بحار الانوار الجزء
76
العلامة المجلسي
[1]
بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة
الأطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الأمة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس
الله سره) الجزء السادس والسبعون مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان الطبعة الثانية
المصححة 1403 ه. 1983 م
[1]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله رب
العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين: وبعد يقول الفقير إلى الله الغني عباس
بن محمد رضا (1) القمي أيده الله: هذه مما ظفرت بها من الأجزاء الناقصة من البحار
السادس عشر، أعني كتاب الزي والتجمل منه، ظفرت بنسخة سقيمة في بغداد في سوق
العطارين، قرب مقبرة الشيخ الأجل مولانا أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي أحد
النواب الأربعة - قدس الله أرواحهم - فاستنسختها كما وجدتها وهي هذه:]
(1) أدرجنا هذه الخطبة والتقدمة قضاء لحقه
- قدس سره - حيث أظفرنا على هذا الجزء من الكتاب، وأما المؤلف العلامة فلم يكن
لينشئ هنا خطبة وتقدمة، فان هذه الابواب تتمة للمجلد السادس عشر وانما يبتدء من
الباب 68.
[2]
(أبواب) * " (المعاصي والكبائر وحدودها) "
* * { 68 باب } * * (معنى الكبيرة والصغيرة وعدد الكبائر) * الايات: آل عمران:
والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر
الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا و هم يعلمون (1).
(1) آل عمران: 135، والمقابلة بين قوله
تعالى " فاحشة " وقوله تعالى " أو ظلموا أنفسهم " يفيد أن الفاحشة وهى الزنا من
الكبائر وما ظلموا أنفسهم به من الصغاير وقوله " ذكروا الله " هو ذكره لله، وأنه قد
نهى وحرم عن فعل ذلك العمل، كما روى أن ذكر الله ليس سبحان الله، والحمد لله، ولا
اله الا الله والله أكبر، ولكن ذكر الله عندما أحل له، وذكر الله عند ما حرم عليه
فيحول ذكره تعالى بينه وبين تلك المعصية (راجع ج 93 باب ذكر الله تعالى). وقوله "
فاستغفروا لذنوبهم " الفاء للتعقيب أي بعد ما ذكروا الله ونهيه وتوجهوا إلى جنابه
استحيوا واستغفروا لذلك الذنب. وقوله " ومن يغفر الذنوب الا الله " معترضة. وقوله "
ولم يصروا " الخ عطف على قوله " ذكروا الله " وصفا عليحدة للمتقين، فكأنه جعل الناس
بعد اتيان الفاحشة وظلم النفس على ضربين: ضرب يذكرون الله بعد فعل - >
[3]
النساء: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه
نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما " (1). حمعسق: وللذين يجتنبون كبائر الاثم
والفواحش (2). النجم: " الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع
المغفرة " (3). الواقعة: " وكانوا يصرون على الحنث العظيم " (4). 1 - لى: في خبر
مناهي النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لا تحقروا شيئا " من الشر
< - المنكر فيستغفرون الله لذنبهم، وضرب
يصرون على ما فعلوا من الكبيرة أو الصغيرة وهم يعلمون أن ذلك منكر منهى عنه.
وبالمقابلة بين الاصرار والاستغفار يعلم أن الاصرار ليس هو تكرار الذنب قط، بل هو
أن يكون غير متحاش عن فعل ذلك لا يبالى به أن لو فعل ذلك مرارا، كما روى عن ابن
عباس أنه قال: الاصرار هو السكون على الذنب بترك التوبة والاستغفار. وقد روى
الكليني (ج 2 ص 288) عن جابر عن أبى جعفر عليه السلام في قول الله عزوجل " ولم
يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون " قال: الاصرار هو أن يذنب الذنب فلا يستغفر الله
ولا يحدث نفسه بتوبة، فذلك الاصرار. (1) النساء: 31، قال المؤلف قدس سره في ج 6 ص
42 من هذه الطبعة: الاظهر أن التوبة انما تجب لما لم يكفر من الذنوب، كالكبائر،
والصغائر التى أصرت عليها فانها ملحقة بالكبائر، والصغائر التى لم يجتنب معها
الكبائر، فأما مع اجتناب الكبائر فهى مكفرة إذا لم يصر عليها، ولا يحتاج إلى التوبة
عنها لقوله تعالى: " ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم " وسيأتى
تحقيق القول في ذلك في باب الكبائر ان شاء الله تعالى. أقول: لكنه قدس سره لم يوفق
لذلك وبقى هذا الباب بلا تحقيق منه. (2) الشورى: 37. (3) النجم: 32. (4) الواقعة:
46. (*)
[4]
وإن صغر في أعينكم، ولا تستكثروا الخير
وإن كثر في أعينكم، فانه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الاستصغار (1). 2 -
فس: " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه " قال هي سبعة: الكفر، و قتل النفس، وعقوق
الوالدين، وأكل مال اليتيم، وأكل الربوا، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة،
وكل ما وعد الله في القرآن عليه النار من الكبائر (2). 3 - ب: عن هارون، عن ابن
صدقة، عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام قال: الحيف في الوصية من الكبائر يعني
الظلم فيها (3). ع: عن أبيه، عن الحميري، عن هارون مثله (4). 4 - ع (5) ل: عن ابن
الوليد، عن الصفار، عن أيوب بن نوح وابن هاشم معا، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه،
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: وجدنا في كتاب علي عليه السلام أن الكبائر خمس:
الشرك بالله عزوجل، وعقوق الوالدين، وأكل الربوا بعد البينة، والفرار من الزحف،
والتعرب بعد الهجرة (6). 5 - ثو (7) ع (8) ل: عن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن
ابن
(1) أمالى الصدوق ص 260 فيه مع الاصرار،
وما في المتن هو الظاهر. (2) تفسير القمى ص 124 و 125. (3) قرب الاسناد ص 34 وفى ط
30. (4) علل الشرائع ج 2 ص 254. (5) علل الشرائع ج 2 ص 160. (6) الخصال ج 1 ص 131.
(7) ثواب الاعمال ص 209. (8) علل الشرائع ج 2 ص 161.
[5]
محبوب، عن عبد العزيز العبدي، عن عبيد بن
زرارة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أخبرني عن الكبائر، فقال: هن خمس وما
أوجب الله عليهن النار قال الله عزوجل: " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما "
إنما يأكلون في بطونهم نارا " وسيصلون سعيرا " " (1) وقال: " يا أيها الذين آمنوا
إذا لقيتم الذين كفروا زحفا " فلا تولوهم الأدبار " إلى آخر الاية (2) وقوله: " يا
أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا " إلى آخر الآية (3) ورمي
المحصنات الغافلات، وقتل المؤمن متعمدا " على دينه (4). 6 - ع (5) ل: عن القطان، عن
ابن زكريا، عن ابن حبيب، عن محمد ابن عبد الله، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن
كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الكبائر سبع، فينا نزلت، ومنا استحلت،
فأولها الشرك بالله العظيم وقتل النفس التي حرم الله، وأكل مال اليتيم، وعقوق
الوالدين، وقذف المحصنة والفرار من الزحف، وإنكار حقنا. فأما الشرك بالله فقد أنزل
الله فينا ما أنزل، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله فينا ما قال، فكذبوا الله
وكذبوا رسوله وأشركوا بالله عزوجل وأما قتل النفس التي حرم الله فقد قتلوا الحسين
بن علي عليهما السلام وأصحابه. وأما أكل مال اليتيم فقد ذهبوا بفيئنا الذي جعله
الله لنا، فأعطوه غيرنا وأما عقوق الوالدين فقد أنزل الله عزوجل في كتابه " النبي
أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه امهاتهم " (6) فعقوا رسول الله صلى الله عليه
وآله في ذريته، وعقوا امهم خديجة
(1) النساء: 10. (2) الانفال: 15. (3)
البقرة: 258. (4) الخصال ج 1 ص 131. (5) علل الشرائع ج 2 ص 79 وص 160 بالاسناد عن
ابن الوليد عن الصفار عن ابن حسان. (6) الاحزاب: 6.
[6]
في ذريتها. وأما قذف المحصنة فقد قذفوا
فاطمة على منابرهم، وأما الفرار من الزحف فقد أعطوا أمير المؤمنين بيعتهم طائعين
غير مكرهين، ففروا عنه وخذلوه، وأما إنكار حقنا فهذا ما لا يتنازعون فيه (1). 7 - ن
(2) ع: عن ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن عبد العظيم الحسني، عن أبي
جعفر الثاني، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: دخل عمرو بن عبيد البصري على أبي
عبد الله عليه السلام، فلما سلم وجلس عنده تلا هذه الآية قوله عزوجل: " الذين
يجتنبون كبائر الإثم والفواحش " (2) ثم أمسك عنه. فقال له أبو عبد الله عليه
السلام: ما أسكتك ؟ قال: احب أن أعرف الكبائر من كتاب الله، فقال: نعم، يا عمرو
أكبر الكبائر الشرك بالله، يقول الله تبارك و تعالى: " إنه من يشرك بالله فقد حرم
الله عليه الجنة ومأواه النار " (4) وبعده اليأس من روح الله لأن الله عزوجل يقول:
" ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون " (5) والأمن
من مكر الله لأن الله يقول: " ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون " (6). ومنها:
عقوق الوالدين لأن الله عزوجل جعل العاق جبارا " شقيا " (7). وقتل النفس التي حرم
الله إلا بالحق، لان الله عزوجل يقول:
(1) الخصال ج 2 ص 14 في الهامش. (2) عيون
الاخبار: ج 1 ص 285. (3) الشورى: 37. (4) المائدة: 72. (5) يوسف: 87. (6) الاعراف
99. (7) زاد في العيون بعده: في قوله تعالى حكاية قال عيسى عليه السلام " وبرا "
بوالدتي ولم يجعلني جبارا " شقيا " ". والاية في سورة مريم: 32.
[7]
" فجزاؤه جهنم خالدا " فيها " إلى آخر
الاية (1) وقذف المحصنات، لأن الله تبارك وتعالى يقول: " لعنوا في الدنيا والآخرة
ولهم عذاب عظيم " (2) وأكل مال اليتيم ظلما " لقوله عزوجل: " إنما يأكلون في بطونهم
نارا " وسيصلون سعيرا " " (3). والفرار من الزحف لأن الله عزوجل يقول " ومن يولهم
يومئذ دبره إلا متحرفا " لقتال أو متحيزا " إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه
جهنم وبئس المصير " (4). وأكل الربوا لأن الله عزوجل يقول: " الذين يأكلون الربوا
لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس " (5) والسحر، لأن الله عزوجل
يقول: " ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق " (6). والزنا لأن الله
عزوجل يقول: " ومن يفعل ذلك يلق أثاما " * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيها
مهانا " * إلا من تاب " (7). واليمين الغموس (8) لأن الله عزوجل يقول: " إن الذين
يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا " قليلا " اولئك لا خلاق لهم في الآخرة " (9)
والغلول: يقول الله عزوجل: " ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة " (10).
(1) النساء: 94. (2) النور: 23، وفى
المصدرين ذكر تمام الاية بصدرها. (3) النساء: 10. (4) الانفال: 16. (5) البقرة:
275. (6) البقرة: 102. (7) الفرقان 68 - 70. (8) اليمين الغموس: التى تغمس صاحبها
في الاثم. (9) آل عمران: 77. (10) آل عمران: 161.
[8]
ومنع الزكاة المفروضة، لأن الله عزوجل
يقول: " فتكوى بها جباههم وجنوبهم " (1) وشهادة الزور وكتمان الشهادة (2) لأن الله
عزوجل يقول: " ومن يكتمها فانه آثم قلبه " (3). وشرب الخمر لأن الله عزوجل عدل بها
عبادة الأوثان (4) وترك الصلاة متعمدا لأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " من
ترك الصلاة متعمدا " (5) فقد بري من ذمة الله وذمه رسوله " ونقض العهد وقطيعة الرحم
لأن الله عزوجل يقول: " اولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار " (6). فخرج عمرو وله صراخ
من بكائه، وهو يقول: هلك من قال برأيه، و نازعكم في الفضل والعلم (7). 7 - ع:
بالاسناد المتقدم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قتل النفس من الكبائر لأن الله
عزوجل يقول: " ومن يقتل مؤمنا " متعمدا " فجزاؤه جهنم خالدا " فيها وغضب الله عليه
ولعنه وأعد له عذابا " أليما " " (8).
(1) براءة: 35. (2) زاد في العيون: لان
الله عزوجل يقول: " والذين لا يشهدون الزور ". والاية في الفرقان: 73. (3) البقرة:
283. (4) يعنى قرن بها عبادة الاوثان كما قال الله تعالى في سورة المائدة: 90 يا
ايها الذين آمنوا انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان ". (5)
زاد في بعض النسخ: اوشئ مما فرض الله. (6) الرعد: 25. (7) علل الشرائع ج 2 ص 78
واللفظ له، ورواه الصدوق في الفقيه ج 3 ص 368 وقد ذكرنا في مقدمة بعض المجلدات أن
المؤلف رحمه الله إذا أخرج الحديث من مصادر متعددة، جعل لفظ الحديث من المصدر الذى
يذكره أخيرا، فلا تغفل. (8) علل الشرائع ج 2 ص 164، والاية في النساء: 94.
[9]
9 - ع: بالاسناد المتقدم، عن أبي عبد الله
عليه السلام قال: قذف المحصنات من الكبائر، لأن الله عزوجل يقول: " لعنوا في الدنيا
والآخرة ولهم عذاب عظيم " (1). أقول: الظاهر أن هذين الخبرين جزءان من خبر عمرو بن
عبيد فرقه على الأبواب (2). 10 - ع: في علل محمد بن سنان أن الرضا عليه السلام كتب
إليه فيما كتب عن جواب مسائله: حرم الله عزوجل الفرار من الزحف، لما فيه من الوهن
في الدين، والاستخفاف بالرسل والأئمة العادلة، وترك نصرتهم على الأعداء، والعقوبة
لهم على إنكار ما دعوا إليه من الاقرار بالربوبية، وإظهار العدل، وترك الجور،
وإماتة الفساد، ولما في ذلك من جرأة العدو على المسلمين وما يكون في ذلك من السبي
والقتل، وإبطال دين الله عزوجل وغيره من الفساد. وحرم التعرب بعد الهجرة للرجوع عن
الدين، وترك الموازرة للانبياء والحجج عليهم السلام، وما في ذلك من الفساد، وإبطال
حق كل ذي حق، لا لعلة سكنى البدو، ولذلك لو عرف الرجل الدين كاملا " لم يجز له
مساكنة أهل الجهل للخوف عليه، لأنه لا يؤمن أن يقع منه ترك العلم، والدخول مع أهل
الجهل والتمادي في ذلك (3). 11 - ل: في خبر الأعمش عن الصادق عليه السلام: الكبائر
محرمة وهي الشرك بالله عزوجل، وقتل النفس التي حرم الله، وعقوق الوالدين، والفرار
من
(1) علل الشرائع ج 2 ص 165 - 166 والاية
في النور: 23. (2) وهكذا ذكر بالاسناد المتقدم عن أبى عبد الله عليه السلام قال:
عقوق الوالدين من الكبائر، لان الله عزوجل جعل العاق عصيا " شقيا "، راجع علل
الشرائع ج 2 ص 165. (3) علل الشرائع ج 2 ص 166 - 167، وفى علل محمد بن سنان المذكور
تمامها في العيون ج 2 ص 92 و 93، ذكر شطر آخر من الكبائر.
[10]
الزحف، وأكل مال اليتيم ظلما، وأكل الربوا
بعد البينة، وقذف المحصنات وبعد ذلك الزنا، واللواط، والسرقة، وأكل الميتة، والدم،
ولحم الخنزير، وما اهل لغير الله به - من غير ضرورة، وأكل السحت، والبخس في المكيال
و الميزان، والميسر، وشهادة الزور، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله والقنوط
من رحمة الله، وترك معاونة المظلومين، والركوع إلى الظالمين، و اليمن الغموس، وحبس
الحقوق من غير عسر، واستعمال الكبر والتجبر، و الكذب، والاسراف والتبذير،
والخيانية، والاستخفاف بالحج، والمحاربة لأولياء الله عزوجل. والملاهي التي تصد عن
ذكر الله تبارك وتعالى مكروهة، كالغناء وضرب الأوتار، والاصرار على صغائر الذنوب،
ثم قال عليه السلام " إن في هذا لبلاغا " لقوم عابدين " (1). قال الصدوق - رحمه
الله -: الكبائر هي سبع، وبعدها فكل ذنب كبير بالاضافة إلى ما هو أصغر منه، وصغير
بالاضافة إلى ما هو أكبر منه (2) وهذا
(1) الخصال ج 2 ص 155. (2) قال الله تبارك
وتعالى: " ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ".
قال الطبرسي: اختلف في معنى الكبيرة: فقيل: كل ما أوعد الله تعالى عليه في الاخرة
عقابا " وأوجب عليه في الدنيا حدا فهو كبيرة، وقيل: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة
عن ابن عباس، والى هذا ذهب أصحابنا فانهم قالوا: المعاصي كلها كبيرة من حيث كانت
قبائح لكن بعضها أكبر من بعض، وليس في الذنوب صغيرة، وانما يكون صغيرا " بالاضافة
إلى ما هو أكبر منه، ويستحق العقاب عليه أكثر، والقولان متقاربان. وقالت المعتزلة:
لا يعرف شئ من الصغائر ولا معصية الا ويجوز أن يكون كبيرة فان في تعريف الصغائر
اغراءا بالمعصية لأنه إذا علم المكلف أنه لا ضرر عليه في فعلها ودعته الشهوة إليها
فعلها، وقالوا: عند اجتناب الكبائر يجب غفران الصغائر، ولا يحسن معه - >
[11]
معنى ما ذكره الصادق عليه السلام في هذا
الحديث من ذكر الكبائر الزائدة على السبع ولا قوة إلا بالله.
المؤاخذة بها. قال: وليس في ظاهر الاية ما
يدل عليه، فان معناه على ما رواه الكلبى عن ابن عباس " ان تجتنبوا الذنوب التى أوجب
الله فيها الحد وسمى فيها النار نكفر عنكم ما سوى ذلك من الصلاة إلى الصلاه، ومن
الجمعة إلى الجمعة، ومن شهر رمضان إلى شهر رمضان. وقيل معنى ذلك: ان تجتنبوا كبائر
ما نهيتم عنه في هذه السورة من المناكح وأكل الاموال بالباطل وغيره من المحرمات من
أول السورة إلى هذا الموضع وتركتموه في المستقبل كفرنا عنكم ما كان منكم من
ارتكابها فيما سلف. ولذا قال ابن مسعود: كل ما نهى الله عنه في أول السورة إلى رأس
الثلاثين فهو كبيرة. أقول: قوله تعالى " كبائر ما تنهون عنه " بما أضيفت " الكبائر
" إلى " ما تنهون عنه " يفيد أن ما نهى الله عنه قسمان: كبائر وغير كبائر هي بعبارة
أخرى صغاير، وأن من اجتنب الكبائر منها لا يؤاخذ بالصغائر، أبدا "، بل ولا يعاتب
لقوله تعالى " وندخلكم مدخلا كريما " ". والمراد الدخول إلى الجنة قطعا " من دون
ارتياب، وهذا وعد لطيف من الله تعالى بتكفير الصغائر لأن الانسان الخاطئ الظلوم
الجهول لا يتأتى له أن يجتنب الصغائر، وكل ما غلب الله على العبد فالله أولى له
بالعذر. يبقى الكلام في معرفة الصغائر من الكبائر، فالاية بمقابلتها بين السيئات
والكبائر، وأن اجتناب الكبائر يوجب تكفير السيئات تؤذن بأن السيئات هي الصغائر،
وأنها انما تكفر عند اجتناب الكبائر، وأما إذا كان الرجل مقارفا فاللكبائر، يؤاخذ
بكلها صغائرها وكبائرها قضية للشرط. ولما جعل ثواب اجتناب الكبائر الدخول إلى
الجنة، فبالمقابلة يعرف أن كل ما اوعد الله عليه جهنم وعذابها ونارها، فهى كبيرة،
وما نهى عنه في القرآن الكريم ولم يوعد عليه نار جهنم، بل ندب إلى تركه من دون
ايعاد بذلك فهى سيئة صغيرة. هذا ما يعطيه القرآن الكريم وقد جاء بتأييده أحاديث
الفريقين، وأما المتكلمون - >
[12]
12 - ن: فيما كتب الرضا عليه السلام
للمأمون من شرائع الدين: واجتناب الكبائر: وهي قتل النفس التي حرم الله عزوجل،
والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم
ظلما "، وأكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما اهل لغير الله به من غير ضرورة،
وأكل الربوا بعد البينة، والسحت والميسر، وهو القمار، والبخس في المكيال و الميزان،
وقذف المحصنات، واللواط، وشهادة الزور، واليأس من روح الله، و الأمن من مكر الله،
والقنوط من رحمة الله، ومعونة الظالمين، والركون إليهم واليمين الغموس، وحبس الحقوق
من غير عسر، والكذب، والكبر، والاسراف والتبذير، والخيانة، والاستخفاف بالحج،
والمحاربة لأولياء الله تعالى، و الاشتغال بالملاهي، والاصرار على الذنوب (1). 13 -
ثو: عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن الفضيل، عن الرضا
عليه السلام في قول الله تبارك وتعالى " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم
سيئاتكم " قال: من اجتنب ما أوعد الله عليه النار إذا كان مؤمنا " كفر عنه سيئاته
(2). 14 - ثو: عن أبيه، عن سعد، عن موسى البغدادي، عن الوشاء، عن أحمد ابن عمير
الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: " إن تجتنبوا كبائر
ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم " قال: من اجتنب ما أوعد الله عليه النار إذا كان
مؤمنا " كفر عنه سيئاته. والكبائر السبع الموجبات النار: قتل النفس الحرام، وعقوق
الوالدين
- > فشأنهم وما تكلموا فيه، أفرأيت من
اتخذ الهه هواه وأضله الله على علم. واما حديث الاعمش وما يأتي من مكتوب الرضا عليه
السلام للمأمون وأمثاله كلها ضعيف لا يحتج به خلافا لكتاب الله عزوجل والسنة
المقطوع بها. (1) عيون الاخبار ج 2 ص 127. (2) ثواب الاعمال ص 117، وفى ط 71.
[13]
وأكل الربوا، والتعرب بعد الهجرة، وقذف
المحصنة، وأكل مال اليتيم، و الفرار من الزحف (1). 15 - ثو: عن أبيه، عن محمد بن
يحيى، عن الأشعري، عن علي بن إسماعيل عن أحمد بن النضر، عن عباد بن كثير، قال: سألت
أبا جعفر عليه السلام عن الكبائر فقال: كل شئ أوعد الله عليه النار (2): أقول:
سيأتي في باب شرب الخمر أنه أكبر الكبائر. 16 - ثو: عن ماجيلويه، عن عمه، عن
الكوفي، عن عبد الرحمن بن محمد، عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
الكذب على الله عزوجل وعلى رسوله وعلى الأوصياء عليهم السلام من الكبائر (3). 17 -
شى: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله الله: " ومن يغفر الذنوب إلا الله
ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون " (4) قال: الاصرار أن يذنب العبد ولا يستغفر،
ولا يحدث نفسه بالتوبة، فذلك الاصرار (5). 18 - شى: عن ميسر، عن أبي جعفر عليه
السلام قال: كنت أنا وعلقمة الحضرمي وأبو حسان العجلي وعبد الله بن عجلان ننتظر أبا
جعفر عليه السلام فخرج علينا فقال: مرحبا " وأهلا "، والله إني لاحب ريحكم
وأرواحكم، وإنكم لعلى دين الله. فقال علقمة: فمن كان على دين الله تشهد أنه من أهل
الجنة ؟ قال: فمكث هنيهة [ثم] قال: نوروا أنفسكم، فان لم تكونوا قرفتم الكبائر،
فأنا أشهد. قلنا: وما الكبائر ؟ قال: هي في كتاب الله على سبع، قلنا: فعدها علينا
جعلنا فداك ! قال:
(1) ثواب الاعمال ص 117 وفى ط 71. (2)
ثواب الاعمال ص 209. (3) ثواب الاعمال ص 239. (4) آل عمران: 135. (5) تفسير العياشي
ج 1 ص 198.
[14]
الشرك بالله العظيم، وأكل مال اليتيم،
وأكل الربوا بعد البينة، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وقتل المؤمن، وقذف
المحصنة، قلنا: مامنا أحد أصاب من هذه شيئا "، قال: فأنتم إذا (1). 19 - شى: عن
معاذ بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يا معاذ ! الكبائر سبع، فينا
انزلت، ومنا استحقت، وأكبر الكبائر: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وعقوق
الوالدين، وقذف المحصنات، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، وإنكار حقنا أهل
البيت. فأما الشرك بالله فان الله قال فينا ما قال، وقال رسول الله صلى الله عليه
وآله ما قال فكذبوا الله وكذبوا رسوله، وأما قتل النفس التي حرم الله، فقد قتلوا
الحسين ابن علي وأصحابه، وأما عقوق الوالدين فان الله قال في كتابه: " النبي أولى
بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه امهاتهم " (2) وهو أب لكريمتهم (3) فقد عقوا رسول الله
صلى الله عليه وآله في دينه وأهل بيته. وأما قذف المحصنات فقد قذفوا فاطمة على
منابرهم، وأما أكل مال اليتيم فقد ذهبوا بفيئنا في كتاب الله عزوجل، وأما الفرار من
الزحف فقد أعطوا أمير المؤمنين بيعتهم غير كارهين، ثم فروا عنه وخذلوه، وأما إنكار
حقنا، فهذا مما لا يتعاجمون فيه. وفي خبر آخر والتعرب من الهجرة (4). [شي]: عن أبي
خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الأوصياء
عليهم السلام من الكبائر (5). 20 - شى: عن العباس بن هلال، عن أبي الحسن الرضا عليه
السلام أنه ذكر [في]
(1) تفسير العياشي ج 1 ص 237. (2)
الاحزاب: 6. (3) في المصدر: هو أب لهم. (4) تفسير العياشي ج 1 ص 237 والتعاجم
التناكر والتظاهر بالعجمة. (5) تفسير العياشي ج 1 ص 238.
[15]
قول الله تعالى: " إن تجتنبوا كبائر ما
تنهون عنه " عبادة الأوثان، وشرب الخمر، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقذف
المحصنات، والفرار من الزحف وأكل مال اليتيم (1). وفي رواية اخرى عنه عليه السلام:
أكل مال اليتيم ظلما "، وكل ما أوجب الله عليه النار (2). [شي]: عن أبي عبد الله
عليه السلام في رواية اخرى عنه: وإنكار ما أنزل الله، أنكروا حقنا، وجحدونا، وهذا
لا يتعاجم فيه أحدا " (3). 21 - شى: عن سليمان الجعفري قال: قلت لأبي الحسن الرضا
عليه السلام: ما تقول في أعمال السلطان ؟ فقال: يا سليمان الدخول في أعمالهم والعون
لهم والسعي في حوائجهم عديل الكفر، والنظر إليهم على العمد من الكبائر التي يستحق
بها النار (4). 22 - شى: عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي عليهم
السلام قال: السكر من الكبائر، والحيف في الوصية من الكبائر (5). 23 - شى: عن محمد
بن الفضيل، عن أبي الحسن عليه السلام في قول الله: " إن تجتنبوا كبائر ما تهنون عنه
نكفر عنكم سيئاتكم " قال: من اجتنب ما أوعد الله عليه النار - إذا كان مؤمنا " -
كفر عنه سيئاته (6). وقال أبو عبد الله في آخر ما فسر: فاتقوا الله ولا تجترؤا (7).
24 - شى: عن كثير النوا قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الكبائر، قال: كل شئ
أوعد الله عليه النار (8). 25 - شى: عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام
قال: سألته عن الكبائر فقال: منها أكل مال اليتيم ظلما ". وليس في هذا بين أصحابنا
اختلاف والحمد لله (9).
(1 - 6) تفسير العياشي ج 1 ص 238. (7 - 8)
تفسير العياشي ج 1 ص 239. (9) تفسير العياشي ج 1 ص 225.
[16]
26 - جا: عن ابن قولويه عن أبيه، عن سعد،
عن ابن عيسى، عن محمد ابن سنان، عن عبد الكريم بن عمرو، وإبراهيم بن ناحة البصري
جميعا " قالا: حدثنا ميسر قال: قال لي أبو عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام ما
تقول: فيمن لا يعصي الله في أمره ونهيه، إلا أنه يبرء منك ومن أصحابك على هذا الأمر
؟ قال: قلت: وما عسيت أن أقول، وأنا بحضرتك ؟ قال: قل ! فاني أنا الذي آمرك أن تقول
قال: قلت: هو في النار، قال: يا ميسر ! ما تقول فيمن يدين الله بما تدينه به، وفيه
من الذنوب ما في الناس، إلا أنه مجتنب الكبائر ؟ قال: قلت: وما عسيت أن أقول وأنا
بحضرتك ؟ قال: قل ! فاني أنا الذي آمرك أن تقول، قال: قلت: في الجنة. قال: فلعلك
تنحرج أن تقول هو [في الجنة ؟ قال: قلت: لا، قال: لا تحرج فانه في الجنة، إن الله
يقول: " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا " كريما "
" (1).
(1) مجالس المفيد ص 98 - 99، وما بين
العلامتين كان ساقطا " ومحله بياضا ".
[17]
{ 69 باب الزنا } الايات: الانعام: " ولا
تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن (1). اسرى: ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة
وساء سبيلا " (2). النور: " ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا " لتبتغوا
عرض الحيوة الدنيا ومن يكرههن فان الله من بعد إكراههن غفور رحيم (3).
(1) الانعام: 151. (2) أسرى: 32. (3)
النور: 33 وعنوان الاية في الباب بناء على ما اشتهر بين المفسرين أن البغاء المذكور
في الاية هو الزنى. قال الطبرسي: " ولا تكرهوا فتياتكم " أي اماءكم وولايدكم " على
البغاء " أي على الزنا " ان أردن تحصنا " أي تعففا " وتزويجا "، عن ابن عباس، وانما
شرط ارادة التحصن لان الاكراه لا يتصور الا عند ارادة التحصن، فان لم ترد التحصن
بغت بالطبع، فهذه فائدة الشرط. قال: قيل ان عبد الله بن أبى كان له ست جوار يكرههن
على الكسب بالزنا، فلما نزل تحريم الزنا أتين رسول الله صلى الله عليه وآله فشكون
إليه فنزلت الاية. وقال في " ومن يكرههن " أي ومن يجبرهن على الزنا من سادتهن " فان
الله من بعد اكراههن غفور " للمكرهات لا للمكره، لان الوزر عليه " رحيم " بهن. ويرد
عليه أن مهر البغى أي الزانية حرام بالكتاب والسنة فكيف يصح التعبير عن ابتغائه
بقوله تعالى " لتبتغوا عرض الحياة الدنيا " من دون أي نكير عليه فالصحيح - كما هو
الظاهر بقرينة الاية المتقدمة عليها وصدر هذه الاية نفسها - أن المراد بالب