15
المقدمة
لقد انبثق الإسلام
في منطقة توفرت فيها المؤهلات لأداء رسالة الإسلام إلى العالم ، فقد كانت المنطقة
الوسطى تمثل سنام الأرض ، وكانت متحررة من السلطات القوية التي يكون في وسعها
القضاء على الإسلام في مهده ، وكانت المنطقة غنية بالخامات البشرية التي توفرت فيها
الطاقات الكفاحية كما لم تتوفر في سواها ، فكانت أجر المناطق بالإسلام ، ولكن
الظروف التي تفتح فيها الإسلام كانت ظروفاً ملغمة خلفتها العهود الجاهلية مثقلة
بركام من العقد والمشاكل ن فكان على الإسلام أن يتأهب لمواجهة التحديات المندلعة في
نفس المنطقة ، ومعالجة العقد والمشاكل ليس بالعنف والإرهاب وإنّما بالخلق العظيم
والموعظة الحسنة .
غير أنّ القتلة المستهترين الذين احتلبوا لبان الرماح في أحضان أمهاتهم ما
كانوا ليرحبوا بالإسلام بالسلام ، وما كانوا ليتخلقوا
16
بأخلاق الإسلام ، بل كانوا ليستشقوا السيف على الإسلام قبل الانضواء تحت لوائه
ومنافسة أبطاله بعد الاندماج في طله ، فكان على زعمائه أن يقوموا بأحد أمرين : إما
أن يشهروا السيف في وجه مناوئيهم ويوسعوهم تقتيلاً ، وإما أن يواجهوا التنافس
بالتضحية بمناصبهم وأنفسهم ، فاختاروا الأمر الثاني لكونه أكثر ملاءمة مع روح
الإسلام الذي جاء رحمة وسلاماً .
وهنا سؤال لا بد من الإجابة عليه ، وهو: أنّ النبي صلى الله عليه و آله وسلم
الذي كان يعرف أبناء قومه أفضل من غيره لماذا كان يقبل المنافقين في صفوف الإسلام
حتى يثيروا المشاكل أمام الإسلام في حياته وبعد وفاته وقد كانت في غنى عنهم؟
والجواب : أنّه لم يكن من صالح النبي صلى الله عليه وآله وسلم منذ فجر الإسلام
أن يقبل المخلصين فقط ، ويرفض المنافقين ، وإنّما كان عليه أن يكدس جميع خامات
الجاهلية ليسيج بها الإسلام عن القوى الموضعية والعالمية التي تظاهرت ضده ، فكان
يهتف: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا»(1) ثم يرحب بكافة الذين يقولون:
لا إله إلا الله ولو كانوا يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ، وهذا التسامح
(1) مناقب بن شهر آشوب: ج1 ص56 ، فصل فيما لاقى من الكفار في
رسالته ، بحار الأنوار: ج18 ، ص202 ، ح32 ، باب المبعث وإظهار الدعوة وما لقي صلى
الله عليه وآله وسلم من القوم.
17
الواسع في قبول المسلمين أتاح لكل من في قلبه مرض أن ينخرط في صفوف المسلمين ،
فتسللت العناصر الجاهلية إلى الإسلام بجميع أحقادها وأطماعها وأهوائها ، وهذه
العناصر استغلت الإسلام كوسيلة ناجحة لبلوغ الأهداف التي عجزت الوسائل الجاهلية عن
التوصل إليها ، واتخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه العناصر لضرب أعداء
الإسلام .
وفي نفس الوقت الذي كانت هذه العناصر تدافع عن الإسلام ضد العدو الخارجي كانت
بنفسها تنخر في كيان الإسلام ، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يجند طاقاته
المادية والمعنوية لاستدراج هذه العناصر في حظيرة الإسلام ، وكان القرآن يضغط على
المنافقين ، ويلقي عليهم الأضواء الكشافة ، ويعريهم أمام الرأي العام علهم يضغظون
بانفاق إلى أعماق قلوبهم، ويعملون كمسلمين، غير أنّهم مردوا على النفاق ، وكان
دخولهم في الإسلام نوعاً من الانتهازية ، فلم يكونوا يريدون الإسلام للتحول من واقع
متفسخ إلى واقع صحيح، وإنّما اختاروه واجهة لنيل أغراضهم الجشعة فحسب ، فكانت
قلوبهم أعلظ من أن يتسلل إليها ولو بصيص من الإيمان.
ولم يكن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يرفضهم ، وإلا لبقي هو وعلي وسلمان
وأبوذر والعدد القليل من الصفوة المنتجبين ، ولبقي الإسلام نبعاً صغيراً يتموج في
سفوح «حراء» بينما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم
18
يحاول أن يجعل من الإسلام قوة زاحفة تطوي الأديان والحكومات ، وتتسلسل في الأجيال
حتى الأبد ، بجبروت يجعل حلال محمد حلالاً إلى يوم القيامة وحرام محمد حراماً إلى
يوم القيامة.
وتحت هذا الضغط بين ضيق أفق الجزيرة وثورة الإسلام اضطر النبي صلى الله عليه
وآله وسلم إلى قبول المنافقين في الإسلام ، وكانوا في الأيام الأولى أعداداً يسيرة
، غير أنّهم تكاثروا مع الأيام ، وعلى أثر كثرتهم استطاع رؤوس النفاق أن يتسللوا
إلى المراكز القيادية ، فخبطوا(1) في الإسلام خبطاً ذريعاً كاد أن يفارق
واقعه ، لولا أن تداركه بطله العظيم علي بن أبي طالب عليه السلام ، الذي قام بأدوار
مختلفة خطيرة حتى أثبت تطفل المنافقين وبراءة الإسلام منهم ومن أعمالهم ، فأصبح
لعلي بن أبي طالب عليه السلام حق الحياة على الإسلام مرتين : مرة عندما تواترت
المؤامرات على الإسلام وأسلم المسلمون نبيهم إلى الأعداء ، فاخترط سيفه حتى أباد به
كل من سولت له نفسه ضرب الإسلام ، ومرة ثانية حينما تسلل أولئك المتآمرون على
الإسلام أنفسهم إلى الإسلام ، فتقمصوه للقضاء عليه من صميمه بعد ما فشلوا في القضاء
عليه من خارجه ، فجرد علي بن أبي طالب عليه السلام كل أمكاناته لفصلهم عن الإسلام
وأعادته إلى مجراه
(1) خبطه : يخبطه خبطاً : ضربه ضرباً شديداً : لسان العرب ح7 / ص
280 فصل الخاء المعجمة.
19
الطبيعي ، فحق القول : بأن الإسلام علي مرتين.
ولكن ما هو الإسلام ؟ هل هو الذي تشاؤه مصالح الأفراد والجماعات ؟ أم هو الذي
أنزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم لإنقاذ الناس من الظلمات
والويلات ؟
ولئن كان الثاني فإن الإسلام ليس سوى التشيع ، والتشيع ليس سوى الإسلام ،
والإسلام والتشيع اسمان مترادفان لحقيقة واحدة أنزلها الله وبشر بها الرسول صلى
الله عليه وآله أو ليس الله تعالى هو الذي أنزل قوله : «يا أيُّهَا
الرَّسُولُ بَلّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما
بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَ اللهَ لا يَهِْدي
الْقَوْمَ الْكافِرِينَ»(1) أو لم يكن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم هو الذي رفع علياً عليه السلام يو الغدير بين عشرات الألوف من المسلمين قائلاً
: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه»(2) ثم أمر الناس بمبايعته والسلام عليه
بإمرة المؤمنين؟
إذا فالرسول بشّر بالتشيع يوم قال : «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا»(3)
ولكنه بدأ من القاعدة «يوم حراء» وبلغ القمة «يوم
(1) سورة المائدة : الآية 67 .
(2) الاحتجاج : ج1 ، ص 96 ، باب ما جرى بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
وفيه تكملة الحديث : وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله.
(3) مناقب بن شهر آشوب : ج1 ، ص56 فصل فيما لاقى من الكفار في رسالته ، بحار
الأنوار : ج1
20
الغدير» غير أن التشيع أصبح في خطر بمصرع علي بن أبي طالب عليه السلام ، وهاج
الطوفان يوم دخل معاوية الكوفة ، وانتشر الخوارج هنا وهناك يركزون قواعدهم على بغض
أمير المؤمنين عليه السلام حتى حفر الحجاج عشرين ألف قبر في ظهر الكوفة بحثاً عن
جسد الإمام عليه السلام ، وبلغ الطوفان ذروته يوم اعتلى يزيد بن معاوية منبر رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وتربع على عرش الخلافة ، ليعاقر الخمر ويلاعب
القرود.
ويزيد مخلوق لم يخرج على سنن الخلافة والإنسانية فحسب ، وإنّما خرج على سنن
البشرية أيضاً ، حتى قال فيه عبد الله بن حنظلة: والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا
أن نرمي بالحجارة من السماء ، فقد كان نهماً بالدماء والأعراض ، ولوعاً بالصيد
وتربية الحيوانات حتى رشحته صفاته لسياسة اصطبل لا لخلافة المسلمين ، وأصبحت شهوته
بتروض الكلاب والقرود مهزلة تجعله جديراً برئاسة البطالين من القرادين والفهادين ،
لا لقيادة أمة فتية تضرب بأجنحتها في طبقات السحاب ، وكان له قرد يدعوه أبا قيس
فيلبسه الحرير المطرز بالذهب والفضة ، ويركبه أتاناً في السباق ، ويحرض على أن يراه
سابقاً مجلياً في الجياد ، وقد شجعه في إحدى
21
مسابقاته بقوله:
تمسك أبا قيس بفضل
عنانها فليس عليها إن سقطت ضمان
ألا من رأى القرد الذي سبقت به ـ جياد أمير المؤمنين ـ أتان
وإنّ همته بالطرد
ـ إذا كان لهواً وفراغاً ـ تشتد حين يكون في الطراد قرود وغزلان ، وتتضاعف حين يكون
الطراد لقيان وغلمان ، وتضعف حين يكون في نقع وفرسان ولو كان دفاعاً عن الدين
والدنيا.
فلما سيَّر معاوية جيش سفيان بن عوف إلى القسطنطينية لغزو الروم تمارض يزيد ـ
للتخلف ـ حتى رحل الجيش ، ثم شاع أنّ الجيش امتحن بالجوع والمرض ، فقال يزيد نشوة
بالتخلص من الأزمة:
ما إن أبالي بما
لاقت جموعهم بالفرقدونة من حمى مذموم
إذا اتكأت على الأنماط مرتفعاً بدير «مران» عند أم كلثوم
وسرى هذان البيتان
في الأندية سريان فضائح السلطات المجرمة في الشعوب المضطهدة حتى اضطر أبوه معاوية
إلى إلحاقه بالجيش إنقاذاً لسمعته وسمعة ابنه الغرّ.
وفي مثل هذا الوضع المتأزم لم يكن للإمام الحسين عليه السلام إلا استخدام
صلاحياته واستعمال حقه في الثورة، حيث رأى المقدسات كافة أصبحت في خطر من رعونة هذا
الفاسق ، حتى لم
22
يبق أمل للإصلاح في طل حكومته ، وبالفعل كاد أن يقضي على التشيع لولا أن تداركه
الإمام بثورته العارمة التي كانت لغماً جباراً نسف فأضاء العالم ، وخبط الحكم
الأموي فانهار ، وأخذ التشيع حسيني ، وإذا كان الإسلام علوياً والتشيع حسينياً يصح
أن يقال بأن الإسلام الذي بذره محمد صلى الله عليه وآله وسلم أحاطه علي عليه السلام
وغذاه الحسين عليه السلام حتى كمل واستقام .
وكما أنّ كيان الإسلام كان يحتاج إلى جهود محمد صلى الله عليه وآله وعلي
والحسين عليه السلام حتى يستقيم ، كذلك الإسلام لا يكمل في قلب ليس فيه محمد صلى
الله عليه وآله وسلم وعلي والحسين عليهما السلام معاً لأن تعاليم محمد صلى الله
عليه وآله وسلم إنشائية ، وتعاليم علي عليه السلام تربوية ، وتعاليم الحسين عليه
السلام إمدادية ، وإذا لم تتفاعل هذه العناصر الثلاثة معاً لا يبرز الإسلام إلى
الوجود ، وما دام لكل دور رئيس خاص لا يمكن الاستغناء عنه بدور غيره ، فلا يكمل
إسلام عبد ليس له حبل ولاء خاص بالنبي والوصي والسبط الشهيد عليهم السلام.
وقد فاز أولئك النفر الذين أدركوا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وعلياً
والحسين عليهما السلام فقاموا مع كل بدوره الخاص ، وأخذوا عن كل تعاليمه المباشرة ،
وأما الأجيال المتأخرة التي لم تدركهم فال بد أن تعيش بامتداد تلك الشخصيات الواسعة
التي تحتمل الامتداد إلى أبعد آماد
23
التأريخ والحياة .
فأما امتداد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ففي قرآنه وآثاره وذكرياته ، وأما
امتداد علي عليه السلام ففي نهجه وبطولاته ومواقفه ، وأما امتداد الحسين عليه
السلام فبماذا يكون ؟ لا بد أن يكون امتداد الحسين عليه السلام أصعب من امتداد
النبي صلى الله عليه وآله والوصي عليه السلام لأن دور الحسين عليه السلام كان دور
ثورة ، وامتداد الثورة يحتاج إلى إحياء الثورة بكل أبعادها ومرافقها في واعق الحياة
، لا بالحفلات والخطب والقصائد ، فإنّها تصلح لأنتاج عطاء الذكرى ، ولا تطيق إنجاز
فوزة الثورة التي تكون امتداداً حقيقياً يقدر على أن يموج الحياة ويزلزل الأرض حتى
ترتعض رعشة البطولة ، وتنفض عنها العروش والتيجان الجائرة ، وتنتزع القيادات من
الأيدي القذرة ، لتضعها في أيدي الدين «لا يُرٍيدُونَ عُلُوّاً فِي
الأَرْضِ وَلا فَساداً»(1) فكيف يمكن امتداد ثورة الحسين عليه
السلام بهذا النحو الواقعي ، حتى تقوم في كل جيل بما قامت به في جيل الإمام الحسين
عليه السلام ؟ الواقع أنّه لا يمكن امتدادها الحقيقي إلا بمجموع ما يفعله الشيعة في
بالدهم أيام العشرة الأولى من شهر محرم الحرام من المآتم الكثيرة الخاصة والعامة ،
ولبس السواد ، وتسيير مواكب اللدم والسلاسل والتطبير والتمثيل ن وكل ما يطور الحياة
الطبيعية ويعقد عليها جو الملحمة الذي يعيد إلى الأذهان واقع الثورة ، بكل ضجيجها
وتوترها وانفعالها ، فهذه المجموعة المتعارفة من المظاهر
(1) سورة القصص : الآية 83 .
24
والتظاهرات والشعارات هي التي تستطيع نقلنا من أجوائنا المختلفة إلى جو الثورة التي
عاشها الإمام الحسين عليه السلام في معركة كربلاء .
وثورة الإمام الحسين عليه السلام ثورة نادرة امتازت بها الأمة الإسلامية دون
سائر الأمم ، ولو كانت لبقية الأمم لاستدرت منها طاقات تؤهلها للسيطرة على الأرض ،
ولكن الأمة الإسلامية تبخسها(1) لهبوط مستوى الوعي في قيادتها ، فلا
تستفيد منها بالمقدار الممكن ، ورغم أنّها تهدر هذه الطاقات المعنوية الهائلة يجب
عليها إبقاء هذه الثورة حية طرية في واقعها عسى أن تؤوب إلى رشدها في يوم من الأيام
، فتستنتج مواهبها لبناء كيانها من جديد.
ولو أنّ الأمة فرطت اليوم بثورة الإمام الحسين عليه السلام لأنّها أعجز من أن
تعتصر مواردها لحكمت على نفسها ومستقبلها بالدمار الشامل المحتوم ، إذ تكون قد سدت
على الأجيال الطالعة أعزر مواردها ، وحتى لو استيقطت يوماً من الأيام لا تقدر على
النهوض ، إذ تكون قد سدت على الأجيال الطالعة أغزر مواردها ، وحتى لو استيقظت يوماً
من الأيام لا تقدر على النهوض ، إذ لا تجد مقومات النهوض .
ولا أعدو الواقع إذ قلت بأنّ ثورة الإمام الحسين عليه السلام أعظم أمانة امتحنت
بها الأمة الإسلامية ، فحافظت عليها بالضحايا الكثار حتى تناقلتها أجيال الأمس
وسلمتها إلى هذا الجيل الملغوم ، فيجب على هذا الجيل أن يحافظ عليها بجميع إمكاناته
لتسليمه إلى أجيال
(1) البخس : النقص ، لسان العرب ج6 ، ص24 ، فصل الباء الموحدة.
25
الغد.
وعندما حاول الاستعمار هضم الأمة الإسلامية بادر إلى انتدال مصادر القوة فيها ،
فانتدل منها القرآن ، وانتدل منها الحج ، وشاء أن ينتدل منها ثورة الحسين عليه
السلام لكنه لم يقدر على انتدالها ، وحاول مسخها وتشويهها حتى تشل عن التفاعل
والإنتاج فاستعصت على المسخ والتشوه لوجود مصادرها الأصلية ، فانحسر الاستعمار ،
وبقيت ثورة الحسين عليه السلام أقوى من أن تصادر أو تشوه .
وقد سلمت الأمة جميع قواعدها المعنوية إلى الاستعمار ، وانهارت مقاومتها في كل
معركة إلا ثورة الحسين عليه السلام ، فإنها القاعدة الوحيدة التي لم تمكن من نفسها
الاستعمار ، ولا زالت تقاومه ، فمن منابرها ينطلق صوت القرآن الكريم ، وفي مواكبها
تجري خصال محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وعلي والزهراء عليها السلام ، وفي طلها
يعيش كل من هدى الله قلبه للإيمان فشاء أن يتفيأ ظلال الإسلام .
ولو ألغينا ثورة الحسين عليه السلام عن حياة الأمة لم نجد لها قاعدة تتجمع فيها
لتواصل معاومتها للاستعمار ، وهذه الحقيقة أقضّت مضاجع المستعمرين ، فراحوا يجندون
قواهم ، ويركزونها على هذه القاعدة الجبارة التي أبى الله لها أن تستسلم أو تهادن ،
فخسئت هجمات المستعمرين مفلولة خوارة ، وبقيت هي أكثر توهجاً واندلاعاً ، فجعلوا
يبحثون عن سلاح جديد يهد هذه القاعدة التي
26
لم يؤثر فيها أي سلاح ، وأخيراً وقع أختيارهم على الأحزاب الإسلامية ـ التي تكونت
منذ تكونت بإشارة الاستعمار ، ثم لم تخدم سوى المستعمرين ـ فحركوها لضرب ثورة
الحسين عليه السلام ، فهاجت الأحزاب الإسلامية مرة واحدة ـ وكأنها على ميعاد ـ
تحارب الأمة والإسلام في قاعدتهما الأخيرة ، وهي ثورة الحسين عليه السلام ، فإذا
بهذه الأحزاب تدعي أنّ ثورة الحسين عليه السلام هي الصخرة الوحيدة التي تقف في سبيل
التقدم الإسلام ، وهي تعلم أنّ ثورة الحسين عليه السلام هي القلعة الوحيدة الصامدة
التي تمنع انحسار الإسلام وتقدم الاستعمار ، والأحزاب التي تتلقى الإيجاء والأموال
من المستعمرين ـ بلا واسطة أو مع واسطة ـ ولا يمكن أن تخالف الإيحاء ما دامت تحاذر
أن تنقطع عنها الأموال ، وحيث إنّ هذه الأحزاب لا تحارب ثورة الحسين عليه السلام
لعقيدة تناقضها ـ كما تفعل الأحزاب الإلحادية ـ وإنّما تحاول تنفيذ إرادة
المستعمرين فيها لتقبض عمولتها ، لا تستند في حربها إلى دليل معين ، وإنّما تنتهز
كل حق وباطل لضرب هذه الثورة المقدسة ، فمرة تستدل بالآراء الشاذة لبعض المؤلفين ،
بينما هي لا تعترف بأولئك المؤلفين ولا بالمراجع الكبار إلا للتستر بأسمائهم فحسب ،
وطوراً تتذرع بأنّ الأعداء يضحكون منا فيما هي لا تحذر أن يضحك منها الأعداء
والأصدقاء عندما جعلت من نفسها أصابع طيعة للاستعمار.
27
بالإضافة إلى أنّ هذين الرأيين فاسدان ، فأما التمسك بالآراء الشاذة لبعض
الكتاب فهو غير صحيح ، إذ لم تثبت براءتهم عن الانخذاع ، على أنّ للكتاب ولكل صنف
من الناس آراء شاذة ، غير أنّ أصحاب المواهب المتزنة لا يتبعون سوى الآراء الصائبة
، وأما الذين في قلوبهم مرض فهم الذين يتبعون الآراء الشاذة ، وكل شاذ يلائم
أهواءهم ، والأحزاب حيث تكون بؤرة الشذوذ التي لا تجمع إلا المرضى المزمنين لا
تحاول أبداً أن تظفر بالحق ، وإنّما تهتم بمبررات لأمراضها المزمنة ، فتبحث لآرائها
الشاذة عن ملجأ ، وتضرب هنا وهناك سعياً وراء الشذوذ ، فإذا وجدت في رجل سياسي
رأياً شاذاً صفقت له ، وأذا عثرت في كاتب على رأي شاذ ركعت أمامه ، وتباشرت بكتابه
الذي يعرض ذلك الرأي الشاذ ، وإذا ظفرت في مفكر على رأي شاذ تنادت باسمه ، ورفعته
فوق مستواه ، فهي عندما تعتصم بهؤلاء وتهمل زملاءهم وأساتذتهم أنما تأخذ بتلك
الآراء الشاذة لهؤلاء ، وتهمل بقية آرائهم المستقيمة ، لأنّها كالذباب الذي يمر على
جميع الأعضاء السليمة مر الكرام ، فإذا وصل إلى قرحة طن وعكف عليها .
وأما ترك الشعائر الحسينية لضحك الأعداء منها فهذا يكشف عن انهزامية بالغة في
نفوس هؤلاء الحزبيين ، فهل ضحك الأعداء يبرر التخلف عن ديننا وشعائرنا ؟ ولقد كان
الجاهلون والمنافقون
28
ألذع سخرية وأكثر ضحكاً من الإسلام ، غير أن النبي العظيم لم يعر سخريتهم من
الاهتمام ما كان يعيرها لطنين الذباب ، فمضى في سبيله لا يلويه شيء حتى انتصر ،
وألقى القرآن ضوءاً على واقعهم المتفسخ بقوله : «وَإِذا لَقُوا
الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا
مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مستهزؤُنَ * اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي
طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ»(1) ولقد سخر اليهود بالأذان ، وسخر
المشركون بالسجود ، فلم تثن من عزم المسلمين شيئاً ، بل ضربوا على ذلك النهج
المستقيم غير مبالين بعثرات غيرهم حتى ادخروا لنا التشيع عبر الزوابع الهوج.(2)
وحيث إنّ أعداء التشيع ما ملكوا منذ اليوم الأول سلاحاً من العقل والدين
لمحاربة التشيع لم يجدوا بداً من التوسل بالاستهزاء الذي هو سلاح المبطلين لمطاردة
التشيع ، غير أنّ الحق الذي مثله التشيع أكمل تمثيل أقوى من أن يهزمه الاستهزاء ،
وكان الشيعة أصلب من أن ينال منهم الحديد والنار ، فكيف بالاستهزاء ؟ وكان أئمتهم
يشجعونهم على هذا الصمود ، وقد دعا لهم الإمام الصادق عليه السلام بقوله : «اللهم
إنّ أعداءنا عابوا عليهم بخروجهم»
(1) سورة البقرة : الآية 14 ـ 15 .
(2) هوج : جمع هوجاء وهي الريح التي تقلع البيوت ـ لسان العرب ج2 / 394 فصل
الهاء.
29
فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا خلافاً منهم على من خالفنا ، فارحم تلك الوجوه التي
غيّرتها الشمس ، وارحم تلك الخدود التي تتقلب على حفرة أبي عبد الله الحسين عليه
السلام ، وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا ، وارحم تلك القلوب التي جزعت
واحترقت لنا ، وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا»(1).
وقد دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم على من يستهزئ بالشيعة على إقامة
شعائرهم في حديثه لأمير المؤمنين عليه السلام قائلاً : «ولكن حثالة(2)
من الناس يعيّرون زوار قبوركم كما تعير الزانية بزنائها ، أولئك شرار أمتي لا
أنالهم الله شفاعتي ، ولا يردون حوضي»(3).
ولكن ، ما ضرّ الذين يقيمون شعائر دينهم أن يسخر منهم الجاهلون ما داموا يعلمون
أنّهم على حق وأنّ اعداءهم على باطل ، ولقد شكوا عند الإمام الصادق عليه السلام
استهزاء الأعداء بهم فقال ـ مهّدئاً روعهم : «والله لحظّهم أخطأوا ، وعن ثواب الله
زاغوا ، وعن جوار محمد صلى الله عليه وآله وسلم تباعدوا»(4).
(1) كامل الزيارات : ص228 ، ح336 ، باب / 40.
(2) الحثالة : بضم الحاء ، الرديء من كل شيء ومنه حثالة الشعير والأرز والتمر وكل
ذي قشر / النهاية ج1 ص233 وفي حاشية بحار الأنوار ج97 ص121.
(3) بحار الأنوار : ج97 ، ص121 ، ح22 ، باب2.
(4) كامل الزيارات : ص492 ، ح761 ، باب / 98.
30
وعن ذريح المحاربي قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام ما ألقى من قومي ومن بنيّ
إذا أنا أخبرتهم بما في إتيان قبر الحسين عليه السلام من الخير إنّهم يكذبوني
ويقولون : إنّك تكذب على جعفر بن محمد عليه السلام ، قال : «يا ذريح دعْ الناس
يذهبون حيث شاؤوا ، والله إنّ الله ليباهي بزائر الحسين»(1).
وما قيمة الاستهزاء حتى يميل الإنسان عن خطه الصائب من أجله ؟ وما قيمة
المستهزئين أنفسهم حتى يعير لهم الإنسان اهتماما ؟ ولو كانت لهم قيمة لعلموا ما
ينفعهم وينفع الناس ، ولكن حيث لا قيمة لهم ولا هدف تواضعوا بأنفسهم ، فرضوا أن
يكونوا مستهزئين ، فحسبهم هذا الاعتراف العملي بفشلهم وبطلان تجاههم .
بالإضافة إلى أن موقفنا من الشعائر الحسينية يتركز على قاعدة فكرية وطيدة ليس
لنا الانحراف عنها وإن تظاهرت قوى العالم ضدها . صحيح أنّ علينا أنّ نكف ضحك
الأعداء عنا ، ولكن بماذا يجب أن نكف ضحكهم عنا ، هل بالتخلي عن واقعنا أو باستعراض
فضائحهم حتى ينكمشوا على مخازيهم ولا يتطاولوا على مقدساتنا؟ وهل لنا أن نأخذ بما
يشاؤه الأعداء أو بما يمليه علينا واقعنا ؟ ثم هل الأعداء أقوى تنكيراً أم أبطال
الإسلام ؟ وإذا كانت الأجوبة على هذه الأسئلة تؤكد على الأقسام الأخيرة من شقي
(1) كامل الزيارات : ص271 ، ح422 ، باب / 56.
31
الترديد في الأسئلة فلماذا يضطرب موقفنا بمجرد ضحك الأعداء؟ وإذا كانت ثقتنا
بالأعداء أكثر من ثقتنا بأئمتنا فعلينا أن ننبذ الإسلام كله ، ونعتنق مبادئ الأعداء
؟! وإنْ كنا نؤمن بأئمتنا أكثر من أعدائنا فلماذا نتبع أفعال أعدائنا ؟ ولماذا لا
نتمسك بتعاليم أئمتنا؟
وبعد هذا وذاك عليها أن نعلم أنّ الأعداء يتربصون بنا فيشجعون التوافه ،
ويضحكون على العظائم حتى نترك العظائم ونعيش التوافه ، والأعداء عندما يضحكون من
شيء فإنّما يضحكون بعقولهم لا بعواطفهم ، فلا يضحكون أبداً على نقاط الضعف لأنّهم
لا يخافون منها ، وإنّما يضحكون دائماً على نقاط القوّة لأنّهم يهابونها ، فيحاولون
القضاء عليها ، فعلينا متى أردنا السيادة أن نستلهم واقعنا بنظرة مستقلة تعي
مكاسبها وخسائرها ، ولا نلتفت مطلقاً إلى ما يفعله الأعداء .
والواقع أنّ الشعائر الحسينية التي تمثل امتداد ثورة الحسين عليه السلام لا
تهدد مصالح المستعمرين في بلادنا فحسب ، وإنّما تهدد مستقبل المستعمرين أنفسهم وفي
بلادهم أيضاً ، فمن الطبيعي أن يحاولوا إلغاءها بألف طريق وطريق ، وخلف ألف واجهة
وواجهة ، ومن وراء ألف مبرر ومبرر ، ولكن هذه الإرادة الإستعمارية القوية لا تفرض
علينا أن نقف مكتوفي الأيدي إزاءها ، بل علينا أن نقف أمامها بإرادة أقوى وأصلب
منها حتى نهزمها ولا ننجرف بها.
32
إن علينا إزاء هذا الموقف الاستعماري واجبين : واجب الاحتفاظ بثورة الحسين عليه
السلام لأنها تمثل قمة واقعنا ، وواجب الاحتفاظ بثورة الحسين عليه السلام لأنها
تمثل إرادتنا المستقلة ، كما يكون علينا في مثل هذا الموقف أن نكون بنائين لا
هدامين ، فنبني طوابق جديدة قوف مجدنا الذي بناه آباؤنا ، ولا نهدم صرحنا المشيد
اغتراراً بالسراب الذي يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ، ووجد الله
عنده فوفاه حسابه.
إنّ المستعمرين لا يحرصون على تحضرنا إلا بمقدار علمهم باستحالة استعمارنا إلا
عن طريق حضارتهم ، ولا يشفقون علينا حينما يرومون انتزاع مشعل ثورة الحسين عليه
السلام من أيدينا إلا لعلمهم بأننا ما لم نتخبط في الظلام لا يسهل لهم سوقنا مثل
الأغنام التائهة إلى المجزرة ، ولقد عشنا التجربة في أقسى وأبشع صورها عندما الختطف
المستعمرون منا دستور القرآن ومؤتمر الحج بالحضارة والتقدم ، ثم بدا أنّهم ما كانوا
يهدفون مما يقولون إلا تحطيم كيان المسلمين ، فقذفوا الحكومة الإسلامية العزلاء في
أتون الحرب، وزجوا بالملايين في سجن الشيوعية ، ودفعوا مئات الملايين منا في بؤرة
الأحزاب وشبكات العمالة والمهاترات.
7 / 11 / 1384 هـ. كربلاء المقدسة