الى اجزاء البحار الى المكتبة الهاشمية الى الصفحة الرئيسية

بحار الانوار الجزء 86

العلامة المجلسي


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس الله سره) الجزء السادس والثمانون مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان كافة الحقوق محفوضة مسجلة الطبعة الثانية المصححة 1403 ه‍ - 1983 م مؤسسة الوفاء - بيروت - لبنان - صرب: 1457 - هاتف: 386868


 

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم * (أبواب) * * (القصر وأسبابه وأحكامه) * * (باب) * * (وجوب قصر الصلاة في السفر وعلله) * * (وشرائطه وأحكامه) * الايات: النساء: وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا (1).

 

(1) النساء: 101، وقد كان على المؤلف العلامة أن ينقل الايتين بعدها، لما فيهما من التعلق التام بالمقام، فلا بأس أن ننقلهما ونبحث عن مفاد الايات الكريمة فنقول و من الله أسأل العصمة والرشاد: قال الله عزوجل تفريعا على الاية الاولى في بيان حكم صلاة القصر وصلاة الخوف: " وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة اخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليك ميلة واحدة ولاجناح عليكم ان كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم، وخذوا حذركم ان الله أعد للكافرين عذابا مهينا " (النساء: 102). ثم قال: عزوجل تماما لحكم صلاة الخوف وتعليقا على الاية الاولى:

 

[2]

تفسير: " وإذا ضربتم في الارض " أي سافرتم فيها " فليس عليكم جناح " أي حرج وإثم في (أن تقتصروا) قال في الكشاف في محل النصب بنزع الخافض، وقيل:

 

(فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا). فالمراد بالضرب في الارض هو السفر كناية، وذلك لان المسافة التى كانت تقطع في يوم واحد، هي مرحلة واحدة ثمان فراسخ، ولم يكن يمكنهم طى هذه المسافة على المعتاد المتعارف الا بضرب الراحلة والجد في المشى بضرب الاقدام. وأما قوله عزوجل: (فلا جناح عليكم) فسيأتي الكلام فيه مستوفى انشاء الله تبارك وتعالى. وأما قوله عزوجل: (أن تقصروا من الصلاة) فلما كان القصر متعديا بنفسه، كان تعديته بمن مفيدا لتضمينه معنى القطع والافراز، ولما كان لفظ الصلاة في اطلاق القرآن العزيز ينصرف إلى الركعتين الاولتين المفروضتين، كما مرت الاشارة إليه مرارا، كان قصر الصلاة بتنصيف الصلاة واتيان ركعة واحدة، كما هو واضح، وينص على ذلك روايات أهل البيت عليهم السلام، على ما سيجئ في باب صلاة الخوف. وأما قوله عزوجل: (ان خفتم أن يفتنكم) الخ فهو نص في الاشتراط ثانيا، أي إذا سافرتم وكنتم معذلك خائفين من أن يهجم عليكم الذين كفروا، فصلوا ركعة واحدة مكان ركعتين. ولكن يظهر من سياق الايات أن هذا الحكم انما هو إذا كان المؤمنون منفردين في السفر من دون امام يجمع شملهم، فحينئذ يصلى كل واحد منهم ركعة واحدة بالانفراد، ثم يشتغل عوض الركعة المتروكة بذكر الله عزوجل كما سيأتي في شرح الاية الثالثة، و اما إذا كانوا مع امام يجمع شملهم وكانوا ذوى عدة، فعليهم أن يحتالوا في رفع الخوف من هجومهم ومباغتتهم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله بحكم الاية الثانية. فتبين كون فرض الاية ومفادها أن الصلاة في السفر انما فرضت ركعتين، وإذا كان

 

[3]

في موضع جر على تقدير حرف الجر، لان الحرف حذف لطول الكلام، وما حذف لذلك فهو في حكم الثابت، وقرئ في الشواذ (تقصروا) من الاقصار، (وتقصروا) من التقصير (من الصلاة) (من) زائدة وقال سيبويه صفة موصوف محذوف أي شيئا من الصلاة.

 

معه الخوف من فتنة الاعداء يكون الصلاة ركعة واحدة الا أن الاول على الاصل بالمفهوم الضمنى، والثانى بالمنطوق صريحا. وأما قوله عزوجل: (وإذا كانت فيهم فأقمت لهم الصلاة) الاية، فالظاهر من تحويل السياق أنها بصدد بيان حكم خاص يتفرع على المسألة قبلها، والمعنى أنه إذا كان المؤمنون مسافرين وهم معذلك خائفون من العدو وهجومهم، وكنت أنت فيهم تجمع شملهم، فأردت أن تقيم لهم الصلاة ركعتين، فاحتل لرفع الخوف من بادرتهم بأن تفرق المؤمنين فرقتين: فرقة تقوم بازاء العدو ترصدهم والطائفة الاخرى يصلون معك ركعة جماعة وركعة أخرى تمام صلاتهم بالانفراد، ثم تقوم هذه الطائفة حذاء العدو ترصدهم ولتأت الطائفة الاخرى لم يصلوا فليصلوا معك ركعة جماعة وركعة اخرى منفردين، فتكونوا جميعا قد صليتم ركعتين في السفر، لارتفاع الشرط الثاني وهو المخافة. فعلى هذا لاريب في أن فرض هذه الاية هو صلاة السفر من دون المخافة من العدو، ولو احتيالا في رفعها، ويستنتج من هذا الفرع أن صلاة السفر، إذا لم يكن هناك خوف أبدا، لابد وأن تكون ركعتين بطريق أولى، وهو واضح بحمدالله. ولا يذهب عليك أن نزول هذه الاية كان في غزوة ذات الرقاع سنة أربع أو خمس. على ما سيجئ في باب صلاة الخوف، لقوله عزوجل فيها: (ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وامتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة) فانه اخبار عن واقعة خارجية، الا أن حكم الاية عام لكل امام يخاف مباغتة الخصم يأمره بأن يحتال في رفع المخافة كما بين الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله وجه الحيلة في ذلك. ومما ينص على أن حكم الاية عام ذيل الاية الكريمة: (ولاجناح عليكم ان كان بكم

 

[4]

(إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) في موضع نصب على المفعول به، وقيل مفعول له أي كراهية أن يفتنكم وفي قراءة ابي بن كعب بغير (إن خفتم) فقيل المعنى أن لا يفتنكم أو كراهة أن يفتنكم كقوله تعالى (يبين الله لكم أن تضلوا) (1).

 

أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم) الاية حيث يخاطب الامة بذلك، ويبين حكم الفروع المحتملة الطارءة، ولو كان الحكم مختصا بالنبي صلى الله عليه وآله في قضية خاصة لم يكن لذلك وجه، كما هو واضح. وأما قوله عزوجل: (فإذا قضيتم الصلاة) الاية فهو حكم متمم لصلاة الخوف يفرض على الذين صلوا ركعة واحدة بالانفراد خوفا من باردة العدو، أن يذكروا عزوجل بعد قضاء صلاتهم تلك موا يوازى الركعة المتروكة. وانما أخص الحكم بصلاة الخوف فقط، لما عرفت قبلا من أن الاية الثانية انما تتكفل لبيان فرع من فروع المسألة، فتكون الاية الثانية كالمعترضة واقعة بين الاية الاولى والثالثة. ومما ينص على اتصال هذه الاية بالاولى اتحاد سياقهما من حيث الخطاب وتحليله إلى كل فرد فرد، وورود قوله تعالى: (فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة) في هذه الاية ناظرا إلى قوله تعالى، (ان خفتم أن يفتنكم) في الاية الاولى. والمعنى أن حكم صلاة الخوف وايجاب الذكر بدلا عن الركعة الثانية انما هو مادام الخوف باقيا، وأما إذا اطمأننتم بأن ارتفع الخوف رأسا اما بمهادنة أو عدم حضور الكفار حولكم، فالفرض عليكم أن تقيموا الصلاة تماما ركعتين. فمفاد ذيل هذه الاية من حيث فرض الطمأنينة من العدو، ووجوب تمام الصلاة ركعتين مفاد الاية الثانية من حيث الاحتيال في رفع مخافة العدو، ووجوب تمام الصلاة ركعتين، ولذلك عبر فيهما عن الصلاة ركعتين باقامة الصلاة، كما كان يعبر عنها في سائر الموارد التى يأمر النبي صلى الله عليه وآله أو المؤمنين باقامة الصلاة. (1) النساء: 176.

 

[5]

(إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا) أي ظاهر العدواة (1) قال في الكافرين عدوا لان لفظة فعول تقع على الواحد والجماعة. ثم الضرب في الارض معتبر في القصر بنص الكتاب، وقد أجمع علماؤنا على أن المسافة شرط، وسيأتي حدها وحد الترخص، وإن كان خلاف ظاهر الاية إذ ظاهرها أنه يكفي الخروج من البيت كما قيل. ونفي الجناح (2) وإن كان يصح في الواجب والمستحب والمباح، بل في

 

(1) وعلى ما مر في ج 79 ص 180 - 181 (كان) في هذه الموارد شأنية والمعنى أن الكافرين شأنهم أن يكونوا لكم عدوا مبينا، فلا تطمئنوا إليهم واحذروا منهم أن يفتنوكم أبدا. (2) انما عبر بنفى الجناح، لئلا تصير حكم القصر من الصلاة فرضا تبطل الصلاة بالاخلال به سهوا وجهلا، كما عبر عن السعي بين الصفا والمروة كذلك لذلك وأما أن نفى الحرج يوجب حكم القصر في حال العلم والذكر، فلان ذلك منة من الله عزوجل امتن بها على عباده فرخص لهم القصر من الصلاة، والرخصة والمنة من الكريم تعالى يجب الاخذ بهما أدبا، كما أخذ بهما النبي صلى الله عليه وآله، وسيأتى في الاخبار من طرق الفريقين ما ينص على ذلك. ولا يذهب عليك أن نفى الجناح انما كان بالنسبة إلى صلاة الخوف في السفر بالاقتصار على ركعة واحده وتبديل الركعة الثانية بالذكر، فلو جهل أحد من المسلمين هذا الحكم أوسها وصلى ركعتين فصلاته ماضية. وأما صلاة السفر حال الطمأنينة من العدو، فالفرض فيها ركعتان على حد صلاة الحضر الا أن رسول الله صلى الله عليه وآله زاد في ركعات الحضر سبعا وتركها في السفر بحالها لم يضف إليها شيئا الا ما يوترها وهى ثالثة المغرب، كما أنه صلى الله عليه وآله وضع نوافل هذه الصلوات المقصورة الا نافلة المغرب. ولعله صلى الله عليه وآله امتثل في ذلك قوله تعالى: (ان لك في النهار سبحا طويلا) فصلى الركعات

 

[6]

المرجوح أيضا لكن الرواية المتواترة من طرق الخاصة والعامة توجب الحمل على الوجوب، والتعبير بهذا الوجه لنفي توهم أنه ينقص من ثوابهم شئ أو يوجب نقصا في صلاتهم، قال في الكشاف: كأنهم ألفوا الاتمام فكان مظنة لان يخطر ببالهم أن عليهم نقصانا في القصر، فنفى الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر، ويطمئنوا إليه، وسيأتي في رواية زرارة ومحمد بن مسلم إيماء إليه، وإطلاق السفر يعم ما كان معصية، ولكن رفع الجناح عن القصر إرفاقا يناسب التخصيص بالمباح، كما هو مقتضى الاخبار والاجماع. وقال في مجمع البيان (1): إن في المراد من قصر الصلاة هنا أقوالا: الاول أن معناه أن يقصروا الرباعيات ركعتين ركعتين عن مجاهد، وجماعة من المفسرين، وهو قول الفقهاء ومذهب أهل البيت عليهم السلام. الثاني وذهب إليه جماعة من الصحابة والتابعين، منهم جابر بن عبد الله، و حذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وأبو هريرة، وكعب، وابن عمر وابن جبير، والسدى أن المعنى قصر صلاة الخوف من صلاة السفر لا من صلاة الاقامة، لان صلاة السفر عندهم ركعتان تمام غير قصر، قال فهنا قصران قصر الامن من أربع إلى ركعتين، وقصر الخوف من ركعتين إلى ركعة واحدة، وقد رواه أصحابنا أيضا. الثالث أن المراد القصر من حدود الصلاة عن ابن عباس وطاوس، وهو الذي

 

المسنونة - داخل الفرض وخارجها - في الحضر سبحة، واكتفى عند السفر عن هذه السبحة بالسبحة في الارض. فإذا كان وضع ركعات السنة عن صلاة السفر بالسنة، كانت الصلاة أربعا في صورة الجهل والسهو ماضية على حد سائر السنن التى لا تبطل الصلاة بالاخلال بها سهوا وجهلا ونسيانا وسيأتى في روايات أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ما ينص على ذلك. (1) مجمع البيان ج 3 ص 101 باختلاف.

 

[7]

رواه أصحابنا في صلاة شدة الخوف، وإنما يصلي إيماء والسجود أخفض من الركوع فان لم يقدر على ذلك فالتسبيح المخصوص كاف عن ركعة. الرابع أن المراد به الجمع بين الصلاتين قال: والصحيح الاول. ثم لا يخفى أن ظاهر الاية أن الخوف أيضا شرط للقصر، فلا يقصر مع الامن لمفهوم الشرط، لكن قد علم جواز القصر ببيان النبي صلى الله عليه وآله فنقول: المفهوم وإن كان حجة لكن بشرط عدم ظهور فائدة للتقييد، سوى المفهوم، ويحتمل أن يكون ذكر الخوف في الاية لوجود الخوف عند نزولها، أو يكون قد خرج مخرج الاعم الاغلب عليهم في أسفارهم، فانهم كانوا يخافون الاعداء في غايتها كما قيل، ومثله في القرآن كثير، مثل (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا) (1) وربما يدعى لزوم الخوف للسفر غالبا ويؤيد ذلك القراءة بترك (إن خفتم). على أن المفهوم إنما يعتبر إذا لم يعارضه أقوى منه، والمعارض هنا من الاجماع ومنطوق الاخبار من الخاصة والعامة أقوى. قال البيضاوي: وقد تظافرت السنن على جوازه أيضا في حال الامن فترك المفهوم بالمنطوق وإن كان المفهوم حجة لانه أقوى. وقيل: قوله (إن خفتم) منفصل عما قبله، روي عن أبي أيوب الانصاري أنه قال: نزلت إلى قوله: (أن تقصروا من الصلاة) ثم بعد حول سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله

 

(1) النور: 33: وعندي أن الاية على ظاهرها، والمراد بالبغاء تكليف الاماء بالبراز إلى الاسواق والتشاغل بالمكاسب ليؤدين ما حصل من ذلك إلى ساداتهن اما مضاربة أو مكاتبة على ما كان معمولا عندهم. وانما عبر عن ذلك بالغاء فان الامة المسكينة إذا أجبرت على تأدية مال معين في اليوم أو الشهر مضاربة أو مكاتبة آل أمرها إلى تأدية ذلك من مكسب هو أسهل عليها وأوفر هو الكسب بالفرج حراما، ولذلك قال عزوجل: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ان أردن تحصنا في البيت وخدمة في البيوت، راجع مشروح ذلك ج 79 ص 17 - 18. (*)

 

[8]

عن صلاة الخوف فنزل (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) الاية هو في الظاهر كالمتصل به، وهو منفصل عنه (1).

 

(1) وأخرج ابن جرير عن على عليه السلام (على ما في الدرر المنثور ج 2 ص 209) قال: سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: يا رسول الله انا نضرب في الارض فكيف نصلى ؟ فأنزل الله: (وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) ثم انقطع الوحى. فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي صلى الله عليه وآله فصلى الظهر فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم ! فقال قائل منهم: ان لهم مثلها اخرى في أثرها، فأنزل الله بين الصلاتين: (ان خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ان الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك) إلى قوله (ان الله أعد للكافرين عذابا مهينا) فنزلت صلاة الخوف. أقول: قصر صلاة السفر ثابت بالسنة القطعية من رسول الله صلى الله عليه وآله، وعليه روايات الفريقين متواترة، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يقصرون صلاتهم اقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله، حتى إذا جاء التابعون وظهر أصحاب الرأى والفتيا، توهموا أن حكم القصر في الصلاة انما ثبت بالاية الكريمة: (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) فجعلوه رخصة لاعزيمة. ولكنهم معذلك مجمعون كالشيعة على أن الخوف من فتنة الاعداء ليس بشرط في قصر الصلاة، وانما هو شرط في صلاة الخوف على الهيئة المخصوصة، ولذلك أعضل عليهم توجيه لفظ الاية حيث علق صريحا كون المخافة من العدو شرطا لقصر الصلاة. فذهب بعضهم إلى أن حكم القصر في الاسفار، انما يثبت بالسنة، وان كانت الاية بظاهرها تدل على أن القصر يثبت بشرطين: السفر والمخافة معا، فحكم الاية بوجوب القصر مع الشرطين، لا ينافي حكم السنة بوجوبه مع شرط واحد. وبعضهم كأبى بن كعب أنكر نزول الشرط الثاني رأسا وكتب في مصحفه: (وإذا

 

[9]

وعلى هذا فيجوز أن يكون التقدير اقصروا من الصلاة إن خفتم، أولا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة إن خفتم، بقرينة السؤال، ووقوعه في المصحف بعد ذلك. قيل: وعلى هذا يتوجه القول الثاني أو الثالث في القصر بالنسبة إلى الخوف مع الاول بالنسبة إلى السفر، ويتوجه أيضا قول أصحابنا إن كلا من السفر والخوف موجب للقصر كما يتوجه على قراءة ترك (إن خفتم). على أن الاجماع والاخبار تكفي في ذلك كما تقدم، وربما أمكن فهم

 

ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ان يفتنكم الذين كفروا) الاية فحينئذ تكون الحكم ثابتا من الله عزوجل خوفا منه على الامة أن بفتنهم الذين كفروا، فيعم حال السفر مطلقا خاف المسلمون أنفسهم أولم يخافوا كما في قوله تعالى (يبين الله لكم أن تضلوا) أي مخافة منه أن تضلوا. لكنه قد ذهب عليه أن قوله تعالى: (فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة) يصرح بأن حكم القصر انما كان في ظرف المخافة وعدم الطمأنينة، فلا يفيد انكاره نزول (ان خفتم) كما أن قوله تعالى: (وإذا كنت فيهم) الاية انما ينظر إلى سفرهم وخوفهم من الاعداء، وهو واضح. ثم انه قد أتى بعضهم الاخر ببدع واختلق حديثا نسبه إلى عظماء الاصحاب بأن صدر الاية نزلت قبل ثم انقطع الوحى، ثم نزل تتمه الاية بعد سنة، وهو كما ترى لا يدفع الاشكال، بل يثبته. وذلك لان الشرط: (ان خفتم أن يفتنكم) إذا لحق بصدر الاية وفيها حكم القصر، صار مقيدا لاطلاقة، ولزم بعد نزوله اشتراط حكم القصر بالخوف من فتنة الاعداء وجاء الاشكال برمته بعد سنة، وإذا لم يلحق بصدر هذه الاية وهو خلاف ظاهر الكتاب والسنة صار ذيل الاية: (ان خفتم) الخ لغوا من القول تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

 

[10]

القصر مع الخوف وحده من الاية الاتية أيضا كما سيأتي بيانه. قوله تعالى: (أن يفتنكم الذين كفروا) قيل أي في الصلاة، وقيل في أنفسكم أو دينكم، والفتنة قيل: القتل، وقيل: العذاب. والاظهر أنه هنا التعريض للمكروه. 1 - الكشى في الرجال: عن علي بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان عن ابن أبي عمير، عن غير واحد من أصحابنا، عن محمد بن حكيم وغيره، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر، عن أبيه عليهما السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: التقصير يجب في بريدين (1). 2 - تحف العقول: عن الرضا عليه السلام في كتابه إلى المأمون قال: والتقصير في أربعة فراسخ: بريد ذاهبا وبريد جائيا اثنا عشر ميلا وإذا قصرت أفطرت (2). 3 - المقنعة: قال الصادق عليه السلام: ويل لهؤلاء القوم الذين يتمون الصلاة بعرفات أما يخافون الله ؟ فقيل له: وهو سفر ؟ قال، وأى سفر أشد منه (3). 4 - المقنع: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل أتى سوقا يتسوق بها، وهي من منزله على أربع فراسخ فان هو أتاها على الدابة أتاها في بعض يوم، وإن ركب السفن لم يأتها في يوم، قال: يتم الراكب الذي يرجع من يومه صوما ويقصر صاحب السفن (4). بيان: اعلم أنه أجمع العلماء كافة على أن المسافة شرط في القصر، وإنما اختلفوا في تقديرها، فذهب علماؤنا أجمع إلى أن القصر يجب في مسيرة يوم هي بريدان ثمانية فراسخ: أربعة وعشرون ميلا، وتدل عليه روايات كثيرة.

 

(1) رجال الكشى في حديث طويل تحت الرقم 279 ط المصطفوى. (2) تحف العقول: 440 ط الاسلامية. (3) المقنعة: 71. (4) المقنع: 63 ط الاسلامية، وفيه على سبع فراسخ.

 

[11]

واختلف الاصحاب في مسيرة أربعة فراسخ، فدهب جماعة من الاصحاب منهم المرتضى وابن إدريس وكثير من المتأخرين إلى أنه يجب عليه التقصير إذا أراد الرجوع من يومه، والمنع منه إن لم يرد ذلك. وقال الصدوق في الفقيه: وإذا كان سفره أربعة فراسخ وأراد الرجوع من يومه فالتقصير عليه واجب، وإن كان سفره أربعة فراسخ ولم يرد الرجوع من يومه فهو بالخيار إن شاء أتم وإن شاء قصر، ونحوه قال المفيد والشيخ في النهاية إلا أنه منع من التقصير في الصوم فيما إذا لم يرد الرجوع من يومه. وقال الشيخ في كتابي الاخبار: إن المسافر إذا أراد الرجوع من يومه، فقد وجب عليه التقصير في أربعة فراسخ، ثم قال: على أن الذي نقوله في ذلك أنه إنما يجب عليه التقصير إذا كان مقدار المسافة ثمانية فراسخ، وإذا كان أربعة فراسخ كان بالخيار في ذلك، إن شاء أتم وإن شاء قصر. وظاهر هذا الكلام العدول إلى القول بالتخيير، وإن أراد الرجوع ليومه، ولهذا نقل الشهيد في الذكرى عن الشيخ في التهذيب القول بالتخيير في تلك الصورة، و نقل ذلك عن المبسوط وعن ابن بابويه في كتابه الكبير وقواه. أقول: النقل من المبسوط لعله اشتباه، إذ فيما عندنا من نسخه هكذا: و حد المسافة التي يجب فيها التقصير ثمانيه فراسخ أربعة وعشرون ميلا، فان كانت أربعة فراسخ وأراد الرجوع من يومه وجب أيضا التقصير، وإن لم يرد الرجوع من يومه كان مخيرا بين التقصير والاتمام انتهى والكتاب الكبير للصدوق لم نظفر عليه، نعم ظاهر كتابي الاخبار ذلك، وإن كانا قابلين للتأويل. وقال ابن أبي عقيل: كل سفر كان مبلغه بريدين وهو ثمانية فراسخ، وبريد ذاهبا وبريد جائيا وهو أربعة فراسخ في يوم واحد، أو ما دون عشرة أيام فعلى من سافره عند آل الرسول إذا خلف حيطان مصره أو قريته وراء ظهره وغاب عنه منها صوت الاذان أن يصلي صلاة السفر ركعتين، ونقل في المختلف (1) عن سلار أنه إن كانت المسافة

 

(1) المختلف: 162.

 

[12]

أربعة فراسخ وكان راجعا من يومه قصر واجبا، وإن كان من غده فهو مخير بين القصر والاتمام، ونقله عن ابن بابويه. فمرادهم بالغد إن كان معناه الحقيقي كان قولا آخر، وان كان المراد به ما عدا اليوم كان بعينه قول المفيد، وحد المسافة ابن الجنيد بمسير يوم للماشي و راكب السفينة. ومنشأ هذا الاختلاف اختلاف الاخبار ففي كثير منها إناطة التقصير بثمانية فراسخ، وفي كثير منها بأربعة فراسخ، واختلفوا في الجمع بينها، فحمل الشيخ في أحد وجهيه وجماعة أخبار الاربعة على ما إذا أراد المسافر الرجوع ليومه. واحتجوا على ذلك بصحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن التقصير فقال: بريد ذاهب وبريد جاء، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أتى ذبابا قصر (1) وذباب على بريد، وإنما فعل ذلك لانه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ. وأمثالها ولا دلالة فيها على رجوع اليوم بوجه بل تدل على أن الذهاب والمجئ محسوبان معا في مسافة البريدين. مع أن الروايات المتضمنة لتوبيخ أهل عرفات على عدم التقصير تأبى عن هذا الحمل، إذا الظاهر أن خروجهم للحج بل بعضها صريح في ذلك، ولا يتحقق معه رجوع اليوم، نعم في فقه الرضا ما يدل على هذا الوجه، ولعل الصدوق أخذه منه، وتبعه القوم. وجمع الشيخ وغيره بينها بوجه آخر، وهو تنزيل أخبار الثمانية على الوجوب والاربعة على الجواز، وحمل الشهيد الثاني أخبار الاربعة على الاستحباب، وله وجه فانه أنسب بالتوبيخ على الترك والامر بالفعل، وإن كان بعيدا أيضا إذ التهديد بالويل، والتخويف بالعذاب لا يناسب ترك المستحب إلا أن يقال: التوبيخ والتهديد لاعتقادهم تعين الاتمام وإيقاعهم ذلك على وجه التعيين واللزوم.

 

(1) الفقيه ج 1 ص 287 والظاهر انتهاء الخبر هنا.

 

[13]

والاظهر في الجمع بينها أن يقال: المعتبر في السفر الموجب للتقصير أن تكون المسافة التي أرادها المسافر ثمانية فراسخ، وإن كان بحسب الذهاب والعود معا، فلو أراد السفر أربعة فراسخ وأراد الرجوع إلى المحل الذي سافر منه من غير أن ينقطع سفره بالوصول إلى منزله أو إقامة عشرة فيما بين ذلك، كان عليه التقصير، وإن لم يرد الرجوع من يومه، لقصد المسافة التي هي ثمانية فراسخ. وبه تتطابق الاخبار وتتصالح من غير منافرة، ويؤيده مرسلة صفوان (1) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل خرج من بغداد يريد أن يلحق رجلا على رأس ميل فلم يزل يتبعه حتى ابلغ النهروان وهي أربعة فراسخ من بغداد إذا أراد الرجوع ويقصر ؟ قال: لا يقصر ولا يفطر، لانه خرج من منزله وليس يريد السفر ثمانية فراسخ إنما خرج يريد أن يلحق صاحبه في بعض الطريق فتمادى به المسير إلى الموضع الذي بلغه، ولو أنه خرج من منزله يريد النهروان ذاهبا وجائيا لكان عليه أن ينوي من الليل سفرا والافطار، فان هو أصبح ولم ينو السفر فبداله من بعد أن يصبح في السفر قصر ولم يفطر يومه ذلك. وأما ما ذكره ابن أبي عقيل رحمه الله فان كان مراده ما ذكرنا، فنسبته إلى آل الرسول صلى الله عليه وآله حسن لانه الظاهر من أخبارهم، وإلا فلا وجه لتخصيص العشرة أيضا، إذا يمكن أن يرجع بعد عشرين يوما مثلا ولم يقطع سفره بقصد إقامة العشرة في موضع. ويؤيد الاربعة أن أحدا من المخالفين لم يقل به، ومنهم من قال بالثمانية فالتعبير عن الاربعة بالثمانية يمكن أن يكون لنوع من التقية، أو لمن يريد الرجوع كما عرفت. وأما المخالفون فالاوزاعي قال: هي ثمانية فراسخ، وقال الشافعي: ستة عشر

 

(1) التهذيب ج 4 ص 225 ط نجف ج 1 ص 416 ط حجر،، وفيه قال: سألت الرضا عليه السلام.

 

[14]

فرسخا (1) ومنهم من قال: ستة وأربعون ميلا، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري

 

(1) في نسخة الكمبانى تبعا لنسخ الاصل ستة وعشرون فرسخا، وهو سهو ظاهر من طغيان القلم، والشافعي انما قال: حد المسافة ستة عشر فرسخا ثمانية وأربعون ميلا وبه قال مالك وأحمد. قال في مشكاة المصابيح ص 119: وعن مالك بلغه أن ابن عباس كان يقصر الصلاة في مثل ما يكون بين مكة والطائف (على ثلاث مراحل من مكة أربعة وعشرون فرسخا) وفى مثل ما بين مكة وعسفان (على مرحلتين من مكة ستة عشر فرسخا) وفي مثل ما بين مكة وجدة (على مرحلتين شاقتين) وقال مالك: وذلك أربعة برد، ورواه في الموطأ. أقول: لكن يبقى عليه أن يثبت أن ابن عباس كان يتم فيما دون ذلك، ولم يرد عنه خبر ينص على ذلك، ولعله كان يقصر فيما دون ذلك حتى ثمان فراسخ: بريدين. نعم ظاهر الشافعي في باب متعة الحج، أنه تعلق في تعيين مسافة القصر بقوله تعالى: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام) توهما منه أن الله عزوجل جعل وجوب الهدى أو الصيام (حيث قال (ذلك) اشارة إلى الهدى أو بدله الصيام) لمن كان مسافرا عند حضوره في مكة، فان الحضر مقابل السفر، ولما كان الحكم مقصورا على من كان دون عسفان وذات عرق بالسنة، لزم كون المسافة مثل ما بين عسفان ومكة، وهو من مكة على بعد مرحلتين: ستة عشر فرسخا، لتتطابق الفرض والسنة. لكنه غفل عن أن المراد بالمسجد الحرام هو الحرام كله، على ما عرفت في ج 84 ص 40 باب القبلة (بل وقد استفاض هذا القول عن ابن عباس أيضا كما أخرجه السيوطي في الدر المنثور ج 1 ص 217) وغفل عن أن الحرم من جانب عسفان يمتد إلى أرض الحديبية وبين عسفان وما دونها وبين الحديبية (أعنى أرض الحرم منها) أقل من ثمان فراسخ، فيكون الذى أراد الحج من عسفان وما دونها، وظيفته حج القران أو الافراد، لاحج التمتع لان أهله يعد من حاضرى المسجد الحرام، وهو واضح. فعلى هذا يجب أن نراعى هذه الدقيقة في كتاب الحج عند تعيين المسافة التى يجب

 

[15]

أربعة وعشرون فرسخا، وقال داود: ي&#