فطافت به الريح حول نفسه ثلاثاً، ولما عاتب
سليمان الريح أجابت: بأنّ في هذا المكان يقتل سبط أحمد المختار.
وهكذا أشرك الله نوحاً وسليمان في أهوال هذه الأرض مع السبط الشهيد، كما أشرك
الله عدداً من الأنبياء مع الحسين (عليه السلام) في
170
إسالة دمائهم على تربة كربلاء.
ففي أخبار معتبرة: أنّ آدم لما وصل إلى كربلاء وبلغ مقتل الحسين (عليه
السلام) عثر بصخرة، فجرى الدم من قدمه، ثم أوحى الله إليه: أنّ في هذه الأرض
سيقتل ولدك الحسين (عليه السلام) فأردت أن تشاركه في الألم والحزن، ويراق دمك
عليها كما يراق عليها دمه.
وإن إبراهيم (عليه السلام) كان يوماً راكباً جواده ماراً بصحراء كربلاء إذ
كبا فرسه، وانقلب على الأرض، فأصيب رأسه بصخرة، وجرى منه الدم، فبدأ إبراهيم
(عليه السلام) بالاستغفار، وقال: يا رب، أي ذنب صدر مني حتى استوجبت التأديب؟
فنزل جبرائيل وقال: يا إبراهيم، لم يصدر منك ذنب، ولكنه موضع يقتل فيه سبط محمد
المصطفى ونجل علي المرتضى ظلماً وجوراً، فأراد الله أن تواسيه، ويراق دمك فيه.
وإن موسى بن عمران مر بصحراء كربلاء مع وصيه يوشع بن نون، فلما دخلها انقطع
شسع نعله، وأدمت الأشواك قدمه، فسأل الله عن سبب ذلك، فأوحى الله إليه: أنّ في
هذه الأرض يراق دم عبدي الحسين (عليه السلام)، فأردت أن يراق دمك فيها.
ففي مجموع هذه الأخبار دلالة على أنّ مصيبة الحسين (عليه السلام) لم تكن
كباقي مصائب الأولين والآخرين، بل كانت مصيبة فجع بها كل ما خلق الله مما يرى وما
لا يرى، وأصابت الناس والحيوانات
171
والجمادات، وبكته الأرض والسماء، وسرت المصيبة إلى الآخرة، فبكى لها رضوان ومالك
ولطمت الحور العين، وبكى كل من يتقلب في الجنة والنار، وندب عليها الأنبياء
والأوصياء قبل ميلاده، وأقيمت له المآتم يوم ولادته، فلا بد أن يقام لها مقياس
آخر غير مقاييس بقية المصائب مهما عظمت وعظم من يصاب بها.
وفي الأخبار الأخيرة إشعار بأنّ الله أحب أن يشارك أنبياؤه الحسين(عليه
السلام) في إراقة دمائهم على تربة كربلاء ولو كان عن غير قصد، فتكون في هذه
الأخبار وحدها كفاية للدلالة على رجحان التطبير مواساة للحسين (عليه السلام)
وأصحابه.
وقد روى الصدوق في العلل، وابن قولويه في الكامل عن الإمام الصادق (عليه
السلام): إن إسماعيل الذي قال الله تعالى في كتابه: (وذكر في
الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً) (لم يكن إسماعيل بن
إبراهيم (عليه السلام)، بل كان نبياً من الأنبياء بعثه الله إلى قومه، فأخذوه
فسلخوا فروة رأسه ووجهه، فأتاه ملك عن الله تبارك وتعالى فقال: إن الله بعثني
إليك فمرني بما شئت، فقال: لي أسوة بما يصنع بالحسين (عليه السلام).(1)
وإذا كان صبر إسماعيل على سلخ جلدة وجهه ورأسه أسوة
1 ـ كامل الزيارات: ص137، ح161 / 1 باب 19.
172
بالحسين (عليه السلام) مع أنّه لم يتعمد فعل ذلك بقصد الأسوة، بل سلخها قومه
كرهاً، فإنّ التطبير بقصد الأسوة، يكون من أنواع الأسوة.
وفي الحديث: ((أنّ رسول الله (ص) لما استوحش من عدم البكاء على عمه حمزة
اجتمع نساء الأنصار يبكين على باب المسجد، وقد ذهب ثلث الليل، فلما خرج رسول الله
(ص) ورآهن يبكين ويندبن عمه قال لهن: ارجعن يرحمكنّ الله، فقد واسيتن بأنفسكن))(1).
وقد ورد في البكاء: أنّه إسعاد للزهراء (ع)، وصلة لرسول الله(ص) وأداء لحقه
وحقوق الأئمة، ونصرة للحسين (عليه السلام) وأسوة بالأنبياء والأئمة والملائكة.
وإذا كان بكاء أحد على ميت مواساة لأهله وإسقاطاً لحقوقهم لأنّه من مظاهر
الحزن عليه فإنّ الإدماء الذي هو أظهر مصاديق الجزع أولى بأن يكون أسوة ومواساة،
ومشمولاً بالحديث الذي رواه السيد ابن طاووس في كتابه المقتل عن الإمام السجاد:
(أيما مؤمن مسّه أذى فينا فدمعت عيناه حتى تسيل على خده من مضاضة ما أوذي فينا
صرف الله عن وجهه الأذى، وآمنه يوم القيامة من سخطه والنار.(2)
1 ـ بحار الأنوار: ج79، ص921 ح44، وج20 ص99.
2 ـ كامل الزيارات: ص201 ح285 باب 32، انظر بحار الأنوار: ج44 ص281 ح13 وفيه يسيل
تسيل، وخدَّيه بدل خده.
173
ويدل على جواز التطبير أمور:
(1) أصل الإباحة الحكم عند عدم وجدان نص على الخلاف، وليس في المصادر الفقهية
الموجودة بأيدينا دليل على حرمة الجرح أو الإدماء.
(2) صدور الإدماء من بعض أهل بيت الحسين (عليه السلام) وتقرير الإمام السجاد
(عليه السلام)، ففي الخبر المصحح: أن زينب الكبرى (عليها السلام) لما رأت في
الكوفة رأس أخيها على رأس رمح، نطحت جبينها بمقدم المحمل حتى رئي الدم يخرج من
تحت قناعها..(1) وكان في وسع الإمام السجاد (عليه السلام) أن ينهاها
عن هذه العملية، ولكنه لم ينهها، وعدم نهيه دليل موافقته.
(3) ورود الأدلة بجواز خمش الوجوه في مصيبة الإمام الحسين(عليه السلام)، وخمش
الوجه يلازم الإدماء، فإذا جاز خمش الوجه فقد جاز الإدماء.
فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث موثق أنّه قال: (على مثل
الحسين (عليه السلام) فلتشق الجيوب، ولتخمش الوجوه،ولتلطم الخدود).
(4) صدور الإدماء من الإمام زين العابدين (عليه السلام)، فقد روى المجلسي في
البحار وفي جلاء العيون: (أن زين العابدين (عليه السلام) بكى على أبيه أربعين سنة
صائماً نهاره قائماً ليله، فإذا حضر الإفطار
1 ـ جلاء العيون: ج2 ص275 وفيه: عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: الخبر.
174
جاءه غلامه بطعامه وشرابه فيضعه بين يديه فيقول: كُلْ يا مولاي، فيقول: (قُتل ابن
رسول الله (ص) جائعاً، قُتل ابن رسول الله (ص) عطشاناً)، فلا يزال يكرر ذلك ويبكي
حتى يبّل طعامه من دموعه، ثم يمزج شرابه بدموعه، فلَمْ يزل كذلك حتى لحِقَ بالله
عزّ وجل(1) وإذا جاز إدماء العيون التي هي أهم وأرقّ الأعضاء فقد جاز
التطبير بطريق أولى.
والبكاء بدل الدمع دماً قسمان:
القسم الأول: أن تشتد حرارة الباكي وتتدفق دموعه حتى تمزق الشرايين الرقيقة
في الأجفان، فيهمي منها الدم.
القسم الثاني: أن ينشج الباكي بالبكاء وتتدفق دموعه حتى لا تتاح الفرصة للدم
حتى ينقلب دمعاً، لأنّ الدمع هو بخار الدم، فإذا قلت الرطوبة وكثر البكاء أو أسرع
أكثر من قابلية تبخر رطوبات الدم فإنّ الدم نفسه يجري من عروق الأجفان.
(5)صدور الإدماء من الإمام المنتظر (عليه السلام) كما في زيارة الناحية:
(ولأبكيّن عليك بدل الدموع دماً).(2)
1 ـ انظر تهذيب الأحكام: ج8 ص325 ح1207 / 23 وفيه: وقد شققن الجيوب ولطمن الخدود
الفاطميات على الحسين بن علي عليه السلام وعلى مثله تلطم الخدود وتشق الجيوب.
2 ـ انظر الدعاء والزيارة: ص888 وفيه: فلأندبنك صباحاً ومساءاً ولأبكين لك بدل
الدموع دماً حسرة عليك وتأسفاً على ما دهاك.
175
(6)صدور الإدماء من عدد من المعصومين (عليهم السلام) ففي أمالي الصدوق عن
إبراهيم بن أبي محمود، عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال: (إنّ يوم الحسين
(عليه السلام) أقرح جفوننا).(1)
(7) تقرير الإمام زين العابدين (عليه السلام) للإدماء، فقد روى السيد ابن
طاووس في كتابه اللهوف: ولما أخبر بشير بن حذلم، أهل المدينة بمقتل الحسين (عليه
السلام) ورجوع زين العابدين فما بقيت في المدينة مخدرة ولا محجبة إلا برزن من
خدورهن مكشوفة شعورهنّ، مخمشة وجوههن، ضاربات خدودهن، يدعون بالويل(2)
والثبور.(3)(4)
(8)تحبيب الأئمة الجزع على الحسين (عليه السلام)، فقد روى الشيخ في
1 ـ آمالي الصدوق: ص111 ح2 المجلس 27، بحار الأنوار: ج44 ص283 ح17.
2 ـ الويل: حلول الشر قال سيبويه: وويلاً له أي قبحاً، وويل هو دعاء بالويل لما
نزل به.
ويل: ويلتٌ كلمة مثل ويح إلا أنها كلمة عذاب، لسان العرب: ج11 ص737 فصل الواو،
والويلة: الفضيحة والبلية / كتاب العين: ج8 ص366.
3 ـ الثبور في الحديث: أعوذ بك من دعوة الثبور، ومعناها الهلاك، وثبره الله اهلكه
إهلاكاً وقال الزجاج في قوله: (وودعوا هناك ثبورا) سورة
الفرقان: الآية 13 بمعنى هلاكاً، الثبور: الهلاك والخسران والويل: لسان العرب ج4
ص99.
4 ـ اللهوف في قتلى الطفوف: ص87.
176
المصابيح مسنداً عن أبي جعفر (عليه السلام) فيمن يزور الحسين (عليه السلام) عن
بعد في عاشوراء: (ويقيم في داره مصيبته بإظهار الجزع عليه).(1)
وقد جزع الإمام السجاد (عليه السلام) يوم الحادي عشر كما في كامل الزيارات،
من قوله (عليه السلام) لعمته: (وكيف لا أجزع ولا أهلع وقد أرى سيدي وأُخوتي
وعمومتي وولد عمي وأهلي مصرَّعين بدمائهم، مرملين بالعراء، مسلّبين، لا يكفنون
ولا يوارون).(2)
وقد مدح الإمام الصادق (عليه السلام) مسمع كردين بقوله: (أما إنّك من الذين
يعدُّون من أهل الجزع لنا)(3) والجزع ضد الصبر، وليس التطبير إلا من
أهون معاني الجزع.
(9) استحباب الإدماء في كثير من الموارد في الشريعة كالحجامة، ففي الحديث عن
النبي (ص): (ما مررت بملك من الملائكة ليلة المعراج إلا وأوصاني بحب علي بن أبي
طالب (عليه السلام) والحجامة وكذلك الاختتان .
(10) ففي خبر السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال علي
1 ـ كامل الزيارات: ص325 ح556 / 9، باب / 71.
2 ـ بحار الأنوار: ج28 ص57 ح23 الباب / 2، كامل الزيارات: ص445 ح674 / 1 باب / 88
والحديث مذكور في حاشية الكتاب المذكور.
3 ـ كامل الزيارات: ص203 ح291 / 7 باب 32، بحار الأنوار: ج44 ص289 ح31.
177
(عليه السلام): إذا أسلم الرجل اختتن ولو بلغ الثمانين).(1)
وكثقب أذن الغلام، ففي خبر مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله(عليه السلام): (أن
ثقب أذن الغلام من السُّنة).(2)
وكخفض الجواري، ففي عديد من الأخبار (أنّ الختان سنة، وأنّه من الحنفية، وأنّ
خفض النساء مكرمة).(3)
وكخرم أنوف النساء للخزائم، وغير ذلك من الموارد الكثيرة التي يجدها المتتبع
في غضون الفقه، ولو كان الإدماء حراماً ذاتاً لم يكن مجال لتقدم الاستحباب عليه.
إذاً، فالتطبير مباح ذاتاً،ومستحب تأسياً بالحسين (عليه السلام) ومواساة له.
وكل ما سبق كان استدلالاً فقهياً على جواز التطبير، وهنالك دليل غير فقهي لا
يدل على جواز التطبير فحسب، ولا يدل على تقدير الإمام الحسين (عليه السلام) لكل
من يتطبر بغض النظر عن جميع خصوصياته فقط، وإنما يدل على وجود نوع من المعجزة
فيه، فإنّ الضرب القاسي، بالسيف المسلول على الرأس المحلوق ونزول السيف حتى العظم
لا بد أن يقضي على الإنسان كما يؤكده الطب القديم والحديث، ونحن نرى ألوف
المتطبرين يتطبرون صباحاً، ثم
1 ـ الفروع من الكافي: ج6 ص37 ح10.
2 ـ الفروع من الكافي: ج6، ص34، ح1، كتاب العقيقة، باب التطهير.
3 ـ انظر الفروع من الكافي: ج6 ص37 كتاب العقيقة، باب خفض الجواري.
178
ينظمون أنفسهم في مواكب تطوف كربلاء من المخيم إلى حرم الإمام الحسين (عليه
السلام)، ومنه إلى حرم العباس (عليه السلام) ثم تعود إلى حمام المخيم، وتطوف بقية
البلاد أكثر من مسافة ميل في لفح الصيف وعواصف الشتاء، وعندما يدخلون الحمام
يغسلون رؤوسهم بلا مبالاة طبية، ثم يخرجون ويشتركون في مواكب اللطم والسلاسل حتى
الليل، ولا يصاب أحدهم بمكروه، ولئن سقط أحدهم حين الضرب لكثرة نزف الدماء وتغلب
الضعف عليه فسرعان ما ينهض، يواصل دوره في موكب التطبير وبقية المواكب، وإنّني
شخصياً لم أسمع برجل سقط فمات إلا وتتبعته فإذا به يمشي في الشوارع، ويلعن أعداءه
الذين أشاعوا موته كذباً.
يقول الإمام الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في كتابه الآيات البينات لا ريب أنّ
جرح الإنسان نفسه وإخراج دمه بيده في حد نفسه من المباحات الأصلية، ولكنه قد يجب
تارة وقد يحرم أخرى، وليس وجوبه أو حرمته إلا بالعناوين الثانوية الطارئة عليه
وبالجهات والاعتبارات، فيجب كما لو توقفت الصحة على إخراجه كما في الفصد
والحجامة، وقد يحرم كما لو كان موجباً للضرر والخطر من مرض أو موت، وقد تعرض له
جهة تحسنه ولا توجبه، وناهيك بقصد مواساة أهل الإباء، وخامس أصحاب
179
العباء، وسبعين باسل من صحبه وذويه، حسبك بقصد مواساتهم، وإظهار التفجع والتلهف
عليهم، وتمثيل شبح من حالتهم مجسمة أمام عيون محبيهم، ناهيك بهذه الغايات
والمقاصد جهات محسنة، وغايات شريفة.
أما ترتب الضرر أحياناً بنزف الدم المؤدي إلى الموت أو إلى المرض المقتضي
لتحريمه فذاك كلام لا ينبغي أن يصدر من ذي لب فضلاً عن فقيه أو متفقه.
أما أولاً: فلقد بلغنا من العمر ما يناهز الستين، وفي كل سنة تقام نصب أعيننا
تلك المحاشد الدموية وما رأينا شخصاً مات بها أو تضرر، ولا سمعنا به في الغابرين.
وأما ثانياً: فتلك الأمور على فرض حصولها إنّما هي عوارض وقتية ونوادر شخصية
لا يمكن ضبطها ولا جعلها مناطاً لحكم أو ملاكاً لقاعدة، وليس على الفقيه إلا بيان
الأحكام الكلية، أما الجزئيات فليست من شأن الفقيه ولا من وظيفته، والذي علينا أن
نقول: إن كل من يخاف الضرر على نفسه من عمل من الأعمال يحرم عليه ارتكاب ذلك
العمل.
والواقع: أنّ وجود هذه المعجزة البينة وفي موكب التطبير
180
يكشف عن أن الإمام الحسين (عليه السلام) يوليه عناية خاصة، وكفاه دليلاً على
الرجحان.(1)
1 ـ ولمزيد من الاطلاع يراجع كتاب (المدائح النبوية) المؤلَف عام 1935 للمؤلف
الدكتور زكي مبارك حيث ذكر في صفحة 54:
«كانت عادة النوح على الحسين في يوم عاشوراء تجري في القاهرة إلى زمن قريب، وكنت
أسمع بأخبار ذلك وأنا طالب بالأزهر فلا أصدق، لأني كنت أقضي يوم عاشوراء بين أهلي
في الريف.
فبقيت في القاهرة عمداً في أحد الأعوام، ورأيت الموكب بعيني، وكان الشيعة يطوفون
حول مسجد الحسين رضي الله عنه، وأجسامهم مخضبة بالدماء.
وقد اختفي هذا المنظر منذ غلبت المدينة الحديثة، ولكني شهدت منذ أعوام قلائل حفلة
حي الحمزاوي، فرأيت الناس يبكون ويصرخون وهم يسمعون سيرة الحسين ليلة عاشورا»
إنتهى النص.
وهذا يثبت أن التطبير كان ممارسة عالمية يمارسها الشيعة أينما كانوا، والشيعة
المصريين كانو يمارسون بكل حرية في بلادهم قبل حوالي سبعين سنة فقط!