الى اجزاء البحار الى المكتبة الهاشمية الى الصفحة الرئيسية

بحار الانوار الجزء 82

العلامة المجلسي


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس الله سره) الجزء الثاني والثمانون دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان الطبعة الثالثة المصححة 1403 ه‍ - 1983 م


 

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم (23) * (باب) * * " (القراءة وآدابها وأحكامها) " * الايات: النحل: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (1). المزمل: ورتل القرآن ترتيلا (2).

 

(1) النحل: 98، لكن خطاب الاية الكريمة متوجه إلى النبي صلى الله عليه وآله فتكون الاستعاذة المأمور بها فرضا عليه وسنة لامته صلى الله عليه وآله بالاقتداء والتأسى، لكونها سنة في فريضة: الاخذ بها هدى وتركها ضلالة وكل ضلالة سبيلها إلى النار. (2) المزمل: 4، والاية توجب ترتيل القرآن بمعنى قراءته مرتلا منسقا سورة بعد سورة حتى يأتي على آخرها، قال عزوجل: يا ايها المزمل قم الليل الا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا) فأمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أولا بتهجد الليل ثم بترتيل القرآن، الا أن أمره بقيام الليل مستقل من أمهات الكتاب، وأمره بالترتيل غير مستقل من المتشابهات بها، فأوله رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الصلاة بعد تكبيرة الاحرام قبل الركوع، فتكون سنة في فريضة الاخذ بها هدى وتركها ضلالة، ومن تركها عمدا بطلت صلاته لاعراضه عن سنة الرسول الله صلى الله عليه وآله. وانما قلنا بقراءته سورة بعد سورة حتى يأتي على آخرها، لاطلاق لفظ القرآن والاطلاق في كلام الحكيم محكم، وأما امكان ذلك في تهجد ليلة، أو صلوات يوم وليلة = [*]

 

[2]

 

 

= = فلان سورة المزمل من أوائل السور النازلة على النبي صلى الله عليه وآله، وقد قيل بأنها ثالث ثلاثة: نزلت أولا سورة العلق ثم القلم ثم المزمل، وان كان لا يخلو عن بعد بملاحظة مضمون الايات الكريمة. وكيف كان، لازم قوله عزوجل: (ورتل القرآن ترتيلا) نزول صدر السورة وفيها هذه الاية الشريفة - في ظرف كان يمكن قراءة سور القرآن منسقا ومنضدا ومرتلا في تهجد واحد، ولعله لم تكن السور النازلة قبلها تربو على عدد الاصابع، وسيأتى تأييد ذلك في الاية المتممة للعشرين من هذه السورة. وأما الترتيل: فهو معنى لا يتعلق الا بالشئ ذى الاجزاء المختلفة والمراد تنسيق تلك الاجزاء وتنضيدها أحسن نضد واتساق، وانتظامها سلكا واحدا يقع كل جزء موقعه الخاص به المناسب له من حيث الترتيب، يقال ثغر مرتل: إذا كان مستوى النبات حسن التنضيد، كلام رتل: حسن التأليف، ترتل في الكلام: ترسل وتأنق في قراءته بتبيين الحروف وأداء الوقوف وحسن تنسيقها، لا يندمج بعضها في بعض. وأما القرآن الكريم، فلما كان مشتملا على سور متعددة، وكل سورة في طيها آيات وكل آية مركب من جملات، وكل جملة من كلمات، وكل كلمة من حروف، كان ترتيل القرآن بقراءته سورة بعد سورة لا أقل من قراءة سورتين في ركعة، ليتم معنى التنسيق والتنضيد وترتيل السورة بقراءة آياتها مرتبة منسقة من دون تقديم وتأخير بين. آياتها المتناسقة وبلا زيادة فيها ونقيصة منها، ومنه الوقف عند تمام الاية الشريفة - كما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله لئلا يندمج الاية في الاية. وأما ترتيل الاية فبقراءة جملاتها منظمة مترسلة ومنه حفظ الوقوف، وترتيل الجملة بقراءة الكلمات بعضها اثر بعض من دون ريث وسكتة، ومنه رعاية الوقف بالحركة و الوصل بالسكون، وترتيل الكلمة بترسيل الحروف متسقة وتبيينها من مخارجها منتظمة لا يندمج بعضها في بعض. ومن الترتيل وحسن الترسل في القراءة أن يتانق في اعلاء صوته حين القراءة كما = [*]

 

[3]

وقال سبحانه: فاقرؤا ما تيسر من القرآن (1).

 

= = يتأنق الخطيب المصقع يتصوب بصوته تارة ويتصعد به اخرى حسب مقتضى المقام، فلو علا بصوته في كلمة ثم خفض صوته بالكلمة بعدها وهكذا بحيث صار مخالفا لطبع القراءة كان خارجا عن الترتيل الواجب عليه بالسنة، والكلام في الاسراع بالقراءة والابطاء فيها كالكلام في اعلاء الصوت واخفاضها لايا بلاى. ويؤيد هذا المعنى بل يصرح به قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا) الفرقان: 33، لان المعنى انا أنزلنا القرآن متفرقا بين قطعاتها سورة سورة لنثبت به فؤادك بانزال كل سورة عند الحاجة إليها ولتقرءه على الناس على مكث، فيتعلموه ويتأنسوا به. لكنه معذلك لم يكن التفريق بين قطعة وقطعة وبين سورة وسورة، وآية وآية كتفرقة الدقل ونثره ونثر الشذر بانقطاع سلكه، بل رتلناه ترتيلا يتسق نظام آياته و ينتظم نطاق قصصه وعبره، ويتنضد سياق حكمه وأمثاله، وزواجره ورغائبه، مع ما في طيها من أحكام المعاملات والعبادات وقد وقع كل موقعه بحسن التأليف والترصيف. (1) المزمل: 20، وقد كان على المؤلف العلامة أن ينقل تمام الاية لمسيس الحاجة إليها، وها أناذا أنقلها مع ما يتعلق بها من الابحاث: قال عزوجل: (ان ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه (اشارة إلى ما نزل في صدر السورة من أمره صلى الله عليه وآله بقيام الليل في هذه الاوقات المعينة ثلاث مرات متهجدا ثم أمره بترتيل القرآن سورة بعد سورة حتى يأتي على آخرها في تمام تهجده) و (هكذا يعلم أنه تقوم) طائفة من الذين معك (رغبة في حسن ثواب الله من المقام المحمود، واقتداء وتأسيا بك رجاء لله وفى اليوم الاخر، لكنه ليس لهم طاقة كطاقتك. ولا رغبة كرغبتك، ولا هم يحفظون ويتذكرون سور القرآن بتمامها) والله يقدر الليل والنهار (فتارة يقصر الليل ويطول النهار وتارة بالعكس، فلا يسع الوقت لقراءة القرآن بتمام سوره). (وعلى أي حال وعلة) علم أن لن تحصوه (أي لن تحصوا القرآن بقراءة تمام = [*]

 

[4]

وقال تعالى: فأقرؤا ما تيسر منه. تفسير: (فإذا قرأت القرآن) أي أردت قراءته، ونقل عليه الاجماع، قال في

 

= = سوره وترتيله سورة سورة، خصوصا في مستقبل أمركم حيث ينزل عليكم سائر القرآن بسوره السبع الطوال والمثاني والمئين والمفصل) فتاب عليكم (وخفف عنكم حيث كتب على نفسه الرحمة من تشريع دين سمحة سهلة) فاقرؤا ما تيسر من القرآن (أي فلا يلزمكم بعدئذ أن ترتلوا القرآن بتمامه سورة بعد سورة، بل اقرؤا ما تيسر لكم من سور القرآن، كل بحسب حاله وفراغه وذكره حتى لا يختل عليكم أمر المعاد والمعاش، والنوم واليقظة. فالمراد من قوله عزوجل: (ما تيسر من القرآن) بقرينة لفظ اليسر والمقابلة بقوله (علم أن لن تحصوه) هو سورة كاملة يتيسر قراءتها ويكون تذكرها وحفظها وتعلمها وترتيلها سهلا يسيرا، كل على حسب حاله، كما صرح بذلك في قوله عزوجل: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) حيث نزل القرآن سورة سورة وجعل لكل سورة نسقا ونضدا في ترتيب آياتها، فمن كان ذا ذكر قوى يقدر أن يحفظ أمثال سورة البقرة من السبع الطوال، ومن كان على دون ذلك يحفظ أمثال سورة الحجر من المئين ومن كان دون ذلك يحفظ أمثال سورة الرحمن من المفصل، ومن كان يغلب عليه النسيان فلا أقل من أنه يحفظ السور القصار. وقد كان تنبه لذلك من المتقدمين ابن سيرين حيث قال لرجل: لا تقل سورة خفيفة، ولكن قل سورة ميسرة لان الله يقول: (ولقد يسرنا القرآن للذكر) أخرجه ابن المنذر عنه على ما في الدر المنثور ج 6 ص 135. ثم قال عزوجل: علم أن سيكون منكم مرضى (فيشغله هم الوجع من قراءة القرآن) وآخرون يضربون في الارض (عند أسفارهم) يبتغون من فضل الله (فليس لهم كثير فراغ) وآخرون يقاتلون في سبيل الله (اشارة إلى ما سيؤل إليه أمر الامة بالقتال مع المشركين فيخافون أن يفتنهم الذين كفروا) فاقرؤا ما تيسر منه (في هذه الحالات، فانه لا أقل من قراءة سورة واحدة خفيفة يسيرة كسورة النصر ثلاث آيات، ومن رغب عن قراءة القرآن مطلقا فلا صلاة له على أي حالة كانت. ولا يذهب عليك أن هذا الحكم كان قبل نزول قوله تعالى في سورة الحجر: = = [*]

 

[5]

مجمع البيان: (1) معناه إذا أردت يا محمد قراءة القرآن فاستعذ بالله من شر الشيطان المرجوم المطرود الملعون، وهذا كما يقال: إذا أكلت فاغسل يديك، وإذا صليت فكبر، ومنه (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) والاستعاذة استدفاع الادنى بالاعلى على وجه الخشوع والتذلل، وتأويله استعذ بالله من وسوسة الشيطان عند قراءتك لتسلم في التلاوة من الزلل وفي التأويل من الخطل، والاستعاذة عند التلاوة مستحبة غير واجبة بلا خلاف في الصلاة، وخارج الصلاة انتهى. وفي كيفية الاستعاذة عند القراء اختلاف كثير، فقال ابن كثير وعاصم وأبو عمرو: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) ونافع وابن عامر والكسائي كذلك بزيادة (إن الله هو السميع العليم) وحمزة (نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم) وأبو حاتم (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم) والاشهر بيننا الاول والاخير، وفي بعض رواياتنا (أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم) وزاد في بعضها (إن الله هو السميع العليم) وفي بعضها (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وأعوذ بالله أن يحضرون) وفي بعضها (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو الفتاح العليم). قال الشهيد - ره - في الذكرى في سنن القراءة: فمنها الاستعاذة قبل القراءة في الركعة الاولى خاصة من كل صلاة، لعموم فإذا قرأت القرآن أي أردت القراءة، ولما روى أبو سعيد الخدري (2) أن النبي صلى الله عليه وآله كان يقول قبل القراءة: أعوذ بالله من

 

= = (ولقد آتيناك سبعا من المثانى والقرآن العظيم) الاية: 87، وبعد ما نزلت الاية وجعل سورة الفاتحة في قبال القرآن العظيم كأنها في كفة والقرآن العظيم في كفة، اختارها النبي صلى الله عليه وآله بدلا من قراءة قرآن كامل، وجعلها في أول الركعة، وقال: لا صلاة الا بفاتحة الكتاب وخير المصلين على ما خيرهم الله في آية المزمل بقراءة سورة ميسرة بعدها على حسب حالهم حتى أنه يمكنهم أن يجتزئوا من قراءة السورة بقراءة الحمد في حال المرض والسفر، فان الفاتحة أيضا سورة ميسرة، والحمد لله رب العالمين. (1) مجمع البيان ج 6 ص 384. (2) الذكرى: 191. [*]

 

[6]

الشيطان الرجيم، ولرواية الحلبي (1) عن الصادق عليه السلام وصورته ما روى الخدري، وروي أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، ورواه البزنطي عن معاوية بن عمار (2) عن الصادق عليه السلام واختاره المفيد في المقنعة، وروى (3) سماعة أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم، وقال ابن البراج: يقول: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم). وللشيخ أبي علي ابن الشيخ الاعظم أبي جعفر الطوسي قول بوجوب التعوذ للامر به، وهو غريب، لان الامر هنا للندب بالاتفاق، وقد نقل فيه والده في الخلاف الاجماع، وقد روى الكليني (4) عن أبي جعفر عليه السلام إذا قرأت بسم الله الرحمن الرحيم فلا تبال أن لا تستعيذ. ثم قال - ره -: لا تتكرر الاستعاذة عندنا وعند الاكثر، ولو نسيها في الاولى لم يأت بها في الثانية، انتهى. وأقول: الظاهر التخيير بين أنواع الاستعاذة الواردة في النصوص، ولولا الاخبار الكثيرة لتأتى القول بوجوب الاستعاذة في كل ركعة يقرء فيها بل في غير الصلاة عند كل قراءة (5) لكن الاخبار الكثيرة تدل على الاستحباب، وتدل بظواهرها على

 

(1) تراه في التهذيب ج 1 ص 152. (2) أخرجه في الذكرى، ولم يعثر عليه في الكتب الاربعة. (3) التهذيب ج 1 ص 177. (4) الكافي ج 3 ص 313، ولما روى أيضا أن الشياطين إذا سمعوا (بسم الله الرحمن الرحيم) ولوا على أدبارهم نفورا، وبعد نفورهم وتوليهم مدبرين لا حاجة إلى الاستعاذة منهم، فتكون البسملة كالاستعاذة بل هو أحسن. (5) قد عرفت في ج 83 ص 166 أن الاية من المتشابهات، ظاهرها الاستقلال، وليس كذلك، فلا يجوز اتباعها الابعد تأويلها، وقد أولها رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام إلى الركعة الاولى من الصلاة، فالمتبع سنته صلى الله عليه وآله وسلم لا يجوز التخطي عنها أبدا وانما لم تجب الاستعاذة في حال الاختيار كسائر السنن ولم تبطل الصلاة بتعمد تركها لكون البسملة خلفا عن الاستعاذة، على ما عرفت. [*]

 

[7]

اختصاصه بالركعة الاولى والاجماع المنقول والعمل المستمر مؤيد، ومن مخالفة ولد الشيخ يعلم معنى الاجماع الذي ينقله والده قدس سره (1) وهو أعرف بمسلك أبيه ومصطلحاته. (ورتل القرآن ترتيلا) قال في الصحاح: الترتيل في القراءة الترسل فيها والتبيين من غير بغي، وفي النهاية التأني فيها والتمهل، وتبيين الحروف والحركات تشبيها بالثغر المرتل، وهو المشبه بنور الاقحوان. وفي المغرب الترتيل في الاذان وغيره أن لا يعجل في إرسال الحروف، بل يتثبت فيها ويبينها تبيينا، ويوفيها حقها من الاشباع، من غير إسراع، من قولهم ثغر مرتل ورتل مفلج مستوى النسبة حسن التنضيد. وقال المحقق في المعتبر: هو تبيينها من غير مبالغة، قال: وربما كان واجبا إذا اريد به النطق بالحروف، بحيث لا يدمج بعضها في بعض، ويمكن حمل الاية عليه لان الامر عند الاطلاق للوجوب، وتبعه العلامة في المنتهى وقال في النهاية: يعني به بيان الحروف وإظهارها ولا يمد بحيث يشبه الغناء وقال في الذكرى: هو حفظ الوقوف وأداء الحروف. وقال في مجمع البيان (2) أي بينه بيانا واقرءه على هينتك وقيل معناه ترسل فيه ترسلا، وقيل: تثبت فيه تثبتا وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام في معناه أنه قال: بينه بيانا ولا تهذه هذ الشعر، ولا تنثره نثر الرمل، ولكن أقرع به القلوب القاسية،

 

(1) كان الشيخ قدس سره يذهب إلى قاعدة اللطف بأن على الامام الغائب - أرواح العالمين له الفداء - أن يظهر الحق من الاحكام عند اشراف الامة على خلاف الحق لئلا تجتمع شيعته على الخطاء، وكان قدس سره رئيس المذهب في وقته لا يشذ العلماء المتفقهون عن حوزته، فإذا عنون مسألة فقهية وبحث فيها ولم يخالف معه أحد ممن لا يعرف شخصه ونسبه، ولم ينقل خلاف فيه ممن هو كذلك ادعى الشيخ قدس سره الاجماع على المسألة و لو كان ولده أو السيد المرتضى وأمثالهما ممن يعرف شخصه ونسبه مخالفا في المسألة. فافهم ذلك. (2) مجمع البيان ج 9 ص 377. [*]

 

[8]

ولا يكونن هم أحدكم آخر السورة، وروى أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في هذا قال: هو أن تتمكث فيه وتحسن به صوتك انتهى. وعد الشهيد - ره - في النفلية الترتيل من المستحبات، وقال: هو تبيين الحروف بصفاتها المعتبرة من الهمس والجهر والاستعلاء والاطباق والغنة وغيرها، والوقف التام والحسن، وعند فراغ النفس مطلقا، وفسر الشهيد الثاني - ره - التام بالذي لا يكون للكلام قبله تعلق بما بعده لفظا ولا معنى، والحسن بالذي يكون له تعلق من جهة اللفظ دون المعنى، ثم قال: ومن هنا يعلم أن مراعاة صفات الحروف المذكورة وغيرها ليس على وجه الوجوب، كما يذكره علماء فنه، مع إمكان أن يريدوا تأكيد الفعل كما اعترفوا في اصطلاحهم على الوقف الواجب. ثم قال: ولو حمل الامر بالترتيل على الوجوب كان المراد ببيان الحروف إخراجها من مخارجها على وجه يتميز بعضها عن بعض، بحيث لا يدمج بعضها في بعض وبحفظ الوقوف مراعاة ما يخل بالمعنى ويفسد التركيب، ويخرج عن اسلوب القرآن الذي هو معجز بغريب اسلوبه وبلاغة تركيبه انتهى. فظهر مما ذكرنا أن الذي يظهر من كلام اللغويين هو أن الترتيل الترسل والتأني وعليه حمل الاية جماعة من أصحابنا وغيرهم كما عرفت، لكن لما روى الخاص والعام عن أمير المؤمنين عليه السلام وابن عباس تفسيره بحفظ الوقوف وأداء الحروف، وفي بعض الروايات وبيان الحروف تمسك به أصحاب التجويد، وفسروه بهذا الوجه و تبعهم الشهيد قدس سره وكثير ممن تأخر عنه، وتبعوهم في تفسيرهم الحديث حيث فسروه على قواعدهم ومصطلحاتهم. ولقد أحسن الوالد قدس سره حيث قال: الترتيل الواجب هو أداء الحروف من المخارج، وحفظ أحكام الوقوف، بأن لا يقف على الحركة ولا يصل بالسكون فانهما غير جائزين باتفاق القراء وأهل العربية، والترتيل المستحب هو أداء الحروف بصفاتها المحسنة لها، وحفظ الوقوف التي استحبها القراء وبينوها في تجاويدهم. والحاصل أنه إن حملنا الترتيل في الاية على الوجوب كما هو دأبهم في أوامر


 

[9]

القرآن، فليحمل على ما اتفقوا على لزوم رعايته من حفظ حالتي الوصل الوقف، و أداء حقهما من الحركة والسكون، أو الاعم منه ومن ترك الوقف في وسط الكلمة اختيارا ومنع الشهيد - ره - من السكوت على كل كلمة بحيث يخل بالنظم، فلو ثبت تحريمه كان أيضا داخلا فيه، ولو حمل الامر على الندب أو الاعم كان مختصا أو شاملا لرعاية الوقف على الايات مطلقا كما ذكره جماعة من أكابر أهل التجويد. ويشمل أيضا على المشهور رعاية ما اصطلحوا عليه من الوقف اللازم والتام والحسن والكافي والجائز والمجوز والمرخص والقبيح، لكن لم يثبت استحباب رعاية ذلك عندي، لان تلك الوقوف من مصطلحات المتأخرين، ولم تكن في زمان أمير المؤمنين عليه السلام، فلا يمكن حمل كلامه عليه السلام عليه إلا أن يقال: غرضه عليه السلام رعاية الوقف على ما يحسن بحسب المعنى على ما يفهمه القارئ، ولا ينافي هذا حدوث تلك الاصطلاحات بعده. ويرد عليه أيضا أن هذه الوقوف إنما وضعوها على حسب ما فهموه من تفاسير الايات، وقد وردت الاخبار الكثيرة كما سيأتي في أن معاني القرآن لا يفهمها إلا أهل بيت نزل عليهم القرآن، ويشهد له أنا نرى كثيرا من الايات كتبوا فيها نوعا من الوقف بناء على ما فهموه، ووردت الاخبار المستفيضة بخلاف ذلك المعنى، كما أنهم كتبوا الوقف اللازم في قوله سبحانه (وما يعلم تأويله إلا الله) على آخر الجلالة لزعمهم أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابهات، وقد وردت الاخبار المستفيضة في أن الراسخين هم الائمة عليهم السلام، وهم يعلمون تأويلها، مع أن المتأخرين من مفسري العامة والخاصة رجحوا في كثير من الايات تفاسير لا توافق ما اصطلحوا عليه في الوقوف. ولعل الجمع بين المعينين لورود الاخبار على الوجهين وتعميمه بحيث يشمل الواجب والمستحب من كل منهما حتى أنه يراعى في الوقف ترك قلة المكث بحيث ينافي التثبت والتأني، وكثرة المكث بحيث ينقطع الكلام ويتبدد النظام، فيكره أو يصل إلى حد يخرج عن كونه قارئا فيحرم على المشهور، أولى وأظهر تكثيرا للفائدة


 

[10]

ورعاية لتفاسير العلماء واللعويين، وأخبار الائمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، والله يعلم حقائق كلامه المجيد. (فاقرؤا ما تيسر من القرآن) استدل به بعض الاصحاب على وجوب القراءة في الصلاة حيث دل الامر على الوجوب، وأجمعوا على أنها لا تجب في غير الصلاة، فتجب فيها، وعلى هذه الطريقة استدلوا به على وجوب السورة حيث قالوا الامر للوجوب وما تيسر عام فوجب قراءة كل ما تيسر لكن وجوب الزائد على مقدار الحمد والسورة في الصلاة منفي بالاجماع فبقى وجوب السورة سالما عن المعارض. واجيب بأنه يجوز أن تكون كلمة ما نكرة موصوفة لا موصولة حتى يفيد العموم فالمعنى شيئا ما تيسر أي اقرؤا مقدار ما أردتم وأحببتم، ولعل ذلك أظهر لكونه المتبادر عرفا كما يقال أعطه ما تيسر، وكونه أنسب بسياق الاية، وغرض التخفيف والامتثال المقصود بيانه بها والتفريع على قوله (فتاب عليكم) واستلزامه التفصي عن مثل هذا التخصيص الذى هو في غاية البعد. وأيضا الاية واقعة في سياق آيات صلاة الليل والظاهر كون المراد القراءة في صلاة الليل أو في الليل مطلقا على الندب والاستحباب كما سيأتي. وقيل: المراد بالقراءة الصلاة تسمية للشئ باسم بعض أجزائه، وعنى بها صلاة الليل، ثم نسخ بالصلوات الخمس، وقيل الامر في غير الصلاة، فقيل على الوجوب نظرا في المعجزة، ووقوفا على دلائل التوحيد، وإرسال الرسل، وقيل على الاستحباب فقيل أقله في اليوم والليلة خمسون آية، وقيل مائة، وقيل مائتان كذا ذكره في كنز العرفان، ومع تطرق تلك الاحتمالات التي أكثرها أظهر من التخصيص يشكل الاستدلال بعموم الايات، وسيأتي تمام القول فيه وفي قوله تعالى (فاقرؤا ما تيسر منه). 1 - تفسير الامام: قال عليه السلام الذى ندبك الله إليه وأمرك به عند قراءة القرآن (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم) فان أمير المؤمنين عليه السلام قال إن قوله (أعوذ بالله) أمتنع بالله (السميع) لمقال الاخيار والاشرار، ولكل من المسموعات


 

[11]

من الاعلان والاسرار (العليم) بأفعال الفجار والابرار وبكل شئ مما كان وما يكون وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون (من الشيطان) هو البعيد من كل خير الرجيم المرجوم باللعن المطرود من بقاع الخير، والاستعاذة هي مما قد أمر الله به عباده عند قراءتهم القرآن، فقال: (فإذا قرأت القرآن) (1) الاية. 2 - المجازات النبوية: للسيد الرضي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل صلاة لا يقرء فيها بفاتحه الكتاب فهي خداج. وروي بلفظ آخر وهو قوله: كل صلاة لا قراءة فيها فهي خداج. قال السيد رضي الله عنه هذه استعارة عجيبة لانه صلى الله عليه وآله جعل الصلاة التي لا يقرء فيها ناقصة بمنزلة الناقة إذا ولدت ولدا ناقص الخلقة أو ناقص المدة ويقال أخدج الرجل صلاته إذا لم يقرء فيها وهو مخدج وهي مخدجه، وقال بعض أهل اللغة يقال خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج، وإن كان تام الخلقة، و أخدجت إذا ألقته ناقص الخلق، وإن كان تام الحمل، فكأنه صلى الله عليه وآله قال: كل صلاة لايقرء فيها فهي نقصان (2). 3 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل يكون مستعجلا يجزيه أن يقرء في الفريضة بفاتحة الكتاب وحدها ؟ قال: لا بأس (3). تبيين: لا خلاف بين الاصحاب في وجوب القراءة في الصلاة، وإليه ذهب أكثر المخالفين، وليست بركن في الصلاة عند الاكثر حتى أن الشيخ نقل الاجماع عليه، وحكى في المبسوط القول بركنيتها عن بعض الاصحاب، والاول أصح للروايات

 

(1) تفسير الامام: 6. (2) المجازات النبوية: 70، وزاد بعده: (الا أنها مع نقصانها مجزية، و ذلك كما يقال في قوله عليه السلام لا صلاة لجار المسجد الا في المسجد، وانما أراد به نفى الفضل لا نفى الاصل، فكأنه قال لا صلاة كاملة أو فاضلة الا في المسجد وان كانت مجزية في غير المسجد الخ. (3) قرب الاسناد: 96 ط حجر ص 127 ط نجف. [*]

 

[12]

الكثيرة المستفيضة الدالة على عدم إعادة الصلاة بتركها نسيانا، وتجب في الفريضة الثنائية وفي الاوليين من غيرها الحمد عند علمائنا أجمع على ما نقله جماعة من الاصحاب وهل يتعين الفاتحة في النافلة ؟ الاقرب ذلك وقال في التذكرة: لا تجب قراءة الفاتحة فيها للاصل، والاصوب اشتراط الفاتحة فيها كسائر واجبات الصلاة إلا ما أخرجه الدليل. ولا خلاف بين الاصحاب في جواز الاقتصار على الحمد وحدها في النوافل مطلقا وفي الفرائض عند الضرورة كالخوف والمرض وضيق الوقت، ونقل الاتفاق على ذلك العلامة في المنتهى والمحقق في المعتبر، واختلفوا في وجوب السورة عند عدم الضرورة فذهب الاكثر إلى الوجوب، والشيخ في النهاية وابن الجنيد وسلار والمحقق في المعتبر إلى الاستحباب، ومال إليه في المنتهى واختاره جماعة من المتأخرين والاخبار في ذلك متعارضة فبعضها يدل على وجوب السورة الكاملة، وأكثر الاخبار المعتبرة تدل على عدم الوجوب: فبعضها يدل على عدم وجوب السورة أصلا، وبعضها على جواز الاكتفاء ببعض السورة وهي أكثر. ويظهر من الشيخ في المبسوط وابن الجنيد الميل إلى هذه الاخبار، والقول بوجوب شئ مع الحمد إما سورة كاملة أو بعض سورة قال في المبسوط قراءة سورة بعد الحمد واجب على أنه إن قرء بعض السورة لا نحكم ببطلان الصلاة، وقال ابن الجنيد: ولو قرئ بام الكتاب وبعض سورة في الفرائض أجزء، وهذا مما يضعف استدلال أكثر المتأخرين بتلك الاخبار تمسكا بعدم القول بالفصل، وبالجملة القول بعدم وجوب السورة الكاملة قوي من حيث الاخبار، والاحتياط يقتضي عدم ترك السورة إلا عند الاضطرار، وإنما عدل الاكثر عن تلك الاخبار إلى الوجوب، لان عدم الوجوب قول المخالفين إلا شاذا منهم، وهذا مما يؤكد الاحتياط. وهذا الخبر مما استدل به على الوجوب، وأجاب القائلون بالاستحباب بأن دلالته بالمفهوم ولا يعارض المنطوق، ويمكن حمله على الاستحباب، بل يمكن أن يستدل به على الندب إذ الاستعجال أعم من أن يكون لحاجة ضرورية أو غيرها، مع أن مفهومه ثبوت البأس عند عدمه، وهو أعم من الحرمة.


 

[13]

4 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر قال: سألت أخي موسى عليه السلام عن رجل قرء سورتين في ركعة، قال: إذا كانت نافلة فلا بأس، فأما الفريضة فلا يصلح (1). بيان: ظاهره كراهة القران بين السورتين في ركعة في الفريضة، وعدمها في النافلة وأما جواز القران في النافلة فلا خلاف فيه بين الاصحاب، بل ظاهرهم الاتفاق على عدم الكراهة أيضا، وقد دلت عليه أخبار كثيرة عموما وفي خصوص كثير من النوافل كصلاة الوتر وصلاة أمير المؤمنين عليه السلام وصلاة فاطمة وصلاة النبي صلى الله عليه وآله وغيرها، والاولى عدم القران فيما لم يرد فيه بالخصوص لاطلاق بعض الاخبار. وأما القران في الفريضة فذهب الشيخ في الاستبصار وابن إدريس والمحقق وجمهور المتأخرين إلى الكراهة، وذهب الشيخ في النهاية والخلاف والمبسوط إلى أنه غير جائز، بل قال في الاخيرين إنه مفسد، وإليه ذهب المرتضى في الانتصار، وادعى عليه الاجماع، والاخبار فيها متعارضة، ويمكن الجمع بينها بوجهين: أحدهما حمل أخبار المنع على الكراهة، وثانيهما حمل أخبار الجواز على التقية، والاول أظهر، والثاني أحوط. وقال الشهيد الثاني - ره - يتحقق القران بقراءة أزيد من سورة، وإن لم يكمل الثانية، بل بتكرير السورة الواحدة أو بعضها، ومثله تكرار الحمد، وفيه نظر لانه ينافي تجويزهم العدول قبل تجاوز النصف، وكثير من الروايات تدل على جواز قراءة أكثر من سورة، وعلى أي حال، فالظاهر كون موضع الخلاف قراءة الزايد على أنه جزء من القراءة المعتبرة في الصلاة، إذ لا خلاف ظاهرا في جواز القنوت ببعض الايات وإجابة المسلم بلفظ القرآن، والاذان للمستأذن بقوله (ادخلوها بسلام) ونحو ذلك. 5 - قرب الاسناد: بالاسناد المتقدم عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن الرجل يقرء في ال&#