الى اجزاء البحار الى المكتبة الهاشمية الى الصفحة الرئيسية

بحار الانوار الجزء 90

العلامة المجلسي


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر اخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء التسعون مؤسسة الوفاء بيروت لبنان الطبعة الثانية المصححة 1403 ه‍ - 1983 م


 

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم 128 * (باب) * (ما ورد عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه في أصناف) * * (آيات القرآن وأنواعها، وتفسير بعض آياتها) * * (برواية النعماني وهى رسالة مفردة مدونة كثيرة الفوائد) * * (نذكرها من فاتحتها الى خاتمتها) * بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله العدل ذي العظمة والجبروت، والعز والملكوت، الحي الذي لا يموت: ومبدئ الخلق ومعيده ومنشئ كل شئ ومبيده، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد واحد لا كالاحاد، الخالي من الانداد، لا إله إلا هو راحم العباد، وصلى الله على نوره الساطع وضيائه اللامع، محمد نبيه وصفيه وعروته الوثقى ومثله الاعلى المفضل على جميع الورى، وعلى أخيه ووصيه ووارث علمه وآيته العظمى، وعلى آله الائمة المصطفين، وعترته المنتجبين المفضلين على جميع العالمين، مصابيح الدجى، وأعلام الهدى، وسفن النجاة الذين قرنهم الله بنفسه ونبيه، حيث يقول جل ثناؤه: " أطيعو الله وأطيعوا الرسول


 

[2]

واولي الامر منكم " (1) فدل سبحانه وأرشد إليهم فقال النبي صلى الله عليه وآله " إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: الثقلين كتاب الله وعترتي، فان ربي اللطيف الخبير أنبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في خطبة له: ألا إن العلم الذي هبط به آدم من السماء إلى الارض، وجميع ما فضلت بن النبيون في عترة خاتم النبيين. واعلم يا أخي وفقك الله بما يرضيه بفضله وجنبك ما يسخطه برحمته أن القرآن جليل خطره عظيم قدره ولما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وآله: أن القرآن مع أهلبيته، وهم التراجمة عنه المفسرون له وجب أخذ ذلك عنهم ومنهم، قال الله تعالى " فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " (2) ففرض جلت عظمته على الناس العلم والعمل بما في القرآن فلا يسعهم مع ذلك جهله، ولا يعذرون في تركه وجميع ما أنزله في كتابه عند أهل بيت نبيه الذين ألزم العباد طاعتهم، وفرض سؤالهم، والاخذ عنهم، حيث يقول: " فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " فالذكر ههنا رسول الله صلى الله عليه وآله قال الله تعالى: " قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلوا عليهم آياته " (3) الآية، وأهل الذكر هم أهل بيته، ولما اختلف الناس في ذلك أنزل الله تعالى " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا " (4) فلم يفرض على عباده طاعة غير من اصطفاه وطهره دون من وقع منه الشك أو الظلم ويتوقع فالويل لمن خالف الله تعالى ورسوله وأسند أمره إلى غير المصطفين قال الله تعالى " ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا " (5) فالسبيل ههنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه " يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جائني " والذكر ههنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه " وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا " (6) فالقرآن ههنا إشارة إلى أمير المؤمنين صلوات الله ثم وصف

 

(1) النساء 59. (2) النحل: 43 الانبياء: 7. (3) الطلاق: 10. (4) فاطر: 32. (5 و 6) الفرقان: 27 - 30.

 

[3]

الائمة عليهم السلام فقال تعالى: " التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله " (1) ألا ترى أنه لا يصلح أن يأمر بالمعروف إلا من قد عرف المعروف كله حتى لا يخطأ فيه، ولا يزل لا ينسى، ولا يشك، ولا ينهى عن المنكر إلا من عرف المنكر كله وأهله، ولا يجوز لاحد أن يقتدي ويأتم إلا بمن هذه صفته، وهم الراسخون في العلم، الذين قرنهم الله بالقرآن، وقرن القرآن بهم، قال أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن جعفر النعماني رضي الله عنه في كتابه في تفسير القرآن: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة قال: حدثنا أحمد بن يوسف بن يعقوب الجعفي عن إسماعيل بن مهران، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه عن إسماعيل بن جابر قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام يقول: إن الله تبارك وتعالى بعث محمدا فختم به الانبياء فلا نبي بعده، وأنزل عليه كتابا فختم به الكتب، فلا كتاب بعده، أحل فيه حلالا، وحرم حراما، فحلاله حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة، فيه شرعكم، وخبر من قبلكم، وبعدكم. وجعله النبي صلى الله عليه وآله علما باقيا في أوصيائه، فتركهم الناس، وهم الشهداء على أهل كل زمان، وعدلوا عنهم، ثم قتلوهم واتبعوا غيرهم، وأخلصوا لهم الطاعة، حتى عاندوا من أظهر ولاية ولاة الامر، وطلب علومهم، قال الله سبحانه: " فنسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم " (2) وذلك أنهم ضربوا بعض القرآن ببعض، واحتجوا بالمنسوخ، وهم يظنون أنه الناسخ واحتجوا بالمتشابه وهم يرون أنه المحكم، واحتجوا بالخاص وهم يقدرون أنه العام، واحتجوا بأول الآية، وتركوا السبب في تأويلها، ولم ينظروا إلى ما يفتح الكلام وإلى ما يختمه، ولم يعرفوا موارده ومصادر، إذ لم يأخذوه

 

(1) براءة: 112. (2) المائدة: 13.

 

[4]

عن أهله، فضلوا وأضلوا، واعلموا رحمكم الله أنه من لم يعرف من كتاب الله عزوجل الناسخ من المنسوخ والخاص من العام والمحكم من المتشابه والرخص من العزائم والمكي والمدني، وأسباب التنزيل، والمبهم من القرآن في ألفاظه المنقطعة والمؤلفة، وما فيه من علم القضاء والقدر، والتقديم والتأخير، والمبين والعميق، والظاهر والباطن والابتداء والانتهاء، والسؤال والجواب، والقطع والوصل، والمستثنى منه والجاري فيه، والصفة لما قبل مما يدل على ما بعد، والمؤكد منه، والمفصل وعزائمه ورخصه، ومواضع فرائضه وأحكامه، ومعنى حلاله وحرامه الذي هلك فيه الملحدون، والموصول من الالفاظ والمحمول على ما قبله، وعلى ما بعده، فليس بعالم بالقرآن، ولا هو من أهله، ومتى ما ادعى معرفة هذه الاقسام مدع بغير دليل، فهو كاذب مرتاب، مفتر على الله الكذب ورسوله، ومأويه جهنم وبئس المصير. ولقد سأل أمير المؤمنين صلوات الله عليه شيعته عن مثل هذا، فقال: إن الله تبارك وتعالى أنزل القرآن على سبعة أقسام كل منها شاف كاف، وهي أمر، وزجر وترغيب، وترهيب، وجدل، ومثل، وقصص. وفي القرآن ناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه، وخاص وعام، ومقدم ومؤخر، وعزائم ورخص، وحلال وحرام، وفرائض وأحكام، ومنقطع ومعطوف ومنقطع غير معطوف وحرف مكان حرف. ومنه ما لفظه خاص، ومنه ما لفظه عام محتمل العموم، ومنه ما لفظه واحد ومعناه جمع، ومنه ما لفظه جمع ومعناه واحد، ومنه ما لفظه ماض ومعناه مستقبل، ومنه ما لفظه على الخبر ومعناه حكاية عن قوم آخر، ومنه ما هو باق محرف عن جهته، ومنه ما هو على خلاف تنزيله، ومنه ما تأويله في تنزيله، ومنه ما تأويله قبل تنزيله، ومنه ما تأويله بعد تنزيله. ومنه آيات بعضها في سورة وتمامها في سورة اخرى، ومنه آيات نصفها منسوخ


 

[5]

ونصفها متروك على حاله، ومنه آيات مختلفة اللفظ متفقة المعنى، ومنه آيات متفقة اللفظ مختلفة المعنى، ومنه آيات فيها رخصة وإطلاق بعد العزيمة، لان الله عزوجل يحب أن يؤخذ برخصه كما يؤخذ بعزائمه. ومنه رخصة صاحبها فيها بالخيار، إن شاء أخذ، وإن شاء تركها، ومنه رخصة ظاهرها خلاف باطنها يعمل بظاهرها عند التقية ولا يعمل بباطنها مع التقية ومنه مخاطبة لقوم والمعنى لآخرين، ومنه مخاطبة للنبي صلى الله عليه واله ومعناه واقع على امته ومنه لا يعرف تحريمه إلا بتحليله ومنه ما تأليفه وتنزيله على غير معنى ما انزل فيه. ومنه رد من الله تعالى واحتجاج على جميع الملحدين والزنادقة والدهرية والثنوية والقدرية والمجبرة وعبدة الاوثان وعبدة النيران، ومنه احتجاج على النصارى في المسيح عليه السلام، ومنه الرد على اليهود، ومنه الرد على من زعم أن الايمان لا يزيد ولا ينقص، وأن الكفر كذلك، ومنه رد على من زعم أن ليس بعد الموت وقبل القيامة ثواب وعقاب. ومنه رد على من أنكر فضل النبي صلى الله عليه وآله على جميع الخلق، ومنه رد على من أنكر الاسراء به ليلة المعراج، ومنه رد على من أثبت الرؤية، ومنه صفات الحق وأبواب معاني الايمان ووجوبه ووجوهه، ومنه رد على من أنكر الايمان والكفر والشرك والظلم والضلال، ومنه رد على من وصف الله تعالى وحده، ومنه رد على من أنكر الرجعة ولم يعرف تأويلها، ومنه رد على من زعم أن الله عز وجل لا يعلم الشئ حتى يكون، ومنه رد على من لم يعلم الفرق بين المشية والارادة والقدرة في مواضع، ومنه معرفة ما خاطب الله عزوجل به الائمة والمؤمنين. ومنه أخبار خروج القائم منا عجل الله فرجه، ومنه ما بين الله تعالى فيه شرائع الاسلام، وفرائض الاحكام، والسبب في معني بقاء الخلق ومعايشهم ووجوه ذلك ومنه أخبار الانبياء وشرائعهم وهلاك أممهم، ومنه ما بين الله تعالى في مغازي النبي صلى الله عليه وآله وحروبه، وفضائل أوصيائي، وما يتعلق بذلك


 

[6]

ويتصل به. فكانت الشيعة إذا تفرغت من تكاليفها تسأله عن قسم قسم فيخبرها، فمما سألوه عن الناسخ والمنسوخ، فقال صلوات الله عليه: إن الله تبارك وتعالى بعث رسوله صلى الله عليه وآله بالرأفة والرحمة، فكان من رأفته ورحمته أنه لم ينقل قومه في أول نبوته عن عادتهم، حتى استحكم الاسلام في قلوبهم، وحلت الشريعة في صدورهم، فكانت من شريعتهم في الجاهلية أن المرأة إذا زنت حبست في بيت واقيم بأودها حتى يأتي الموت، وإذا زنى الرجل نفوه عن مجالسهم وشتموه وآذوه وعيروه ولم يكونوا يعرفون غير هذا. قال الله تعالى في أول الاسلام: " واللاتي يأتين الفاحشة من نساءكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فان شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفيهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا * واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فان تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما فان الله كان توابا رحيما " (1). فلما كثر المسلمون وقوي الاسلام، واستوحشوا امور الجاهلية، أنزل الله تعالى: " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " (2) إلى آخر الآية فنسخت هذه الآية آية الحبس والاذى. ومن ذلك أن العدة كانت في الجاهلية على المرأة سنة كاملة وكان إذا مات الرجل ألقت المرأة خلف ظهرها شيئا - بعرة وما جرى مجريها - ثم قالت: البعل أهون علي من هذه، فلا أكتحل ولا أمتشط ولا أتطيب ولا أتزوج سنة، فكانوا لا يخرجونها من بيتها بل يجرون عليها من تركة زوجها سنة، فأنزل الله تعالى في أول الاسلام " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لازواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج " (3) فلما قوي الاسلام، أنزل الله تعالى " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا

 

(1) النساء: 15 - 16. (2) النور: 2. (3) البقرة: 240. (*)

 

[7]

جناح عليهن " (1) إلى آخر الآية. قال عليه السلام: ومن ذلك أن الله تبارك وتعالى لما بعث محمدا صلى الله عليه وآله أمره في بدو أمره أن يدعو بالدعوة فقط، وأنزل عليه " يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا * وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا * ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذيهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا " (2) فبعثه الله تعالى بالدعوة فقط، وأمره أن لا يؤذيهم. فلما أرادوه بما هموا به من تبييته أمره الله تعالى بالهجرة وفرض عليه القتال فقال سبحانه: " اذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير " (3) فلما امر الناس بالحرب، جزعوا وخافوا فأنزل الله تعالى " ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب - إلى قوله سبحانه - أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة " (4) فنسخت آية القتال آية الكف، فلما كان يوم بدر وعرف الله تعالى حرج المسلمين، أنزل على نبيه " وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله " (5) فلما قوي الاسلام، وكثر المسلمون أنزل الله تعالى و " لا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الاعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم " (6) فنسخت هذه الآية التي أذن لهم فيها أن يجنحوا، ثم أنزل سبحانه في آخر السورة (7) " واقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم " (8) إلى آخر الآية. ومن ذلك أن الله تعالى فرض القتال على الامة فجعل على الرجل الواحد

 

(1) البقرة: 234. (2) الاحزاب: 45 - 48. (3) الحج: 39. (4) النساء: 77. (5) الانفال: 61 (6) القتال: 35. (7) سورة اخرى ظ. (8) براءة: 5.

 

[8]

أن يقاتل عشرة من المشركين، فقال: " إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين " (1) إلى آخر الآية، ثم نسخها سبحانه فقال: " الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فان يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين (2) " إلى آخر الآية فنسخ بهذه الآية ما قبلها، فصار من فر من المؤمنين في الحرب إن كانت عدة المشركين أكثر من رجلين لرجل لم يكن فارا من الزحف، وإن كان العدة رجلين لرجل فارا من الزحف. وقال عليه السلام: ومن ذلك نوع آخر، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما هاجر إلى المدينة آخى بين أصحابه من المهاجرين والانصار وجعل المواريث على الاخوة في الدين لا في ميراث الارحام، وذلك قوله تعالى: " إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا اولئك بعضهم أولياء بعض - إلى قوله سبحانه - والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا " (3) فأخرج الاقارب من الميراث، وأثبته لاهل الهجرة، وأهل الدين خاصة، ثم عطف بالقول فقال تعالى: " والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير " (4) فكان من مات من المسلمين يصير ميراثه وتركته لاخيه في الدين دون القرابة والرحم الوشيجة، فلما قوي الاسلام أنزل الله " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه امهاتهم واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا " (5) فهذا المعنى نسخ آية الميراث. ومنه وجه آخر وهو أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما بعث كانت الصلاة إلى قبلة بيت المقدس سنة بني إسرائيل، وقد أخبرنا الله بما قصه في ذكر موسى عليه السلام أن يجعل بيته قبلة وهو قوله: " وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة " (6) وكان رسول الله صلى الله عليه وآله في أول مبعثه يصلي

 

(1 - 2) الانفال: 65 - 66. (3 - 4) الانفال: 72 - 73. (5) الاحزاب: 6. (6) يونس: 87.

 

[9]

إلى بيت المقدس جميع أيام مقامه بمكة، وبعد هجرته إلى المدينة بأشهر فعيرته اليهود وقالوا: أنت تابع لقبلتنا، فأحزن رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك منه فأنزل الله تعالى عليه وهو يقلب وجهه في السماء وينتظر الامر " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضيها فول وجهك شطر المسجد الحرام، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة " (1) يعني اليهود في هذا الموضع. ثم أخبرنا الله عزوجل ما العلة التي من أجلها لم يحول قبلته من أول مبعثه، فقال تبارك وتعالى: " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤف رحيم " (2) فسمى سبحانه الصلاة ههنا إيمانا، وهذا دليل واضح على أن كلام الباري سبحانه لا يشبه كلام الخلق كما لا يشبه أفعاله أفعالهم، ولهذه العلة وأشباهها لا يبلغ أحد كنه معنى حقيقة تفسير كتاب الله تعالى وتأويله إلا نبيه صلى الله عليه وآله وأوصياؤه. ومن ذلكماكان مثبتا في التوراة من الفرائض في القصاص، وهو قوله: " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين " (3) إلى آخر الآية فكان الذكر والانثى والحر والعبد شرعا سواء فنسخ الله تعالى ما في التوراة بقوله: " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى " (4) فنسخت هذه الآية " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ". ومن ذلكأيضا آصار غليظة كانت على بني إسرائيل في الفرائض، فوضع الله تعالى تلك الاصار عنهم، وعن هذه الامة، فقال سبحانه " ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم " (5).

 

(1) البقرة: 144 (2) البقرة: 143. (3) المائدة: 45. (4) البقرة: 178. (5) الاعراف: 157.في الاصل بياض ليكتب بالحمرة ولم يكتب بعد وفى الكمبانى " ومن الناسخ " وما اخترناه هو الظاهر.

 

[10]

ومنه أنه تعالى لما فرض الصيام فرض أن لا ينكح الرجل أهله في شهر - رمضان بالليل ولا بالنهار على معنى صوم بني إسرائيل في التوراة، فكان ذلك محرما على هذه الامة، وكان الرجل إذا نام في أول الليل قبل أن يفطر فقد حرم عليه الاكل بعد النوم أفطر أو لم يفطر. وكان رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يعرف بمطعم بن جبير شيخا، فكان في الوقت الذي حضر فيه الخندق حفر في جملة المسلمين، وكان ذلك في شهر - رمضان، فلما فرغ من الحفر وراح إلى أهله، صلى المغرب وأبطأت عليه زوجته بالطعام، فغلب عليه النوم فلما أحضرت إليه الطعام أنبهته فقال لها: استعمليه أنت فاني قد نمت وحرم علي، وطوى إليه وأصبح صائما، فغدا إلى الخندق وجعل يحفر مع الناس فغشي عليه فسأله رسول الله صلى الله عليه وآله عن حاله فأخبره وكان من المسلمين شبان ينكحون نساءهم بالليل سرا لقلة صبرهم، فسأل النبي الله سبحانه في ذلك فأنزل الله عليه " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل " (1) فنسخت هذه الآية ما تقدمها. ونسخ قوله تعالى: " وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون " (2) قوله عزوجل: " ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم " (3) أي للرحمة خلقهم. ونسخ قوله تعالى: " وإذا حضر القسمة اولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا " (4) قوله سبحانه " يوصيكم

 

(1) البقرة: 187. (2) الذاريات: 56. (3) هود: 118. (4) النساء: 8.

 

[11]

الله في أولادكم للذكر مثل خط الانثيين " (1) إلى آخر الآية. ونسخقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون " (2) نسخها قوله تعالى: " فاتقوا الله ما استطعتم " (3). ونسخ قوله تعالى " ومن ثمرات النخيل والاعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا " (4) آية التحريم وهو قوله جل ثناؤه: " قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق " (5) والاثم ههنا هو الخمر. ونسخ قوله تعالى: " وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا " (6). قوله: " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى اولئك عنها مبعدون * لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون * لا يحزنهم الفزع الاكبر " (7). ونسخ قوله سبحانه: " وقولوا للناس حسنا " (8) يعني اليهود حين هادنهم رسول الله صلى الله عليه وآله فلما رجع من غزاة تبوك أنزل الله تعالى " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " (9) فنسخت هذه الآية تلك الهدنة. وسئل صلوات الله عليه عن أول ما أنزل الله عزوجل من القرآن، فقال عليه السلام: أول ما أنزل الله عزوجل من القرآن بمكة سورة " اقرأ باسم ربك الذي خلق " وأول ما أنزل بالمدينة سورة البقرة، ثم سألوه صلوات الله عليه عن تفسير المحكم من كتاب الله عزوجل فقال: أما المحكم الذي لم ينسخه شئ من القرآن فهو قول الله عزوجل: " هو الذي

 

(1) النساء: 11.في الاصل بياض وفى الكمبانى " ومن المنسوخ ". (2) آل عمران: 102. (3) التغابن: 16. (4) النحل: 67. (5) الاعراف: 33. (6) مريم: 71. (7) الانبياء: 101 - 103. (8) البقرة: 83. (9) براءة: 29.

 

[12]

أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات " (1). وإنما هلك الناس في المتشابه لانهم لم يقفوا على معناه، ولم يعرفوا حقيقته فوضعوا له تأويلات من عند أنفسهم بآرائهم واستغنوا بذلك عن مسألة الاوصياء ونبذوا قول رسول الله صلى الله عليه وآله وراء ظهورهم، والمحكم مما ذكرته في الاقسام مما تأويله في تنزيله من تحليل ما أحل الله سبحانه في كتابه، وتحريم ما حرم الله من المآكل والمشارب والمناكح. ومنه ما فرض الله عزوجل من الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد ومما دلهم به مما لا غنا بهم عنه في جميع تصرفاتهم مثل قول تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين " (2) الآية وهذا من المحكم الذي تأويله في تنزيله لا يحتاج في تأويله إلى أكثر من التنزيل ومنه قوله عزوجل: " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به " (3) فتأويله في تنزيله. ومنه قوله تعالى: " حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم " (4) إلى آخر الآية فهذا كله محكم لم ينسخه شئ قد استغني بتنزيله من تأويله، وكل ما يجري هذا المجرى. ثم سألوه عليه السلام عن المتشابه من القرآن فقال: وأما المتشابه من القرآن فهو الذي انحرف منه منتفق اللفظ مختلف المعنى، مثل قوله عزوجل: " يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء " (5) فنسب الضلالة إلى نفسه في هذا الموضع، وهذا ضلالهم عن طريق الجنة بفعلهم، ونسبه إلى الكفار في موضع آخر ونسبه إلى الاصنام في آية اخرى.

 

(1) آل عمران: 7، وانما وجب أن تكون هذه الاية محكمة، لانها تتضمن بحث المحكم والمتشابه، فلو كان نفسها من المتشابهات لم يثبت تقسيم القرآن الى المحكم ومتشابه. (2) المائدة: 6. (3) المائدة: 3. (4) النساء: 23. (5) المدثر: 31.

 

[13]

فمعنى الضلالة على وجوه فمنه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، ومنه ما ليس بمحمود ولا مذموم، ومنه ضلال النسيان، فالضلال المحمود هو المنسوب إلى الله تعالى وقد بيناه، والمذموم هو قوله تعالى: " وأضلهم السامري " (1) وقوله: " وأضل فرعون قومه وما هدى " (2) ومثل ذلك في القرآن كثير، وأما الضلال المنسوب إلى الاصنام فقوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام: " واجنبني وبني أن نعبد الاصنام * رب إنهن أضللن كثيرا من الناس " (3) الآية، والاصنام لم تضلن أحدا على الحقيقة وإنما ضل الناس بها وكفروا حين عبدوها من دون الله عزوجل. وأما الضلال الذي هو النسيان، فهو قوله تعالى: " واستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحديهما فتذكر إحديهما الاخرى " (4). وقد ذكر الله تعالى الضلال في مواضع من كتابه فمنه ما نسبه إلى نبيه على ظاهر اللفظ كقوله سبحانه " ووجدك ضالا فهدى " (5) معناه وجدناك في قوم لا يعرفون نبوتك فهديناهم بك. وأما الضلال المنسوب إلى الله تعالى الذي هو ضد الهدى، والهدى هو البيان، وهو معنى قوله سبحانه " أو لهم يهد لهم " (6) معناه أي ألم ابين لهم مثل قوله سبحانه " فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى " (7) أي بينا لهم. وجه آخر وهو قوله تعالى: " وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هديهم حتى يبين لهم ما يتقون " (8) وأما معنى الهدى فقوله عزوجل: " إنما أنت منذر ولكل قوم هاد " (9) ومعنى الهادي ههنا المبين لما جاء به المنذر من عند الله

 

(1) طه: 85. (2) طه: 79. (3) ابراهيم: 36. (4) البقرة: 282. (5) الضحى: 7. (6) السجدة: 26. (7) فصلت: 17. (8) براءة: 115. (9) الرعد: 7.

 

[14]

وقد احتج قوم من المنافقين على الله تعالى أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ؟ وذلك أن الله تعالى لما أنزل على نبيه صلى الله عليه وآله " ولكل قوم هاد " فقال طائفة من المنافقين: ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ؟ فأجابهم الله تعالى بقوله: " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين - إلى قوله: - اولئك هم الخاسرون " (1). فهذا معنى الضلال المنسوب إليه تعالى، لانه أقام لهم الامام الهادي لما جاء به المنذر، فخالفوه وصرفوا عنه، بعد أن أقروا بفرض طاعته، ولما بين لهم ما يأخذون وما يذرون، فخالفوه، ضلوا، هذا مع علمهم بما قاله النبي صلى الله عليه وآله، وهو قوله: لا تصلوا علي صلاة مبتورة إذا صليتم علي بل صلوا على أهل بيتي ولا تقطعوهم مني، فان كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي، ولما خالفوا الله تعالى ضلوا وأضلوا، فحذر الله تعالى الامة من اتباعهم. وقال سبحانه: " ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل " (2) والسبيل ههنا الوصي وقال سبحانه: " ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصيكم به " (3) الآية فخالفوا ما وصاهم به الله تعالى واتبعوا أهواءهم فحرفوا دين الله جلت عظمته وشرايعه، وبدلوا فرائضه وأحكامه وجميع ما أمروا به، كما عدلوا عمن امروا بطاعته، وأخذ عليهم العهد بموالاتهم واضطرهم ذلك إلى استعمال الرأي والقياس فزادهم ذلك حيرة والتباسا. وأما قوله سبحانه: " وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء " (4) فكان تركهم اتباع الدليل الذي أقام

 

(1) البقرة: 26 - 27. (2) المائدة: 77. (3) الانعام: 153. (4) المدثر: 31.

 

[15]

الله لهم ضلالة لهم، فصار ذلك كأنه منسوب إليه تعالى، لما خالفوا أمره في اتباع الامام، ثم افترقوا واختلفوا، ولعن بعضهم بعضا، واستحل بعضهم دماء بعض، فماذا بعد الحق إلا الضلال، فأنى يؤفكون. ولما أردت قتل الخوارج بعد أن أرسلت إليهم ابن عباس لاقامة الحجة عليهم قلت: يا معشر الخوارج أنشدكم الله ألستم تعلمون أن في القرآن ناسخا ومنسوخا ومحكما ومتشابها، وخاصا وعاما ؟ قالوا: اللهم نعم فقلت: اللهم اشهد عليهم ثم قلت: أنشدكم الله هل تعلمون ناسخ القرآن ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه