بحار الانوار الجزء
75
العلامة المجلسي
[1]
بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة
الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس
الله سره) الجزء الخامس والسبعون مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان الطبعة الثانية
المصححة 1403 ه. 1983 م مؤسسة الوفاء - بيروت - لبنان - صرب: 1457 - هاتف: 386868
[1]
بسم الله الرحمن الرحيم 49 - كتاب
الغارات: (1) لابراهيم بن محمد الثقفي، عن أبي زكريا الجريري عن بعض أصحابه قال:
خطبة لامير المؤمنين عليه السلام الحمد لله نحمده ونستعينه ونعوذ بالله من شرور
أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده و رسوله انتجبه
بالولاية، واختصه بالاكرام، وبعثه بالرسالة، أحب خلقه إليه. وأكرمهم عليه، فبلغ
رسالات ربه، ونصح لامته، وقضى الذي عليه. اوصيكم بتقوى الله، فان تقوى الله خير ما
تواصت به العباد، وأقربه من رضون الله، وخيره في عواقب الامور. فبتقوى الله امرتم،
ولها خلقتم، فاخشوا الله خشية ليست بسمعة ولا تعذير (2) فانه لم يخلقكم عبثا، وليس
بتارككم سدى (3) قد أحصى أعمالكم، وسمى آجالكم، وكتب آثاركم، فلا تغرنكم الدنيا
فإنها غرارة،. مغرور من اغتر بها، وإلى فناء ما هي. نسأل الله ربنا وربكم أن يرزقنا
وإياكم خشية السعداء، ومنازل الشهداء ومرافقة الانبياء، فإنما نحن به وله.
(1) مخطوط. (2) عذر في الامر تعذيرا: قصر
فيه بعد جهد. (3) أي لا يترككم مهملا باطلا.
[2]
50 - وبهذا الاسناد خطبة له عليه السلام:
الحمد لله نحمدة تسبيحا، ونمجده تمجيدا نكبر عظمته لعز جلاله، ونهلله تهليلا، موحدا
مخلصا، ونشكره في مصانعة الحسنى، أهل الحمد والثناء الاعلى، ونستغفره للحت من
الخطايا، ونستعفيه من متح ذنوب البلايا (1) ونؤمن بالله يقينا في أمره، ونستهدي
بالهدى العاصم المنقذ العازم بعزمات خير قدر (؟) موجب فضل عدل قضاء نافذ بفوز سابق
بسعادة في كتاب كريم مكنون، ونعوذ بالله من مضيق مضائق السبل على أهلها بعد اتساع
مناهج الحق لطمس آيات منير الهدى بلبس ثياب مضلات الفتن، ونشهد غير ارتياب، حال دون
يقين مخلص بأن الله واحد موحد، وفي وعده، وثيق عقده، صادق قوله، لا شريك له في
الامر، ولا ولي له من الذل، نكبره تكبيرا، لاإله إلا الله هو العزيز الحكيم. ونشهد
أن محمدا صلى الله عليه وآله عبده بعيث الله لوحيه، ونبيه بعينه، ورسوله بنوره،
مجيبا مذكرا مؤديا، مبقيا مصابيح شهب ضياء مبصر. وماحيا ماحقا مزهقا رسوم أباطيل
خوض الخائضين، بدار اشتباك ظلمة كفر دامس، فجلا غواشي أظلام لجي راكد (2) بتفصيل
آياته من بعد توصيل قوله وفصل فيه القول للذاكرين بمحكمات منه بينات، ومشتبهات
يتبعها الزايغ قلبه ابتغاء التأويل تعرضا للفتن. والفتن محيطة بأهلها. والحق نهج
مستنير، من يطع الرسول يطع الله ومن يطع الله يستحق الشكر من الله بحسن الجزاء، ومن
يعص الله ورسوله يعاين عسر الحساب لدى اللقاء، قضاء بالعدل عند القصاص بالحق يوم
إفضاء الخلق إلى الخالق. أما بعد فمنصت سامع لواعظ نفعه إنصاته وصامت ذولب شغل قلبه
بالفكر في أمر الله حتى أبصر فعرف فضل طاعته على معصيته، وشرف نهج ثوابه على احتلال
من عقابه، ومخبر النائل رضاه عند المستوجبين غضبه عند تزايل الحساب. وشتى بين
الخصلتين وبعيد تقارب ما بينهما، اوصيكم بتقوى الله بارئ الازواح وفالق الاصباح.
(1) الحت بتشديد التاء السقوط، والمتح
استقاء الماء بالدلو، والذنوب بفتح الذال المعجمة: الدلو. (2) اللج: معظم الماء.
[3]
51 - من كتاب مطالب السؤول (1) لمحمد بن
طلحة من كلام أمير المؤمنين عليه السلام: ذمتي بما أقول رهينة وأنا به زعيم إن من
صرحت (2) له العبر عما بين يديه من المثلات حجزه التقوى عن تقحم الشبهات، ألا وإن
الخطايا خيل شمس (3) حمل عليها أهلها وخلعت لجمها فتقحمت بهم في النار، ألا وإن
التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها واعطوا أزمتها فأوردتهم الجنة. حق وباطل ولكل
أهل، فلئن أمر الباطل (4) لقديما فعل، ولئن قل الحق فلربما ولعل ولقلما أدبر شئ
فأقبل. لقد شغل من الجنة والنار أمامه. ساع سريع نجا، وطالب بطئ رجا، ومقصر في
النار هوى، اليمين والشمال مضلة (5) والطريق الوسطى هي الجادة، عليها باقي الكتاب
(6) وآثار النبوة، ومنها منفذ السنة، وإليها مصير العاقبة، هلك من ادعى، وخاب من
افترى، وخسر من باع الاخرة بالاولى، ولكل نبأ مستقر وكل ما هو آت قريب. 52 - ومنه:
(7) لقد جاهرتكم العبر، وزجرتم بما فيه مزدجر، وما يبلغ عن الله بعد رسل الله إلا
البشر، ألا وإن الغاية أمامكم، وإن وراءكم الساعة، تحدوكم تخففوا تلحقوا، فانما
ينتظر بأولكم آخركم (8).
(1) المصدر ص 28. (2) الزعيم: الضامن.
والتصريح: كشف الامر وانكشافه. (3) الشموس: معرب چموش. (4) أمر يأمر - من باب تعب
-: كثر. (5) أي طرفي الافراط والتفريط. (6) هو ما يبقى من أثر مشيه وموضع قدمه كانه
مشى على الطريق الوسطى. وقيل باقى الكتاب هو ما لم ينسخ منه لكن الاول هو الصواب.
(7) مطالب السؤول ص 33. (8) تحدوكم أي تسوقكم. وقوله " تخففوا تلحقوا " أي تخففوا
بالقناعة وترك الحرص أو كناية عن عدم الركون الي الدنيا واتخاذها دار ممر لا دار
مقر. والانتظار بالاول كناية - - -
[4]
53 - وقال عليه السلام يوما وقد أحدق
الناس به: احذركم الدنيا فانها منزل قلعة وليست بدار نجعة (1) هانت على ربها فخلط
خيرها بشرها، وحلوها بمرها، لم يضعها لاوليائه، ولا يضنن بها علي أعدائه، وهي دار
ممر لا دار مستقر، والناس فيها رجلان رجل باع نفسه فأوبقها (2) ورجل ابتاع نفسه
فأعتقها، إن اعذوذب منها جانب فحلا، أمر منها جانب فأوبى (3) أولها عناء، وآخرها
فناء، من استغنى فيها فتن ومن اقتفر فيها حزن، من ساعاها فاتته، ومن قعد عنها أتته،
ومن أبصر فيها بصرته ومن أبصر إليها أعمته، فالانسان فيها غرض المنايا، مع كل جرعة
شرق، ومع كل اكلة غصص، لا تنال منها نعمة إلا بفراق اخرى. 54 - وقال يوما في مسجد
الكوفة وعنده وجوه الناس: أيها الناس إنا قد أصبحنا في دهر عنود، وزمن شديد، يعد
فيه المحسن مسيئا، ويزداد الظالم فيه عتوا، لا ننتفع بما علمنا، ولا نسأل عما
جهلنا، ولا نتخوف قارعة حتى تحل بنا، والناس على أربعة أصناف منهم من لا يمنعه
الفساد في الارض إلا مهانة نفسه وكلالة حده ونضيض وفره. ومنهم المصلت بسيفه، المعلن
بشره (4) والمجلب بخيله ورجله، قد أهلك نفسه، وأوبق دينه لحطام ينتهزه أو مقنب
يقوده، أو منبر يفرعه (5) ولبئس المتجر أن ترى - - - -
عن كونهم كمن سبق من الرفقة إلى بلدة لا
يؤذن لهم في دخولها الا بالاجتماع ولحوق الاخرين أي لابد لكم من ترك هذه الدار
ونزول دار القرار والاجتماع. (1) القلعة - بضم القاف - المال العارية أو ما لا
يدوم. والنجعة - بالضم - طلب الكلاء وقوله " هانت " من المهانة. (2) أوبقها أي
أهلكها وأذلها. (3) أي يبتلى بالوباء. (4) القارعة: الداهية. ونض الماء نضيضا: سال
قليلا قليلا، واصلات السيف هو اعلان الشر والفساد. (5) الانتهاز: الانتظار.
والمقنب: جماعة من الخيل تجتمع للغارة جمع مقانب. وفرع الجبل: صعده.
[5]
الدنيا لنفسك ثمنا، ومما لك عند الله
عوضا. ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الاخرة ولا يطلب الاخرة بعمل الدنيا، قد طأمن من
شخصه، وقارب من خطوه، وشمر من ثوبه (1) وزخرف من نفسه الامانة واتخذ سر الله تعالى
ذريعة إلى المعصية. ومنهم من أقعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه (2) وانقطاع سببه،
فقصرته الحال على حاله، فتحلى باسم القناعة، وتزين بلباس أهل الزهادة، وليس من ذلك
في مراح، ولا مغدى (3) وبقي رجال غض أبصارهم ذكر المرجع، وأراق دموعهم خوف المحشر،
فهم بين شريد ناء، وخائف مقموع، وساكت مكعوم (4) وداع مخلص، وثكلان موجع قد أخملتهم
التقية، وشملتهم الذلة فهم في بحر اجاج، أفواههم خامرة (5) وقلوبهم قرحة، قد وعظوا
حتى ملوا، وقهروا حتى ذلوا، وقتلوا حتى قلوا، فلتكن الدنيا عندكم أصغر من حثالة
القرظ، وقراضة الجلم (6). واتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتعظ بكم من بعدكم،
وارفضوها ذميمة فانها رفضت من كان أشغف بها منكم، فياما أغر خداعها مرضعة، وياما
أضر نكالها فاطمة. 55 - وقد نقل عنه عليه السلام أنه قال وقد اجتمع حوله خلق كثير:
اتقوا الله فما
(1) طأمن مقلوب طمأن أي سكن، وطأمن منه أي
سكنه، وشمر ثوبه أي رفعه عن ساقيه للتنزه والاحتراز من النجاسة والقذارة. (2)
الضؤولة - بالضم -: الحقارة. ورجل ضئيل أي ضعيف نحيف. (3) المراح موضع يروح القوم
منه أو إليه. والمغدى اسم مكان من الغدو. (4) المقموع: المقهور. والمكعوم: الملحم.
(5) خمر - كضرب ونصر -: سكت ولم يتكلم. (6) الحثالة - بالضم - ما يسقط من قشر
الشعير والارز. والقرظ - بالتحريك - ورق السلم يدبغ به الاديم. وقراضة الجلم يعنى
ريزه دم قيچى.
[6]
خلق امرء عبثا فيلهو، ولا ترك سدى فيلغو،
وما دنياه التي تحسنت له بخلف من الاخرة التي قبحها سوء ظنه عنده، وما المغرور
بزخرفها الذي بناج من عذاب ربه عند مرده إليه. 56 - وقال عليه السلام: عليكم بالعلم
فانه صلة بين الاخوان، ودال على المروة وتحفة في المجالس، وصاحب في السفر، ومونس في
الغربة، وإن الله تعالى يحب المؤمن العالم الفقيه، الزاهد الخاشع، الحيي العليم،
الحسن الخلق، المقتصد المنصف. 57 - وقال عليه السلام: من تواضع للمتعلمين وذل
للعلماء ساد بعلمه، فالعلم يرفع الوضيع، وتركه يضع الرفيع، ورأس العلم التواضع،
وبصره البراءة من الحسد وسمعه الفهم، ولسانه الصدق، وقلبه حسن النية، وعقله معرفة
أسباب الامور، و من ثمراته التقوى، واجتناب الهوى، واتباع الهدى، ومجانبة الذنوب،
ومودة الاخوان والاستماع من العلماء، والقبول منهم، ومن ثمراته ترك الانتقام عند
القدرة واستقباح مقارفة الباطل، واستحسان متابعة الحق. وقول الصدق، والتجافي عن
سرور في غفلة، وعن فعل ما يعقب ندامة، والعلم يزيد العاقل عقلا، ويورث متعلمه صفات
حمد، فيجعل الحليم أميرا، وذا المشورة وزيرا، ويقمع الحرص، ويخلع المكر، ويميت
البخل، ويجعل مطلق الوحش مأسورا (1) وبعيد السداد قريبا. 58 - وقال عليه السلام (2)
العقل عقلان عقل الطبع وعقل التجربة وكلاهما يؤدي إلى المنفعة، والموثوق به صاحب
العقل والدين، ومن فاته العقل والمروة فرأس ماله المعصية، وصديق كل امرء عقله،
وعدوه جهله، وليس العاقل من يعرف الخير من الشر، ولكن العاقل من يعرف خير الشرين،
ومجالسة العقلاء تزيد في الشرف، والعقل الكامل قاهر الطبع السوء، وعلى العاقل أن
يحصي على نفسه مساويها في الدين والرأي والاخلاق والادب فيجمع ذلك في صدره أو في
كتاب
(1) المأسور: الاسير. (2) مطالب السؤول ص
49.
[7]
ويعمل في إزالتها. 59 - وقال عليه السلام:
الانسان (1) عقل وصورة فمن أخطأه العقل ولزمته الصورة لم يكن كاملا، وكان بمنزلة من
لا روح فيه، ومن طلب العقل المتعارف فليعرف صورة الاصول والفضول، فإن كثيرا من
الناس يطلبون الفضول ويضعون الاصول، فمن أحرز الاصل اكتفى به عن الفضل، وأصل الامور
في الانفاق طلب الحلال لما ينفق والرفق في الطلب، وأصل الامور في الدين أن يعتمد
على الصلوات ويجتنب الكبائر وألزم ذلك لزوم ما لا غنى عنه طرفة عين، وإن حرمته هلك،
فان جاوزته إلى الفقه والعبادة فهو الحظ، وإن أصل العقل العفاف وثمرته البراءة من
الاثام، وأصل العفاف القناعة وثمرتها قلة الاحزان. وأصل النجدة القوة وثمرتها
الظفر، وأصل العقل (2) القدرة وثمرتها السرور، ولا يستعان على الدهر إلا بالعقل،
ولا على الادب إلا بالبحث، ولا على الحسب إلا بالوفاء، ولا على الوقار إلا
بالمهابة، ولا على السرور إلا باللين، ولا على اللب إلا بالسخاء، ولا على البذل إلا
بالتماس المكافأة، ولا على التواضع إلا بسلامة الصدر، وكل نجدة يحتاج إلى العقل،
وكل معونة تحتاج إلى التجارب، وكل رفعة يحتاج إلى حسن احدوثة، وكل سرور يحتاج إلى
أمن، وكل قرابة يحتاج إلى مودة، وكل علم يحتاج إلى قدرة، وكل مقدرة تحتاج إلى بذل،
ولا تعرض لما لا يعنيك بترك ما يعنيك. فرب متكلم في غير موضعه قد أعطبه ذلك. 60 -
وقال عليه السلام: لا تسترشد إلى الحزم بغير دليل العقل فتخطئ منهاج الرأي فان أفضل
العقل معرفة الحق بنفسه، وأفضل العلم وقوف الرجل عند علمه، و أفضل المروة استبقاء
الرجل ماء وجهه، وأفضل المال ما وقي به العرض، وقضيت به الحقوق. 61 - وعن عبد الله
بن عباس قال: ما انتفعت بكلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله كانتفاعي
(1) المصدر ص 49. (2) كذا وفي بعض النسخ "
أصل الفعل ".
[8]
بكتاب كتبه إلي علي بن أبي طالب عليه
السلام فإنه كتب إلي: أما بعد (1) فان المرء قد يسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه
فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك، وليكن أسفك على ما فاتك منها،
وما نلت من دنياك فلا تكثرن به فرحا، وما فاتك منه فلا تأس عليه جزعا، وليكن همك
فيما بعد الموت. والسلام. 62 - وقال عليه السلام لجماعة: خذوا عني هذه الكلمات فلو
ركبتم المطي حتى تنضوها ما صبتم مثلها (2): لا يرجون عبد إلا ربه، ولا يخافن إلا
ذنبه، ولا يستحي إذا لم يعلم أن يتعلم، ولا يستحي إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا
أعلم، واعلموا أن الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا خير في جسد لا رأس
له، فاصبروا على ما كلفتموه رجاء ما وعدتموه. 63 - وقال عليه السلام: الشئ شيئان شئ
قصر عني لم ارزقه فيما مضى ولا أرجوه فيما بقي، وشئ لا أناله دون وقته ولو استعنت
عليه بقوة أهل السماوات والارض، فما أعجب أمر هذا الانسان يسره درك ما لم يكن
ليدركه، ولو أنه فكر لابصر ولعلم أنه مدبر، واقتصر على ما تيسر، ولم يتعرض لما
تعسر، واستراح قلبه مما استوعر، فبأي هذين أفنى عمري، فكونوا أقل ما يكونون في
الباطن أموالا، أحسن ما يكونون في الظاهر أحوالا، فان الله تعالى أدب عباده
المؤمنين العارفين أدبا حسنا فقال: جل من قائل: " يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف
تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا " (3). 64 - وقال عليه السلام: لا يكون غنيا
حتى يكون عفيفا، ولا يكون زاهدا حتى يكون متواضعا، ولا يكون حليما حتى يكون وقورا،
ولا يسلم لك قلبك حتى تحب للمؤمنين ما تحب لنفسك، وكفى بالمرء جهلا أن يرتكب ما نهي
عنه، وكفى به عقلا
(1) المصدر ص 55. وفى النهج مثله. (2)
أنضى البعير: هزله. (3) البقرة: 273.
[9]
أن يسلم عن شره، فأعرض عن الجهل وأهله،
واكفف عن الناس ما تحب أن يكف عنك، وأكرم من صافاك وأحسن مجاورة من جاورك، وألن
جانبك واكفف عن الاذى، واصفح عن سواء الاخلاق، ولتكن يدك العليا إن استطعت، ووطن
نفسك على الصبر على ما أصابك، وألهم نفسك القنوع، واتهم الرجاء، وأكثر الدعاء تسلم
من سورة الشيطان ولا تناقس على الدنيا، ولا تتبع الهوى، وتوسط في الهمة تسلم ممن
يتبع عثراتك، ولا تك صادقا حتى تكتم بعض ما تعلم، احلم عن السفيه يكثر أنصارك عليه،
عليك بالشيم العالية تقهر من يعاديك، قل الحق، وقرب المتقين، واهجر الفاسقين، وجانب
المنافقين، ولا تصاحب الخائنين. 65 - وقال عليه السلام: قل عند كل شدة " لا حول ولا
قوة إلا بالله " تكف بها وقل عند كل نعمة " الحمد لله " تزدد منها، وقل إذا أبطأت
عليك الارزاق " أستغفر الله " يوسع عليك. عليك بالمحجة الواضحة التي لا تخرجك إلى
عوج، و لا تردك عن منهج. الناس ثلاث: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج
رعاع. مفتاح. الجنة الصبر، مفتاح الشرف التواضع، مفتاح الغنى اليقين، مفتاح الكرم
التقوى. من أراد أن يكون شريفا فيلزم التواضع، عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله،
الطمأنينة قبل الحزم ضد الحزم، المغتبط من حسن يقينه. 66 - وقال عليه السلام: اللهو
يسخط الرحمن ويرضي الشيطان وينسى القرآن، عليكم بالصدق فان الله مع الصادقين،
المغبون من غبن دينه. جانبوا الكذب فانه مجانب الايمان، والصادق على سبيل نجاة
وكرامة، والكاذب على شفا هلك وهون. قولوا الحق تعرفوا به، واعملوا الحق تكونوا من
أهله، وأدوا الامانة إلى من ائتمنكم، ولا تخونوا من خانكم، وصلوا أرحام من قطعكم،
وعودوا بالفضل على من حرمكم، أوفوا إذا عاهدتم، واعدلوا إذا حكمتم، لا تفاخروا
بالاباء، و لا تنابزوا بالالقاب، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تقاطعوا، وافشوا
السلام، و ردوا التحية بأحسن منها، وارحموا الارملة واليتيم، وأعينوا الضعيف
والمظلوم وأطيبوا المكسب، وأجملوا في الطلب.
[10]
67 - وقال عليه السلام: لا راحة لحسود،
ولا مودة لملول، ولا مروة لكذوب، ولا شرف لبخيل، ولا همة لمهين، ولا سلامة لمن أكثر
مخالطة الناس، الوحدة راحة والعزلة عبادة، والقناعة غنية، والاقتصاد بلغة (1) وعدل
السلطان خير من خصب الزمان، والعزيز بغير الله ذليل، والغني الشره فقير (2) لا يعرف
الناس إلا بالاختبار، فاختبر أهلك وولدك في غيبتك، وصديقك في مصيبتك، وذا القرابة
عند فاقتك، وذا التودد والملق عند عطلتك (3) لتعلم بذلك منزلتك عندهم، واحذر ممن
إذا حدثته ملك، وإذا حدثك غمك، وإن سررته أو ضررته سلك فيه معك سبيلك، وإن فارقك
ساءك مغيبه بذكر سوأتك، وإن مانعته بهتك وافترى، وإن وافقته حسدك واعتدى، وإن
خالفته مقتك ومارى (4) يعجز عن مكافأة من أحسن إليه، ويفرط على من بغى عليه، يصبح
صاحبه في أجر، ويصبح هو في وزر، لسانه عليه لاله، ولا يضبط قلبه قوله، يتعلم
للمراء، ويتفقه للرياء، يبادر الدنيا، ويواكل التقوى، فهو بعيد من الايمان، قريب من
النفاق، مجانب للرشد، موافق للغي فهو باغ غاو، لا يذكر المهتدين. 68 - وقال عليه
السلام: (5) لا تحدث من غير ثقة فتكون كذابا، ولا تصاحب همازا فتعد مرتابا، ولا
تخالط ذا فجور فترى متهما، ولا تجادل عن الخائنين فتصبح ملوما وقارن أهل الخير تكن
منهم، وباين أهل الشرتبن عنهم، واعلم أن من الحزم العزم واحذر اللجاج تنج من كبوته
(6) ولا تخن من ائتمنك وإن خانك في أمانته، ولا
(1) الغنية - بالضم - اليسار والكفاية.
والبلغة - بالضم أيضا -: ما يكفى من العيش ولا يفضل. (2) الشره: الحريص. (3) العطلة
- بالضم -: البقاء بلا عمل. والمراد الفقر. (4) المماراة: المنازعة والمجادلة (5)
مطالب السؤول ص 56. (6) الكبوة السقوط على الوجه.
[11]
تذع سر من أذاع سرك، ولا تخاطر بشئ رجاء
ما هو أكثر منه، وخذ الفضل، و أحسن البذل، وقل للناس حسنا، ولا تتخذ عدو صديقك
صديقا فتعادي صديقك، وساعد أخاك وإن جفاك، وإن قطعته فاستبق له بقية من نفسك، ولا
تضيعن حق أخيك فتعدم إخوته، ولا يكن أشقى الناس بك أهلك، ولا ترغبن فيمن زهد فيك
وليس جزاء من سرك أن تسوءه، واعلم أن عاقبة الكذب الذم، وعاقبة الصدق النجاة. 69 -
ونقل عنه عليه السلام: أنه رأى جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - وقد تنفس الصعداء
(1) فقال عليه السلام: يا جبار على م تنفسك أعلى الدنيا ؟ فقال جابر: نعم فقال له:
يا جابر ملاذ الدنيا سبعة: المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح و المركوب والمشموم
والمسموع، فألذ المأكولات العسل وهو بصق من ذبابة، وأحلى المشروبات الماء، وكفى
بإباحته وسباحته على وجه الارض، وأعلى الملبوسات الديباج وهو من لعاب دودة، وأعلى
المنكوحات النساء وهو مبال في مبال، ومثال لمثال، وإنما يراد أحسن ما في المرأة
لاقبح ما فيها، وأعلى المركوبات الخيل وهو قواتل، وأجل المشمومات المسك وهو دم من
سرة دابة، وأجل المسموعات الغناء والترنم وهو إثم، فما هذه صفته لم يتنفس عليه
عاقل. قال جابر بن عبد الله: فوالله ما خطرت الدنيا بعدها على قلبي. 70 - وقال عليه
السلام: في الامثال: بالصبر يناضل (2) الحدثان، الجزع من أنواع الحرمان، العدل
مألوف والهوى عسوف (3) والهجران عقوبة العشق، البخل جلباب المسكنة، لا تأمنن ملولا،
إزالة الرواسي أسهل من تأليف القلوب المتنافرة، من اتبع الهوى ضل، الشجاعة صبر
ساعة، خير الامور أوسطها، القلب بالتعلل رهين، من ومقك
(1) الصعداء - بضم الصاد وفتح العين
المهملتين - التنفس الطويل من هم أو تعب. (2) ناضله مناضلة: باراه في رمى السهام
وناضل عنه: حامى وجادل ودافع عنه. وحدثان الدهر - بكسر الحاء وفتحها - نوائبه
ومصائبه. (3) العسوف - بفتح العين - الشديد العسف أي الجور. والظلم.
[12]
أعتبك (1) القلة ذلة، المجاعة مسكنة، خير
أهلك من كفاك، ترك الخطيئة أهون من طلب التوبة، من ولع بالحسد ولم به الشؤم، كم تلف
من صلف، كم قرف من سرف (2) عدو عاقل خير من صديق أحمق، التوفيق من السعادة،
والخذلان من الشقاوة، من بحث عن عيوب الناس فبنفسه بدأ، من كان في حاجة أخيه كان
الله في حاجته، من سلم من ألسنة الناس كان سعيدا، من صحب الملوك تشاغل بالدنيا،
الفقر طرف من الكفر، من وقع في ألسنة الناس هلك، من تحفظ من سقط الكلام أفلح، كل
معروف صدقة، كم من غريب خير من قريب، لو القيت الحكمة على الجبال لقلقلتها (3)، كم
من غريق هلك في بحر الجهالة، وكم عالم قد أهلكته الدنيا، خير إخوانك من واساك، وخير
منه من كفاك، خير مالك ما أعانك على حاجتك، خير من صبرت عليه من لابد لك منه، أحق
من أطعت مرشد لا يعصيك، من أحب الدنيا جمع لغيره، المعروف فرض، والايام دول، عند
تناهي البلاء يكون الفرج، من كان في النعمة جهل قدر البلية، من قل سروره كان في
الموت راحته، قد ينمي القليل فيكثر، ويضمحل الكثير فيذهب. رب اكلة يمنع الاكلات،
أفلج الناس حجة من شهد له خصمه بالفلج (4) السؤال مذلة، والعطاء محبة، من حفر لاخيه
بئرا كان، بترديه فيها جديرا. أملك عليك لسانك، حسن التدبير مع الكفاف أكفى من
الكثير مع الاسراف. الفاحشة كاسمها، مع كل جرعة شرقة، مع كل أكلة غصة، بحسب السرور
يكون التنغيص، الهوى يهوي بصاحب الهوى، عدو العقل الهوى، الليل أخفى للويل صحبة
الاشرار تورث سوء الظن بالاخيار، من أكثر من شئ عرف به، رب كثير هاجه صغير، رب ملوم
لاذنب له، الحر حر ولو مسه الضر، ما ضل من
(1) ومقه: أحبه. (2) الصلف: التملق.
والقرف: النكس من مرض. (3) القلقلة: التحريك. (4) الفلج: الظفر.
[13]
استرشد، ولا حار من استشار، الحازم لا
يستبد برأيه، آمن من نفسك عندك من وثقت به على سرك، المودة بين الاباء قرابة بين
الابناء. 71 - وقال عليه السلام: من رضي عن نفسه كثر الساخط عليه، ومن بالغ في
الخصومة أثم، ومن قصر فيها ظلم، من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهوته، إنه ليس
لانفسكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها، من عظم صغار المصائب ابتلاه الله
بكبارها، الولايات مضامير الرجال، ليس بلد أحق منك من بلد، وخير البلاد من حملك،
إذا كان في الرجل خلة رائعة فانتظر أخواتها، الغيبة جهد العاجز، رب مفتون بحسن
القول فيه، ما لابن آدم والفخر أوله نطفة، وآخره جيفة، لا يرزق نفسه، و لا يمنع
حتفه، الدنيا تغر وتضر وتمر إن الله تعالى لم يرضها ثوابا بأوليائه ولا عقابا
لاعدائه، وإن أهل الدنيا كركب بينا هم حلوا إذ صاح سائقهم فارتحلوا، من صارع الحق
صرعه، القلب مصحف البصر (1) التقى رئيس الاخلاق، ما أحسن تواضع الاغنياء للفقراء
طلبا لما عند الله. وأحسن منه تيه الفقراء على الاغنياء إتكالا على الله. كل مقتصر
عليه كاف (2) الدهر يومان يوم لك ويوم عليك، فان كان لك فلا تبطر، وإن كان عليك فلا
تضجر، من طلب شيئا ناله أو بعضه، الركون إلى الدنيا مع ما يعاين منها جهل، والتقصير
في حسن العمل مع الوثوق بالثواب عليه غبن والطمأنينة إلى كل أحد قبل الاختبار عجز،
والبخل جامع لمساوي الاخلاق، نعم الله على العبد مجلبة لحوائج الناس إليه، فمن قام
لله فيها بما يجب عرضها للدوام والبقاء، ومن لم يقم فيها بما يجب عرضها للزوال
والفناء، الرغبة مفتاح النصب، والحسد مطية التعب. من علم أن كلامه من عمله قل كلامه
إلا فيما يعنيه من نظر في عيوب الناس فأنكرها ثم حببها (3) لنفسه فذلك الاحمق
بعينه، العفاف
(1) استعار لفظ المصحف للقلب باعتبار
انتقاشه بصور ما ينبغى التكلم به في لوح الخيال وادراك الحس المشترك له من باطن فهو
كالمصحف يقرأ منه. (2) أي كل ما يمكن الاقتصار عليه فهو كاف. (3) في بعض النسخ " ثم
رضيها ". (*)
[14]
زينة الفقر، والشكر زينة الغنى، رسولك
ترجمان عقلك، وكتابك أبلغ ما ينطق عنك. الناس أبناء الدنيا ولا يلام الرجل على حب
أمه، الطمع ضامن غير وفي، و الاماني تعمى أعين البصائر، لا تجارة كالعمل الصالح،
ولا ربح كالثواب، ولا قائد كالتوفيق، ولا حسب كالتواضع، ولا شرف كالعلم، ولا ورع
كالوقوف عند الشبهة، ولا قرين كحسن الخلق، ولا عبادة كأداء الفرائض، ولا عقل
كالتدبير، ولا وحدة أوحش من العجب، ومن أطال الامل أساء العمل. 72 - وسمع عليه
السلام (1) رجلا من الحرورية يقرأ ويتهجد فقال: نوم على يقين خير من صلاة في شك،
إذا تم العقل نقص الكلام، قدر الرجل قدر همته قيمة كل امرء ما يحسنه، المال مادة
الشهوات، الناس أعداء ما جهلوه، أنفاس المرء خطاه إلى أجله. 73 - وقال عليه السلام:
احذركم الدنيا فإنها خضرة حلوة، حفت بالشهوات، و تحببت بالعاجلة (2) وعمرت بالامال،
وتزينت بالغرور، ولا يؤمن فجعتها، ولا يدوم حبرتها (3) ضرارة غدارة غرارة زائلة
بائدة أكالة عوالة، لا تعد و إذا تناهت إلى امنية أهل الرضا بها (4) والرغبة فيها
أن يكون كما قال الله عز وجل " (5) " كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض
فأصبح هشيما تذروه الرياح (6) على أن امرءا لم يكن فيها في حبرة إلا أعقبته بعدها
عبرة ولم يلق
(1) مطالب السؤول ص 57. (2) أي صارت
محبوبة للناس بكونها لذة عاجلة. والنفوس مولعة بحب العاجل. (3) الحبرة: النعمة
والسرور. (4) باد أي هلك. وغاله: أهلكه. وعداه يعدوه: جاوزه. والامنية: ما يتمناه
الانسان أي يريده ويأمله. (5) الكهف 45. (6) أي غاية موافقة الدنيا لاهلها لا يجاوز
المثل المضروب لها في الكتاب الكريم والمراد بالماء المطر، واختلاط النبات به دخوله
في خلل النبات عند النمو، والهشيم نبت يابس مكسر. وتذروه الرياح أي تطيره فيصير كأن
لم يكن.
[15]
من سرائها بطنا إلا منحته من ضرائها ظهرا
(1) ولم تطله فيها ديمة رخاء إلا هتنت عليه مزنة بلاء (2) وحري إذا أصبحت له متنصرة
أن تمسى له مت