بحار الانوار الجزء
79
العلامة المجلسي
[1]
بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة
الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس
الله سره " الجزء التاسع والسبعون دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان الطبعة
الثالثة المصححة 1403 ه - 1983 م
[1]
بسم الله الرحمن الرحيم 11. * { باب } * *
{ أحكام الشهيد والمصلوب والمرجوم } * * { والمقتص منه والجنين واكيل السبع } * * {
وأشباههم في الغسل والكفن والصلاة } * 1 - قرب الاسناد: عن السندي بن محمد، عن أبي
البختري، عن جعفر عن أبيه عليهما السلام أن عليا عليه السلام لم يغسل عمار بن ياسر،
ولا هاشم بن عتبة يوم صفين ودفنهما في ثيابهما، وصلى عليهما (1). بيان: لا خلاف بين
الاصحاب في أن الشهيد لا يغسل ولا يكفن، والمشهور أنه يشترط فيه أن يقتل بين يدى
إمام عادل، أو من نصبه في نصرته، وقال في المعتبر: الاقرب اشتراط الجهاد السائغ
حسب، فقد يجب الجهاد وإن لم يكن الامام موجودا، واختاره الشهيد وجماعة من
المتأخرين، ولا خلاف في أنه لا يشمل غير هؤلاء ممن اطلقت الشهادة عليهم كالمقتول
دون أهله وماله، والمطعون والغريق وغيرهم.
(1) قرب الاسناد ص 58 ط حجر.
[2]
واشترطوا أيضا موته في المعركة فلو حمل من
المعركة وبه رمق ثم مات نزع عنه ثيابه وغسل وكفن، ويظهر من بعض الاخبار أنه إن وجد
وبه رمق ثم مات يغسل ويكفن. ولا خلاف بين الاصحاب في وجوب دفنه بثيابه، قال في
المعتبر: ويدفن الشهيد بجميع ثيابه أصابها الدم أو لم يصبها، وهو إجماع المسلمين،
ولا خلاف أيضا في وجوب الصلاة عليه، وذهب بعض العامة إلى سقوط الصلاة أيضا كما
يستفاد من بعض أخبارنا أيضا. 2 - قرب الاسناد: بالاسناد المتقدم عن علي عليه السلام
قال: إذا مات الميت في البحر غسل وكفن وحنط، ثم يوثق في رجله حجر فيرمى به في الماء
(1). ايضاح: قطع الشيخ والاكثر بأن من مات في سفينة في البحر يغسل ويحنط ويكفن
ويصلى عليه، وينقل إلى البر مع المكنة، فان تعذر لم يتربص به بل يوضع في خابية أو
نحوها ويسد رأسها ويلقى في البحر أو يثقل ليرسب في الماء، ثم يلقي فيه، وظاهر
المقنعة والمعتبر جواز ذلك ابتداء وإن لم يتعذر البر والعمل بالمشهور أحوط، وورد في
بعض الاخبار جعله في خابية وهذا الخبر خال عنها وجمع بينهما بالتخيير، ويمكن حمل
هذا على ما إذا لم تكن الخابية كما هو الغالب، والاولى والاحوط العمل بها مع
الامكان لصحة خبرها. 3 - الخصال: عن محمد بن موسى، عن علي بن الحسين السعد آبادي،
عن أحمد البرقى، عن أبى الجوزا، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن
علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: ينزع عن الشهيد الفرو والخف والقلنسوة
والعمامة والمنطقة والسراويل، إلا أن يكون أصابه دم فيترك، و
(1) قرب الاسناد 65 ط حجر.
[3]
لا يترك عليه شئ معقود إلا حل (1). دعائم
الاسلام: عن علي عليه السلام مثله (2). توضيح: القلنسوة بفتح القاف وضم السين،
والعمامة بكسر العين: معروفتان، والمنطقة بكسر الميم وفتح الطاء ما يشد في الوسط.
قوله: " إلا أن يكون أصابه " الضمير إما راجع إلى السراويل، أو إلى كل واحد من
المذكورات. واختلف الاصحاب فيما ينزع منه اختلافا كثيرا، قال في الذكرى بعد إيراد
هذا الخبر: قال ابن بابويه: تنزع هذه الاشياء إلا أن يصيب شيئا منها دم، وابن
الجنيد ينزع عنه الجلود والحديد المفرد والمنسوج مع غيره، والسراويل إلا أن يكون
فيه دم، وهذا يمكن عود الاستثناء فيه إلى الاخير، وكذلك الرواية في عود الاستثناء،
ويمكن فيهما العود إلى الجميع، وفي النهاية يدفن جميع ما عليه مما أصابه الدم إلا
الخفين، وقد روي أنه إذا أصابهما الدم دفنا معه، وفي الخلاف يدفن بثيابه ولا ينزع
منه إلا الجلود، والمفيد ينزع عنه السراويل إلا أن يصيبه دم، وينزع عنه الفرو
والقلنسوة، وإن أصابهما دم دفنا معه، وينزع الخف عنه على كل حال. وابن إدريس: يدفن
بثيابه وإن لم يصبها الدم، وبالخف والفرو والقلنسوة إن أصابها دم، وإن لم يصبها دم
نزعت. وفي المعتبر دفنه بثيابه وإن لم يصبها دم أجمع عليه المسلمون، وقال: الاوجه
وجوب دفن السروال لانه من الثياب، وظاهره أنه ينزع عنه الخف والفرو والجلود، وإن
أصابها الدم، لان دفنها تضييع انتهى والمسألة في هذا الزمان قليلة الجدوى كما لا
يخفى. 4 - العيون: عن محمد بن على بن بشار، عن المظفر بن أحمد القزويني، عن العباس
بن محمد العلوى، عن الحسن بن سهل القمي، عن محمد بن حامد، عن أبي هاشم الجعفري، عن
أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن الصلاة على المصلوب
(1) الخصال ج 1 ص 162. (2) دعائم الاسلام
ج 1 ص 229.
[4]
قال: أما علمت أن جدي صلى على عمه ؟ قلت:
أعلم ذلك، ولكني لم أفهمه مبينا قال: ابينه لك: إن كان وجه المصلوب إلى القبلة، فقم
على منكبه الايمن وإن كان قفاه إلى القبلة فقم على منكبه الايسر، فان ما بين المشرق
والمغرب قبلة، وإن كان منكبه الايسر إلى القبلة فقم على منكبه الايمن، وإن كان
منكبه الايمن إلى القبلة فقم على منكبه الايسر، وكيف كان منحرفا فلا تزايلن مناكبه،
وليكن وجهك إلى ما بين المشرق والمغرب، ولا تستقبله ولا تستدبره البتة، قال أبو
هاشم: ثم قال الرضا عليه السلام قد فهمت إنشاء الله. قال الصدوق - رحمه الله - هذا
حديث غريب نادر، لم أجده في شئ من الاصول والمصنفات، ولا أعرفه إلا بهذا الاسناد
(1). تبيان: في الكافي (2) قال أبو هاشم: " وقد فهمت إنشاء الله فهمته والله "
قوله: " أما علمت أن جدي " يعني الصادق عليه السلام، قوله: " على عمه " يعني زيد بن
علي بن الحسين عليه السلام، قال الشهيد - رحمه الله - في الذكرى: وإنما يجب
الاستقبال مع الامكان فيسقط لو تعذر من المصلي والجنازة كالمصلوب الذي يتعذر إنزاله
كما روى أبو هاشم الجعفري، وهذه الرواية وإن كانت غريبة نادرة كما قال الصدوق وأكثر
الاصحاب لم يذكروا مضمونها في كتبهم، إلا أنه ليس لها معارض ولاراد، وقد قال أبو
الصلاح وابن زهرة: يصلى على المصلوب ولا يستقبل وجهه الامام في التوجه، فكأنهما
عاملان بها، وكذا صاحب الجامع الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد، والفاضل في المختلف،
قال: إن عمل بها فلا بأس، وابن إدريس نقل عن بعض الاصحاب: إن صلي عليه وهو على
خشبته استقبل وجهه المصلي، ويكون هو مستدبر القبلة، ثم حكم بأن الاظهر إنزاله بعد
الثلاثة
(1) عيون الاخبار ج 1 ص 255 و 256. (2)
الكافي ج 3 ص 215.
[5]
والصلاة عليه، قلت: هذا النقل لم نظفر به،
وإنزاله قد يتعذر كما في قصة زيد انتهى كلامه رفع الله مقامه. أقول: إن المتعرضين
لهذا الخبر لم يتكلموا في معناه، ولم يتفكروا في مغزاه، ولم ينظروا إلى ما يستنبط
من فحواه، فأقول وبالله التوفيق: إن مبنى هذا الخبر على أنه يلزم المصلي أن يكون
مستقبلا للقبلة، وأن يكون محاذيا بجانبه الايسر، فان لم يتيسر ذلك فيلزمه مراعاة
الجانب في الجملة مع رعاية القبلة الاضطرارية، وهو ما بين المشرق والمغرب فبين عليه
السلام محتملات ذلك في قبلة أهل العراق المائلة عن خط نصف النهار إلى جانب اليمين،
فأوضح ذلك أبين إيضاح، وأفصح أظهر إفصاح. ففرض عليه السلام أولا كون وجه المصلوب
إلى القبلة، فقال: قم على منكبه الايمن لانه لا يمكن محاذات الجانب الايسر مع رعاية
القبلة، فيلزم مراعاة الجانب في الجملة، فإذا قام محاذيا لمنكبه الايمن يكون وجهته
داخلة فيما بين المشرق والمغرب من جانب القبلة، لميل قبلة أهل العراق إلى اليمين عن
نقطة الجنوب إذ لو كان المصلوب محاذيا لنقطة الجنوب كان الواقف على منكبه واقفا على
خط مقاطع لخط نصف النهار على زوايا قوائم، فيكون مواجها لنقطة مشرق الاعتدال فلما
انحرف المصلوب عن تلك النقطة بقدر انحراف قبلة البلد الذي هو فيه، ينحرف الواقف على
منكبه بقدر ذلك عن المشرق إلى الجنوب، وما بين المشرق والمغرب قبلة، إما للمضطر كما
هو المشهور وهذا المصلي مضطر أو مطلقا كما هو ظاهر بعض الاخبار، وظهر لك أن هذا
المصلي لو وقف على منكبه الايسر كان خارجا عما بين المشرق والمغرب، محاذيا لنقطة من
الافق منحرفا عن نقطة مغرب الاعتدال إلى جانب الشمال بقدر انحراف القبلة. ثم فرض
عليه السلام كون المصلوب مستدبرا للقبلة، فأمره حينئذ بالقيام على منكبه الايسر،
ليكون مواجها لما بين المشرق والمغرب، واقفا على منكبه الايسر كما هو اللازم في حال
الاختيار، ثم بين علة الامر في كل من الشقين
[6]
بقوله: " فان ما بين المشرق والمغرب قبلة
". ثم فرض عليه السلام كون منكبه الايسر إلى القبلة، فأمره بالقيام على منكبه
الايمن ليكون مراعيا لمطلق الجانب، لتعذر رعاية خصوص المنكب الايسر، والعكس ظاهر.
ثم لما أوضح عليه السلام بعض الصور بين القاعدة الكلية في ذلك، ليستنبط منه باقي
الصور المحتملة، وهي رعاية ما بين المشرق والمغرب مع رعاية أحد الجانبين، ونهاه عن
استقبال الميت واستدباره في حال من الاحوال. فإذا حققت ذلك، فاعلم أن الاصحاب
اتفقوا على وجوب كون الميت في حال الصلاة مستلقيا على قفاه، وكون رأسه إلى يمين
المصلي، ولم يذكروا لذلك مستندا إلا عمل السلف في كل عصر وزمان، حتى أن بعض مبتدعي
المتأخرين أنكر ذلك في عصرنا، وقال: يلزم أن يكون الميت في حال الصلاة على جانبه
الايمن مواجها للقبلة على هيئته في اللحد، وتمسك بأن هذا الوضع ليس من الاستقبال في
شئ. أقول: هذا الخبر على ما فسرناه وأوضحناه ظاهر الدلالة على رعاية محاذاة أحد
الجانبين، على كل حال، وبانضمام الخبر الوارد بلزوم كون رأس الميت إلى يمين المصلي،
يتعين القيام على يساره، إذ لا يقول هذا القائل أيضا فضلا عن أحد من أهل العلم
بجواز كون الميت منبطحا على وجهه حال الصلاة، مع أن عمل الاصحاب في مثل هذه الامور
التي تتكرر في كل يوم وليلة في أعصار الائمة عليهم السلام وبعدها من أقوى
المتواترات وأوضح الحجج وأظهر البينات. 5 - دعائم الاسلام: عن أبي عبد الله عليه
السلام قال في الشهيد: إذا قتل في مكانه فمات دفن في ثيابه، ولم يغسل، فان كان به
رمق ونقل عن مكانه فمات، غسل وكفن (1). قال: وقد كفن رسول الله صلى الله عليه واله
حمزة عليه السلام في ثيابه التي اصيب فيها
(1) دعائم الاسلام ج 1 ص 229.
[7]
وزاده بردا (1). وعن علي عليه السلام قال:
لما كان يوم بدر فاصيب من اصيب من المسلمين أمر رسول الله صلى الله عليه واله
بدفنهم في ثيابهم، وأن ينزع عنهم الفراء، وصلى عليهم (2). 6 - مجمع البيان: قال:
قال النبي صلى الله عليه واله في شهداء احد: زملوهم بدمائهم وثيابهم (3). بيان: قال
في النهاية: في حديث قتلى احد: " زملوهم بثيابهم ودمائهم " أي لفوهم فيها يقال:
تزمل بثوبه إذا التف فيه. 7 - المعتبر: نقلا من كتاب الجامع للبزنطي عن أحمد بن
محمد بن عيسى عن بعض أصحابه رفعه قال: المقتول إذا قطع أعضاؤه يصلي على العضو الذي
فيه القلب (4). وعن الجامع أيضا عن ابن المغيرة قال: بلغني عن أبي جعفر عليه السلام
أنه يصلى على كل عضو رجلا كان أو يدا أو الرأس، جزءا فما زاد فإذا نقص عن رأس أو يد
أو رجل لم يصل عليه (5). تنقيح: قوله: " على العضو الذي فيه القلب " وفي الكافي (6)
بسند آخر إذا كان الميت نصفين صلي على النصف الذي فيه القلب، وهو يحتمل وجوها الاول
اشتراط كون القلب فيه، الثاني أن يكون المراد به النصف الذي يكون فيه القلب وإن لم
يكن عند الوجدان فيه ولعله أظهر، الثالث أن يكون المراد به أن مع وجود النصفين يقف
عند الصلاة على النصف الذي فيه القلب ومحاذيا له ولا يخفى بعده. ثم اعلم أنه اختلف
كلام الاصحاب في حكم تلك المسألة اختلافا كثيرا
(1 - 2) دعائم الاسلام ج 1 ص 229. (3)
مجمع البيان ج ص (4 - 5) المعتبر ص 86. (6) الكافي ج 3 ص 212.
[8]
قال في المنتهى: لو وجد بعض الميت إما بأن
أكله سبع، أو احترق بالنار، أو غير ذلك، فان كان فيه عظم وجب غسله بلا خلاف بين
علمائنا، ويكفن، وإن كان صدره صلي عليه، وإلا فلا، ثم قال: أما لو لم يكن فيها عظم
فانه لا يجب غسلها، وكان حكمها حكم السقط قبل أربعة أشهر، وكذا البحث لو ابينت
القطعة من حي. وقال في المعتبر: وإذا وجد بعض الميت وفيه الصدر، فهو كما لو وجد
كله، وهو مذهب المفيد، وقال الشيخ إن كان صدره وما فيه قلبه صلي عليه، ثم قال:
والذي يظهر لي أنه لا تجب الصلاة إلا أن يوجد ما فيه القلب أو الصدر واليدان أو
عظام الميت، ثم ذكر الخبرين المتقدمين مع أخبار اخر. وقال في الذكرى: وما فيه الصدر
يغسل، وكذا عظام الميت تغسل، وكذا تغسل قطعة فيها عظم، ذكره الشيخان، واحتج عليه في
الخلاف باجماعنا ويلوح ما ذكره الشيخان من خبر علي بن جعفر، ولو كان لحم بغير عظم
فلاغسل. قال ابن إدريس: ولا كفن ولا صلاة، وأوجب سلار لفها في خرقة ودفنها ولم
يذكره الشيخان انتهى. أقول: الظاهر من أكثر الاخبار هو مختار المعتبر، وأما مرسلة
ابن المغيرة فيمكن حملها على الاستحباب، ولعل المراد بالعضو فيها العضو التام الذي
رواه ثقة الاسلام في الكافي (1) بسند مرسل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا
وجد الرجل قتيلا فان وجد له عضو تام صلي عليه ودفن، وإن لم يوجد له عضو تام لم يصل
عليه ودفن. والعضو التام فيه يحتمل وجوها الاول أن يكون المراد به تمام عضو له اسم
مخصوص، فيشمل بعض الاعضاء التي لا عظم لها كالاذن والعين والذكر و الانثيين واللسان
وأمثالها. الثاني أن يراد به العضو الذي لا يكون جزءا لعضو آخر كالرأس، فانه ليس
جزء من عضو آخر له اسم مخصوص، الثالث أن يراد به العضو
(1) الكافي ج 3 ص 212.
[9]
ذو العظم، وإن كان جزءا لآخر، الرابع أن
يراد به العضو الذي يكون فقده سببا لفقد الحياة كما روي (1) في دعائم الاسلام، عن
أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: يصلى على ما وجد من الانسان مما يعلم أنه إذا
فارقه مات. وحمله ابن الجنيد على الثالث حيث قال: ولا يصلى على عضو الميت، ولا يغسل
إلا أن يكون عضوا تاما بعظامه، أو يكون عظما مفردا، ويغسل ما كان من ذلك لغير
الشهيد كما يغسل بدنه، ولم يفصل بين الصدر وغيره. أقول: ويمكن حمل كلامه على المحمل
الثاني للخبر، وعلى التقادير حمله على الاستحباب أظهر والله يعلم. 8 - فقه الرضا:
قال عليه السلام: وإن كان الميت أكله السبع، فاغسل ما بقي منه، وإن لم يبق منه إلا
عظام جمعتها وغسلتها وصليت عليها ودفنتها (2). وإن مات في سفينة فاغسله وكفنه وثقل
رجليه وألقه في البحر (3). وإن كان الميت قتيل المعركة في طاعة الله لم يغسل، ودفن
في ثيابه التي قتل فيها بدمائه، ولا ينزع منه من ثيابه شئ إلا أنه لا يترك عليه شئ
معقود وتحل تكته، ومثل المنطقة والفروة إن أصابه شئ من دمه لم ينزع منه شئ إلا أنه
يحل المعقود، ولم يغسل إلا أن يكون به رمق ثم يموت بعد ذلك، فإذا مات بعد ذلك غسل
كما يغسل الميت، وكفن كما يكفن الميت، ولا يترك عليه شئ من ثيابه (4). وإن كان قتل
في معصية الله غسل كما يغسل الميت وضم رأسه إلى عنقه فيغسل مع البدن كما وصفناه في
باب الغسل، فإذا فرغ من غسله جعل على عنقه قطنا وضم إليه الرأس وشد مع العنق شدا
شديدا (5). وإذا ماتت المرءة وهي حاملة وولدها يتحرك في بطنها شق بطنها من الجانب
الايسر واخرج الولد، وإن مات الولد في جوفها ولم يخرج أدخل إنسان يده في
(1) دعائم الاسلام ج 1 ص 235. (2 - 3) فقه
الرضا ص 19. (4 - 5) فقه الرضا ص 20.
[10]
فرجها وقطع الولد بيده فأخرجه: وروي أنها
تدفن مع ولدها إذا مات في بطنها (1). وإذا أسقطت المرءة وكان السقط تاما غسل وحنط
وكفن ودفن، وإن لم يكن تاما فلا يغسل، ويدفن بدمه، وحد إتمامه إذا أتى عليه أربعة
أشهر (2). وإن كان الميت مرجوما بدأ بغسله وتحنيطه وتكفينه، ثم رجم بعد ذلك وكذلك
القاتل إذا اريد قتله قودا (3). وإن كان الميت مصلوبا انزل من خشبته بعد ثلاثة
أيام، وغسل ودفن، ولا يجوز صلبه أكثر من ثلاثة أيام (4) بيان: قوله عليه السلام "
إلا عظام " يدل على وجوب الصلاة على مجموع العظام كما مر. قوله " إلا أن يكون به
رمق ". أقول: روى الكليني في الصحيح، عن أبان بن تغلب (5) قال: سألت أبا عبد الله
عليه السلام عن الذي يقتل في سبيل الله أيغسل ويكفن ويحنط ؟ قال: يدفن كما هو في
ثيابه، إلا أن يكون به رمق ثم مات. فانه يغسل ويكفن ويحنط ويصلى عليه إن رسول الله
صلى الله عليه واله صلى على حمزة وكفنه لانه كان قد جرد. فقوله عليه السلام: " إلا
أن يكون به رمق " يحتمل أن يكون المراد به أن يكون به رمق عند إدراك المسلمين له،
فمناط وجوب التغسيل إدراك المسلمين إياه وبه رمق، وإن لم يدرك كذلك لم يجب تغسيله
كما فهمه الشهيد، والمحقق الشيخ على وغيرهما من المتأخرين من هذا الخبر، وإن لم
يحكموا بموجبه، ويحتمل أن يكون المراد أن يكون بعد الاخراج من المعركة به رمق أو
وجدوه وبه رمق، ثم مات بعد الاخراج، وعلى هذا ينطبق على ما ذكره الاصحاب من إناطة
الفرق بالموت في المعركة وعدمه. قوله: " وإن كان قتل في معصية الله " ذكر هذا
المضمون في الفقيه ورواه
(1 - 4) فقه الرضا: 20. (5) الكافي ج 3 ص
210.
[11]
الشيخ بسند (1) مجهول عن الصادق عليه
السلام. قوله: " وإذا ماتت المرءة " رواه الشيخ في الصحيح والموثق وغيرهما (2) وعمل
به الاصحاب، وليس في ساير الاخبار التقييد بالايسر، وذكره الصدوق في الفقيه وتبعه
الاكثر، وفي بعض الاخبار أنه يخاط بطنها، وذكره بعض الاصحاب، وقال في الذكرى: ولا
عبرة بكونه مما يعيش عادة أولا، لظاهر الخبر. وأما تقطيع الولد وإخراجه مع موته فهو
مذهب الاصحاب، ونقل الشيخ في الخلاف الاجماع فيه، واستدلوا عليه برواية وهب الآتية
وقال في المعتبر: ووهب هذا عامي ضعيف لا يعمل بما ينفرد به، والوجه أنه إن أمكن
التوصل إلى إسقاطه صحيحا بشئ من العلاجات، وإلا توصل إلى إخراجه بالارفق فالارفق،
ويتولى ذلك النساء، فان تعذر النساء فالرجال المحارم، فان تعذر جاز أن يتولاه غيرهم
دفعا عن نفس الحي انتهي، ولا يخفى قوته ومتانته والرواية لا تنافيه. وأما ما ذكر من
أنه إذا تم للسقط أربعة أشهر غسل وكفن وحنط فهو المشهور بين الاصحاب، وذكر بعض
الاصحاب مكان التكفين والتحنيط لفه في خرقة، وأوجب الشهيد ومن تأخر عنه تكفينه
بالقطع الثلاث وتحنيطه كما هو مدلول الرواية، وهو أقوى، ومنهم من عبر عنه بمن ولج
فيه الروح لادعاء التلازم بينه وبين بلوغ أربعة أشهر، وهو في محل المنع. وأما
الصلاة عليه فانها غير واجبة ولا مستحبة باجماع علمائنا قاله في المعتبر وذكر
الاكثر في السقط إذا لم يلجه الروح أو لم يبلغ أربعة أشهر أنه يلف في خرقة ويدفن،
والروايات خالية من ذكر اللف. وأما عدم الغسل فلا خلاف فيه بيننا ظاهرا، والمشهور
بين الاصحاب أنه
(1) التهذيب ج 1 ص 126. (2) التهذيب ج 1 ص
98.
[12]
يؤمر من وجب قتله بالاغتسال أولا غسل
الاموات بالخليطين، ثم لا يغسل بعده وكذا يقدم التحنيط على ما ذكره الشيخ وأتباعه،
وزاد ابنا بابويه والمفيد تقديم التكفين كما في هذا الخبر وظاهر الاكثر عدم مشروعية
الغسل والتكفين والتحنيط بعده، وأما الصلاة عليه بعده فلا خلاف في وجوبها. قوله "
ولا يجوز صلبه أكثر من ثلاثة أيام " قال في المعتبر هذا مذهب الاصحاب، ورواه
السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لا
تقروا المصلوب بعد ثلاثة أيام حتى ينزل ويدفن. 9 - قرب الاسناد: عن السندي بن محمد،
عن أبي البختري، عن جعفر عن أبيه، عن علي عليهم السلام في المرءة يموت في بطنها
الولد فيتخوف عليها، قال: لا بأس أن يدخل الرجل يده فيقطعه ويخرجه. إذا لم ترفق به
النساء (1). 10 - كتاب مقصد الراغب: قال قضى أمير المؤمنين عليه السلام في قتلى
صفين والجمل والنهروان من أصحابه أن ينظر في جراحاتهم، فمن كانت جراحته من خلفه لم
يصل عليه، وقال فهو الفار من الزحف، ومن كانت جراحته من قدامه صلى عليه ودفنه.
بيان: لعله عليه الصلاة والسلام علم أن الفارين من المخالفين، فلذا لم يصل عليهم.
ومنه: عن إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن جده، عن ابن أبي عمير، عن
عاصم بن حميد، عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام قال: جاء رجل إلى أمير
المؤمنين عليه السلام فقال: إني زنيت فطهرني، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ألك
زوجة، قال: نعم، وساق الحديث الطويل إلى أن قال: لما ثبت عليه الحد باقراره أربع
مرات أخرجه أمير المؤمنين عليه السلام ثم أخذ حجرا فكبر أربع تكبيرات ثم رماه به ثم
أخذ الحسن عليه السلام مثله ثم أخذ الحسين عليه السلام مثله فلما مات
(1) قرب الاسناد ص 64 ط حجر ص 84 ط نجف.
[13]
أخرجه أمير المؤمنين عليه السلام فصلى
عليه ودفنه، فقالوا: يا أمير المؤمنين لم لا تغسله ؟ قال: قد اغتسل بما هو منها
طاهر إلى يوم القيامة. بيان: لعله عليه السلام أمره قبل ذلك بالغسل، وإن لم يذكر في
الخبر. 11 - كتاب زيد الزراد: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين
عليه السلام يستحب للمصلي أن يكون ببعض مساجده شئ من أثر السجود، فانه لا يأمن أن
يموت في موضع لا يعرف، فيحضره المسلم فلا يدري على ما يدفنه.
[14]
12. { باب } * { الدفن وآدابه واحكامه } *
الايات: المرسلات: " ألم نجعل الارض كفاتا أحياء وأمواتا " (1) تفسير: قال الطبرسي
- رحمه الله - كفت الشئ يكفنه كفتا وكفاتا إذا ضمه، ومنه الحديث اكفتوا صبيانكم أي
ضموهم إلى أنفسكم، ويقال: للوعاء كفت وكفيت (2). قوله تعالى " كفاتا " أي للعباد
تكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم ومنازلهم وتكفتهم أمواتا في بطنها، أي تحوزهم
وتضمهم قال بنان: خرجنا في جنازة مع الشعبي فنظر إلى الجبان فقال: هذه كفات الاموات
ثم نظر إلى البيوت فقال: هذه كفات الاحياء، وروي ذلك عن أمير المؤمنين عليه السلام،
وقيل: كفاتا أي وعاء، وهذا كفته أي وعاؤه، وقوله تعالى " أحياء وأمواتا " أي منه ما
ينبت ومنه ما لا ينبت، فعلى هذا يكون أحياء وأمواتا نصبا على الحال. وعلى القول
الاول على المفعول به (3). 1 - العلل: عن الحسين بن أحمد، عن أبيه، عن أحمد بن
محمد، عن بكر ابن صالح، عن الحسين بن علي الرافقي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليه
السلام أن قبر النبي صلى الله عليه واله رفع شبرا من الارض، وأن النبي صلى الله
عليه واله أمر برش القبور (4).
(1) المرسلات: 25 - 26. (2) مجمع البيان ج
10 ص 416. (3) مجمع البيان ج 10 ص 417. (4) علل الشرايع ج 1 ص 290.
[15]
بيان: المشهور بين الاصحاب استحباب رفع
القبر مقدار أربع أصابع مفرجات، لا أكثر من ذلك، وابن زهرة خير بينها وبين شبر، وفي
خبر سماعة (1) يرفع من الارض، قدر أربع أصابع مضمومة، وعليه ابن أبي عقيل قال في
الذكرى: قلت: اختلاف الرواية دليل التخيير، وما رووه (2) عن جابر أن قبر النبي صلى
الله عليه واله رفع قدر شبر، ورويناه عن إبراهيم (3) بن علي، عن الصادق عليه السلام
أيضا يقارب التفريج، ولما كان المقصود من رفع القبر أن يعرف ليزار ويحترم كان مسمى
الرفع كافيا، وقال ابن البراج شبرا وأربع أصابع انتهى. وقال في المنتهي: يستحب أن
يرفع من الارض مقدار أربع أصابع مفرجات وهو قول العلماء، ثم قال: وقد روي استحباب
ارتفاعه أربع أصابع مفرجات، و روي أربع أصابع مضمومات، والكل جايز، ثم قال: يكره أن
يرفع أكثر من ذلك، وهو فتوى العلماء انتهى. وأما رش القبر فلا خلاف في استحبابه،
قال في المنتهى: وعليه فتوى العلماء والمشهور في كيفيته أنه يستحب أن يستقبل الصاب
القبلة، ويبدء بالرش من قبل رأسه، ثم يدور عليه إلى أن ينتهي إلى الرأس، فان فضل من
الماء شئ صبه على وسط القبر، لرواية موسى بن أكيل (4) عن أبي عبد الله عليه السلام
قال: السنة في رش الماء على القبر أن تستقبل القبلة وتبدء من عند الرأس إلى عند
الرجل، ثم تدور على القبر من الجانب الآخر، ثم ترش على وسط القبر، فذلك السنة.
أقول: مقتضى غيرها من الروايات إجزاء النضح كيف اتفق، والظاهر
(1) راجع التهذيب ج 1 ص 92، الكافي ج 3 ص
199. (2) سيأتي لفظه نقلا من كتاب المنتهى. (3) التهذيب ج 1 ص 132، ومتن الحديث هو
الذى رواه عن الصدوق في العلل عن الحسين بن على الرافقى في الصفحة السابقة. (4)
التهذيب ج 1 ص 91.
[16]
تأدي أصل السنة بذلك، وإن كان إيقاعه على
الهيئة الواردة في هذا الخبر أفضل وأحوط، ثم قولهم " فان فضل من الماء شئ " فلا
يخفى ما فيه إذ ظاهر الخبر الذي هو مستندهم ظاهرا لزوم الاتيان به على كل حال، لكن
في الفقه الرضوي ورد موافقا للمشهور وقال في الفقيه: من غير أن يقطع الماء، وفي
دلالة الخبر عليه أيضا خفاء لكنه موافق لما في الفقه. ثم إنه لا يظهر من الاخبار
ولا من كلام القوم تعين الابتداء من الجانب الذي يليه، أو الجانب الذي يلى القبلة،
فالظاهر التخيير بينهما. 2 - منتهى المطلب: روى الجمهور عن الساجى في كتابه، عن
جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن أبيه عليه السلام عن جابر قال: لحد رسول الله
صلى الله عليه واله ونصب عليه اللبن نصبا ورفع قبره عن الارض قدر شبر. وعن القاسم
بن محمد قال: قلت لعائشة يا امه اكشفي لي عن قبر رسول الله صلى الله عليه واله
وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاث قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء.
3 - المحاسن: عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن أبي الجارود، عن الاصبغ ابن نباته قال:
قال أمير المؤمنين عليه السلام: من جدد قبرا أو مثل مثالا فقد خرج من الاسلام (1).
تبيين: قال الصدوق في الفقيه (2) بعد إيراد هذا الخبر مرسلا: واختلف مشايخنا في
معنى هذا الخبر، فقال محمد بن الحسن الصفار - ره - هو جدد بالجيم لاغير، وكان شيخنا
محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد يحكى عنه أنه قال: لا يجوز تجديد القبر ولا تطيين
جميعه بعد مرور الايام عليه، وبعد ما طين في الاول، ولكن إذا مات ميت فطين قبره
فجائز أن يرم سائر القبور من غير أن يجدد، وذكر عن سعد ابن عبد الله - ره - أنه كان
يقول إنما هو حدد قبرا بالحاء غير المعجمة، يعنى به
(1) المحاسن ص 612. (2) الفقيه ج 1 ص 120
- 121.
[17]
من سنم قبرا وذكر عن أحمد بن أبي عبد الله
البرقي إنما هو من جدث قبرا وتفسير الجدث القبر، فلا ندري ما عنى به. والذي أذهب
إليه أنه جدد