بحار الانوار الجزء
95
العلامة المجلسي
[1]
بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة
الأطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الأمة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس
الله سره " الجزء الخامس والتسعون دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان الطبعة
الثالثة المصححة 1403 ه. 1983 م
[1]
بسم الله الرحمن الرحيم 5. * (باب) * * "
(أدعية كل يوم يوم، وكل ليلة ليلة، من شهر) " * * " (رمضان وسائر أعمالها) " *
أقول: قد مر ما يناسب هذا الباب في كتاب الطهارة وفي أبواب الدعاء فتذكر ومضى أيضا
في أبواب الصيام في باب ليلة القدر وليالي الإحياء كثير من أحوالها وبعض أعمالها
فارجع إليه، ويأتي وسبق ما يتعلق بهذا الباب في الأبواب السابقة و اللاحقة من هذا
الجزء أيضا. أما الليلة الاولى ففيها أعمال كثيرة جدا، وقد أوردنا شطرا صالحا منها
في باب الدعاء عند دخول شهر رمضان، ومنها الغسل في هذه الليلة، ومنها الشروع في
تلاوة القرآن، ومنها.... (1). 1 - ورأيت بخط الشيخ محمد بن على الجباعي - ره - ما
هذا لفظه: دعاء الحج يدعى به أول ليلة من شهر رمضان، وذكره الشيخ أبو الفتح محمد بن
على الكراجكي في كتاب روضة العابدين الذي صنفه لولده موسى رحمهما الله. اللهم منك
أطلب حاجتي، ومن طلب حاجته إلى أحد من الناس فاني لا أطلب حاجتي إلا منك وحدك لا
شريك لك، أسألك بفضلك ورضوانك أن تصلي على محمد
(1) ومنها زيارة الحسين سيد الشهداء عليه
السلام على ما سيجئ في كتاب المزار.
[2]
وأهل بيته، وأن تجعل لي في عامي هذا إلى
بيتك الحرام سبيلا حجة مبرورة متقبلة زاكية خالصة لك تقر بها عيني، وترفع بها
درجتي، وترزقني أن أغض بصري، وأن أحفظ فرجي، وأن أكف عن جميع محارمك، لا يكون عندي
شئ آثر من طاعتك وخشيتك، والعمل بما أحببت والترك لما كرهت ونهيت عنه واجعل ذلك في
يسر منك وعافية، وأوزعني شكر ما أنعمت به على. وأسئلك أن تجعل وفاتي قتلا في سبيلك،
تحت راية محمد نبيك، مع وليك صلواتك عليهما وأسألك أن تقتل بي أعداءك وأعداء رسولك،
وأن تكرمني بهوان من شئت من خلقك ولا تهني بكرامة أحد من أوليائك، اللهم اجعل لي مع
الرسول سبيلا، حسبي الله ما شاء الله، وصلى الله على سيدنا محمد رسوله خاتم
النبيين، و آله الطاهرين. أقول: ورواه السيد ابن طاوس - رحمه الله - في كتاب
الاقبال أيضا عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام لكن فيه أنه قال: ادع للحج
في ليالي شهر رمضان بعد المغرب " اللهم بك ومنك أطلب حاجتي - إلى قوله: مع الرسول
سبيلا (1). اليوم الاول: فيه أيضا أعمال كثيرة، ومنها صلاة أول كل شهر ودعاؤه،
والتصدق فيه وسائر أعماله ومنها..... (2). 2 - قل: (3) فصل فيما نذكره من الادعية
لكل يوم غير متكررة. فمن ذلك دعاء أول يوم من شهر رمضان، من جملة الثلاثين فصلا "
اللهم يا رب أصبحت لا أرجو غيرك، ولا أدعو سواك، ولا أرغب إلا إليك، ولا أتضرع إلا
عندك، ولا ألوذ إلا بفنائك، إذ لو دعوت غيرك لم يجبني، ولو رجوت غيرك لأخلف رجائي،
وأنت ثقتي ورجائي ومولاي وخالقي وبارئي ومصوري، ناصيتى بيدك
(1) كتاب الاقبال: 24. (2) راجع كتاب
الاقبال: 87. (3) كتاب الاقبال: 107.
[3]
تحكم في كيف تشاء، لا أملك لنفسي ما أرجو،
ولا أستطيع دفع ما أحذر، أصبحت مرتهنا بعملي، وأصبح الأمر بيد غيري، اللهم إني
أصبحت اشهدك وكفى بك شهيدا واشهد ملائكتك وحملة عرشك وأنبياءك ورسلك على أني أتولى
من توليته و أتبرء ممن تبرءت منه، واومن [بما أنزلت على أنبيائك ورسلك فافتح مسامع
قلبي لذكرك حتى أتبع كتابك واصدق رسلك واومن] (1) بوعدك، واوفي بعهدك فان أمر القلب
بيدك. اللهم إني أعوذ بك، من القنوط من رحمتك، واليأس من رأفتك، فأعذني من الشك
والشرك والريب والنفاق والرياء والسمعة، واجعلني في جوارك الذي لا يرام، واحفظني من
الشك الذي صاحبه يستهان، اللهم وكلما قصر عنه استغفاري من سوء لا يعلمه غيرك،
فعافني منه واغفره لي، فانك كاشف الغم. مفرج الهم، رحمن الدنيا والاخرة ورحيمهما،
فامنن على بالرحمة التي رحمت بها ملائكتك ورسلك وأولياءك من المؤمنين والمؤمنات.
اللهم رب هذا اليوم ! ما أنزلت فيه من بلاء أو مصيبة أو غم أوهم فاصرفه عني وعن أهل
بيتي وولدي وإخواني ومعارفي، ومن كان مني بسبيل من المؤمنين والمؤمنات، اللهم إني
أصبحت على كلمة الاخلاص، وفطرة الاسلام، وملة إبراهيم ودين محمد صلواتك عليه وآله،
اللهم احفظني وأحيني على ذلك، وتوفني عليه وابعثني يوم تبعث الخلائق فيه، واجعل أول
يومي هذا صلاحا، وأوسطه فلاحا وآخره نجاحا برحمتك، فاني أسئلك خيره وخير أهله،
وأعوذ بك من شره وشر أهله، ومن سمعه وبصره ويده ورجله، كن لي منه حاجزا، عز جارك
وجل ثناؤك، ولا إله غيرك. اللهم إني أسئلك أن ترزقني مواهب الدعاء في دبر كل صلاة،
وأسئلك خير يومي هذا وفتحه ونوره ونصره وهداه ورشده وبشراه، أصبحت بالله الذي ليس
كمثله شئ ممتنعا، وبعزة الله التي لا ترام ولا تضام معتصما، وبسلطان الله الذي لا
يقهر ولا يغلب عائذا، من شر ما خلق وذرأ وبرء، ومن شر ما يكن
(1) ما بين العلامتين ساقط عن طبعة
الكمبانى.
[4]
بالليل ويخرج بالنهار، وشر ما يخرج بالليل
ويكن بالنهار، ومن شر الجن والانس، ومن شر كل ذي سلطان أو غيره، ومن شر كل دابة أنت
آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم. دعاء آخر في اليوم الاول منه (1). اللهم اجعل
صيامي صيام الصائمين، وقيامي قيام القائمين، ونبهني فيه عن نومة الغافلين، وهب لي
جرمي يا إله العالمين. وقد قدمنا في عمل الشهر روايتين كل واحدة بثلاثين فصلا لسائر
الشهور (2) فادع بدعاء كل يوم منها في يومه، فانه باب سعادة فتح لك، فاغتنمه قبل أن
تصير من أهل القبور. فصل: فيما نذ كره من فضل الاعتكاف في شهر رمضان. اعلم أن
الاعتكاف حقيقته عكوف العبد على طاعة الله جل جلاله، ومراقبته وتفصيل ذلك مذكور في
الكتب المتعلقة بتفصيل الأحكام (3) وجملته، وإنما نذكر هيهنا حديثا واحدا بفضل
الاعتكاف مطلقا في شهر الصيام لئلا يخول كتابنا من الاشارة إلى هذه العبادة، وما
فيها من سعادة وإنعام. روينا ذلك عن محمد بن يعقوب (4) من كتاب الكافي وعن علي بن
فضال من كتاب الصيام وعن أبي جعفر بن بابويه من كتاب من لا يحضره الفقيه (5) عن أبي
عبد الله عليه السلام قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وآله في أول ما فرض شهر
رمضان في العشر الأول وفي السنة الثانية في العشر الأوسط وفي السنة الثالثة في
العشر الأواخر، فلم يزل يفعل ذلك حتى مضى، وسنذكر في العشر الأواخر منه فضل
الاعتكاف فيه وما لا غنى لمن يحتاج إليه عنه. فصل: فيما نذكره من أن القرآن انزل في
شهر رمضان والحث على
(1) كتاب الاقبال: 109. (2) راجع ج 97:
132. (3) بتفصيل الاعتكاف خ. (4) الكافي ج 4: 175. (5) فقيه من لا يحضره الفقيه ج 2
ص 123.
[5]
تلاوته فيه. أما نزول القرآن في شهر
رمضان، فيكفي في البرهان قول الله جل جلاله: " شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن "
وإنما ورد في الحديث أن نزوله كان في شهر الصيام إلى السماء الدنيا ثم نزل منها إلى
النبي صلى الله عليه وآله كما شاء جل جلاله في الأوقات والأزمان. وأما الحث على
تلاوته فيه فذلك كثير في الأخبار، ولكنا نورد حديثا واحدا فيه، تنبيها لأهل
الاعتبار عن علي بن المغيرة، عن أبي الحسن عليه السلام قال: قلت له: إن أبي سأل جدك
عليه السلام عن ختم القرآن في كل ليلة، فقال له: في شهر رمضان قال: افعل فيه ما
استطعت، فكان أبي يختمه أربعين ختمة في شهر رمضان، ثم ختمته بعد أبي فربما زدت
وربما نقصت، وإنما يكون ذلك على قدر فراغي وشغلي ونشاطي وكسلي، فإذا كان يوم الفطر
جعلت لرسول الله صلى الله عليه وآله ختمة ولفاطمة عليها السلام ختمة وللأئمة عليهم
السلام ختمة - حتى انتهيت إليه - فصيرت لك واحدة منذ صرت في هذه الحالي فأي شئ لي
بذلك ؟ قال: لك بذلك أن تكون معهم يوم القيامة، قلت الله أكبر فلي بذلك ؟ قال: نعم
ثلاث مرات. فصل: فيما نذكره مما يدعا به عند نشر المصحف لقراءة القرآن روينا ذلك
باسنادنا إلى يونس بن عبد الرحمن عن علي بن ميمون الصائغ أبي الأكراد عن أبي عبد
الله عليه السلام أنه كان من دعائه إذا أخذ مصحف القرآن والجامع قبل أن يقرء القرآن
وقبل أن ينشره، يقول حين يأخذه بيمينه: بسم الله اللهم إني أشهد أن هذا كتابك
المنزل من عندك على رسولك محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وكتابك الناطق على
لسان رسولك وفيه حكمك وشرايع دينك أنزلته على نبيك، وجعلته عهدا منك إلى خلقك،
وحبلا متصلا فيما بينك و بين عبادك، اللهم إني نشرت عهدك وكتابك اللهم فاجعل نظري
فيه عبادة وقراءتي تفكرا وفكري اعتبارا واجعلني ممن أتعظ ببيان مواعظك فيه، وأجتنب
معاصيك ولا تطبع عند قراءتي كتابك على قلبي ولا على سمعي، ولا تجعل على بصري غشاوة
[6]
ولا تجعل قراءتي قراءة لا تدبر فيها، بل
اجعلني أتدبر آياته وأحكامه آخذا بشرايع دينك، ولا تجعل نظري فيه غفلة، ولا قراءتي
هذرمة (1) إنك أنت الرؤف الرحيم. فصل: فيما نذكره مما ينبغي أن يقرء في مدة الشهر
كله. اعلم أنه من بلغ فضل الله عليه إلى أن يكون متصرفا في العبادات المندوبات بأمر
يعرفه في سره، فيعتمد عليه، فانه يكون مقدار قراءته في شهر رمضان بقدر ذلك البيان،
وأما من كان متصرفا في القراءة بحسب الأمر الظاهر في الأخبار، فانه بحسب ما يتفق له
من التفرغ والاعذار، فإذا لم يكن له عائق عن استمرار القراءة في شهر الصيام، فليعمل
ما روي عن وهب بن حفص، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل في كم يقرء
القرآن، قال في ست، فصاعدا، قلت: في شهر رمضان ؟ قال: في ثلاث فصاعدا. ورويت عن
جعفر بن قولويه باسناده إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: لا تعجبني أن يقرء
القرآن في أقل من الشهر. واعلم أن المراد من قرائتك القرآن أن تستحضر في عقلك وقلبك
أن الله جل جلاله يقرء عليك كلامه بلسانك، فتستمع مقدس كلامه، وتعترف بقدر إنعامه
وتستفهم المراد من آدابه، ومواعظه وأحكامه. فان قلت: لا يقوم ضعف البشرية والأجزاء
الترابية بقدر معرفة حرمة الجلالة الالهية، فليكن أدبك في الاستماع والانتفاع على
قدر أنه لو قرء عليك بعض ملوك الدنيا كلاما قد نظمه وأراد منك أن تفهم معانيه وتعمل
بها وتعظمه فلا ترض لنفسك وأنت مقر بالاسلام أن يكون الله جل جلاله دون مقام ملك في
الدنيا يزول ملكه لبعض الأحلام. وإن قلت: لا أقدر على بلوغ هذه المرتبة الشريفة،
فلا أقل أن يكون استماعك وانتفاعك بالقراءة المقدسة المنيفة كما لو جاءك كتاب من
والدك أو ولدك
(1) الهذرمة: الاسراع في الكلام.
[7]
القريب إليك أو من صديقك العزيز عليك،
فانك إن أنزلت الله جل جلاله وكلامه المعظم دون هذه المراتب، فقد عرضت نفسك الضعيف
لصفقة خاسر أو خائب. فصل: فيما نذكره من دعاء إذا فرغ من قراءة بعض القرآن، رويته
بالاسناد المتقدم عند ذكر نشر المحصف الكريم، فيقول عند الفراغ من قراءة بعض القرآن
العظيم: اللهم إني قرأت ما قضيت لي من كتابك الذي أنزلته على نبيك محمد صلواتك عليه
ورحمتك، فلك الحمد ربنا ولك الشكر والمنة، على ما قدرت ووفقت اللهم اجعلني ممن يحل
حلالك، ويحرم حرامك، ويجتنب معاصيك، ويؤمن بمحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه، واجعله
لي شفاء ورحمة وحرزا وذخرا الهم اجعله لي انسا في قبري، وانسا في حشري، واجعل لي
بركة بكل آية قرأتها، وارفع لي بكل حرف درسته درجة في أعلى عليين، آمين يا رب
العالمين. اللهم صلى على محمد نبيك وصفيك ونجيك ودليلك والداعي إلى سبيلك وعلي أمير
المؤمنين وليك وخليفتك من بعد رسولك، وعلى أوصيائهما المستحفظين دينك، المستودعين
حقك، والمسترعين خلقك، وعليهم أجمعين السلام ورحمة الله وبركاته. أقول: وليختم صوم
نهاره بنحو ما قدمناه في خاتمة ليله وذكرنا من أسراره. الباب السادس: فيما نذكره من
وظائف الليلة الثانية من شهر رمضان ويومها وفيه فصول. فصل: فيما نذكره من كيفية
خروج الصائم من صومه ودخوله في حكم الافطار. اعلم أن للصائم معاملة كلف باستمرارها
قبل صومه ومع صومه، فهي مطلوبة منه قبل الافطار، ومعه وبعده في الليل والنهار، وهي
طهارة قلبه مما يكرهه مولاه، واستعمال جوارحه فيما يقر به من رضاه، فهذا أمر مراد
من العبد مدة مقامه في دنياه، وأما المعاملة المختصة بزيادة شهر رمضان فان العبد
إذا
[8]
كان مع الله جل جلاله يتصرف بأمره في
الصوم والافطار، في السر والاعلان فصومه طاعة سعيدة وإفطاره بأمر الله جل جلاله
عبادة أيضا جديدة، فيكون خروجه من الصوم إلى حكم الافطار، خروج متمثل أمر الله جل
جلاله، وتابع لما يريده من الاختيار، متشرفا ومتلذ ذا كيف ارتضاه سلطان الدنيا
والاخرة أن يكون في بابه، ومتعلقا على خدمته، ومنسوبا إلى دولته القاهرة وكيف وفقه
للقبول منه، وسلمه من خطر الاعراض عنه وإياه وأن يعتقد أنه بدخول وقت الافطار قد
تشمر من حضرة المطالبة بطهارة الأسرار، وصلاح الأعمال في الليل والنهار، وهو [أن]
يعلم أن الله جل جلاله ما شمره إلا مزيد دوام إحسانه إليه، وإقباله بالرحمة عليه،
وكيف يكون العبد مهونا باقبال مالك حاضر محسن إليه، ويهون من ذلك ما لم يهون، ألم
يسمع مولاه يقول: " وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون (1). فصل: فيما نذكره من
الوقت الذي يستحب فيه الافطار. أقول: قد وردت الروايات متناصرة عن الأئمة عليهم
أفضل الصلوات أن إفطار الانسان في شهر رمضان بعد تأدية صلاته أفضل له وأقرب إلى
قبول عبادته فمن ذلك ما رويناه باسنادنا إلى علي بن فضال من كتاب الصوم عن أبي عبد
الله عليه السلام قال: يستحب للصائم إن قوي على ذلك أن يصلي قبل أن يفطر. أقول:
وأما إن حضره قوم لا يصبرون إلى أن يفطر معهم بعد صلاته، و يكونون ممن يقدمون
الافطار، فليفطر معهم رضا لله جل جلاله وتعظيما لمراسمه وتماما لعبادته ومراد ذلك
لمالك حياته ومماته، فليقدم الافطار معهم على هذه النية محافظا به على تعظيم
الجلالة الالهية، وإن كان القوم الذين حضروه يشغله إفطاره معهم عن مالكه ويفرق بينه
وبين ما يريد من شريف مسالكه فيرضيهم بالإكرام في الطعام ويعتذر إليهم في المشاركة
لهم في الافطار ببعض الأعذار، التي يكون فيها مراقبا للمطلع على الأسرار، وإن كان
الحاضرون ممن يخافهم إن
(1) كتاب الاقبال: 110 - 112 والاية في
سورة الذاريات: 56.
[9]
لم يفطر معهم قبل الصلواة، وكانت التقية
لهم رضى لمالك الأحياء والاموات، فليعمل ما يكون فيه رضاه، ولا يغالط نفسه، ولا
يتأول لأجل طاعة شيطانه وهواه. فصل: (1) فيما نذكره من الوقت الذي يجوز فيه
الافطار. اعلم أنه إذا دخل وقت صلاة المغرب على اليقين، فقد جاز إفطار الصائمين ما
لم يشغل الافطار عما هو أهم منه من عبادات رب العالمين، فان اجتمعت مراسم الله جل
جلاله على العبد عند دخول وقت العشاء، فليبدء بالأهم فالأهم، متابعة لمالك الأشياء،
ولئلا يكون المملوك متصرفا في ملك مالكه بغير رضاه، فكأنه يكون قد غصب الوقت وما
يعمله فيه من يد صاحبه، وتصرف فيما لم يعطه إياه فاياه أن يهون بهذا وأمثاله ثم
إياه. فصل: فيما نذكره من آداب أو دعاء وقراءة يعملها ويقولها قبل الافطار. فمن
الاداب عند الطعام ما رويناه باسنادنا إلى أبي علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي
من كتاب الاداب الدينية فيما رواه من جدنا الحسن السبط الممتحن بمقاساة الدولة
الاموية صلوات الله على روحه العظيمة العلية فقال: قال الحسن ابن علي بن أبي طالب
عليه السلام: في المائدة اثنا عشرة خصلة تجب على كل مؤمن أن يعرفها: أربع منها فرض،
وأربع منها سنة وأربع منها تأديب. فأما الفرض فالمعرفة، والرضا، والتسمية، والشكر،
وأما السنة فالوضوء قبل الطعام، والجلوس على الجانب الأيسر، والأكل بثلاث أصابع،
ولعق الاصابع وأما التأديب فالأكل مما يليك، وتصغير اللقمة، والمضغ الشديد، وقلة
النظر في وجوه الناس. أقول: ومن آداب شرب الذي يريد الشراب وأكل الطعام أن يستحضر
المنة لله جل جلاله عليه، كيف أكرمه أو أزاحه عن استخدامه في كل ما احتاج إلى
الطعام والشراب إليه مذ يوم خلق ذلك إلى حين يتقدم بين يديه، فانه جل جلاله استخدم
فيما يحتاج الانسان إليه الملائكة الموكلين بتدبير الافلاك والأرضين، والأنبياء
والاوصياء، ونوابهم الموكلين بتدبير مصالح اللادميين و
(1) في المصدر المطبوع هذا الفصل مقدم على
الفصل السابق.
[10]
الملوك والسلاطين، ونوابهم وجنودهم الذين
يحفظون بيضة الاسلام حتى يتهيأ الوصول إلى الطعام، واستخدام كل من تعب في طعامه من
أكار، ونجار و حدادين، وحطابين، وخبازين، وطباخين، ومن يقصر عن حصرهم بيان الأقلام
ولسان حال الأفهام وكيف يحسن من عبد يريحه سيده من جميع هذا التعب والعناء ويحمل
إليه طعامه وهو مستريح من هذا الشقاء، فلا يرى له في ذلك منة كبيرة ولا صغيرة، أفما
يكون كأنه ميت العقل والقلب، أعمى عن نظر هذه النعم الكثيرة. ومن الدعاء عند أكل
الطعام ما رويناه باسنادنا إلى الطبرسي عمن رواه عن الأئمة عليهم أفضل الصلاة
والسلام، قال: يقول عند تناول الطعام: الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم، ويجير ولا
يجار عليه، ويستغني ويفتقر إليه، اللهم لك الحمد على ما رزقتني من الطعام والإدام،
في يسر منك وعافية من غير كد منى ومشقة بسم الله خير الأسماء: بسم الله رب الأرض
والسماء، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شئ في الأرض ولا في السماء وهو السميع
العليم، اللهم أسعدني من مطعمي هذا بخيره، وأعذني من شره، وأمتعني بنفعه، وسلمني من
ضره. ومن الدعاء المختص بالافطار في شهر الصيام: ما رويناه باسنادنا إلى المفضل بن
عمر رحمه الله قال: قال الصادق عليه السلام إن رسول الله صلى الله وعليه آله قال
لأمير المؤمنين عليه السلام: يا أبا الحسن هذا شهر رمضان، قد أقبل فاجعل دعاءك قبل
فطورك، فان جبرئيل عليه السلام جاءني فقال: يا محمد من دعا بهذا الدعاء في شهر
رمضان قبل أن يفطر استجاب الله تعالى دعاءه وقبل صومه وصلاته واستجاب له عشر دعوات،
وغفر له ذنبه، وفرج همه، ونفس كربته، وقضى حوائجه، وأنجح طلبته، ورفع عمله مع أعمال
النبيين والصديقين، وجاء يوم القيامة ووجه أضوء من القمر ليلة البدر. فقلت: ما هو
يا جبرئيل ؟ فقال: قل: اللهم رب النور العظيم، ورب الكرسي الرفيع، ورب البحر
المسجور ورب الشفع الكبير، والنور العزيز، ورب التوراة، والانجيل، والزبور، و
[11]
الفرقان العظيم، أنت إله من في السموات
وإله من في الأرض لا إله فيهما غيرك، وأنت ملك من في السموات، وملك من في الأرض، لا
ملك فيهما غيرك، أسألك باسمك الكبير، ونور وجهك المنير، وبملكك القديم، يا حي يا
قيوم، يا حي يا قيوم يا حي يا قيوم، أسئلك باسمك الذي أشرق به كل شئ، وباسمك الذي
أشرقت به السموات والأرض، وباسمك الذي صلح به الأولون، وبه يصلح الاخرون يا حي قبل
كل حى ويا حي بعد كل حي، ويا حي لا إله إلا أنت صل على محمد وآل محمد، واغفر لي
ذنوبي، واجعل لي من أمري يسرا وفرجا قريبا، وثبتني على دين محمد وآل محمد، وعلى سنة
محمد وآل محمد، عليه وعليهم السلام، واجعل عملي في المرفوع المتقبل، وهب لي كما
وهبت لأوليائك وأهل طاعتك، فاني مؤمن بك، ومتوكل عليك منيب إليك، مع مصيري إليك،
وتجمع لي ولأهلي وولدي الخير كله وتصرف عني وعن ولدي وأهلي الشر كله، أنت الحنان
المنان بديع السموات والأرض، تعطي الخير من تشاء، وتصرفه عمن تشاء فامنن على برحمتك
يا أرحم الراحمين. ومن الدعاء عند الافطار ما وجدناه في كتب أصحابنا عن النبي صلى
الله عليه وآله أنه قال: ما من عبد يصوم فيقول عند إفطاره " يا عظيم يا عظيم أنت
إلهي لا إله غيرك اغفر لي الذنب العظيم، إنه لا يغفر الذنب العظيم إلا العظيم " إلا
خرج من ذنوبه كيوم ولدته امه. وأما القراءة عند الافطار: فاننا رويناها ووجدناها
مروية عن مولانا زين العابدين عليه السلام أنه قال: من قرء إنا أنزلناه عند فطوره
وعند سحوره كان فيما بينهما كالمتشحط بدمه في سبيل الله تعالى. فصل: فيما نذكره مما
يستحب أن يفطر عليه. اعلم أننا قد ذكرنا فيما تقدم من هذا الكتاب كيفية الاستظهار
في الطعام والشراب، ونزيد ههنا بأن نقول: ينبغي أن يكون الطعام والشراب الذي يفطر
عليه مع الطهارة من الحرام والشبهات، قد تنزهت طرق تهيئته لمن يفطر عليه
[12]
من أن يكون قد اشتغل به من هيأه عن عبادة
الله جل جلاله وهو أهم منه، فربما يصير ذلك شبهة في الطعام والشراب، لكونه عمل في
وقت كان الله جل جلاله كارها للعمل فيه، ومعرضا عنه، وحسبك في سقم طعام أو شراب أن
يكون صاحبه رب الأرباب كارها لتهيئته على تلك الوجوه والأسباب، فما يؤمن المستعمل
له أن يكون سقما في القلوب والأجسام والألباب. أقول: وأما تعيين ما يفطر عليه من
طريق الأخبار فقد رويناه بعدة أسانيد: فمن ذلك ما رويناه باسنادنا إلى الفقيه علي
بن الحسن بن فضال التميمي (1) الكوفي من كتاب الصيام باسناده إلى جابر عن أبي جعفر
عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يفطر على الأسودين، قلت: رحمك
الله ! وما الأسودين ؟ قال: التمر و الماء والرطب والماء. ورأيت في حديث من غير
كتاب علي بن الحسن بن فضال عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من أفطر على تمر
حلال زيد في صلاته أربعمائة صلاة. ومن ذلك ما رويناه أيضا باسنادنا إلى علي بن
الحسن بن فضال من كتاب الصيام باسناده إلى غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد الله، عن
أبيه، أن عليا عليهم السلام كان يستحب أن يفطر على اللبن. ومن ذلك ما رويناه
باسنادنا إلى أبي جعفر ابن بابويه باسناده إلى الصادق عليه السلام أنه قال: الافطار
على الماء يغسل ذنوب القلوب. أقول: ولعل هذه المقاصد من الأبرار في الافطار كانت
لحال يخصهم أو لامتثال أمر يتعلق بهم من التطلع على الأسرار، وكلما كان الذي يفطر
الانسان عليه أبعد من الشبهات، وأقرب إلى المراقبات كان أفضل أن يفطر به، ويجعله
مطية ينهض بها في الطاعات، وكسوة لجسده يقف بها بين يدي سيده (2). فصل: فيما نذكره
من دعاء أنشأناه نذكره عند تناول الطعام نرجو به تطهيره
(1) الصحيح: التيملى: نسبة إلى تيم الله
بن ثعلبة مولاهم. (2) كتاب الاقبال: 113 - 115.
[13]
من الشبهات والحرام هذا الدعاء. اللهم إني
أسئلك بالرحمة التي سبقت غضبك، وبالرحمة التي ذكرتني بها ولم أك شيئا مذكورا،
وبالرحمة التي أنشأتني وربيتني صغيرا وكبيرا، وبالرحمة التي نقلتني بها من ظهور
الاباء إلى بطون الامهات من لدن آدم عليه السلام إلى آخر الغايات، وأقمت للاباء
والامهات بالأقوات والكسوات والمهمات، ووقيتهم مما جرى على الامم الهالكة من
النكبات والافات، وبالرحمة التي شرفتني بها بطاعتك والتقرب إليك، وبالرحمة التي
جعلتني بها من ذرية أعز الأنبياء عليك وبالرحمة التي حلمت بها عني عند سوء أدبي بين
يديك، وبالمراحم والمكارم التي أنت أعلم بتفصيلها وقبولها وتكميلها وبما أنت أهله
أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تطهرنا من الذنوب والعيوب بالعافية منها والعفو عنها
حتى نصلح للتشريف بمجالستك، والجلوس على مائدة ضيافتك، وأن تطهر طعامنا هذا و
شرابنا وكل ما نتقلب فيه من فوائد رحمتك من الأدناس والأرجاس وحقوق الناس ومن
الحرامات والشبهات، وأن تصانع عنه أصحابه من الأحياء والأموات، وتجعله طاهرا مطهرا،
وشفاء لأدياننا، ودواء لأبداننا، وطهارة لسرائرنا وظواهرنا ونورا لأرواحنا ومقويا
لنا على خدمتك باعثا لنا على مراقبتك واجعلنا بعد ذلك ممن أغنيته بعلمك عن المقال،
وبكرمك عن السؤال، برحتمك يا أرحم الراحمين. فصل: فيما نذكره من القصد بالافطار.
اعلم أن الافطار عمل يقوم به ديوان العبادات، ومطلب يظفر بالسعادات فلا بد له من
قصد يليق بتلك المرادات ومن أهم ما قصد الصائم بافطاره، وختم به تلك العبادة مع
العالم بأسراره امتثال أمر الله جل جلاله بحفظ حياته على باب طاعة مالك مباره
ومساره، وإذا لم يقصد بذلك حفظها على باب الطاعة، فكأنه قد ضيع الطعام وأتلفه،
وأتلفها وعرضها للاضاعة، وخسر في البضاعة، وتصير الطاعات الصادرة عنه عن قوة سقيمة
النيات، كانسان يركب دابة في الحج أو الزيارات بغير إذن صاحبها أو بمخالفة في
مسالكها ومذاهبها، أو فيها شئ من الشبهات،
[14]
وأي كلفة أو مشقة فيما ذكرناه من صلاح
النية، ومعاملة الجلالة الالهية، حتى يهرب من تلك المراتب والمناصب، والشرف
والمواهب، إلى معاملة الشهوة البهيمية والطبع الخائب الذاهب، لولا رضاه لنفسه بذل
المصائب والشماتة بما حصل فيه من النوائب. فصل: فيما نذكره مما يقوله الصائم عند
الافطار بمقتضى الأخبار. روى محمد بن أبي قرة في كتاب عمل شهر رمضان تغمده الله
بالرضوان باسناده إلى مولانا موسى بن جعفر عليه السلام عن أبيه عن جده، عن الحسن بن
علي عليهم السلام أن لكل صائم عند فطوره دعوة مستجابة، فإذا كان أول لقمة فقل " بسم
الله اللهم يا واسع المغفرة اغفر لي " وفي رواية اخرى " بسم الله الرحمن الرحيم يا
واسع المغفرة اغفر لي " فانه من قالها عند إفطاره غفر له. فصل: فيما نذكره عن النبي
صلى الله عليه وآله من فضل دعاء عند أكل الطعام رأيت ذلك في حديثه عليه أفضل السلام
أنه قال: من أكل طعاما ثم قال: " الحمد لله الذي أطعمني هذا من رزقه من غير حول مني
وقوة " غفر له ما تقدم من ذنبه. فصل: فيما نذكره من صفة حمد النبي صلى الله عليه
وآله عند أكل الطعام، وهو قدوة لأهل الاسلام رأيت في الجزء الثاني من تاريخ نيشابور
في ترجمة حسن بن بشير باسناده قال: كان رسول الله يحمد الله بين كل لقمتين. أقول
أنا: أيها المسلم المصدق بالقرآن المتمثل لأمر الله، جل جلاله إياك أن تخالف قوله
تعالى في رسوله " فاتبعوه واتبعوا النور الذي انزل معه " (1) واسلك سبيل هذه
الاداب، فانها مطايا وعطايا يفتح لها أنوار سعادة الدنيا و يوم الحساب. فصل: فيما
نذكره من الدعاء الذي يقتضي لفظه أنه بعد الافطار مما رويناه عن الأطهار. فمن ذلك
ما رويناه بعدة أسانيد إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام
(1) مضمون هذا موجود في القرآن الكريم ولا
يوجد لفظه.
[15]