الى اجزاء البحار الى المكتبة الهاشمية الى الصفحة الرئيسية

بحار الانوار الجزء 88

العلامة المجلسي


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء الثامن والثمانون مؤسسة الوفاء بيروت لبنان


 

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم 2. (باب) (أدعية عيد الفطر وزوايد آداب) (صلاته وخطبها) 1 الاقبال (1): روى محمد بن أبي قرة في كتابه باسناده إلى أبي عمرو محمد ابن محمد بن نصر السكرى رضى الله عنه قال: سألت أبا بكر أحمد بن محمد بن عثمان البغدادي رحمه الله أن يخرج إلى دعاء شهر رمضان الذي كان عمه الشيخ أبو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري رضي الله عنه وأرضاه يدعو به، فأخرج إلى دفترا مجلدا بأحمر فيه أدعية شهر رمضان من جملتها: الدعاء بعد صلاة الفجر يوم الفطر: اللهم إني توجهت إليك بمحمد أمامي وعلى وجعفر من خلفي وعن يميني وأئمتي (2) عن يساري أستتربهم من عذابك، وأتقرب إليك زلفى لا أجد أحدا أقرب إليك منهم، فهم أئمتي فآمن بهم خوفي من عقابك وسخطك وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين، أصبحت بالله مؤمنا مخلصا على دين محمد وسنته وعلى دين علي و

 

(1) الاقبال: 275. (2) وأئمتى عن يمينى وعن شمالى خ ل.

 

[2]

سنته، وعلى دين الاوصياء وسنتهم آمنت بسرهم وعلانيتهم، وأرغب إلى الله فيما رغب فيه محمد وعلي والاوصياء ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا عزة ولا منعة ولا سلطان إلا الله الواحد القهار العزيز الجبار توكلت على الله، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، إن الله بالغ أمره. اللهم إني اريدك فأردني، وأطلب ما عندك فيسره لي، واقض لى حوائجي فانك قلت في كتابك وقولك الحق " شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان " فعظمت حرمة شهر رمضان بما أنزلت فيه من القرآن وخصصته وعظمته بتصييرك فيه ليلة القدر، فقلت: " ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها باذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر ". اللهم وهذه أيام شهر رمضان قد انقضت، ولياليه قد تصرمت، وقد صرت منه يا إلهى إلى ما أنت أعلم به منى، وأحصى لعدده من عددي، فأسئلك يا إلهى بما سألك به عبادك الصالحون أن تصلي على محمد وآل محمد، وأهل بيت محمد، وأنت تتقبل مني ما تقربت به إليك، وتتفضل علي بتضعيف عملي وقبول تقربي وقرباتى و استجابة دعائي، وهب لي منك عتق رقبتي من النار، ومن على بالفوز بالجنة والامن يوم الخوف من كل فزع، ومن كل هول أعددته ليوم القيامة. أعوذ بحرمة وجهك الكريم، وحرمة نبيك، وحرمة الصالحين، أن ينصرم هذا اليوم ولك قبلي تبعة تريد أن تؤاخذني بها، أو ذنب تريد أن تقايسني به وتشقيني وتفضحني به أو خطيئة تريد أن تقايسني بها وتقتصها مني لم تغفرها لى، وأسئلك برحمة وجهك الكريم، الفعال لما يريد، الذي يقول للشئ كن فيكون، لا إله الا هو. اللهم إني أسئلك بلا إله إلا أنت إن كنت رضيت عني في هذا الشهر أن تزيدني فيما بقى من عمري رضا وإن كنت لم ترض عني في هذا الشهر فمن الآن


 

[3]

فارض عني الساعة الساعة الساعة، واجعلني في هذه الساعة وفي هذا المجلس من عتقائك من النار، وطلقائك من جهنم، وسعداء خلقك بمغفرتك ورحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إني أسئلك بحرمة وجهك الكريم أن تجعل شهري هذا خير شهر رمضان عبدتك فيه وصمته لك وتقربت به إليك، منذ أسكنتني الارض أعظمه أجرا وأتمه نعمة وأعمه عافية وأوسعه رزقا وأفضله عتقا من النار، وأوجبه رحمة وأعظمه مغفرة وأكمله رضوانا وأقربه إلى ما تحب وترضى اللهم لا تجعله آخر شهر رمضان صمته لك، وارزقني العود ثم العود، حتى ترضى وبعد الرضا، وحتى تخرجني من الدنيا سالما وأنت عني راض، وأنا لك مرضي. اللهم اجعل فيما تقضي وتقدر من الامر المحتوم الذي لا يرد ولا يبدل أن تكتبني من حجاك بيتك الحرام، في هذا العام وفي كل عام، المبرور حجهم، المشكور سعيهم، المغفور ذنوبهم، المتقبل عنهم مناسكهم، المعافين على أسفارهم، المقبلين على نسكهم، المحفوظين في أنفسهم، وأموالهم وذراريهم وكل ما أنعمت به عليهم. اللهم اقلبني من مجلسي هذا في شهرى هذا في يومي هذا في ساعتي هذه مفلحا منجحا مستجابا لي مغفورا ذنبي معافا من النار، ومعتقا منها عتقا لا رق بعده أبدا ولا رهبة يا رب الارباب. اللهم إني أسئلك أن تجعل فيما شئت وأردت وقضيت وقدرت وحتمت و أنفذت أن تطيل عمري، وتنسئ في أجلي وأن تقوى ضعفي، وأن تغنى فقري، وأن تجبر فاقتي، وأن ترحم مسكنتي، وأن تعز ذلي، وأن ترفع ضعتي، وأن تغنى عائلتي، وأن تونس وحشتي، وأن تكثر قلتى، وأن تدر رزقي في عافية ويسر و خفض، وأن تكفيني ما أهمني من أمر دنياى وآخرتي، ولا تكلني إلى نفسي فأعجز عنها، ولا إلى الناس فيرفضوني، وأن تعافيني في دينى وبدني وجسدي و


 

[4]

روحي وولدي وأهلي وأهل مودتي وإخواني وجيراني من المؤمنين والمؤمنات و المسلمين والمسلمات، الاحياء منهم والاموات، وأن تمن على بالامن والايمان ما أبقيتني، فانك وليي ومولاي وثقتي ورجائي ومعدن مسئلتي وموضع شكواى و منتهى رغبتي فلا تخيبني في رجائي يا سيدي ومولاي ولا تبطل طمعي ورجائي فقد توجهت إليك بمحمد وآل محمد وقدمتهم إليك أمامي وأمام حاجتى وطلبتي وتضرعي ومسئلتي، فاجعلني بهم وجيها في الدنيا والاخرة ومن المقربين فانك مننت علي بمعرفتهم فاختم لي بهم السعادة إنك على كل شئ قدير. زيادة فيه (1): مننت علي بهم فاختم لي بالسعادة والسلامة والامن والايمان والمغفرة و الرضوان والسعادة والحفظ، يا الله أنت لكل حاجة لنا فصل على محمد وآله، و عافنا ولا تسلط علينا أحدا من خلقك لا طاقة لنا به واكفنا كل أمر من أمر الدنيا والاخرة يا ذا الجلال والاكرام، صل على محمد وآل محمد كأفضل ما صليت وباركت وترحمت وتحننت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد (2). بيان: " زلفى " مصدر بمعنى القرب مفعول مطلق من غير لفظ الفعل " فهو حسبه " أي كافيه " بالغ أمره أي يبلغ ما يريد فلا يفوته مراد، وقرئ بالاضافة و بغيرها " اللهم إني اريدك " بالعبادة والسؤال " فأردني " بالقبول والثواب و الاجابة " أن تقايسني به " أي تجزيني بمقداره، وأصل القياس بقدير الشئ على مثاله " وتشقيني " على بناء الافعال أي تجعلني محروما عن الخير والثواب بسببه، والشقاوة ضد السعادة. وقال الجوهري أقتص الامير فلانا من فلان إذا اقتص له منه، فجرحه مثل

 

(1) يعنى زيادة تتعلق بقوله: " فاجعلني بهم وجيها في الدنيا والاخرة ومن المقربين فانك مننت على بهم فاختم لى بالسعادة الخ. (2) الاقبال ص 278.

 

[5]

جرحه، أو قتله قودا، وتقاص القوم إذا قاص كل واحد منهم صاحبه في حساب أو غيره انتهى. " بحرمة وجهك " أي ذاتك " وابتله " أي أقطعه، والبتل القطع، وصدقة بتلة: أي منقطعة عن المال لا رجوع فيها " وأن تقوى ضعفي " الاسناد فيه وفيما بعده مجازي، والمعنى تقويني في حال ضعفي. " وأن تغنى عائلتي " لم أر فيما عندنا من كتب اللغة العائلة مصدرا كما يقتضيه سياق سائر الفقرات قال الفيروز آبادي عال يعيل عيلا وعيلة وعيولا ومعيلا افتقر فهو عائل، والجمع عالة وعيل وعيلى والاسم العيلة انتهى ولعله كان في الاصل عيلتي، أو المعنى تغنى الجماعة العائلة المنسوبة إلى من أقاربي وأصحابي، وهذه الفقرة ليست في المصباح وغيره. " وأن تكثر قلتي " أي قلة مالي وأولادي وأصحابي وأعواني، والخفض الدعة والراحة، والرفض الترك. أقول: أورد الشيخ والكفعمي وغيرهما (1) هذا الدعاء بعد صلاة العيد بأدنى تغيير، فاخترت ما في الاقبال لكونه مسندا. وقال ابن البراج - ره - في المهذب: فإذا كان يوم العيد بعد صلاة الفجر فانه يستحب للانسان أن يدعو بهذا الدعاء فيقول ثم ذكر الدعاء موافقا لما في المصباح وغيره، فمن أراده فليرجع إليها. 2 الاقبال: قال روينا باسنادنا إلى الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الغسل يوم الفطر سنة. ذكر ما يقال عند الغسل: رواه محمد بن أبي قرة باسناده إلى أبي عنبسة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: صلاة العيد يوم الفطر أن تغتسل من نهر، فان لم يكن نهر، فل أنت بنفسك استقاء الماء بتخشع، وليكن غسلك تحت الظلال أو تحت حايط وتستر بجهدك، فإذا هممت بذلك فقل: " اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك و

 

(1) مصباح الشيخ: 454 البلد الامين: 241.

 

[6]

اتباع سنة نبيك محمد صلى الله عليه وآله " ثم سم واغتسل فإذا فرغت من الغسل فقل " اللهم اجعله كفارة لذنوبي وطهر ديني اللهم أذهب عني الدنس ". ثم ادع عند التهيؤ للخروج إلى صلاة العيد فقل ما رويناه باسنادنا إلى هارون ابن موسى التلعكبري قدس الله روحه باسناده إلى أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ادع في الجمعة والعيدين إذا تهيأت للخروج: اللهم من تهيأ في هذا اليوم أو تعبا أو أعد واستعد لوفادة إلى مخلوق رجاء رفده وجائزته ونوافله، فاليك يا سيدي ! كانت وفادتى وتهيأتي وإعدادى و استعدادي، رجاء رفدك وجوائزك ونوافلك، اللهم صل على محمد عبدك ورسولك و خيرتك من خلقك، وعلى أمير المؤمنين ووصي رسولك، وصل يا رب على أئمة المؤمنين الحسن والحسين وعلي ومحمد وتسميهم إلى آخرهم حتي تنتهى إلى صاحب الزمان عليه السلام وقل. اللهم افتح له فتحا يسيرا، وانصره نصرا عزيزا، اللهم أظهر به دينك وسنة رسولك حتى لا يستخفي بشئ من الحق مخافة أحد من الخلق، اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الاسلام وأهله وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك وترزقنا بها كرامة الدنيا والاخرة، اللهم ما أنكرنا من حق فعرفناه، وما قصرنا عنه فبلغناه. وتدعو الله له وعلى عدوه وتسئل حاجتك ويكون آخر كلامك " اللهم استجب لنا اللهم اجعلنا ممن يذكر فيذكر. ثم قل ما روينا باسنادنا إلى الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطية، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ادع في العيدين والجمعة إذا تهيأت للخروج بهذا الدعاء وقل: " اللهم من تهيأ في هذا اليوم إلى آخر ما سبق في أدعية الجمعة (1).

 

(1) الاقبال: 279 - 280.

 

[7]

بيان: " إيمانا بك " أي أغتسل لايماني بك أو اومن إيمانا، والاول أظهر ويقال: عبأت المتاع وعباته إذا هيأته، والاستعداد للامر أيضا التهيؤ له أي من هيأ أسباب السفر واستعد له ويقال وفد فلان على الامير أي ورد رسولا أو أتاه لفائدة، والاسم الوفادة بالكسر، وقال الجوهرى النافلة عطية التطوع من حيث لا يجب. 3 الاقبال: روينا باسنادنا إلى أبي محمد هارون بن موسى التلعكبري رضي الله عنه باسناده إلى جابر بن يزيد الجعفي، عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: كنت بالمدينة وقد ولاها مروان بن الحكم من قبل يزيد بن معوية، وكان شهر رمضان، فلما كان في آخر ليلة منه أمر مناديه أن ينادي في الناس بالخروج إلى البقيع لصلاة العيد، فغدوت من منزلي اريد إلى سيدي علي بن الحسين عليه السلام غلسا فما مررت بسكة من سكك المدينة إلا لقيت أهلها خارجين إلى البقيع فيقولون: إلى أين تريد يا جابر ؟ فأقول إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله حتى أتيت المسجد فدخلته فما وجدت فيه إلا سيدي علي بن الحسين عليهما السلام قائما يصلي صلاة الفجر وحده، فوقفت وصليت بصلاته فلما أن فرغ من صلاته سجد سجدة الشكر ثم إنه جلس يدعو وجعلت أؤمن على دعائه فما أتى إلى آخر دعائه حتى بزغت الشمس فوثب قائما على قدميه تجاه القبلة وتجاه قبر رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم إنه رفع يديه حتى صارتا بازاء وجهه وقال: إلهى وسيدي أنت فطرتني وابتدأت خلقي، لا لحاجة منك إلى بل تفضلا منك علي، وقدرت لى أجلا ورزقا لا أتعداهما ولا ينقصني أحد منهما شيئا، وكنفتني منك بأنواع النعم والكفاية طفلا وناشئا، من غير عمل عملته فعلمته مني فجازيتني عليه، بل كان ذلك منك تطولا على وامتنانا فلما بلغت بي أجل الكتاب من علمك، ووفقتني لمعرفة وحدانيتك والاقرار بربوبيتك، فوحدتك مخلصا لم أدع لك شريكا في ملكك، ولا معينا على قدرتك، ولم أنسب إليك صاحبة و لا ولدا.


 

[8]

فلما بلغت بي تناهي الرحمة منك علي، مننت بمن هديتني به من الضلالة واستنقذتني به من الهلكة، واستخلصتني به من الحيرة، وفككتني به من الجهالة وهو حبيبك ونبيك محمد صلى الله عليه وآله، أزلف خلقك عندك وأكرمهم منزلة لديك، فشهدت معه بالوحدانية، وأقررت لك بالربوبية، وله بالرسالة، وأوجبت له على الطاعة فأطعته كما أمرت وصدقته فيما حتمت، وخصصته بالكتاب المنزل عليه، والسبع المثاني الموحات إليه، وسميته القرآن، وأكنيته الفرقان العظيم، فقلت جل اسمك " ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم " وقلت جل قولك له حين اختصصته بما سميته من الاسماء " طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى " وقلت عز قولك " يس والقرآن الحكيم " وقلت تقدست أسماؤك " ص والقرآن ذي الذكر " وقلت عظمت آلاؤك " ق والقرآن المجيد ". فخصصته أن جعلته قسمك حين أسميته وقرنت القرآن معه، فما في كتابك من شاهد قسم والقرآن مردف به إلا وهو اسمه، وذلك شرف شرفته به، وفضل بعثته إليه، تعجز الالسن والافهام عن علم وصف مرادك به، وتكل عن علم ثنائك عليه، فقلت عز جلالك في تأكيد الكتاب وقبول ما جاء فيه " هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق " وقلت عزيت وجليت " ما فرطنا في الكتاب من شئ " وقلت تباركت وتعاليت في عامة ابتدائه " الر تلك آيات الكتاب الحكيم، الر كتاب احكمت آياته ثم فصلت، الر تلك آيات الكتاب المبين، المر تلك آيات الكتاب، الر كتاب أنزلناه إليك الر تلك آيات الكتاب، والم ذلك الكتاب لا ريب فيه ". وفي أمثالها من السور والطواسين والحواميم في كل ذلك ثنيت بالكتاب مع القسم الذي هو اسم من اختصصته لوحيك، واستودعته سر غيبك، فأوضح لنا منه شروط فرايضك، وأبان لنا عن واضح سنتك، وأفصح لنا عن الحلال والحرام، و أنار لنا مدلهمات الظلام، وجنبنا ركوب الاثام، وألزمنا الطاعة، ووعدنا من بعدها الشفاعة، فكنت ممن أطاع أمره، وأجاب دعوته، واستمسك بحبله، فأقمت الصلاة وآتيت الزكاة، والتزمت الصيام الذي جعلته حقا، فقلت جل اسمك " كتب عليكم


 

[9]

الصيام كما كتب على الذين من قبلكم " ثم إنك أبنته فقلت عزيت وجليت " شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن " وقلت: " فمن شهد منكم الشهر فليصمه ". ورغبت في الحج بعد إذ فرضته إلى بيتك الذي حرمته فقلت جل اسمك " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " وقلت عزيت وجليت " وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الانعام " اللهم إني أسئلك أن تجعلني من الذين يستطيعون إليه سبيلا، ومن الرجال الذين يأتونه ليشهدوا منافع لهم، وليكبروا الله على ما هديهم، وأعني اللهم على جهاد عدوك في سبيلك مع وليك (1) كما قلت جل قولك " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله " وقلت جلت أسماؤك " ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ". اللهم فأرني ذلك السبيل حتى اقاتل فيه بنفسي ومالي طلب رضاك، فأكون من الفائزين، إلهى أين المفر عنك فلا يسعني بعد ذلك إلا حلمك، فكن بي رؤفا رحيما، واقبلني وتقبل مني، وأعظم لي فيه بركة المغفرة ومثوبة الاجر، و أرني صحة التصديق بما سألت وإن أنت عمرتني إلى عام مثله ولم تجعله آخر العهد مني فأعني بالتوفيق على بلوغ رضاك، وأشركني يا إلهى في هذا اليوم في جميع دعاء من أجبته من المؤمنين والمؤمنات، وأشركهم في دعائي إذا أجبتني في مقامي هذا بين يديك، فاني راغب إليك لي ولهم، وعائذ بك لي ولهم، فاستجب لي يا أرحم الراحمين (2). اختيار ابن الباقي وجنة الامان: عن جابر مثله (3).

 

(1) قوله: " مع وليك " لعله من كلام جابر راوي الدعاء، والا فالسيد السجاد هو ولى زمانه لا غير، وقد مر الكلام في مثل ذلك في ج 90 ص 70 راجعه. (2) كتاب اقبال الاعمال: 285. (3) مصباح الكفعمي: 649.

 

[10]

بيان: الطفل يكون واحدا وجمعا كما قال تعالى: " أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء " (1) والناشي الغلام إذا شب وارتفع عن حد الصبا و قرب من الادراك " فلما بلغت بي أجل الكتاب " أي من إيجادي أو إيصالي حد المعرفة، وكلمة " من " في قوله: " من علمك " تعليلية، ويحتمل التبعيض أيضا أي مما تعلم من مصالحي وأحوالي، ونسبه ينسبه بالضم وينسبه بالكسر ذكر نسبه، و الجوهري لم يذكر الكسر، وأسميته أي الكتاب. ثم إن هذا الدعاء يدل على أن جميع فواتح السور من أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال الكفعمي: قلت اختلف في الحروف المفتتح بها السور على أقوال: الاول: أنها من المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله، وهو المروي عن الائمة عليهم السلام. الثاني: أنها من أسماء السور ومفاتحها. الثالث: أن المراد بها أسماء الله تعالى لان عليا عليه السلام كان يقول في دعائه يا كهيعص ويا حمعسق ولعله أراد يا منزلهما. الرابع: أن المراد بها الدلالة على أسمائه تعالى فمعنى الم أنا الله أعلم، والمر أنا الله أعلم وأرى، والمص أنا الله أعلم وافصل، والكاف في كهيعص من كاف، والهاء من هاد، واليا، من حكيم (كذا)، والعين من عليم، والصاد من صادق وقيل الكاف كربلا، والهاء هلاك العترة، والياء يزيد، والعين عطش الحسين، و الصاد صبره، وقيل: الالف يدل على اسم الله، واللام على اسم جبرئيل، والميم على اسم محمد صلى الله عليه وآله أي القرآن منزل من الله بلسان جبرئيل على محمد صلى الله عليه وآله، وقيل الالف مفتاح اسم الله واللام مفتاح اسم الطيف، والميم مفتاح اسم محمد صلى الله عليه وآله. وقال أهل الاشارة: الالف من أنا واللام من لي والميم من مني فأشار بالالف إلى أنه الكل وباللام إلى أن له الكل، وبالميم إلى أن منه الكل، وقيل الالف

 

(1) النور: 31.

 

[11]

من الالاء، واللام من اللطيف، والميم من المجيد، أقسم سبحانه من آلائه ولطفه ومجده، وقيل الالف من أقصى الحلق وهو مبدأ المخارج، واللام من طرف اللسان وهو وسطها، والميم من الشفة وهو آخرها، جمع سبحانه بينها في الم إيماء إلى أن العبد ينبغي أن يكون أول كلامه ووسطه وآخره في ذكره تعالى. وذكر الثعلبي وفي تفسيره عن على عليه السلام في قوله تعالى الم أن في الالف ستة صفات من صفاته تعالى، الاول الابتداء فانه تعالى ابتداء جميع الخلق والالف ابتداء الحروف، الثاني الاستواء فانه تعالى عادل غير جائر والالف مستوفي ذاته، الثالث الانفراد فانه تعالى فرد والالف فرد، الرابع اتصال الخلق بالله والله تعالى لا يتصل بهم وكذلك الالف لا يتصل بالحروف وهي المتصلة به، الخامس أنه تعالى مبائن لجميع خلقه بصفاته، والالف مبائن لجميع الحروف، السادس أنه تعالى سبب الفة الخلق وكذلك الالف سبب الفة الحروف. وعن علي عليه السلام أن لكل كتاب صفوة وصفوة القرآن حروف التهجي، و عن الشعبي: أن لله تعالى في كل كتاب سرا وسره في القرآن حروف الهجاء المذكورة. قلت: وهذه الحروف إذا جمعتها وحذفت المتكرر كانت " علي صراط حق نمسكه " وهي أربعة عشر حرفا نصف حروف المعجم، وهي قد اشتملت على أنصاف أجناس الحرف، وبيان ذلك أن فيها من المهموسة نصفها، ومن المجهورة نصفها ومن الشديدة نصفها، ومن الرخوة نصفها، ومن المطبقة نصفها، ومن المنفتحة نصفها، ومن المستعلية نصفها، ومن المنخفضة نصفها، ومن حروف القلقلة نصفها. وأما كهيعص فقد مر تفسيرها، وقيل: إن معناها كاف لعباده، هاد لهم، يده فوق أيديهم، عالم بهم، صادق بوعده. وأما طسم وطس قيل فيهما ما مر في الم، وقيل إنه سبحانه أقسم بطوله و


 

[12]

سمائه وملكه، وعن النبي صلى الله عليه وآله الطاء طور سينا، والسين الاسكندرية، والميم مكة، وقيل الطاء شجرة طوبى، والسين سدرة المنتهى، والميم محمد المصطفى، وأما ن فقيل هو الحوت الذي تحت الارض، وقيل هو الدواب، وقيل هو نهر في الجنة قال الله تعالى له كن مدادا فجمد، وكان أشد بياضا من اللبن وأحلى من الشهد، فقال للقلم اكتب فكتب القلم ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، روى ذلك عن الباقر عليه السلام. ثم قال: (1) هذا الكلام يدل على أن ن وق وص ويس وطه من أسماء النبي صلى الله عليه وآله فأما ق وص فلم أر في التفاسير ما يدل على ذلك وأما يس فذكر الطبرسي في تفسيره أن معناه يا إنسان، عن أكثر المفسرين، وقيل: يا رجل، وقيل يا محمد وقيل معناه يا سيد الاولين والاخرين، وعن الصادق عليه السلام هو اسم النبي صلى الله عليه وآله وأما طه فهو يا رجل بلغة عكة قال الشاعر: إن السفاهة طه من خلايقكم * * لا بارك الله في القوم الملاعين قال الحسن هو جواب للمشركين حين قالوا إنه شقي فقال سبحانه يا رجل ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، لكن لتسعد به وتنال الكرامة في الدارين، قيل: وكان يصلي الليل كله (2) ويعلق صدره بحبل لا يغلبه النوم، فأمره سبحانه بالتخفيف على

 

(1) راجع مصباح الكفعمي ص 652، بتقديم وتأخير. (2) ذكر ذلك مجاهد على ما نقله السيوطي في الدر المنثور ج 4 ص 288 وكان ينسبه إلى الصحابة أيضا كما في ص 289 ولكنه كذب وزور، كيف وقد قال عز وجل في سورة المزمل وهى ثالثة السور النازلة على الرسول صلى الله عليه وآله: يا أيها المزمل قم الليل الا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أوزد عليه ورتل القرآن ترتيلا " فأوجب عليه أن ينام شيئا من الليل نصفه أو ثلثه أو ثلثيه، على ما عرفت شرح ذلك في ج 87 ص 119، ولذلك حكى الله عز وجل سيرته وسنته صلى الله عليه وآله في آخر السورة وقال: ان ربك يعلم انك تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك " فنص على أنه صلى الله عليه وآله وهكذا أصحابه كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، امتثالا لما ندبهم الله عز وجل إلى أنه جعل الليل لباسا والنوم =

 

[13]

نفسه وأنه ما أنزل عليه القرآن ليتعب كل هذا التعب. وقرئ شاذا بفتح الطاء وسكون الهاء ومعناه طاء الارض بقدميك جميعا فعن الصادق عليه السلام كان يعتمد على إحدى رجليه في الصلاة ليزيد تعبه فيها فأنزل الله

 

= فيه سباتا وجعل النهار معاشا. فما أخرجه السيوطي في دره عن ابن مردويه عن على عليه السلام أنه قال: لما نزل على النبي صلى الله عليه وآله " يا أيها المزمل قم الليل الا قليلا " قام الليل كله حتى تورمت قدماه فجعل يرفع رجلا ويضع رجلا فنزل عليه طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى " فمما يسقط ويتهافت صدره بذيله، فان آية المزمل تأمره بنوم الليل والقيام من نصفه أو آخره، فكيف خالف وقام الليل كله، وكيف يصح الصلاة مع القيام على رجل واحدة، والقيام كذلك موجب لفوات القرار وسبب للتحريك الدائم بالنسبة إلى القائم بالرجل السالمة، كيف وبالرجل المتورمة مع أن القيام على رجل واحدة إذا كانتا متورمتين أصعب وأوجع. وهكذا ما قالوه في تعليق الحبل بالصدر، باطل مموه. فان القيام كذلك ينافى الاستقلال وبعد غلبة النوم والنعاس تبطل الصلاة رأسا وانما تناسب العباد المتصنعين من المتصوفة. فما روى من ذلك وأشباهها كلها آراء الصحابة والتابعين على ما نقله السيوطي في دره، وكلها خلاف الحق، وخلاف ظاهر الاية الكريمة، بل الحق أن السورة الكريمة بتمامها نزلت تسلية من الله عز وجل وتطييبا منه لقلب رسوله الكريم حيث قام فيهم بأعباء الدعوة سنين، وقاسى أنواع الشدائد والمحن في ذلك ولم يؤمن به مع ذلك الا قليل من قليل. حتى أن قريشا عيرته بأنه شقى مفلوك منذ نزل عليه القرآن بزعمه موهون عند ربه حيث أنزل عليه ما قد شقى به وذل وهان في قومه بعد ما كان عزيزا من دون أن يوفق ويأتى بخير ومن هو انه وشقائه على ربه أنه كلما آذيناه وعيرناه وأذللناه لا يعترينا ربه بسوء وكلما قلنا: فأتنا بما تعدنا ان كنت من الصادقين، لا يجترئ على ربه أن يسأل ذلك، ولعله سئله فلم يجبه. فأنزل عليه عز وجل سورة طه جملا وفى صدرها هذه التسلية والتطيب بأنه: طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى الا تذكرة لمن يخشى، يعنى أنك لا تشقى بالقرآن ودعوته بل =

 

[14]

تعالى عليه " ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ". وأما ص فروي عن الصادق عليه السلام أنه اسم من أسمائه تعالى أقسم به، وقيل هو اسم للسورة، وقيل اسم من أسماء القرآن، وقيل إن محمدا صلى الله عليه وآله قد صدق، و أما ق فهو اسم للسورة، أو اسم من أسمائه تعالى، أو اسم للجبل المحيط بالارض، ملخص من تفسير الطبرسي والبيضاوي والكشاف والثعلبي وعلي بن إبراهيم انتهى. " وقلت: عزيت وجليت " كذا في أكثر النسخ بالتشديد، ولا وجه له، ويحتمل أن يكون بالتخفيف بقلب الثانية ياء من قبيل أمليت وأمللت، وفي بعض

 

= تسعد وتعلو دعوتك على كل دعوة، وانما قل المؤمنون بك والتابعون لدعوتك، لان القرآن تذكرة لمن يخشى ومن يتذكر ويخشى من المجتمع قليل من قليل وانما يخشى الله من عباده العلماء بالله وهم الاقلون عددا. ثم قص عليه قصة موسى بطولها وخصوصا ما قاساه من الشدائد والمحن قبل البعثة و بعدها وذكره بأنه أيضا لم ينجح دعوته الا بعد سنين متطاولة ومقاساة المحن الكثيرة الوافرة من فرعونه وملائه، بل ومن قومه بنى اسرائيل قبل انجائهم وبعده من التضارب في الاراء ثم من فتنة السامري وعجله. ثم ذكره صلى الله عليه وآله بقصه آدم وخروجه من الجنة حيث وعد للانس والجن على نفسه بتمتعهم في الحياة الدنيا اختبارا حيث قال: اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فاما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداى فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكرى فان له معيشة ضنكا " الايات 123 و 124 من السورة. ثم انزل عليه بعد هذه التقدمة والتوطئة، أن الله عز وجل انما لا يعتريهم بسوء ولا ينزل بهم العذاب حسب استعجالهم ولا يأتيهم بالايات طبقا لاقتراحهم، لما سبق منه الوعد بتمتعهم حتى حين، ولولا كلمة سبقت من ربك واجل مسمى قدر لهم لكان لزاما فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى.

 

[15]

النسخ عززت وجللت، وهو أظهر " إن الله اشترى " (1) قيل حقيقة الاشتراء لا يجوز عليه، لان المشترى إنما يشترى ما لا يملك وهو تعالى &