بحار الانوار الجزء
91
العلامة المجلسي
[1]
بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة
الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس
الله سره " الجزء الحادي والتسعون دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان الطبعة
الثالثة المصححة 1403 ه. 1983 م
[1]
بسم الله الرحمن الرحيم 28 - (باب) *
(الاستشفاع بمحمد وآل محمد في الدعاء، وادعية التوجه) * * إليهم والصلوات عليهم
والتوسل بهم صلوات الله عليهم) * 1 - ل (1) لى: أبي، عن محمد العطار، عن الاشعري،
عن الحسن بن علي الكوفي، عن العباس بن عامر، عن أحمد بن رزق، عن يحيى بن أبي العلا،
عن جابر، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: إن عبدا مكث في النار سبعين خريفا و
الخريف سبعون سنة قال: ثم إنه سأل الله عزوجل بحق محمد وأهل بيته لما رحمتني قال:
فأوحى الله جل جلاله إلى جبرئيل عليه السلام أن اهبط إلى عبدي فأخرجه، قال: يا رب
وكيف لي بالهبوط في النار ؟ قال: إني قد أمرتها أن تكون عليك بردا وسلاما، قال: يا
رب فما علمي بموضعه ؟ قال: إنه في جب من سجين قال: فهبط في النار، فوجده وهو معقول
على وجهه، فأخرجه، فقال عزوجل: يا عبدي كم لبثت تناشدني في النار ؟ قال: ما احصي يا
رب، قال: أما وعزتي لولا ما سألتني به لاطلت هوانك في النار، ولكنه حتم على نفسي أن
لا يسألني عبد بحق محمد صلى الله عليه وآله وأهل بيته إلا غفرت له، ما كان بيني
وبينه، وقد غفرت لك اليوم (2).
(1) الخصال ج 2 ص 140. (2) امالي الصدوق ص
398.
[2]
مع: أبي، عن سعد، عن الحسن بن علي الكوفي
مثله (1). ثو: ابن الوليد، عن الصفار، عن الحسن بن علي مثله (2). جا: الصدوق، عن
أبيه، عن محمد العطار بالاسناد السابق، عن الباقر، عن أبيه، عن جده عليهم السلام
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنه إذا كان يوم القيامة وسكن أهل الجنة
الجنة، وأهل النار النار. مكث عبد في النار سبعين خريفا إلى آخر الخبر وزاد في
آخره: ثم يؤمر به إلى الجنة (3). 2 - ما: أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير،
عن علي بن الحسن ابن فضال، عن العباس بن عامر مثله إلى قوله مكث في النار يناشد
الله سبعين خريفا وسبعين خريفا والخريف سبعون سنة وسبعون سنة وسبعون سنة إلى قوله
قال: إنه في جب من سجين قال: فهبط إليه وهو معقول على وجهه بقدمه، قال: قلت: كم
لبثت في النار ؟ قال: ما احصي كم بدلت فيها خلقا، قال: فأخرجه إليه، قال: فقال له:
يا عبدي إلى آخر الخبر (4). 3 - ما: المفيد عن الجعابي، عن ابن عقدة، عن أحمد بن
محمد، عن يحيى بن زكريا، عن الحسين بن سفيان، عن أبيه، عن محمد بن المشمعل، عن
الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: من دعا الله بنا أفلح، ومن دعاه بغيرنا هلك
واستهلك (5). 4 - ج: عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري أنه قال: خرج توقيع من
الناحية المقدسة حرسها الله تعالى بعد المسائل: بسم الله الرحمن الرحيم لا لامره
تعقلون، ولا من أوليائه تقبلون، حكمة بالغة، فما تغن النذر عن قوم لا يؤمنون،
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإذا
(1) معاني الاخبار ص 226. (2) ثواب
الاعمال ص 139. (3) مجالس المفيد ص 136. (4) امالي الطوسى ج 2 ص 288. (5) امالي
الطوسى ج 1 ص 175.
[3]
أردتم التوجه بنا إلى الله تعالى وإلينا
فقولوا كما قال الله تعالى: سلام على آل يس السلام عليك يا داعي الله ورباني آياته،
السلام عليك يا باب الله وديان دينه، السلام عليك يا خليفة الله وناصر حقه، السلام
عليك يا حجة الله ودليل إرادته، السلام عليك يا تالي كتاب الله وترجمانه، السلام
عليك في آناء ليلك وأطراف نهارك، السلام عليك يا بقية الله في أرضه، السلام عليك يا
ميثاق الله الذي أخذه ووكده، السلام عليك يا وعد الله الذي ضمنه، السلام عليك أيها
العلم المنصوب، والعلم المصبوب، والغوث والرحمة الواسعة، وعد غير مكذوب، السلام
عليك حين تقوم، السلام عليك حين تقعد، السلام عليك حين تقرأ وتبين السلام عليك حين
تصلي وتقنت، السلام عليك حين تركع وتسجد، السلام عليك حين تستغفر وتحمد، السلام
عليك حين تكبر وتهلل، السلام عليك حين تصبح وتمسي السلام عليك في الليل إذا يغشى،
والنهار إذا تجلى، السلام عليك أيها الامام المأمون، السلام عليك أيها المقدم
المأمول، السلام عليك بجوامع السلام. اشهدك يا مولاي أني أشهد أن لا إله إلا الله
وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده رسوله، لا حبيب إلا هو وأهله، وأشهد [ك] أن [عليا]
أمير المؤمنين حجته والحسن حجته، والحسين حجته، وعلي بن الحسين حجته، ومحمد بن علي
حجته وجعفر بن محمد حجته، وموسى بن جعفر حجته، وعلي بن موسى حجته، ومحمد بن علي
حجته، وعلي بن محمد حجته، والحسن بن علي حجته، وأشهد أنك حجة الله. أنتم الاول
والآخر، وإن رجعتكم حق لا ريب فيها، يوم لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل
أو كسبت في إيمانها خيرا، وأن الموت حق وأن ناكرا ونكير حق، وأشهد أن النشر والبعث
حق، وأن لصراط حق، والميزان والحساب حق، والجنة والنار حق، والوعد الوعيد بهما حق.
يا مولاي شقي من خالفكم، وسعد من أطاعكم، فاشهد على ما أشهدتك عليه وأنا ولي لك،
برئ من عدوك، فالحق ما رضيتموه، والباطل ما سخطتموه والمعروف ما أمرتم به، والمنكر
ما نهيتم عنه، فنفسي مؤمنة بالله وحده لا شريك له، وبرسوله وبأمير المؤمنين وبكم يا
مولاي أولكم وآخركم، ونصرتي معدة لكم
[4]
ومودتي خالصة لكم آمين آمين. الدعاء عقيب
هذا القول: اللهم إني أسئلك أن تصلي على محمد نبي رحمتك، وكملة نورك، وأن تملا قلبي
نور اليقين، وصدري نور الايمان، وفكري نور النيات، وعزمي نور العلم وقوتي نور
العمل، ولساني نور الصدق، وديني نور البصائر من عندك، وبصري نور الضياء، وسمعي نور
الحكمة، ومودتي نور الموالاة لمحمد وآله عليهم السلام حتى ألقاك وقد وفيت بعهدك
وميثاقك فتسعني رحمتك يا ولي يا حميد. اللهم صل على محمد حجتك في أرضك، وخليفتك في
بلادك، والداعي إلى سبيلك والقائم بقسطك، والثائر بأمرك، ولي المؤمنين، وبوار
الكافرين، ومجلي الظلمة ومنير الحق، والناطق بالحكمة والصدق، وكلمتك التامة في
أرضك، المرتقب الخائف والولي الناصح، سفينة النجاة، وعلم الهدى، ونور أبصار الورى،
وخير من تقمص وارتدى، ومجلي الغماء، الذي يملا الارض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما
وجورا إنك على كل شئ قدير. اللهم صل على وليك وابن أوليائك، الذين فرضت طاعتهم،
وأوجبت حقهم وأذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا. اللهم انصره وانتصر به لدينك، وانصر
به أولياءك وأولياءه، وشيعته وأنصاره واجعلنا منهم، اللهم أعذه من شر كل باغ وطاغ،
ومن شر جميع خلقك، واحفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، واحرسه
وامنعه من أن يوصل إليه بسوء، واحفظ فيه رسولك وآل رسولك، وأظهر به العدل وأيده
بالنصر، وانصر ناصريه، واخذل خاذليه، واقسم به جبابرة الكفر، واقتل به الكفار
والمنافقين وجميع الملحدين حيث كانوا من مشارق الارض ومغاربها، برها وبحرها، واملا
به الارض عدلا وأظهر به دين نبيك صلى الله عليه وآله، واجعلني اللهم من أنصاره
وأعوانه وأتباعه وشيعته وأرني في آل محمد عليهم السلام ما يأملون، وفي عدوهم ما
يحذرون، إله الحق آمين يا ذا
[5]
الجلال والاكرام يا أرحم الراحمين (1). 5
- ص: الصدوق، عن الحسن بن محمد بن سعيد، عن فرات بن إبراهيم، عن جعفر بن محمد، عن
نصر بن مزاحم، عن قطرب بن عليف، عن حبيب بن أبي ثابت عن عبد الرحمان بن سابط، عن
سلمان الفارسي رضوان الله عليه قال: كنت ذات يوم عند النبي صلى الله عليه وآله إذ
أقبل أعرابي على ناقة له فسلم ثم قال: أيكم محمد ؟ فاموئ إلى رسول الله صلى الله
عليه وآله فقال: يا محمد أخبرني عما في بطن ناقتي حتى أعلم أن الذي جئت به حق وأومن
بالهلك وأتبعك، فالتفت النبي صلى الله عليه وآله فقال: حبيبي علي يدلك فأخذ علي
بخطام الناقة ثم مسح يده على نحرها، ثم رفع طرفه إلى السماء، وقال: اللهم إني أسئلك
بحق محمد وأهل بيت محمد وبأسمائك الحسنى وبكلماتك التامات، لما أنطقت هذه الناقة،
حتى تخبرنا بما في بطنها، فإذا الناقة قد التفت إلى علي صلوات عليه وهي تقول: يا
أمير المؤمنين إنه ركبني يوما وهو يريد زيارة ابن عم له، وواقعني فأنا حامل منه،
فقال الاعرابي: ويحكم ! النبي هذا أم هذا ؟ فقيل: هذا النبي وهذا أخوه وابن عمه،
فقال الاعرابي: أشهد أن لا إله إلا الله. وأنك رسول الله. 6 - يج: روي أن عثمان بن
جنيد قال: جاء رجل ضرير إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فشكا إليه ذهاب بصره،
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ائت الميضاة فتوض، ثم صل ركعتين ثم قل:
اللهم إني أسئلك وأتوجه إليك بمحمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك ليجلو
به عن بصري، اللهم شفعه في وشفعني في نفسي. قال ابن جنيد: فلم يطل بنا الحديث حتى
دخل الرجل كأن لم يكن به ضرر قط (2). 7 - شى: عن محمد بن أبي زيد الرازي عمن ذكره،
عن الرضا عليه السلام قال: إذا نزلت بكم شدة فاستعينوا بنا على الله، وهو قول الله
" ولله الاسماء الحسنى
(1) الاحتجاج ص 275 - 277. (2) لم نجده في
مختار الخرائج والجرائح.
[6]
فادعوه بها " (1) قال: قال أبو عبد الله
عليه السلام: نحن والله الاسماء الحسنى الذي لا يقبل من أحد إلا بمعرفتنا، قال:
فادعوه بها (2). 8 - م: قال الامام عليه السلام: إن موسى عليه السلام لما انتهى إلى
البحر، أوحى الله عزوجل إليه: قل لبني إسرائيل: جددوا توحيدي، وأمروا بقلوبكم ذكر
محمد سيد عبيدي وإمائي، وأعيدوا على أنفسكم الولاية لعلي أخي محمد وآله الطيبين
وقولوا اللهم بجاههم جوزنا على متن هذا الماء، يتحول لكم أرضا فقال لهم موسى ذلك
فقالوا: تورد علينا ما نكره، وهل فررنا من فرعون إلا من خوف الموت وأنت تقتحم بنا
هذا الماء الغمر بهذه الكلمات، وما يدرينا ما يحدث من هذه علينا ؟ فقال لموسى كالب
بن يوحنا وهو على دابة له وكان ذلك الخليج أربعة فراسخ: يا نبي الله أمرك الله بهذا
أن نقوله وندخل الماء ؟ فقال: نعم، قال: وأنت تأمرني به ؟ قال: بلى، قال: فوقف وجدد
على نفسه من توحيد الله ونبوة محمد وولاية علي والطيبين من آلهما كما امر به، ثم
قال: اللهم بجاههم جوزني على متن هذا الماء، ثم أقحم فرسه فركض على متن الماء، وإذا
الماء تحته كأرض لينة، حتى بلغ آخر الخليج، ثم عاد راكضا ثم قال لبني إسرائيل: يا
بني إسرائيل أطيعوا موسى فما هذا الدعاء إلا مفتاح أبواب الجنان، ومغاليق أبواب
النيران، ومستنزل الارزاق وجالب على عبيدالله وإمائه رضا المهيمن الخلاق، فأبوا
وقالوا: نحن لا نسير إلا على الارض. فأوحى الله إلى موسى: اضرب بعصاك البحر وقل
اللهم بجاه محمد وآله الطيبين لما فلقته، ففعل فانفلق، وظهرت الارض إلى آخر الخليج،
فقال موسى عليه السلام ادخلوا قالوا: الارض وحلة نخاف أن نرسب فيها، فقال الله: يا
موسى قل اللهم بجاه محمد وآله الطيبين جففها، فقالها فأرسل الله عليها ريح الصبا
فجفت، وقال موسى ادخلوها قالوا: يا نبي الله نحن اثنا عشر قبيلة بنو اثني عشر أبا
وإن دخلنا رام كل
(1) الاعراف: 180. (2) تفسير العياشي ج 2
ص 42.
[7]
فريق تقدم صاحبه فلا نأمن وقوع الشر
بيننا، فلو كان لكل فريق منا طريق عليحدة لامنا ما نخافه. فأمر الله موسى ان يضرب
البحر بعددهم اثني عشر ضربة في اثني عشر موضعا إلى جانب ذلك الموضع ويقول اللهم
بجاه محمد وآله الطيبين بين الارض لنا وأمط ألمنا عنا، فصار فيه تمام اثني عشر
طريقا وجف قرار الارض بريح الصبا فقال ادخلوها، قالوا: كل فريق منا يدخل سكة من هذه
السكك لا تدري ما يحدث على الآخرين. فقال الله عزوجل فاضرب كل طود من الماء بين هذه
السكك فضرب وقال اللهم بجاه محمد وآله الطيبين لما جعلت هذا الماء طبقات واسعة يرى
بعضهم بعضا منها، فحدث طبقات واسعة يرى بعضهم بعضا ثم دخلوها فلما بلغوا آخرها جاء
فرعون وقومه، فدخل بعضهم فلما دخل آخرهم وهموا بالخروج أولهم أمر الله تعالى البحر
فانطبق عليهم فغرقوا، وأصحاب موسى ينظرون إليهم فذلك قوله عزوجل وأغرقنا آل فرعون
وأنتم تنظرون إليهم. قال الله عزوجل لبني إسرائيل في عهد محمد صلى الله عليه وآله:
فإذا كان الله تعالى فعل هذا كله بأسلافكم لكرامة محمد صلوات الله عليه وآله، ودعا
موسى دعاء تقرب بهم أفما تعقلون أن عليكم الايمان لمحمد وآله إذ قد شاهدتموه الآن
(1). 9 - م: في قصة التوبة عن عبادة العجل: فأمر الله الاثنى عشر ألفا أن يخرجوا
على الباقين شاهرين السيوف، يقتلونهم، ونادى مناد: ألا لعن الله أحدا اتقاهم بيد أو
رجل، ولعن الله من تأمل المقتول لعله ينسبه حميما قريبا فيتعداه إلى الاجنبي
فاستسلم المقتولون. فقال القاتلون: نحن أعظم مصيبة منهم، نقتل بأيدينا آباءنا
وأمهاتنا وإخواننا وقراباتنا، ونحن لم نعبد. فقد ساوى بيننا وبينهم في المصيبة
فأوحى الله تعالى إلى موسى: إني إنما امتحنتهم كذلك، لانهم ما اعتزلوهم لما عبدوا
العجل، ولم
(1) تفسير الامام ص 117 و 118
[8]
يهجروهم، ولم يعادوهم على ذلك، قل لهم: من
دعا الله بمحمد وآله الطيبين أن يسهل عليهم قتل المستحقين للقتل بذنوبهم، ففعل
فقالوها فسهل عليهم، ولم يجدوا لقتلهم لهم ألما. فلما استمر القتل فيهم وهم ستمائة
ألف إلا اثني عشر ألفا الذين لم يعبدوا العجل وفق الله بعضهم فقال لبعضهم والقتل لم
يفض بعد إليهم فقال: أو ليس الله قد جعل التوسل بمحمد وآله الطيبين أمرا لا يخيب
معه طلبة، ولا يرد به مسألة وهكذا توسلت بهم الانبياء والرسل ؟ فمالنا لا نتوسل ؟
قال فاجتمعوا وضجوا يا ربنا بجاه محمد الاكرم وبجاه علي الافضل الاعظم وبجاه فاطمة
ذي الفضل والعصمة وبجاه الحسن والحسين سبطي سيد المرسلين، وسيدي شباب أهل الجنان
أجمعين وبجاه الذرية الطيبة الطاهرة من آل طه ويس لما غفرت لنا ذنوبنا، وغفرت لنا
هفوتنا، وأزلت هذا القتل عنا. فذلك حين نودي موسى عليه السلام من السماء: أن كف
القتل فقد سألني بعضهم مسألة وأقسم علي قسما لو أقسم به هؤلاء العابدون للعجل،
وسألني بعضهم العصمة حتى لا يعبدوه لوفقتهم وعصمتهم، ولو أقسم علي بها إبليس
لهديته، ولو أقسم علي بها نمرود أو فرعون لنجيتهم، فرفع عنهم القتل، فجعلوا يقولون:
يا حسرتنا أين كنا عن هذا الدعاء بمحمد وآله الطيبين حتى كان الله يقينا شر الفتنة،
ويعصمنا بأفضل العصمة (1). 10 - م: قال الله تعالى " وإذا استسقى موسى لقومه " (2)
قال: واذكروا بني إسرائيل " إذ استسقى موسى لقومه " طلب لهم السقي لما لحقهم العطش
في التيه وضجوا بالبكاء إلى موسى، وقالوا هلكنا بالعطش، فقال موسى: إلهي بحق محمد
سيد الانبياء وبحق علي سيد الاوصياء وبحق فاطمة سيدة النساء، وبحق الحسن سيد
الاولياء وبحق الحسين أفضل الشهداء، وبحق عترتهم وخلفائهم سادة الازكياء لما سقيت
عبادك هؤلاء.
(1) تفسير الامام ص 120 و 121. (2)
البقرة: 60.
[9]
فأوحى الله تعالى: يا موسى " اضرب بعصاك
الحجر " فضربه بها " فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل اناس " كل قبيلة من بني
أب من أولاد يعقوب " مشربهم " فلا يزاحم الآخرين في مشربهم، قال الله تعالى " كلوا
واشربوا من رزق الله " الذي آتاكموه " ولا تعثوا في الارض مفسدين " ولا تسعوا فيها
وأنتم مفسدون عاصون. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أقام على موالاتنا أهل
البيت سقاه الله تعالى من محبته كاسا لا يبغون به بدلا، ولا يريدون سواه كافيا ولا
كاليا ولا ناصرا، ومن وطن نفسه على احتمال المكارم في موالاتنا، جعله الله يوم
القيامة في عرصاتها بحيث يقصر كل من تضمنه تلك العرصات أبصارهم عما يشاهدون من
درجاتهم، وإن كل واحد منهم ليحيط بما له من درجات كاحاطته في الدنيا، لما يلقاه بين
يديه. ثم يقال له: وطنت نفسك على احتمال المكاره في موالاة محمد وآله الطيبين فقد
جعل الله إليك ومكنك من تخليص كل ما تحب تخليصه من أهل الشدائد في هذه العرصات،
فيمد بصره فيحيط ثم ينتقد من منهم أحسن إليه أو بره في الدنيا بقول أو فعل أو رد
غيبة أو حسن محضرأ وإرفاق، فينتقده من بينهم كما ينتقد الدرهم الصحيح من المكسور ثم
يقال له: اجعل هؤلاء في الجنة حيث شئت، فينزلهم جنات ربنا. ثم يقال قد جعلنا لك
ومكناك من لقاء من تريد في نار جهنم، فيراهم فيحيط بهم وينتقدهم من بينهم كما ينتقد
الدينار من القراضة، ثم يقال له: صيرهم في النيران إلى حيث تشاء، فيصيرهم حيث يشاء
من مضائق النار. فقال الله تعالى لبني إسرائيل الموجودين في عصر محمد صلى الله عليه
وآله: فإذا كان أسفلاكم إنما دعوا إلى موالاة محمد وآله، فأنتم لما شاهدتموهم فقد
وصلتم إلى الغرض والمطلب الافضل إلى موالاة محمد وآله، فأنتم الان فتقربوا إلى الله
عزوجل بالتقرب إليهم ولا تتقربوا من سخطه، ولا تباعدوا من رحمته بالازراء عنا (1).
تفسير الامام ص 123.
[10]
أقول: قد أوردنا الاخبار الكثيرة في ذلك
في باب ذبح البقرة وغيره، من أبواب قصص الانبياء عليهم السلام. 11 - م: قوله عزوجل
" ولما جائهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين
كفروا فلما جائهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين " (1) قال الامام عليه
السلام: ذم الله اليهود فقال " ولما جائهم " يعني هؤلاء اليهود الذين تقدم ذكرهم
وإخوانهم من اليهود " كتاب من عند الله " القرآن " مصدق " ذلك الكتاب " لما معهم "
من التوراة التي بين فيها أن محمدا الامي من ولد إسماعيل المؤيد بخير خلق الله
بعده، علي ولي الله، " وكانوا " يعني هؤلاء اليهود " من قبل " ظهور محمد بالرسالة "
يستفتحون " يسألون الله الفتح والظفر " على الذين كفروا " من أعدائهم والمناوين
لهم، فكان الله يفتح وينصرهم قال الله عزوجل " فلما جائهم " هؤلاء اليهود " ما
عرفوا " من نعت محمد وصفته " كفروا به " وجحدوا نبوته حسدا له وبغيا عليه، قال الله
عزوجل: " فلعنة الله على الكافرين ". قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: إن الله
تعالى أخبر رسوله صلى الله عليه وآله بما كان من إيمان اليهود بمحمد قبل ظهوره، ومن
استفتاحهم على أعدائهم بذكره، والصلاة عليه وعلى آله، قال عليه السلام وكان الله
أمر اليهود في أيام موسى وبعده إذا دهمهم أمر ودهمتهم داهية أن يدعوا الله عزوجل
بمحمد وآله الطيبين وأن يستنصروا بهم وكانوا يفعلون ذلك حتى كانت اليهود من أهل
المدينة قبل ظهور محمد النبي صلى الله عليه وآله بعشر سنين يعادونهم أسد وغطفان
وقوم من المشركين ويقصدون أذاهم يستدفعون شرورهم وبلاءهم بسئوالهم ربهم بمحمد وآله
الطيبين حتى قصدهم في بعض الاوقات أسد وغطفان في ثلاثة آلاف إلى بعض اليهود حوالي
المدينة، فتلقاهم اليهود وهم ثلاثمائة فارس ودعوا الله بمحمد وآله فهزموهم وقطعوهم.
فقال أسد وغطفان بعض لبعض: تعالوا نستعين عليهم بسائر القبائل، فاستعانوا عليهم
(1) البقرة: 89.
[11]
بالقبائل وأكثروا حتى اجتمعوا قدر ثلاثين
ألفا، وقصدوا هؤلاء ثلاثمائة في قريتهم فألجاؤهم إلى بيوتها وقطعوا عنها المياه
الجارية التي كانت تدخل إلى قراهم، ومنعوا عنهم الطعام، واستأمن اليهود إليهم فلم
يؤمنوهم، وقالوا لا إلا أن نقتلكم ونسبيكم وننهبكم. فقالت اليهود بعضها لبعض: كيف
نصنع ؟ فقال لهم أمثلهم وذوا الرأي منهم: أما أمر موسى عليهم السلام أسلافكم ومن
بعدهم بالاستنصار بمحمد وآله ؟ أما أمركم بالابتهال إلى الله عزوجل عند الشدائد بهم
؟ قالوا: بلى، قالوا: فافعلوا، فقالوا: اللهم بجاه محمد وآله الطيبين لما سقيتنا
فقد قطعت عنا الظلمة المياه حتى ضعف شبابنا، وتماوت ولداننا، وأشرفنا على الهلكة،
فبعث الله تعالى وابلا هطلا حتى ملاء حياضهم وآبارهم وأنهارهم وأوعيتهم وظروفهم
فقالوا: هذه إحدى الحسنيين. ثم أشرفوا من سطوحهم والعساكر المحيطة بهم، فإذا المطر
قد أذاهم غاية الاذى وأفسد أمتعتهم وأسلحتهم وأموالهم، فانصرف عنهم لذلك بعضهم،
وذلك أن المطر أتاهم في غير أوانه في حمارة القيظ حين لا يكون مطر، فقال الباقون من
العساكر: هبكم سقيتم فمن أين تأكلون ؟ ولئن انصرف عنا هؤلاء فلسنا ننصرف حتى نقهركم
على أنفسكم وعيالاتكم وأهاليكم وأموالكم، ونشفى غيظنا منكم فقالت اليهود: إن الذي
سقانا بدعائنا بمحمد وآله قادر على أن يطعمنا وإن الذي صرف عنا من صرفه قادر أن
يصرف الباقين. ثم دعوا الله بمحمد وآله أن يطعمهم فجائت قافلة عظيمة من قوافل
الطعام قدر ألفي جمل وبغل وحمار موقرة حنطة ودقيقا، وهم لا يشعرون بالعساكر فانتهوا
إليهم وهم نيام، ولم يشعروا بهم، لان الله تعالى ثقل نومهم حتى دخلوا القرية ولم
يمنعوهم وطرحوا أمتعتهم وباعوها منهم، فانصرفوا وبعدوا وتركوا العساكر نائمة ليس في
أهلها عين تطرف، فلما بعدوا وانتبهوا، ونابذوا اليهود الحرب وجعل يقول بعضهم لبعض
الوحا الوحا، فان هؤلاء اشتد بهم الجوع، وسيذلون لنا قالت لهم اليهود: هيهات بل
أطعمنا ربنا وكنتم نياما: جائنا من الطعام كذا وكذا، ولو أردنا أن نقتلكم في حال
نومكم لتهيأ لنا ولكنا كرهنا البغي عليكم، فانصرفوا عنا وإلا دعونا
[12]
بمحمد وآله واستنصرنا بهم أن يخزيكم كما
قد أطعمنا وسقانا. فأبوا إلا طغيانا فدعوا الله بمحمد وآله واستنصروا بهم ثم برز
الثلاثمائة إلى ثلاثين ألفا فقتلوا منهم، واسروا وطحطحوهم (1) واستوثقوا منهم
باسرائهم فكان لا ينالهم مكروه من جهتهم لخوفهم على من لهم في أيدي اليهود. فلما
ظهر محمد صلى الله عليه وآله حسدوه إذ كان من العرب، فكذبوه. ثم قال رسول الله صلى
الله عليه وآله: هذه نصرة الله تعالى لليهود على المشركين بذكرهم لمحمد وآله عليهم
السلام ألا فاذكروا يا امة محمد محمدا وآله عند نوائبكم وشدائدكم لينصر الله به
ملائكتكم على الشياطين الذين يقصدونكم، فان كل واحد منكم معه ملك عن يمينه يكتب
حسناته وملك عن يساره يكتب سيئاته، ومعه شيطانان من عند إبليس يغويانه فمن يجد منكم
وسواسا في قلبه، وذكر الله وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله
على محمد وآله الطيبين، خنس الشيطانان [ثم صارا] إلى إبليس فشكواه وقالا له: قد
أعيانا أمره فامددنا بالمردة، فلا يزال يمدهما حتى يمدها بألف مارد، فيأتونه فكلما
راموه ذكر الله وصلى على محمد وآله الطيبين لم يجدوا عليه طريقا ولا منفذا. قالوا
لابليس: ليس له غير أنك تباشره بجنودك فتغلبه وتغويه، فيقصده إبليس بجنوده، فيقول
الله تعالى للملائكة: هذا إبليس قد قصد عبدي فلانا أو أمتي فلانة بجنوده، ألا
فقابلوه فيقابلهم بازاء كل شيطان رجيم منهم، مائة ألف ملك، وهم على أفراس من نار
بأيديهم سيوف من نار ورماح من نار، وقسي ونشاشيب (2) وسكاكين وأسلحتهم من نار، فلا
يزالون يخرجونهم ويقتلونهم بها، ويأسرون إبليس فيضعون عليه الاسلحة فيقول: يا رب
وعدك وعدك، قد أجلتني إلى يوم الوقت المعلوم. فيقول الله عزوجل للملائكة: وعدته ألا
اميته ولم أعده أن لا اسلط عليه
(1) أي فرقوهم وبددوهم اهلاكا. (2)
النشاشيب جمع نشاب - وزان كفار - السهام، مأخوذ من النشوب، والسكاكين جمع سكين وهو
معروف.
[13]
السلاح والعذاب والآلام اشتفوا منه ضربا
بأسلحتكم فاني لا اميته، فيثخنونه بالجراحات ثم يدعونه، فلا يزال سخين العين على
نفسه وأولاده المقتولين، ولا يندمل شئ من جراحه إلا بسماعه أصوات المشركين بكفرهم.
فإن بقي هذا المؤمن على طاعة الله ذكره والصلاة على محمد وآله بقي على إبليس تلك
الجراحات، وإن زال العبد عن ذلك وانهمك في مخالفة الله عزوجل ومعاصيه، اندملت
جراحات إبليس ثم قوي على ذلك العبد حتى يلجمه ويسرج على ظهره ويركبه، ثم ينزل عنه
ويقول: ظهره لنا الآن متى أردنا نركبه هذا. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
فان أردتم أن تديموا على إبليس سخنة عينه وألم جراحاته فدوموا على طاعة الله وذكره،
والصلاة على محمد وآله، وإن كنتم على غير ذلك ذلك كنتم اسراء إبليس فيركب أقفيتكم
بعض مردته. وقال أمير المؤمنين عليه السلام: وكان قضاء الحوائج وإجابة الدعاء إذا
سئل الله بمحمد وعلي وآلهما مشهورا في الزمن السالف، حتى أن من طال به البلاء قيل:
هذا طال بلاؤه لنسيانه الدعاء لله بمحمد وآله الطيبين. ولقد كان من عجيب الفرج
بالدعاء بهم فرج ثلاثة نفر كانوا يمشون في صحراء إلى جبل فأخذتهم السماء فألجأتهم
إلى غار كانوا يعرفون، فدخلوه يتوقون به من المطر، وكان فوق الغار صخرة عظيمة تحتها
مدرة هي راكبتها، فابتلت المدرة فتدحرجت الصخرة، فصارت في باب الغار فسدت وأظلمت
عليهم المكان، وقال بعضهم لبعض: قد عفا الاثر، ودرس الخبر، ولا يعلم بنا أهلونا،
ولو علموا ما أغنوا عنا شيئا لانه لا طاقة للآدميين بقلب هذه الصخرة عن هذا الموضع،
هذا والله قبرنا الذي فيه نموت ومنه نحشر. ثم قال بعضهم لبعض: أو ليس موسى بن عمران
ومن بعده من الانبياء عليهم السلام أمروا أنه إذا دهمتنا داهية أن ندعوا الله محمد
وآله الطيبين ؟ قالوا: بلى، قالوا: فلا نعرف داهية أعظم من هذه، فقالوا: ندعوا الله
بمحمد وآله الطيبين ويذكر كل واحد منا حسنة من حسناته التي أراد الله بها فلعل الله
أن يفرج عنا.
[14]
فقال أحدهم: اللهم إن كنت تعلم أني كنت
رجلا كثير المال، حسن الحال أبني القصور، والمساكن والدور، وكان لي اجراء وكان فيهم
رجل يعمل عمل رجلين، فلما كان عند المساء عرضت عليه اجره واحدة، فيمتنع، وقال: إنما
عملت عمل رجلين، فأنا أبغي اجرة رجلين فقلت له: إنما شرطت عليك عمل رجل والثاني
فأنت به متطوع لا اجرة لك، فذهب وسخط ذلك، وتركه علي، فاشتريت بتلك الاجرة حنطة
فبذرتها، فزكت ونمت، ثم أعدت بعد ما ارتفع من الارض فعظم زكاؤها ونماؤها ثم أعدت
بعد مرتفع من الثاني في الارض فعظم الزكاء والنماء ثم ما زالت هكذا حتى عقدت به
الضياع والقصور والقرى والدور والمنازل والمساكن، وقطعان الابل والغنم وصوار (1)
العنز والدواب والاثاث والامتعة والعبيد والاماء والفراش والآلات والنعم الجليلة،
والدراهم والدنانير الكثيرة. فلما كان بعد سنين مر بي الاجير، وقد ساءت حاله،
وتضعضعت واستولى عليه الفقر، وضعف بصره، فقال لي: يا عبد الله أما تعرفني ؟ أنا
أجيرك الذي سخطت اجرة واحدة ذلك اليوم، وتركتها لغنائي ع