بحار الانوار الجزء
83
العلامة المجلسي
[1]
بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة
الاطهار بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة
فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس الله سره) الجزء الثالث والثمانون
دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان الطبعة الثالثة المصححة 1403 ه - 1983 م
دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان - بناية كليوباترا - مثارع دكاش - ص. ب 7957
/ 11 تلفون المستودع: 274696 - 273032 - 278766 - المنزل 711 - 83 - 717 - 83
برقيا: التراث - تلكس 44632 / LE تراث
[1]
بسم الله الرحمن الرحيم 38 - * (باب) * *
" (سائر ما يستحب عقيب كل صلاة) " * 1 - مجالس المفيد: عن محمد بن الحسين، عن أحمد
بن محمد الصولي، عن الجلودي، عن الحسين بن الحميد، عن مخول بن إبراهيم، عن صالح بن
أبي الاسود عن محفوظ بن عبيد الله، عن شيخ من أهل حضرموت، عن محمد ابن الحنفية عليه
الرحمة قال: بينا أمير المؤمنين عليه السلام يطوف بالبيت إذا رجل متعلق بالاستار،
وهو يقول: يامن لا يشغله سمع عن سمع، يا من لا يغلطه السائلون، يامن لا يبرمه إلحاح
الملحين أذقني برد عفوك ومغفرتك، وحلاوة رحمتك. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام:
هذا دعاؤك ؟ قال له الرجل: وقد سمعته ؟ قال: نعم قال: فادع به في دبر كل صلاة،
فوالله ما يدعو به أحد من المؤمنين في أدبار الصلاة إلا غفر الله له ذنوبه، ولو
كانت عدد نجوم السماء وقطرها، وحصا الارض وثراها، فقال له أمير المؤمنين عليه
السلام: إن علم ذلك عندي، والله واسع كريم، فقال له الرجل، وهو الخضر عليه السلام:
صدقت والله يا أمير المؤمنين، وفوق كل ذي علم عليم (1). المناقب: لابن شهر آشوب
والبلد الامين مرسلا مثله (2).
(1) أمالي المفيد ص 62. (2) مناقب آل أبي
طالب ج 2 ص 247.
[2]
بيان: السمع مصدر بمعناه، أو بمعنى
المسموع، والاول أظهر (يا من لا يغلطه السائلون) أي لا تصير كثرة أصوات السائلين في
وقت واحد سببا لاشتباه الامر عليه، وعدم فهم مقاصدهم، كما في المخلوقين (برد عفوك)
أي راحته ولذته. أقول: رواه السيد أيضا في فلاح السائل عن المجالس (1). 2 - مكارم
الاخلاق: عن النبي صلى الله عليه واله أنه من دعا به عقيب كل صلاة مكتوبة حفظ في
نفسه وداره وماله وولده، وهو (اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أعلنت وما
أسررت، وإسرافي على نفسي، وما أنت أعلم به مني، اللهم أنت المقدم وأنت المؤخر، لا
إله إلا أنت بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أجمعين، ما علمت الحياة خيرا لي فأحيني،
وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي، اللهم إني أسئلك خشيتك في السر والعلانية، وكلمة
الحق في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنا، وأسئلك نعيما لا ينفد، وقرة عين لا
تنقطع، والرضا بالقضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، وشوقا للقائك،
من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة. اللهم زينا بزينة الايمان، واجعلنا هداة مهتدين،
اللهم اهدنا فيمن هديت اللهم إني أسئلك عظيمة الرشاد، والثبات في الامر والر شد،
وأسألك شكر نعمتك، و حسن عافيتك، وأداء حقك، وأسئلك يا رب قلبا سليما، ولسانا
صادقا، وأستغفرك لما تعلم، وأسئلك خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، فانك تعلم
ولا تعلم، وأنت علام الغيوب (2). توضيح: روى هذا الدعاء في الكافي (3) بسنده عن أبي
جعفر الثاني عليه السلام وهو مروي في أكثر كتب دعواتنا، وبطرق المخالفين في كتبهم
أيضا (ما قدمت وما أخرت) لعل المراد بما قدم ما صنعه في حياته واستحق به العقاب،
وبما أخر ما يترتب على أفعاله بعد موته من بدعة أحدثها يعمل بها بعد موته، أو وصية
بشر وغير ذلك، أو المراد
(1) فلاح السائل ص 167. (2) مكارم الاخلاق
ص 327. (3) الكافي ج 2 ص 548.
[3]
تقديم ما أمر الله بتأخيره وتأخير ما أمر
بتقديمه، والاسراف تجاوز الحد في الخطاء. (أنت المقدم) أي الاشياء بحسب الازمنة
والامكنة، والمؤخر لها بحسبهما أو بحسب المراتب الدنيوية، فيرجعان إلى المعز والمذل
أو الاخروية كما قدم الانبياء والاوصياء أنهم أئمة وأخر غيرهم عنهم فجعلهم أتباعا
لهم، ويحتمل أن يراد بهما ما يرجع إلى البداء، ولعله أنسب بالمقام (بعلمك الغيب)
الباء للقسم ويحتمل السببية (خشيتك في السر والعلانية) لعل المراد بالخشية أثرها،
وهو فعل الطاعة وترك المعصية، أي يظهر أثر الخشية مني في حضور الخلق وغيبتهم (في
الغضب) أي عن المخلوقين (والرضا) أي عنهم، والمعنى لا يكون غضبي على أحد سببا لان
لا أقول الحق فيه، ولارضاي عن أحد سببا لان اثبت له ما ليس له، والقصد التوسط في
النفقة. (نعيما لا ينفد) أي في الاخرة أو في الدنيا أو الاعم بأن يتصل نعيم الدنيا
بنعيم الاخرة، وهو أتم، ومثله قرة العين وهو ما يوجب السرور، وقيل اريد به النسل
الذي لا ينقطع لقوله تعالى (هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين) (1) أو المحافظة
على الصلوات لقوله صلى الله عليه وآله (وقرة عيني في الصلاة). وقال في النهاية: فيه
الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة، أي لاتعب فيه ولا مشقة، و كل محبوب عندهم بارد،
والنظر إلى الوجه المراد به النظر بعين القلب إلى ذاته تعالى أو بعين الرأس إلى
حججه عليهما السلام فانهم وجه الله الذي يتوجه بهم إليه، ومن أراد التوجه إلى الله
يتوجه إليهم، وكذا المراد بلقائه تعالى إما لقاؤهم أو لقاء ثوابه، وعلى التقديرين
اريد به الشوق إلى الموت والاخرة، وقطع التعلق عن الدنيا. وقوله: (من غير ضراء)
متعلق به أي لا يكون رضاي بالموت بسبب البلايا الشديدة التي لا يمكنني الصبر عليها،
فأتمنى الموت لها، (والمضرة) تأكيد للضراء، أو وصف لها لانه لا يكون الدنيا بدون
الضراء في الجملة، ولكن لا يكون ضراء لا يمكنني الصبر عليها، أو المراد بها مضرة
الاخرة، وقيل متعلق بأحيني ويحتمل تعلقه بالجميع أي أعطني جميع ذلك من غير أن يكون
بي ضراء شديدة.
(1) الفرقان: 74.
[4]
(بزينة الايمان) الاضافة بيانية أو المعنى
الزينة التي تحصل من الايمان وهو التحلي بمكارم الاخلاق والاعمال. (فيمن هديت) أي
بالهدايات الخاصة من الانبياء والاولياء، أو المعنى إني لا أستحق الهداية، فاهدني
من بينهم وببركتهم، أو أنك فعلت ذلك بكثير، فان فعلت بي فليس ببديع، فيكون نوع
استعطاف. (عزيمة الرشاد) الرشاد خلاف الغي أي أكون عازما جازما على الرشاد (والثبات
في الامر) أي في الدين وما يلزمه من العبادات، والثبات يحتمل عطفه على العزيمة،
وعلى الرشاد، كما أن الرشد يحتمل عطفه على الامر وعلى الثبات. 3 - المكارم: دعاء
آخر قال الصادق عليه السلام: من قال هذه الكلمات عند كل صلاة مكتوبة، حفظ في نفسه
وداره وولده وماله (اجير نفسي ومالي وولدي وأهلي وداري وكل ما هو مني بالله الواحد
الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، واجير نفسي ومالي وولدي وكل ما هو
مني برب الفلق من شر ما خلق) إلى آخرها (وبرب الناس ملك الناس) إلى آخرها و (بالله
الذي لا إله هو الحي القيوم) آية الكرسي إلى آخرها (1). بيان: رواه في الكافي (2)
بسند حسن عنه عليه السلام، ومذكور في المصباح وسائر الكتب المعتبرة، وقال الجوهري:
الولد قد يكون واحدا وجمعا وكذلك الولد بالضم انتهى، والمشهور أن آية الكرسي إلى
العلي العظيم، ويظهر من بعض الاخبار أنها إلى خالدون وسيأتي في محله. 4 - المكارم:
هذا دعاء آخر من مسموعات السيد ناصح الدين أبي البركات: ومن دعاء السر يا محمد من
أراد أن أرفع صلاته مضاعفة فليقل خلف كل ما افترضت عليه ويرفع يديه (يا مبدئ
الاسرار، ويا مبين الكتمان، ويا شارع الاحكام، وياذارئ الانعام، ويا خالق الانام،
ويا فارض الطاعة، وملزم الدين، ويا موجب التعبد،
(1) مكارم الاخلاق ص 327. (2) الكافي ج 2
ص 549. (*)
[5]
أسألك بحق تزكية كل صلاة زكيتها وبحق من
زكتيها له، أن تجعل صلاتي هذه زاكية متقبلة بتقبلكها، وتصييرك بها ديني زاكيا،
وإلهامك قلبي حسن المحافظة عليها حتى تجعلني من أهلها، الذين ذكرتهم بالخشوع فيها،
أنت ولي الحمد كله، فلا إله إلا أنت فلك الحمد كله بكل حمد أنت له ولي، وأنت ولي
التوحيد كله، فلا إله إلا أنت فلك التوحيد كله بكل توحيد أنت له ولي، وأنت ولي
التهليل كله، فلا إله ألا أنت فلك التهليل كله بكل تهليل أنت له ولي، وأنت ولى
التسبيح كله فلا إله إلا أنت فلك التسبيح كله، بكل تسبيح أنت له ولي، وأنت ولي
التكبير كله، فلا إله إلا أنت فلك التكبير كله بكل تكبير أنت له ولي، رب عد علي في
صلاتي هذه برفعكها زاكية متقبلة إنك أنت السميع العليم) فانه إذا قال: ذلك رفعت
صلاته مضاعفة في اللوح المحفوظ (1). أقول: هذا من أدعية السر أورده الشيخ والكفعمي
(2) في كتابيه، وفيها يا محمد من أراد من امتك أن أرفع صلاته مضاعفة فليقل خلف كل
صلاة افترضته عليه، وهو رافع يديه آخر كل شئ فانه إذا قال ذلك رفعت له صلاته مضاعفة
في اللوح المحفوظ انتهى، فينبغي أن يقرءه آخر التعقيب كما ذكره الشيخ وغيره. 5 -
المكارم: وإذا أردت النهوض من التعقيب فقل: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام
على المرسلين، والحمد لله رب العالمين) فقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه
قال: من أراد أن يكتال بالمكيال الاوفى، فليكن هذا آخر قوله، فان له من كل مسلم
حسنة (3). وعن الحسن بن حماد، عن الصادق عليه السلام قال: من قال في دبر صلاة
الفريضة قبل أن يثني رجليه (استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ذو الجلال
والاكرام وأتوب إليه) غفر الله له ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر، وفي خبر آخر من
قاله في
(1) مكارم الاخلاق ص 230. (2) البلد
الامين ص 515. (3) مكارم الاخلاق 351.
[6]
كل يوم غفر الله له أربعين كبيرة (1).
أقول: رواه في الكافي (2) عن الحسين بن حماد بسند صحيح - والحسن غير موثق - إلى
قوله مثل زبد البحر، وفي بعض نسخه (ذا الجلال) فقوله الحي والقيوم ايضا منصوبان،
والكل صفات للجلالة وأما نسخه ذوا الجلال ورفع الحي والقيوم، فهو إما رفع على المدح
أو صفة للضمير على مذهب الكسائي إذ المشهور بين النحاة أن الضمير لا يوصف، وأجاز
الكسائي وصف ضمير الغائب في نحو قوله تعالى (لا إله إلا هو العزيز الحكيم) وقولك:
مررت به المسكين، والجمهور يحملون مثله على البدلية إذ يجوز الابدال من ضمير الغائب
اتفاقا. 6 - فلاح السائل: باسناده إلى التلعكبري، عن هارون بن موسى، عن أحمد ابن
محمد العطار، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى اليقطيني، عن الحسن بن محبوب، عن
وهب بن عبد ربه قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من سبح تسبيح الزهراء
فاطمة عليها السلام بدأ وكبر الله عزوجل أربعا وثلاثين تكبيرة، وسبحه ثلاثا وثلاثين
تسبيحة، ووصل التسبيح بالتكبير، وحمد الله ثلاثا وثلاثين مرة، ووصل التحميد
بالتسبيح، وقال بعد ما يفرغ من التحميد: - (لا إله إلا الله إن الله وملائكته يصلون
على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما، لبيك ربنا ليك وسعديك،
اللهم صل على محمد وآل محمد، وعلى أهل بيت محمد، وعلى ذرية محمد والسلام عليه
وعليهم ورحمة الله وبركاته، وأشهد أن التسليم منا لهم، والايتمام بهم، والتصديق
لهم، ربنا آمنا وصدقنا واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين. اللهم صب الرزق علينا
صبا صبا، بلاغا للاخرة والدنيا، من غير كد ولانكد، ولامن من أحد من خلقك، إلا سعة
من رزقك، وطيبا من وسعك، من يدك الملاى عفافا، لامن أيدي لئام خلقك، إنك على كل شئ
قدير، اللهم اجعل النور في بصري، والبصيرة في ديني، واليقين في قلبي، والاخلاص في
عملي، والسعة في رزقي
(1) مكارم الاخلاق ص 363. (2) الكافي ج 2
ص 521.
[7]
وذكرك بالليل والنهار على لساني، والشكر
لك أبدا ما أبقيتني، اللهم لا تجدني حيث نهيتني، وبارك لي فيما أعطيتني، وارحمني
إذا توفيتني إنك على كل شئ قدير) - غفر الله له ذنوبه كلها، وعافاه من يومه وساعته
وشهره وسنته إلى أن يحول الحول من الفقر والفاقة والجنون والجذام والبرص، ومن ميتة
السوء، ومن كل بلية تنزل من السماء إلى الارض، وكتب له بذلك شهادة الاخلاص بثوابها
إلى يوم القيامة، وثوابها الجنة البتة. فقلت له: هذا له إذا قال ذلك في كل يوم من
الحول إلى الحول ؟ فقال: لا ولكن هذا لمن قال من الحول إلى الحول مرة واحدة يكتب له
وأجزأ له إلى مثل يومه وساعته وشهره من الحول الجائي الحائل عليه (1). بيان: (إن
التسليم منالهم) أي منحصر فيهم وكذا قرينتاها، والبلاغ الكفاية ذكره الجوهري، وقال
نكد عيشهم بالكسر ينكد نكدا إذا اشتد ورجل نكد أي عسر. 7 - فلاح السائل: ومن
المهمات من يريد طول البقاء أن يكون من تعقيبه بعد كل صلاة ما رواه أبو محمد هارون
بن موسى، عن أبي الحسين علي بن محمد بن يعقوب العجلي الكسائي، عن علي بن الحسن بن
فضال، عن جعفر بن محمد بن حكيم، عن جميل ابن دارج قال: دخل رجل إلى أبي عبد الله
عليه السلام فقال له: يا سيدي علت سني ومات أقاربي، وأنا خائف أن يدركني الموت وليس
لي من آنس به وأرجع إليه، فقال له: إن من إخوانك المؤمنين من هو أقرب نسبا أو سببا
وانسك به خير من انسك بقريب ومع هذا فعليك بالدعاء، وأن تقول عقيب كل صلاة: (الهم
صل على محمد وآل محمد، اللهم إن الصادق عليه السلام قال: إنك قلت: ما ترددت في شئ
أنا فاعله كترددي في قبض روح عبدي المؤمن: يكره الموت وأكره مساءته، اللهم فصل على
محمد وآل محمد وعجل لوليك الفرج والعافية والنصر، ولا
(1) فلاح السائل ص 135 - 137.
[8]
تسؤني في نفسي، ولا في أحد من أحبتي) أن
شئت أن تسميهم واحدا واحدا فافعل، وإن شئت متفرقين وإن شئت مجتمعين. قال الرجل:
والله لقد عشت حتى سئمت الحياة، قال أبو محمد هارون بن موسى رحمه الله: إن محمد بن
الحسن بن شمون البصري كان يدعو بهذا الدعاء فعاش مائة وثمان وعشرين سنة في خفض إلى
أن مل الحياة فتركه فمات - ره - (1). المكارم ودعوات الراوندي ومصباح الشيخ وجنة
الامان والبلد الامين (2): روي أن من دعا بهذا الدعاء عقيب كل فريضة وواظب على ذلك،
عاش حتى يمل الحياة، وفي المكارم إن رسولك الصادق المصدق صلواتك عليه وآله قال، وفي
البلد الامين اللهم إن الصادق الامين صلى الله عليه وآله، قال. والمصباح موافق
للمتن. بيان: قيل في التردد الوارد في الخبر وجوه: الاول أن في الكلام إضمارا،
والتقدير: لو جاز على التردد ما ترددت في شئ كترددي في وفاة المؤمن. الثاني أنه لما
جرت العادة بأن يتردد الشخص في مساءة من يحترمه ويوقره كالصديق والخل وأن لا يتردد
في مساءة من ليس له عنده قدر ولا حرمة كالعدو والموذيات صح أن يعبر بالتردد
والتواني في مساءة الرجل من توقيره واحترامه، و بعدمها عن إذلاله واحتقاره، فالمعنى
ليس لشئ من مخلوقاتي عندي قدر وحرمة، كقدر عبدي المؤمن وحرمته، فالكلام من قبيل
الاستعارة التمثيلية. الثالث أنه قد مر أن الله سبحانه يظهر للعبد المؤمن عند
الاحتضار من اللطف والكرامة والبشارة بالجنة ما يزيل عنه كراهة الموت، ويوجب رغبته
في الانتقال إلى دار القرار، فيقل تأذيه به، ويصير راضيا بنزوله، راغبا في حصوله،
فأشبهت هذه المعاملة معاملة من يريد أن يؤلم حبيبه ألما يتعقبه نفع عظيم، فهو يتردد
في أنه
(1) فلاح السائل ص 168 - 167. (2) مكارم
الاخلاق ص 329، البلد الامين ص 12.
[9]
كيف يوصل ذلك الالم إليه على وجه يقل
تأذيه به، فلا يزال يظهر له ما يرغبه فيما يتعقبه من اللذة الجسيمة، إلى أن يتلقاه
بالقبول. وقوله: (يكره الموت) جملة مستأنفة كأن سائلا يسأل ما سبب التردد فاجيب
بذلك، ويحتمل الحالية من المؤمن، والمساءة مصدر ميمي من ساءه إذا فعل به ما يكرهه.
قوله عليه السلام: (وإن شئت متفرقين) أي فرقت الاحبة على الصلوات (وإن شئت مجتمعين)
أي ذكرت الجميع في كل صلاة أو التفرق إعادة الفعل أعني لاتسؤني في كل واحد،
والاجتماع عدمها أو الاول ذكرهم إفرادا والثاني ذكرهم أصنافا إذ المراد بالاول ذكر
بعضهم على الخصوص وبعضهم على العموم، وبالثاني ذكر جميعهم على العموم بلفظ واحد كما
في أصل الدعاء، وفي المصباح هكذا (في نفسي ولا في أهلي ولا في مالي ولا في أحد من
أحبتي). 8 - فلاح السائل: ومن المهمات الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وآله
لعلي عليه السلام ليحفظ كل ما يسمع، روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لامير
المؤمنين عليه السلام: إذا أردت أن تحفظ كل ما تسمع وتقرأ فادع بهذا الدعاء في دبر
كل صلاة، وهو (سبحان من لا يعتدي على أهل مملكته، سبحان من لا يأخذ أهل الارض
بألوان العذاب، سبحان الرؤف الرحيم، اللهم اجعل لي في قلبي نورا وبصرا وفهما وعلما
إنك على كل شئ قدير). ومن المهمات لمن يريد قضاء الحاجات أن يقول إذا فرغ من الصلاة
ما رواه أبو محمد هارون بن موسى - ره - عن علي بن محمد بن يعقوب الكسائي، عن الحسن
بن علي بن فضال، عن أبيه، عن ثعلبه بن ميمون، عن عبد الملك بن عبد الله القمي، عن
أخيه إدريس بن عبد الله قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا فرغت من
الصلاة فقل: اللهم إني أدينك بطاعتك وولايتك وولاية رسولك صلى الله عليه وآله
وولاية الائمة من أولهم إلى آخرهم - وتسميهم واحدا واحدا - وتقول: اللهم إني أدينك
بطاعتهم و ولايتهم، والرضا بما فضلتهم به غير متكبر ولا مستكبر على معنى ما أنزلت
في كتابك
[10]
على حدود ما أتانا فيه وما لم يأتنا مؤمن
معترف مسلم بذلك، راض بما رضيت به، يا رب اريد به وجهك والدار الاخرة، مرهوبا
ومرغوبا إليك فيه، فأحيني على ذلك وأمتني إذا أمتني على ذلك، وابعثني على ذلك، وإن
كان مني تقصير فيما مضى فاني أتوب إليك منه وأرغب إليك فيما عندك، وأسألك أن تعصمني
بولايتك عن معصيتك ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك ولا أكثر إن النفس
لامارة بالسوء إلا ما رحمت يا أرحم الراحمين وأسألك أن تعصمني بطاعتك حتى تتوفاني
عليها، وأنت عني راض، وأن تختم لي بالسعادة، ولا تحولني عنها أبدا، ولاقوة إلا بك،
اللهم إني أسئلك بحرمة وجهك الكريم، وبحرمة اسمك العظيم، وبحرمة رسولك صلواتك عليه
وآله، وبحرمة أهل بيت رسولك عليهم السلام - وتسميهم - أن تصلي على محمد وآل محمد،
وأن تفعل بي كذا وكذا، وتذكر حوائجك (1) إنشاء الله. مصباح الشيخ: مثله ذكره في
سياق الادعية من غير إسناد، ومن قوله (أن تعصمني بطاعتك) إلى قوله (اللهم إني
أسئلك) لم يكن في نسخ فلاح السائل، وكان في المصباح وغيره فالحقناه، ومن قوله (فيما
مضى) إلى قوله (بولايتك) لم يكن في المصباح ولعله سقط من النساخ، ورواه الشيخ في
التهذيب (2) في أدعية نوافل شهر رمضان عن علي بن حاتم، عن محمد بن أبي عبد الله، عن
سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن عبد الملك القمي، عن أخيه
عنه مثله وسيأتي. بيان: قوله عليه السلام: (على معنى ما أنزلت) لعل المعنى أو من
بهم وبفضائلهم على الوجه الذي أنزلته في كتابك، وإن لم يحط به علمي ولم أفهمه من
الكتاب، والحاصل أني لا احيط علما بفضائلهم وبشرائط طاعتهم وحدوددها، فاومن بذلك
مجملا، ويحتمل تعلقه بقوله (ولا مستكبر) أي لا أتكبر على شئ من معاني كتابك على
الحدود التي أحطنا بها، أو لم نحط، بل أقبل جميعها واذعن بها، وأعزم على الاتيان
بها، ويحتمل أن يكون المعنى أدين بما أتانا به إثباتا، وبما لم يأتنا به نفيا
والاول أظهر.
(1) فلاح السائل ص 168. (2) التهذيب ج 3 ص
99 ط نجف.
[11]
9 - فلاح السائل: ومن المهمات في تعقيب
الصلاة لزيادة السعادات الاقتداء بالصادق عليه السلام فيما نذكره من الدعوات كما
روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: دخلت على أبي يوما وهو يصدق على فقراء أهل
المدينة بثمانية آلاف دينار، وأعتق أهل بيت بلغوا أحد عشر مملوكا، فكان ذلك أعجبني،
فنظر إلى ثم قال: هل لك في أمر إذا فعلته مرة واحدة خلف كل صلاة مكتوبة كان أفضل
مما رأيتني صنعت، ولو صنعته كل عمر نوح ؟ قال: قلت: ما هو ؟ قال: تقول خلف الصلاة:
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت ويميت
ويحيي بيده الخير وهو على كل شئ قدير، ولاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم،
سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان ذي الكبرياء والعظمة،
سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان ربي الاعلى، سبحان ربي العظيم، سبحان الله وبحمده،
كل هذا قليل يا رب وعدد خلقك وملء عرشك، ورضا نفسك ومبلغ مشيتك وعدد ما أحصى كتابك
وملء ما أحصى كتابك وزنة ما أحصى كتابك ومثل ذلك أضعافا لا تحصى وعدد خلقك وملء
خلقك وزنة خلقك ومثل ذلك أضعافا لا تحصى وعدد بريتك وملء بريتك وزنة بريتك ومثل ذلك
أضعافا لا تحصى وعدد ما تعلم وزنة ما تعلم وملء ما تعلم ومثل ذلك أضعافا لا تحصى،
وان التحميد والتعظيم والتقديس والثناء والشكر والخير والمدح والصلاة على النبي
وأهل بيته صلى الله عليه وعليهم مثل ذلك وأضعاف ذلك وعدد ماخلقت وذرأت وبرأت وعدد
ما أنت خالقه من شئ وملء ذلك كله وأضعاف ذلك كله أضعافا لو خلقتهم فنطقوا بذلك منذ
قط إلى الابد لا انقطاع له يقولون كذلك ولا يسأمون ولا يفترون أسرع من لحظ البصر
وكما ينبغي لك وكما أنت له أهل وأضعاف ما ذكرت وزنة ما ذكرت وعدد ما ذكرت ومثل جميع
ذلك كل هذا قليل يا إلهي تباركت وتقدست وتعاليت علوا كبيرا يا ذا الجلال والاكرام
أسألك على إثر هذا الدعاء بأسمائك الحسنى وأمثالك العليا وكلماتك التامات أن
تعافيني في الدنيا والاخرة قال أبويحيى سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: الدعاء هذا
مستجاب (1).
(1) فلاح السائل: 169 و 170.
[12]
بيان: (يصدق) بتشديد الصاد والدال أي
يتصدق قلبت التاء صادا وادغمت، وفي التنزيل الكريم إن المصدقين والمصدقات) (1)
والمصدق بالتخفيف آخذ الصدقات وبالتشديد معطيها، والملكوت مأخوذ من الملك كالجبروت
من الجبر، وقد يطلق الملكوت على السماويات، والملك على الارضيات، وقيل الملكوت
المجردات، والملك الماديات، وفي النهاية الكبرياء العظمة والملك وقيل: هي عبارة عن
كمال الذات وكمال الوجود، ولا يوصف بها إلا الله تعالى. قوله عليه السلام (وعدد
خلقك) أي اريد أن اسبحك بتلك التسبيحات بهذا العدد، أو أنت مستحق لها بهذا العدد
(وملء عرشك) تشبيه للمعقول بالمحسوس (ورضا نفسك) أي اسبحك بعدد ترضى به عني، وبعدد
يبلغ ما شئته وأردته من خلقك، أو يوافق عدد مشياتك في خلقك وهي لا تتناهى، والكتاب
اللوح أو القرآن، وقط ظرف زمان لاستغراق ما مضى، ويختص بأصل وضعه بالنفي، وقد
يستعمل في الاثبات، قال الفيروز آبادي: قط للنفي في الزمان الماضي، وفي مواضع من
البخاري جاء بعد المثبت وفي سنن أبي داود توضأ ثلاثا قط وأثبته ابن مالك في الشواهد
انتهى وقد يقرء قط بمعنى قطع كناية عن الخلق، والاول أظهر. 10 - فلاح السائل: ومن
المهمات الامتثال لقول مولانا الصادق جعفر بن محمد صلوات الله عليهما في الدعاء
عقيب كل فريضة كما رواه أبو الفرج محمد بن موسى بن علي القزويني، عن أحمد بن محمد
بن يحيى العطار في كتابه على يدي أبي محمد الحداد، عن جعفر بن محمد بن مالك
الفزاري، عن أحمد بن مالك بن الحارث الاشتر، عن محمد ابن عثمان، عن أبي بصير، عن
أبي عبد الله عليه السلام قال: تدعو في أعقاب الصلوات الفرائض بهذه الادعية: اللهم
إني أسألك بحق محمد وآل محمد براءة من النار، فاكتب لنا براءتنا، وفي جهنم فلا
تجعلنا، وفي عذابك وهوانك فلاتبتلنا، ومن الضريع والزقوم فلا تطعمنا، ومع الشياطين
في النار فلا تجمعنا، وعلى وجوهنا في النار فلا تكببنا، ومن ثياب النار وسرابيل
(1) الحديد: 18. (*)
[13]
القطران فلا تلبسنا، ومن كل سوء يا لا إله
إلا أنت يوم القيامة فنجنا، وبرحمتك في الصالحين فأدخلنا، وفي عليين فارفعنا، وبكأس
من معين وسلسبيل فاسقنا، ومن الحور العين برحمتك فزوجنا، ومن الولدان المخلدين
كأنهم لؤلوء مكنون مثنور فأخدمنا، ومن ثمار الجنة ولحوم الطير فأطعمنا، ومن ثياب
الحرير والسندس والاستبرق فاكسنا، وليلة القدر وحج بيتك الحرام فارزقنا، وسددنا،
وقربنا إليك زلفى، وصالح الدعاء والمسألة فاستجب لنا. يا خلقنا اسمع لنا، واستجب،
وإذا جمعت الاولين والاخرين يوم القيامة فارحمنا، يا رب عز جارك، وجل ثناؤك، ولا
إله غيرك (1). بيان: الضريع والزقوم من طعام أهل النار أعاذنا الله منها، وقال
سبحانه: (سرابيلهم من قطران) (2) السربال القميص، والقطران بفتح القاف وكسر الطاء
الذي يطلى به الابل التي بها الجرب، فيحرق بحدته وحرارته الجرب يتخذ من حمل شجر
العرعر فيطبخ بماء ثم يهنأ به، وسكون الطاء وفتح القاف وكسرها لغة، وقرئ (من قطرآن)
أي نحاس قد انتهى حره. (ومن كأس) مأخوذ من قوله تعالى: (يطاف عليهم بكأس من معين)
(3) أي شراب معين أو نهر معين أي ظاهر للعيون، أو خارج من العيون، وهو صفة الماء من
عان الماء إذا نبع، وصف به خمر الجنة لانها تجري كالماء ذكره البيضاوي وقال: في
قوله تعالى: (عينا فيها تسمى سلسبيلا) (4) السلاسة انحدارها في الحلق، والسهولة
مساغها يقال شراب سلسل وسلسال وسلسبيل، والحور جمع الحوراء، وهي التي اشتد بياض
عينها وسوادها، وقيل الحوراء البيضاء، والعيناء عظيم العينين. ومن الولدان المخلدين
أي المبقين ولدانا لا يتغيرون ولا يشيبون، وقيل:
(1) فلاح السائل ص 176. (2) ابراهيم: 50.
(3) الصافات: 45. (4) الانسان: 18.
[14]
أي المقرطين، وتشبيههم باللؤلوء المنثور
لصفاء ألوانهم وكثرتهم وانبثاثهم في مجالسهم وانعكاس شعاع بعضهم إلى بعض، والسندس:
رقيق الديباج والحرير، والاستبرق غليظه، أو ديباج يعمل بالذهب (عز جارك) الجار من
أمنته، أي من دان في أمانك فهو عزيز غالب. أقول: أورد الشيخ في المصباح هذا الدعاء
في التعقيبات المختصة بصلاة الظهر وفيه (وليلة القدر فارحمنا وحج بيتك) الخ. 11 -
فلاح السائل: ومن المهمات بعد فراغه من الصلوات لتلافي ما يكون حصل فيها من الغفلات
والجنايات من كتاب أحمد بن عبد الله بن خابنه، وقد ذكر جدي السعيد أبو جعفر الطوسي
في كتاب الفهرست أنه من أصحابنا الثقات، وروى لنا العمل بما تضمنه كتابه في
الدعوات: حدث أبو محمد هارون بن موسى رحمة الله عليه عن أبي علي الاشعري وكان قائدا
من القواد عن سعد بن عبد الله الاشعري قال: عرض أحمد بن عبد الله بن خانبه كتابه
على مولانا أبي محمد الحسن بن علي بن محمد صاحب ا