الى اجزاء البحار الى المكتبة الهاشمية الى الصفحة الرئيسية

بحار الانوار الجزء 63

العلامة المجلسي


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء الثالث والستون دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان الطبعة الثالثة المصححة 1403 ه‍ 1983 م دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان - بناية كليوباترا - شارع دكاش - ص. ب 7957 / 11 تلفون المستودع: 274696 - 273032 - 278766 - المنزل 830711 - 830717 برقيا: التراث تلكس 44632 / LE تراث


 

[2]

كلمة المصحح: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعترته الطاهرين. وبعد: فهذا هو الجزء السادس والستون من كتاب بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الابرار حسب تجزئتنا لهذه الموسوعة الكبيرة، وبه تم كتاب السماء والعالم أعني المجلد الرابع عشر ححسب تجزئة مؤلفة العلامة، قابلناه على طبعة الكمباني المشهورة بطبع أمين الضرب، وهكذا على نص المصادر التي استخرجت الاحاديث منها. ثم على نسخة مخطوطة كاملة استلمناها من العلم الحجة آية الله السيد شهاب الدين المرعشي النجفي دامت بركاته، وهي نسخة جيدة نفيسة تاريخ كتابتها 1235 والكاتب: أبو القاسم بن الحسين الرضوي الموسوي الخونساري، قابلنا مطبوعتنا هذه عليها حرفا بحرف عند الطباعة، والله هو الموفق للصواب. محمد الباقر البهبودي رجب الاصب عام 1393 ه‍ ق


 

[1]

2 (باب) * * (ذبايح الكفار من أهل الكتاب وغيرهم والنصاب والمخالفين) * الايات: المائدة: اليوم احل لكم الطيبات وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم (1). تفسير: المراد باليوم الآن لا اليوم المتعارف، والطيبات كل مستطاب من الاطعمة كما فهمه القوم، أو كل ما فيه جهة حسن واقعي " وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم " قيل: المراد بالطعام الذبايح وغيرها، وقيل مخصوص بالذبايح، وروي عن الصادق عليه السلام أنه مختص بالحبوب ومالا يحتاج إلى التذكية " وطعامكم حل لهم " أي لاهل الكتاب فلا عليكم جناح أن تطعموهم. قال شيخنا البهائي ره في رسالته المعمولة لحكم ذبايح أهل الكتاب: لا خلاف بين علماء الاسلام في تحريم ذبايح من عدا اليهود والنصارى والمجوس من أصناف الكفار، وإنما الخلاف في الاصناف الثلاثة لا غير، فذهب جمهور الامامية كالشيخ المفيد محمد ابن محمد بن النعمان والشيخ أبى جعفر الطوسى والسيد المرتضى علم الهدى وأبى -

 

(1) المائدة 6 والظاهر بقرينة قوله تعالى: " وطعامكم حل لهم " حلية التعامل معهم والمعنى أن ما يشرونه أهل الكتاب ويجلبونها إلى أسواقهم يحل لكم اشتراؤها وابتياعها، كما أن ما تشرونه وتجلبونه في أسواقكم يحل لهم ابتياعها وشراؤها، ولذلك يتعاملون معكم. فلو كانت الاية مطلقة تشمل أنواع المطعومات ومنها ذبايح أهل الكتاب، لكان قوله تعالى: " وطعامكم حل لهم " لغوا حشوا فانه لا معنى لان يحكم القرآن عليهم بحلية ذبايحنا لهم فانهم " لا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق " ولذلك لا يأكلون من ذبيحتنا فالتشبث بالاية على حلية ذبايحهم لنا على غير محله.

 

[2]

الصلاح وابن حمزة وابن إدريس والعلامة جمال الدين والمحقق نجم الدين والشيخ محمد بن مكى وساير المتأخرين عطر الله مضاجعهم إلى أن ذبايحهم محرمة لا يجوز الاكل منها على حال من الاحوال، سواء ذكر اسم الله تعالى عليها أم لا، ووافقهم على ذلك الحنابلة، وذهب الحنفية والشافعية والمالكية إلى إباحه ذبايح أهل الكتاب وإن لم يذكر اسم الله عليها، ووافقهم الشاذ من علماء الامامية كابن أبى عقيل. وقال محمد بن بابويه طاب ثراه: إذا سمعنا اليهودي والنصراني والمجوسي يذكر اسم الله تعالى عند الذبح، فان ذبيحته تحل لنا، وإلا فلا، وإلحاق المجوسى باليهودى والنصراني، لان لهم شبهة كتاب. ثم اختلف علماء الامة في ذبيحة المسلم إذا ترك التسمية، فذهب الحنابلة و داود الاصفهانى إلى تحريم أكلها سواء ترك التسمية عمدا أو سهوا، ووافقهم صاحب الكشاف مع أنه حنفى الفروع، حيث قال من حق ذي البصيرة في دينه أن لا يأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، كيف ماكان، لما ترى في الآية من التشديد العظيم، هذا كلامه. وذهب الشافعية والمالكية إلى إباحة أكلها مطلقا، وذهب جماهير الامامية إلى التفصيل بأنه إن تركها عمدا حرم أكلها، وإن تركها سهوا لم يحرم، وهو مذهب الحنفية فهذه هي المذاهب المشهورة. ثم قال: احتج جمهور الامامية على تحريم ذبايح أهل الكتاب بقوله تعالى " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق (1) " وأهل الكتاب لا يذكرون اسم الله على ذبايحهم، فتكون محرمة بنص الكتاب، ولو فرض أن النصراني تلفظ باسم الله عند الذبح فانما يقصد الاله الذي يعتقد أنه أبو المسيح، وكذا اليهودي إنما يعني الاله الذي عزيز ابنه، فوجود اللفظ في الحقيقة كعدمه. وأما تأويل قوله سبحانه " مما لم يذكر اسم الله عليه " بالميتة فظاهر البعد، و قوله تعالى عقيب ذلك " وإن الشياطين ليوحون " إلى قوله سبحانه " إنكم لمشركون " لا يدل عليه كما سنذكره، وأبعد منه تأويل " مما لم يذكر اسم الله عليه " بما ذكر غير

 

(1) الانعام: 121.

 

[3]

اسم الله عليه. وأما وقوع مثل هذا التأويل في قوله تعالى " ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون " (1) فانما هو لعدم استقامة الكلام بدونه، بخلاف ما نحن فيه، على أن ارتكابه هنا لا يشفي العليل، لما نقل أن النصارى يذكرون اسم المسيح عند الذبح. واحتج الامامية أيضا بالروايات عن أئمة أهل البيت كما رواه محمد بن مسلم (2) عن الامام محمد بن على الباقر عليه السلام قال: سألته عن النصارى أتوكل ذبايحهم ؟ فقال: كان على عليه السلام ينهى عن ذبايحهم وعن صيدهم وعن مناكحتهم، وكما رواه إسمعيل بن جابر (3) عن الامام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنه قال عند جريان ذكر أهل الكتاب: لا تأكلوا ذبايحهم، وكما رواه سماعة بن مهران (4) عن الامام موسى الكاظم عليه السلام قال: سألته عن ذبيحة اليهودي والنصراني، قال: لا تقربهما، وكما رواه زكريا ابن آدم (5) عن الامام على بن موسى الرضا عليه السلام أنه قال: أنهاك عن ذبيحة كل من كان على خلاف [الدين] الذي أنت عليه وأصحابك إلا عند الضرورة، والروايات عنهم بذلك كثيرة كما تضمنة كتاب تهذيب الاخبار وكتاب الكافي وغيرهما من كتب الحديث، والروايات النافية لها لا تصلح لمعارضتها لان هذه معتضدة عندنا بالشهرة المقاربة للاجماع. ثم قال - ره - احتج الحنفية والشافعية والمالكية على إباحة ذبايح اليهود و النصارى بوجوه: الاول الاصل في الاشياء الحل حتى يتبين التحريم، ولم يثبت. الثاني قوله تعالى " وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم " والطعام يشمل اللحم وغيره، والآية ناطقة بجواز أكل ذبايحهم.

 

(1) المائدة: 44. (2) الكافي 6 ر 239، التهذيب 9 ر 65. (3) التهذيب 9 ر 63، الكافي 6 ر 240. (4) الكافي: 6 ص 240، التهذيب 9 ص 65. (5) التهذيب: 9 ص 70.

 

[4]

وأما التنافي بينهما وبين قوله تعالى " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " (1) فيمكن دفعه بوجهين: الاول أن يحمل الموصول على الميتة كما رواه ابن أبى حاتم عن ابن عباس (2) ويدل عليه قوله تعالى في هذه الآية " وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم " فقد روي في تفسيرها أن الكفار كانوا يقولون للمسلمين إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله، فما قتل الله أحق أن تأكلواه مما قتلتموه، ووجه التأييد أنهم أرادوا بما قتل الله ما مات حتف أنفه فينبغي حمل الموصول في صدر الآية على ذلك أيضا ليتلاءم أجزاء الكلام ويخرج عن التنافر. الوجه الثاني أن يأول الصلة بما ذكر غير اسم الله عليه، حيث قال جل ثناؤه " قل لا أجد فيما اوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فانه رجس أو فسقا أهل لغير الله به " (3) الآية قرينة ظاهرة على أن المراد به في تلك الآية هذا المعنى لا غير، فالواو في قوله سبحانه " وإنه لفسق " واو الحال أي لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه حال كونه فسقا أي اهل به لغير الله، ولا يستقيم كونها للعطف لما يلزم من عطف الخير على الانشاء. الثالث روي أن النبي صلى الله عليه وآله أكل من الذراع المسموم الذي أهدته إليه اليهودية وكان مرض السم يعاوده في بعض الاوقات إلى أن مات صلى الله عليه وآله من ذلك، وأكله من ذلك اللحم يدل على حل ذبيحة اليهود. واحتج الحنابلة على تحريم ذبيحة المسلم إذا ترك التسمية، سواء تركها عمدا أو سهوا، بظاهر الآية " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " واحتج المالكية والشافعية على إباحتها مطلقا بظاهر قوله صلى الله عليه وآله " ذبيحة المسلم حلال وإن لم يذكر اسم الله " (4) وهذا

 

(1) الانعام 121. (2) راجع الدر المنثور: 3 ص 43. (3) الانعام: 145. (4) أخرجه عبد بن حميد عن راشد بن سعد على ما في الدر المنثور: 3 ص 42.

 

[5]

الحديث لم يثبت عند الامامية وحمله الحنفية على حالة النسيان لا العمد، وأورد الشافعية عليهم أنه على هذا التقدير يلزم كون المسلم أسوء حالا من اليهود والنصارى، لان المسلم التارك التسمية عمدا لا يجوز أكل ذبيحته واليهود والنصراني التارك يجوز أكل ذبيحته، وهذا الايراد ليس بشئ لان الامور تعبدية لا مجال للبحث فيها. ثم قال - ره: والجواب عن الاستدلال بآية " وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم " بأنه لا ريب أن ظاهرها ينافي ظاهر آية " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " ولكن رفع التنافي ليس بمنحصر فيما ذكرتم ليتم كلامكم فان رفعه بما قلنا ونقله محدثونا عن أئمة أهل البيت عليهم السلام بتخصيص الطعام بما عدا اللحوم أولى وأحسن من حملكم وتأويلكم البعيد، وتخصيص الطعام بالبر والتمر ونحوهما شايع. وفي حديث أبي سعيد الخدرى كنا نخرج لصدقة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله صاعا من طعام أو صاعا من شعير " (1) ومعلوم أن المراد بالطعام ما قلناه إذ لا يقال صاع من لحم، وقد روي عن أئمة أهل البيت عليهم السلام أن المراد بالطعام في هذه الآية الحبوب وما شابهها (2) ورواية ابن أبي حاتم لم تثبت عند كثير من محدثيكم فكيف عندنا. ولا دلالة في قوله تعالى " وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم " الآية على أن المراد بما لم يذكر اسم الله عليه الميتة فقط، لانه يشمل فردي ما مات حتف أنفه

 

(1) رواه البخاري في كتاب الزكاة تحت الرقم 73 و 75 و 76 ومسلم أيضا تحت الرقم 17 و 18 (ج 2 ص 678) والنسائي في سننه كتاب الزكاة الرقم 36 و 38 وابن ماجة بالرقم 21 والترمذي بالرقم 35، وهكذا في حديث احتجام النبي صلى الله عليه وآله عن انس بن مالك قال: احتجم رسول الله حجمه أبو طيبة فأمر له بصاعين من طعام، رواه مسلم، في كتاب المساقاة تحت الرقم 62، وهكذا في حديث الشاة المصراة " وان شاء ردها وصاعا من طعام " رواه البخاري في كتاب البيوع بالرقم 64 وابو داود بالرقم 46 والترمذي بالرقم 29 والدارمى بالرقم 19 وابن حنبل 2 ص 259 ولفظه " اناء من طعام " 4 ص 314، ومثله حديث معيشة آل محمد صلى الله عليه وآله " قال رسول الله: ما أصبح في آل محمد [الا] مد من طعام " رواه ابن ماجة في كتاب الزهد الباب 10 بالرقم المسلسل 4148، ومثل هذه التعبيرات كثيرة. (2) راجع الكافي 6 ص 241.

 

[6]

وما ذبح من دون ذكر اسم الله عليه من ذبايح المسلمين والكفار، وحصول الجدال في الفرد الاول لان تلبيسهم على المسلمين وإظهارهم الباطل في صورة الحق إنما يتمشى فيه فحكى سبحانه جدالهم فيما جادلوا فيه دون ما لم يجادلوا فيه، وذلك لا يوجب تنافر أجزاء الكلام بوجه من الوجوه كما لا يخفى وكذا لا دلالة في قوله " وإنه لفسق " على تأويل مما لم يذكر اسم الله عليه (1) فان استعمال الفسق في الآية في غير معناه الحقيقي حيث أخرجه عن معناه المصدرى لوجود الصارف فيها عن حمله عليه، لا يدل على أنه في آية اخرى محمول على غير معناه الحقيقي، والحال أنه لا صارف عن حمله فيها على معناه الحقيقي. والواو في قوله تعالى " وانه لفسق " لا يتعين كونها للحال كما لا يتعين عود الضمير إلى الموصول، لاحتمال جعل الواو اعتراضية واحتمال عود الضمير إلى المصدر المدلول عليه بالفعل كما في الكشاف وغيره والواو الاعتراضية كما تقع في أثناء الكلام تقع في آخره، أيضا كما قالوه في قول النبي صلى الله عليه وآله " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " (2) صرح بذلك في المطول وغيره أيضا، فاحتمال كونها للعطف قايم. وأما قولكم يلزم عطف الخبر على الانشاء فجوابه أنه من قبيل عطف القصة على القصة فلا يحتاج فيه إلى تناسب الجملتين في الخبرية والانشائية. قال صاحب الكشاف عند تفسير قوله تعالى " ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر " (3) وقصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة الذين كفروا كما تعطف الجملة على الجملة انتهى.

 

(1) متعلق بقوله " وكذا لا دلالة " والضمير راجع إلى كون المراد مما لم يذكر اسم الله عليه، الميتة، كذا في هامش المطبوعة. (2) رواه أحمد والترمذي وابن ماجة عن أبى سعيد الخدرى، ورواه مسلم وأبو داود عن ابن هريرة من دون زيادة واللفظ " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة " راجع كشف الخفاء للعجلونى 1 ر 203. (3) البقرة 8.

 

[7]

وقال صاحب الكشف: أراد أنه ليس من باب عطف جملة على جملة لتطلب مناسبة الثانية مع السابقة، بل من باب ضم الجملة مسوقة إلى اخرى. وقال صاحب الكشاف أيضا عند تفسير قوله تعالى " وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات " (1) فان قلت على م عطف هذا الامر ولم يسبق أمر ولا نهي ليصح عطفه عليه ؟ قلت: ليس الذي يعتمد بالعطف هو الامر حتى يطلب له شاكل من أمر أو نهى يعطف عليه إنما المعتمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين، فهى معطوفة على جملة وصف عقاب الكافرين كما يقال: زيد يعاقب بالقيد والازهاق، وبشر عمرا بالعفو والاطلاق انتهى. وقال السيد في شرح المفتاح بعد ما قررناه: لا يشترط في عطف القصة على القصة تناسب الجملتين في الخبرية والانشائية، فليكن ذلك على ذكر منك، فانه ينجيك من تكلفات باردة في مواضع شتى. وقد يقال في إبطال كون الواو هنا للحال أن التأكيد بان والامر غير مناسب للجملة، لان الحال بمعنى الظرف كما نص عليه النحاة، فالمعنى - والله أعلم -: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه إذا كان فسقا فليس المقام حينئذ مقام التأكيد، إذ ليس الغرض النهي عنه في وقت كون الحكم بكونه فسقا مؤكدا كما هو مقتضي رجوع النفي إلى القيد في نحو ما جاء زيد ماشيا، ولا تضرب زيدا راكبا، ولهذا لم يجعلوا جملة " وإنه لقسم لو تعلمون عظيم " بعد قوله جل شأنه: " فلا اقسم بمواقع النجوم " (2) حالية، وإنما حكموا بأنها معترضة بين القسم وجوابه لئلا يلزم ما قلنا ههنا. وعندي في هذا الكلام نظر إذ لا مانع من تقييد النهي عن كل ما لم يذكر اسم الله عليه، بترتيب الحكم المؤكد بكون أكله فسقا، والجملة الحالية تؤكد كما

 

(1) البقرة 25. (2) الواقعة: 76 و 75. (*)

 

[8]

ذكره نجم الائمة الشيخ الرضي ومثل بقولنا لقيته وإن عليه جبة، وعد من ذلك قوله تعالى في بحث الحروف المشبهة بالفعل " وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم " (1). هذا وظني أن وجه التأكيد في هاتين الجملتين أن كلا منهما كلام برأسه، ملقى إلى المؤمنين، فهو رائج عندهم متقبل لديهم كما ذكره صاحب الكشاف عند قوله تعالى " إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا " (2). وأما ما قيل من أن وجه التأكيد في الآية التي نحن فيها، هو أن الكفار منكرون كون أكل ما لم يذكر اسم الله عليه فسقا، فليس بشئ لان المخاطب بالآية الكريمة المؤمنون، وهم لا ينكرون كون أكل الميتة فسقا، والمنكر لذلك هم غير المخاطبين بها، فحينئذ تأكيد الكلام الملقى إلى غير المنكرين لكون غير المخاطبين منكرين، اختراع لا يعرفه أحد من علماء المعاني. والجواب عما روي من أكله صلى الله عليه وآله من اللحم الذي أهدته اليهودية، بأن الرواية لم تثبت صحتها عندنا، واحتمال علمه صلى الله عليه وآله بشراء تلك اليهودية ذلك اللحم من جزار مسلم، إما باخبار أحد من الصحابة أو بالهام ونحوه قايم، والتقريب لا يتم بدون بيان انتفائه. وأما ما اختاره ابن بابويه من إباحة ذبيحة اليهود والنصارى والمجوس إذا سمعنا منهم التسمية عند الذبح، فقد استدل عنه ببعض الروايات، وبقوله سبحانه " فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين " (3) وهذا قد ذكر اسم الله عليه، و ليس في الآية الكريمة تقييد الذاكر بكونه مسلما، فتدخل الاصناف الثلاثة، وأما غيرهم من الكفار، فهم خارجون، باجماع المسلمين على تحريم ذبائحهم، ولو لا أن قوله هذا مخالف للروايات المتضافرة، وعمل جماهير علمائنا، لكان العمل به غير بعيد عن الصواب، إن ألحقنا المجوس بأهل الكتاب، انتهى كلامه رفع الله مقامه.

 

(1) الفرقان: 20. (2) البقرة: 14 (3) الانعام: 118.

 

[9]

وقال الشيخ السديد المفيد قدس الله نفسه الزكية في رسالة الذبايح: اختلف أهل الصلوة في ذبايح أهل الكتاب، فقال جمهور العامة بإباحتها، وذهب نفر من أوائلهم بحظرها، وقال جمهور الشيعة بحظرها، وذهب نفر منهم إلى مذهب العامة في إباحتها، واستدل الجمهور من الشيعة على حظرها بقول الله عزوجل " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون " (1). قالوا فحظر الله سبحانه بتضمن هذه الآية أكل كل ما لم يذكر عليه اسمه من الذبايح، دون ما لم يرده من غيرها الاجماع والاتفاق، فاعتبرنا المعنى بذكر التسمية أهو اللفظ بها خاصة أم هو شئ ينضم إلى اللفظ، ويقع لاجله على وجه يتميز به مما يعمه وإياه الصيغة من أمثاله في الكلام، فبطل أن يكون المراد هو اللفظ بمجرده لاتفاق الجميع على حظر ذبيحة كثير ممن يتلفظ بالاسم عليها، كالمرتد وإن سمى تجهلا، والمرتد عن أصل من الشريعة مع إقراره بالتسمية واستعمالها والمشبه لله تعالى بخلقه لفظا ومعنى، وإن دان بفرضها عند الذبيحة متدينا، والثنوية و الديصانية والصابئين والمجوس. قلت إن المعنى بذكرها هو الثاني من وقوعها على وجه يتخصص به من تسمية من عددناه وأمثالهم في الضلال، فنظرنا في ذلك، فأخرج لنا دليل الاعتبار أنا تسمية المتدين بفرضها على ما تقرر في شريعة الاسلام، مع المعرفة بالمسمى المقصود بذكره عند الذبيحة إلى استباحتها، دون من عداه، بدلالة حصول الحظر مع التسمية ممن أنكر وجوب فرضها وتلفظ بها لغرض له دون التدين ممن سميناه وحصوله أيضا مع تسمية المتدين بفرضها إذا كان كافرا يجحد أصلا من الشريعة لشبهة عرضت له وإن كان مقرا بساير ما سوى الاصل على ما بيناه، وحظر ذبيحة المشبه وإن سمى ودان بفرضها كما ذكرناه. وإذا صح أن المراد بالتسمية عند الذكاة ما وصفناه من التدين بفرضها على

 

(1) الانعام: 121.

 

[10]

شرط ملة الاسلام، والمعرفة بمن سماه، ثبت حظر ذبايح أهل الكتاب، لعدم استحقاقهم من الوصف بما شرحناه، ولحوقهم في المعنى الذي ذكرناه بشركائهم في الكفر من المجوس والصابئين وغيرهما من أصناف المشركين والكفار. سؤال: فان قال قائل: فان اليهود تعرف الله جل اسمه وتدين بالتوحيد وتقربه، وتذكر اسمه على ذبائحها، وهذا يوجب الحكم عليها بأنها حلال. الجواب: قيل له: ليس الامر على ما ذكرت، لا اليهود من أهل المعرفة بالله عزوجل حسب ما قدرت، ولا هي مقرة بالتوحيد في الحقيقة، وإن كان تدعى ذلك لانفسها، بدلالة كفرها بمرسل محمد صلى الله عليه وآله وجحدها لربوبيته، وإنكارها لالهيته من حيث اعتقدت كذبه صلى الله عليه وآله ودانت ببطلان نبوته وليس يصح الاقرار بالله عزوجل في حالة الانكار له، ولا المعرفة به في حد الجهل بوجوده، وقد قال الله تعالى " لا تجد قوما يؤمنون بالله [واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله " (1) وقال: " ولو كانوا يؤمنون بالله] والنبى وما انزل إليه ما اتخذوهم أولياء (2) " وقال " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (3) ". ولو كانت اليهود عارفة بالله تعالى وله موحدة لكانت به مؤمنة، وفي نفى القرآن عنها الايمان، دليل على بطلان ما تخيله الخصم. على أن ما يظهر اليهود من الاقرار بالله عز اسمه وتوحيده قد يظهر من مستحل الخمر بالشبهة، ويقترن إلى ذلك باقراره بنبوة محمد صلى الله عليه وآله والتدين بما جاء به في الجملة وقد أجمع علماء الامة على أن ذبيحة هذا محرمة، وأنه خارج من جملة من أباح الله تعالى أكل ذبيحته بالتسمية، فاليهود أولى بأن يكون ذبائحهم محرمة

 

(1) المجادلة 22. (2) المائدة 81 وما بين العلامتين ساقط من المطبوعة. (3) النساء: 65.

 

[11]

لزيادتهم عليه في الكفر والضلال أضعافا مضاعفة. مع أنه لا شئ يوجب جهل المشبهة بالله عزوجل إلا وهو موجب جهل اليهود والنصارى بالله، ولا معنى يحصل لهم الحكم بالمعرفة مع إنكارهم لالهية مرسل محمد صلى الله عليه وآله وكفرهم به، إلا وهو يلزم صحة الحكم على المشبهة بالمعرفة، وإن اعتقدوا أن ربهم على صورة الانسان بعد أن يصفوه بما سوى ذلك من صفات الله عزوجل، وهذا ما لا يذهب إليه أحد من أهل المعرفة، وإن ذهب علمه على جميع المقلدة. على أنه ليس أحد من أهل الكتاب يوجب التسمية، ولا يراها عند الذبيحة فرضا، وإن استعملها منهم إنسان فلعادة مخالطة، مع أن مخالفينا لا يفرقون بين ذبايح اليهود والنصارى، وليس في جهل النصارى بالله عزوجل وعدم معرفتهم به لقولهم بالاقانيم، والجوهر والاب والابن والروح والاتحاد، شك ولا ريب، وإذا ثبت حظر ذبايح النصارى بما وصفناه، وجب حظر ذبايح اليهود، للاتفاق على أنه لا فرق بينهما في الاباحة والتحريم. وشئ آخر وهو أنه متى ثبت لليهود والنصارى بالله عزوجل معرفة، وجب بمثل ذلك أن للمجوس بالله تعالى معرفة، ولعبدة الاصنام من قريش، ومن شاركهم في الاقرار بالله سبحانه، واعتقادهم بعبادة الاصنام القربة إليه عز اسمه، فان كان كفر اليهود والنصارى لا يمنع من استباحة ذبايحهم لا قرارهم في الجملة بالله تعالى، فكفر من عددناه لا يمنع أيضا من ذلك، وهذا خلاف للاجماع، وليس بينه وبين ما ذهب إليه الخصم فرق مع ما اعتمدنا من الاعتلال. ومما يدل أيضا على حظر ذبايح اليهود وأهل الكتاب وجميع الكفار، أن الله جل اسمه جعل التسمية في الشريعة شرطا في استباحة الذبيحة، وحظر الاستباحة على الشك والريب، فوجب اختصاصها بذبيحة الدائن بالشريعة المقر بفرضها دون المكذب بها المنكر لواجباتها، إذا كان غير مأمون على نبذها والتعمد لترك شروطها لموضع كفره بها، والقربة بافساد اصولها، وهذا موضح عن حظر ذبايح كل من رغب عن ملة الاسلام.


 

[12]

وشئ آخر وهو أن القياس المستمر في السمعيات، على مذاهب خصومنا يوجب حظر ذبايح أهل الكتاب من قبل أن الاجماع حاصل على حظر ذبايح كفار العرب، وكانت العلة في ذلك كفرهم، وإن كانوا مقرين بالله عزوجل، فوجب حظر ذبايح اليهود والنصارى لمشاركتهم من ذكرناه في الكفر، وإن كانوا مقرين لفظا بالله جل اسمه على ما بيناه. وشئ آخر وهو أنا وجمهور مخالفينا نرى إباحة من سها عن ذكر الله من المسلمين لما يعتقد عليه من النية من فرضها، فوجب أن يكون ذبيحة من أبى فرض التسمية محظورة، وإن تلفظ عليها بذكرها، وهذا مما لا محيص عنه. فان قالوا فما تصنعون في قول الله عزوجل " اليوم احل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم " (1) وهذا صريح في إباحة ذبايح أهل الكتاب. قيل له: قد ذهب جماعة من أصحابنا إلى أن المعنى في هذه الآية من أهل الكتاب، من أسلم منهم وانتقل إلى الايمان، دون من أقام على الكفر والضلال، و ذلك أن المسلمين تجنبوا ذبايحهم بعد الاسلام كما كانوا يتجنبونها قبله، فأخبرهم الله تعالى باباحتها، لتغير أحوالهم عما كانت عليه من الضلال. قالوا: وليس بمنكر أن يسميهم الله أهل الكتاب وإن دانوا بالاسلام كما سمى أمثالهم من المنتقلين عن الذمة إلى الاسلام، حيث يقول " وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما انزل إليكم وما انزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا اولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب " (2) فأضافهم بالنسبة إلى الكتاب وإن كانوا على ملة الاسلام، فهكذا تسمى من أباح ذبيحته من المنتقلين عما لزمه، و إن كانوا على الحقيقة من أهل الايمان والاسلام.

 

(1) المائدة: 6. (2) آل عمران: 199.

 

[13]

وقال الباقون من أصحابنا: إن ذكر طعام أهل الكتاب في هذه الآية يختص حبوبهم وألبانهم، وما شاكل ذلك دون ذبايحهم، بما قد منا ذكره من الدلايل وشرحناه من البرهان، لاستحاله التضاد بين حجج الله تعالى والقرآن، ووجوب خصوص الذكر يدلايل الاعتبار، وهذا كاف لمن تأمله. سؤال: فان قال قايل: خبروني عما ذهبتم إليه من تحريم ذبايح أهل الكتاب أهو شئ تأثرونه عن أئمتكم من آل محمد عليهم السلام أم حجتكم فيه ما تقدم لكم من الاعتبار دون السماع [الشياع] من جهة النقل والاخبار ؟ ! جواب: قيل له: عمدتنا في ذلك أقوال أئمتنا الصادقين من آل محمد صلى الله عليه وآله وما صح عندنا من حكمهم به، وإن كان الاعتبار دليلا قاطعا عند ذوي العقول والاديان، فانا لم نصر إليه من ذلك دون ما ذكرناه من الاثر ووصفناه. فان قال: فانني لم أقف من قبل على شئ ورد من آل محمد عليهم السلام في هذا الباب فاذكروا جملة من الروايات فيه لاضيف مفهومه إلى ما قد استقر عندي العلم به من دليل القرآن، على ما رتبتموه من الاستدلال. قيل له: أما إذا آثرت ذلك للبيان، فانا مثبتوه لك والله الموفق للصواب. ثم قال: أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، وأبو جعفر بن بابويه، عن محمد بن يعقوب الكليني، عن على بن إبراهيم، عن أبيه، عن عثمان بن عمرو، عن المفضل بن صالح، عن زيد الشحام قال: سئل الصادق جعفر بن محمد عن ذبيحة الذمي، فقال: لا تأكلها سمى أم لم يسم (1). وبالاسناد عن على بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبى عمير عن الحسين الاحسمى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال له رجل: أصلحك الله إن لنا جارا قصابا يجئ بيهودي فيذبح له حتى يشترى منه اليهود، فقال لا تأكل ذبيحته، ولا تشتر منه (2).

 

(1) رواه في الكافي 6 ص 238 باب ž