الى اجزاء البحار الى المكتبة الهاشمية الى الصفحة الرئيسية

بحار الانوار الجزء 61

العلامة المجلسي


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي قدس الله سره الجزء الحادي والستون دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان الطبعة الثالثة المصححة 1403 ه‍. 1983 م دار احياء التراث العربي


 

[1]

(ابواب) * (الحيوان وأصنافها وأحوالها وأحكامها) * 1 (باب) * (عموم أحوال الحيوان واصنافها) * الآيات: الانعام " 6 ": وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه إلا امم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شئ ثم إلى ربهم يحشرون 38. النحل " 16 ": ولله يسجد ما في السماوات وما في الارض من دابة 49. وقال تعالى: ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون 79. الانبياء " 21 ": وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين 79. النور " 24 ": ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والارض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون 41. وقال تعالى: والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء ان الله على كل شئ قدير 45. النمل " 27 ": وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير واوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين * وحشر لسليمان جنوده من الجن والانس والطير فهم


 

[2]

يوزعون * حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون 16 - 18. إلى قوله تعالى: وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين * لاعذبنه عذابا شديدا أو لاذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين * فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سباء بنباء يقين 20 - 22. إلى قوله سبحانه: قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين * اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون 27 و 28. العنكبوت " 29 ": وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم 60. لقمان " 31 ": وبث فيها من كل دابة 10. ص " 38 ": والطير محشورة كل له أواب 19. الزخرف " 43 ": والذي خلق الازواج كلها 12. الجاثية " 43 ": وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون 4. الملك " 67 " أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شئ بصير 19. التكوير " 81 ": وإذا الوحوش حشرت 5. الفيل " 105 ": ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل. إلى آخر السورة. تفسير: قال الطبرسي قدس سره في قوله تعالى: " وما من دابة في الارض ": أي ما من حيوان يمشي على وجه الارض " ولا طائر يطير بجناحيه " جمع بهذين اللفظين جميع الحيوانات لانها لا تخلو أن تكون تطير بجناحيه أو تدب، وإنما قال: " يطير بجناحيه " للتوكيد ورفع اللبس، لان القائل قد يقول: طرفي حاجتي أي أسرع فيها، أو لان السمك تطير في الماء ولا جناح لها، وإنما خرج السمك عن الطائر لانه من دواب البحر، وإنما أراد تعالى ما في الارض وما في الجو (1).

 

(1) مجمع البيان 4: 297. *

 

[3]

وأقول: قيل: إنها تشمل الحيتان أيضا، إما بدخولها في الاول لانها تدب في الماء أو في الثاني، ولا يخفى بعدهما. وقال الرازي في قوله: " إلا امم أمثالكم: " قال الفراء: يقال: كل صنف من البهائم امة، وجاء في الحديث: " لولا أن الكلاب امة تسبح لامرت (1) بقتلها " فجعل الكلاب امة، إذا ثبت هذا فنقول: الآية دلت على أن هذه الدواب والطيور أمثالنا، وليس فيها ما يدل على أن هذه المماثلة في أي المعاني حصلت ولا يمكن أن يقال: المراد حصول المماثلة من كل الوجوه وإلا لكان يجب كونها أمثالنا (2) في الصورة والصفة والخلقة، وذلك باطل، فظهر أنه لا دلالة في الآية على أن تلك المماثلة حصلت في أي الاحوال والامور، فاختلف الناس في تفسير الامر الذي حكم الله فيه بالمماثلة بين البشر وبين الدواب والطيور: وذكروا فيه أقوالا: الاول: نقل الواحدي عن ابن عباس: أنه قال: [يريد يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني ويحمدونني " وإلى هذا القول ذهبت طائفة عظيمة من المفسرين وقالوا: إن هذه الحيوانات تعرف الله وتحمده وتسبحه، واحتجوا عليه بقوله: " وإن من شئ إلا يسبح بحمده " (3) وبقوله في صفة الحيوانات: " كل قد علم صلاته وتسبيحه " (4) ولانه تعالى (5) خاطب النمل والهدهد. وعن أبي الدرداء قال: ابهمت عقول البهم عن كل شئ إلا أربعة (6) أشياء:

 

(1) في المصدر: لو لا ان الكلاب امة من الامم لامرت بقتلها. (2) في المصدر: امثالا لنا. (3) الاسرء: 44. (4) النور: 41. (5) في المصدر: وبما أنه تعالى (6) في المصدر: الا عن أربعة. *

 

[4]

معرفة الاله، وطلب الرزق، ومعرفة الذكر والانثى، وتهيأ كل واحد منهما لصاحبه. وروي عن النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال: من قتل عصفورا عبثا جاء يوم القيامة يعج - إلى الله تعالى يقول يا رب إن هذا قتلني عبثا لم ينتفع بي ولم يدعني فآكل من حشارة (1) الارض. الثاني أن المراد كونها أمثالكم في كونها امما وجماعات، وفي كونها مخلوقة بحيث يشبه بعضها بعضا ويأنس بعضها ببعض ويتوالد بعضها من بعض، إلا أن للسائل أن يقول: حمل الآية على هذا الوجه لا يفيد فائدة معتبرة، إذ معلوم لكل أحد كونها كذلك. الثالث: أن المراد أنها أمثالنا في أن دبرها الله تعالى وخلقها وتكفل برزقها، وهذا يقرب من القول الثاني فيما ذكر. الرابع: أن المراد أنه تعالى كما أحصى في الكتاب كل ما يتعلق بأحوال البشر من العمر والرزق والاجل والسعادة والشقاوة، فكذلك أحصى في الكتاب جميع هذه الاحوال في حق كل الحيوانات، قالوا: والدليل عليه قوله تعالى: " ما فرطنا في الكتاب من شئ ". والخامس: أنه أراد تعالى أنها أمثالها (2) في أنها تحشر يوم القيامة وتوصل (3) إليها حقوقها كما روي عن النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال: يقتص للجماء من القرناء. السادس: ما رواه الخطابي عن سفيان بن عيينة أنه لما قرأ هذه الآية قال: ما في الارض آدمي إلا وفيه شبه من بعض البهائم، فمنهم من يقدم إقدام الاسد ومنهم من يعدو عدو الذئب، ومنهم من ينبح نباح الكلب، ومنهم من يتطوس

 

(1) في المصدر: (خشاش الارض) والمعنى واحد وهو حشرات الارض. (2) في المصدر: امثالنا. (3) في المصدر: يوصل. *

 

[5]

كفعل الطاووس، ومنهم من يشبه الخنزير، فانه لو القي إليه الطعام الطيب تركه وإذا أقام الرجل عن رجيعه ولغت (1) فيه، وكذلك نجد من الآدميين من لو سمع خمسين حكمة لم يحفظ واحدة منها، فان أخطأت مرة واحدة حفظها، ولم يجلس مجلسا إلا رواه عنه. ثم قال: فاعلم يا أخي أنك إنما تعاشر البهائم والسباع فبالغ في الاحتراز. ثم قال: ذهب القائلون بالتناسخ إلى أن الارواح البشرية إن كانت سعيدة مطيعة لله موصوفة بالمعارف الحقة وبالاخلاق الطاهرة فانها بعد موتها تنقل إلى أبدان الملوك، فربما قالوا: إنها تنقل إلى مخالطة عالم الملائكة، وإن كانت شقية جاهلة عاصية فانها تنقل إلى أبدان الحيوانات، وكلما كانت تلك الارواح أكثر شقاوة واستحقاقا للعذاب نقلت إلى بدن حيوان أخس وأكثر تعبا وشقاء واحتجوا على صحة قولهم بهذه الآية فقالوا: صريح هذه الآية يدل على أنه لا دابة ولا طير إلا وهي امم أمثالنا، ولفظ المماثلة يقتضي حصول المساواة في جميع الصفات الذاتية وأما الصفات العرضية المفارقة فالمساواة فيها غير معتبرة في حصول المماثلة. ثم إن القائلين بهذا القول زادوا عليه وقالوا: قد ثبت بهذا أن أرواح جميع الحيوانات عارفة بربها وعارفة بما تحصل لها من السعادة والشقاوة، وأن الله تعالى أرسل إلى كل جنس منها رسولا من جنسها. واحتجوا عليه بأنه ثبت بهذه الآية أن الدواب والطيور امم، ثم إنه تعالى قال: " وإن من امة إلا خلا فيها نذير " (2) وذلك تصريح بأن لكل طائفة من هذه الحيوانات رسولا أرسله الله إليه، ثم أكدوا ذلك بقصة الهدهد والنمل وسائر القصص المذكورة في القرآن. واعلم أن القول بالتناسخ قد أبطلناه بالدلائل الجيدة في علم الاصول، وأما

 

(1) في المصدر: ولغ فيه. (2) فاطر: 24. *

 

[6]

هذه الآية فقد ذكرنا أنه يكفي في ضبط حصول المماثلة (1) في بعض الامور المذكورة فلا حاجة إلى إثبات ما ذكره أهل التناسخ (2) انتهى. وقال الطبرسي رحمه الله: " إلا امم " أي أصناف مصنفة تعرف بأسمائها يشتمل كل صنف على العدد الكثير عن مجاهد " أمثالكم " قيل: يريد أشباهكم في إبداع الله إياها وخلقه لها ودلالته على أن لها صانعا، وقيل: إنما مثلت الامم من غير الناس بالناس في الحاجة إلى مدبر يدبرهم في أغذيتهم وأكلهم ولباسهم ونومهم ويقظتهم وهدايتهم إلى مراشدهم إلى ما لا يحصى كثرة من أحوالهم ومصالحهم وانهم يموتون ويحشرون. وبين بهذا أنه لا يجوز للعباد أن يتعدوا في ظلم شئ منها فان الله خالقها والمنتصف لها. ثم قال في قوله سبحانه: " إلى ربهم يحشرون " معناه يحشرون إلى الله بعد موتهم يوم القيامة كما يحشر العباد، فيعوض الله تعالى ما يستحق العوض منها و ينتصف لبعضها من بعض. وفيما رووه عن أبي هريرة أنه قال: يحشر الله الخلق يوم القيامة البهائم والدواب والطير، وكل شئ، فيبلغ من عدل الله تعالى يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء (3)، ثم يقول: " كوني ترابا " فلذلك يقول الكافر: " يا ليتني كنت ترابا " (4). وعن أبي ذر قال: بينا أنا عند رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إذا انتطحت (5) عنزان (6) فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: " أتدرون فيم انتطحا ؟ فقالوا: لا ندري قال: لكن الله يدرى

 

(1) في المصدر: فقد ذكرنا ما يكفى في صدق حصول المماثلة. (2) تفسير الرازي 12: 213 - 215. (3) الجماء جمع الاجم: الكبش لا قرن له. والقرناء جمع الاقرن: ماله قرنان. (4) النبأ: 40. (5) نطحه: اصابه بقرنه وانتطح الكبشان: نطح احدهما الاخر، (6) في المصدر: إذ نطحت عنزان. *

 

[7]

وسيقضي بينهما " وعلى (1) هذا فانما جعلت أمثالنا في الحشر والقصاص (2). واستدلت جماعة من أهل التناسخ بهذه الآية على أن البهائم والطيور مكلفة لقوله: " امم امثالكم " وهذا باطل لانا قد بينا أنها من اي جهة تكون أمثالنا ولو وجب حمل ذلك على العموم لوجب أن تكون أمثالنا في كونها على مثل صورنا وهيئاتنا وخلقتنا وأخلاقنا، فكيف يصح تكليف البهائم وهي غير عاقلة ؟ والتكليف لا يصح إلا مع كمال العقل انتهى (3). وقال الرازي: للفضلاء فيه قولان: الاول: أنه تعالى يحشر البهائم والطيور لا يصال الاعواض إليها وهو قول المعتزلة، وذلك لان إيصال الآلام إليها من غير سبق جناية لا يحسن إلا للعوض ولما كان إيصال العوض إليها واجبا فالله تعالى يحشرها ليوصل تلك الاعواض إليها. والقول الثاني قول أصحابنا: إن الايجاب على الله تعالى محال، بل الله يحشرها بمجرد الارادة والمشية ومقتضى الالهية. واحتجوا على أن القول: بوجوب العوض على الله باطل بامور: الاول: أن الوجوب عبارة عن كونه مستلزما للذم عند الترك، وكونه تعالى مستلزما للذم محال، لانه كامل لذاته، والكامل لذاته لا يعقل كونه مستحقا للذم بسبب أمر منفصل، لان ما يكون لازما بالذات لا يبطل عند عروض أمر من الخارج (4). الثاني: أنه لو حسن إيصال الضرر إلى الغير لاجل العوض لوجب أن يحسن منا إيصال المضار إلى الغير لاجل التزام العوض من غير رضاه، وذلك باطل، فثبت أن القول بالعوض باطل. إذا عرفت هذا فلنذكر بعض التفاريع الذي ذكر ها القاضي في هذا الباب:

 

(1) الظاهر الحديث ينتهى بقوله: بينهما، وبعده من كلام الطبرسي. (2) في المصدر: والاقتصاص. (3) مجمع البيان 4: 297 و 298. (4) زاد في المصدر حجة أخرى وهى انه تعالى مالك لكل المحدثات، والمالك يحسن تصرفه في ملك نفسه من غير حاجة إلى العوض. *

 

[8]

الاول: قال: كل حيوان استحق العوض عن (1) الله مما لحقه من الآلام و كان ذلك العوض لم يصل إليه في الدنيا. فانه يجب على الله حشره (2) في الآخرة ليوفر عليه العوض، والذي لا يكون كذلك فانه لا يجب حشره عقلا إلا أنه تعالى أخبر أنه يحشر الكل، فمن حيث السمع يقطع بذلك، وإنما قلنا: إن في الحيوانات من لا يستحق العوض البتة لانه ربما بقيت مدة حياتها مصونة عن الآلام، ثم إنه تعالى يميتها من غير إيلام أصلا، فانه لم يثبت بالدليل أن الموت لابد وأن يحصل معه شئ من الالام (3)، وعلى هذا التقدير فانه لا يستحق العوض البتة. الثاني: كل حيوان أذن الله في ذبحه فالعوض على الله، وهي على أقسام: منها: ما أذن في ذبحها لاجل الاكل، ومنها: ما أذن في ذبحها لاجل كونها مؤذية مثل السباع العادية والحشرات المؤذية، ومنها: ما اوذي بالامراض (4). ومنها: ما أذن الله في حمل الاحمال الثقيلة عليها واستعمالها بالافعال الشاقة، وأما إذا ظلمها الناس فذلك العوض على ذلك الظالم، وإذا ظلم بعضها بعضا فذلك العوض على ذلك الظالم. فان قيل: إذا ذبح ما يؤكل لحمه لا على وجه التذكية فعلى من العوض ؟ أجاب: بأن ذلك ظلم والعوض على الذابح، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وآله عن ذبح الحيوان إلا لاكله (5). الثالث: المراد من العوض منافع عظيمة بلغت في الجلالة والرفعة إلى حيث لو كانت هذه البهيمة عاقلة وعلمت أنه لا سبيل لها إلى تحصيل تلك المنفعة إلا بواسطة تحمل ذلك الذبح فانها كانت ترضى به، فهذا هو العوض الذي لاجله يحسن الايلام والاضرار.

 

(1) في المصدر: على الله. (2) في المصدر: حشره عقلا. (3) في المصدر: من الايلام. (4) في المصدر: ما آلمهما بالامراض. (5) في المصدر: الا لمأكله. *

 

[9]

الرابع: مذهب القاضي وأكثر معتزلة البصرة أن العوض منقطع، قال القاضي: وهو قول أكثر المفسرين لانه قال: إنه تعالى بعد توفير العوض عليها يجعلها ترابا وعنده يقول الكافر: " يا ليتني كنت ترابا " (1). قال أبو القاسم: يجب كون العوض دائما (2). واحتج القاضي على قوله بأنه يحسن من الواحد منا أن يلتزم عملا شاقا لمنفعة منقطعة (3)، فعلمنا أن إيصال الالم إلى الغير غير مشروط بدوام الاجر (4). واحتج البلخي على قوله بأن قال: لا يمكن قطع ذلك العوض إلا باماتة تلك البهيمة، وإماتتها توجب الالم وذلك الالم يوجب عوضا آخر وهكذا إلى مالا آخر له. والجواب عنه، أنه لم يثبت بالدليل أن الاماتة لا يمكن تحصيلها إلا مع الايلام. الخامس: أن البهيمة إذا استحقت على بهيمة اخرى عوضا فان كانت البهيمة الظالمة قد استحقت على الله عوضا فان الله تعالى ينقل ذلك العوض إلى المظلوم وإن لم يكن الامر كذلك فالله تعالى يكمل هذا العوض فهذا مختصر من أحكام الاعواض على قول المعتزلة انتهى كلامه في هذا المقام (5). وقال في قوله تعالى: " ولله يسجد ": قد ذكرنا أن السجود على نوعين: سجود هو عبادة كسجود المسلمين لله، وسجود عبارة عن الانقياد والخضوع (6)، ويرجع حاصل هذا السجود إلى أنها في أنفسها ممكنة الوجود والعدم قابلة لهما، فانه لا يرجح (7)

 

(1) النبأ: 40. (2) في المصدر: يجب أن يكون العوض دائما. (3) في المصدر والاجرة منقطعة. (4) في المصدر الاجرة. (5) تفسير الرازي 12: 218 - 220. (6) في المصدر: عن الانقياد لله تعالى والخضوع. (7) في المصدر وانه لا يترجح. *

 

[10]

أحد الطرفين على الآخر إلا لمرجح، فمن (1) الناس من قال: المراد هنا المعنى الثاني لان اللائق بالدابة ليس له إلا هذا السجود، ومنهم من قال: المراد هو المعنى الاول لانه اللائق بالملائكة، ومنهم من قال: هو لفظ مشترك وحمل المشترك على معنييه جائز وهو ضعيف (2). وقال في قوله تعالى: " ألم يروا إلى الطير " هذا دليل آخر على كمال قدرة الله تعالى وحكمته، فانه لولا أنه تعالى خلق الطير خلقة معها يمكنه الطيران، و خلق الجو خلقة معها يمكن الطيران فيها (3) لما أمكن ذلك، فانه تعالى أعطى الطير جناحا يبسطه مرة ويكسره اخرى، مثل ما يعمل السابح في الماء، وخلق الهواء خلقة لطيفة رقيقة يسهل خرقه (4) والنفاذ فيه، ولولا ذلك لما كان الطيران ممكنا، " ما يمسكهن إلا الله " المعنى أن جسد الطير جسم ثقيل، والجسم الثقيل يمتنع بقاؤه في الجو معلقا من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه، فوجب أن يكون الممسك له في ذلك الجو هو الله تعالى، قال القاضي: إنما أضاف الله تعالى هذا الامساك إلى نفسه لانه تعالى هو الذي أعطى الآلات التي لاجلها يتمكن الطير من تلك الافعال، فلما كان تعالى هو السبب لذلك لاجرم صحت الاضافة انتهى (5). قوله تعالى: " والطير " أي والطير أيضا تسبح، وقد مر أن تسبيحها إما محمول على الحقيقة بناء على شعورها، أو جعلها الله في هذا الوقت ذات شعور معجزة لداود عليه السلام، أو تسبيحها بلسان الحال، كما مر في تسبيح الجمادات، أو هو من السباحة قال الرازي: وأما الطير فلا امتناع في أن يصدر عنها الكلام، ولكن أجمعت الامة على

 

(1) نقله المصنف من هنا إلى آخر كلامه باختصار. (2) تفسير الرازي 20: 42 و 44. (3) في المصدر: الطيران فيه. (4) في المصدر يسهل بسببها خرقه. (5) تفسير الرازي 2: 90 و 91 فيه: فلما كان تعالى هو المسبب لذلك لا جرم صحت هذه الاضافة إلى الله تعالى. *

 

[11]

أن المكلفين إما الجن أو الانس أو الملائكة فيمتنع فيها أن تبلغ في العقل إلى درجة التكليف، بل يكون حاله (1) كحال الطفل في أن يؤمر وينهى وإن لم يكن مكلفا فصار ذلك معجزة من حيث جعلها في الفهم بمنزلة المرافق (2). وقال الطبرسي رحمه الله: تسخير الطير له تسبيح يدل على أن مسخرها قادر لا يجوز عليه ما يجوز على العباد، عن الجبائي وعلي بن عيسى، وقيل: إن الطير كانت تسبح معه بالغداة والعشي معجزة له عن وهب، " وكنا فاعلين " أي قادرين على فعل هذه الاشياء، ففعلناها دلالة على نبوته (3). قوله سبحانه: " ألم تر " قال الرازي: أي ألم تعلم، وظاهره الاستفهام والمراد به التقرير والبيان. واعلم: أنه إما أن يكون المراد من التسبيح دلالته بهذه الاشياء (4) على كونه تعالى منزها عن النقائص موصوفا بنعوت الجلال (5)، وإما أن يكون المراد منه في حق البعض الدلالة على التنزيه، وفي حق الباقين النطق باللسان، والاول: أقرب وأما القسم الثالث: فهو أن يقال: استعمل اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز معا وهو غير جائز فلم يبق إلا الاول. فان قيل: فالتسبيح بها المعنى حاصل لجميع المخلوقات فما وجه تخصيصه هنا بالعقلآء ؟ قلنا: لان خلقة العقلاء أشد دلالة على وجود الصانع سبحانه، لان العجائب فيها أكثر (6).

 

(1) في المصدر: بل تكون على حالة. (2) تفسير الرازي 22: 200. (3) مجمع البيان 7: 58. (4) في المصدر: دلالة هذه الاشياء. (5) زاد في المصدر: واما ان يكون المراد منه أنها تنطق بالتسبيح وتتكلم به. (6) في المصدر: لان العجائب والغرائب في خلقهم أكثر وهى العقل والنطق والفهم. *

 

[12]

ولما ذكر (1) أن أهل السماوات وأهل الارض يسبحون ذكر أن الذين استقروا في الهواء وهو الطير يسبحون، وذلك لان إعطاء الجرم الثقيل القوة التي تقوى بها على الوقوف في جو السماء صافة باسطة أجنحتها بما فيها من القبض والبسط من أعظم الدلائل على قدرة الصانع المدبر سبحانه، وجعل طيرانها سجودا منها له سبحانه وذلك يؤكد ما ذكرناه أن المراد من التسبيح دلالة هذه الامور على التنزيه لا النطق اللساني، " كل قد علم " أي علم الله ويدل عليه قوله: " والله عليم بما يفعلون " هو اختيار جمهور المتكلمين. والثاني: أن يعود الضمير في علم، والصلاة، والتسبيح، على لفظ " كل " أي انهم يعلمون ما يجب عليهم من الصلاة والتسبيح. والثالث: أن تكون الهاء راجعة إلى الله (2)، يعنى قد علم كل مسبح وكل مصل صلاته (3) التي كلفه إياها، وعلى هذين التقديرين فقوله: " والله عليم " استيناف. وروي عن أبي ثابت قال: كنت جالسا عند أبي جعفر (4) الباقر عليه السلام فقال لي: أتدرى ما تقول هذه العصافير عند طلوع الشمس وبعد طلوعها ؟ قال (5): فانهن يقدسن ربهن ويسألنه قوت يومهن. واستبعد المتكلمون ذلك، فقالوا: الطير لو كانت عارفة بالله لكانت كالعقلاء الذين يفهمون كلامنا وإشارتنا، لكنها ليست كذلك فانا نعلم بالضرورة أنها أشد نقصانا

 

(1) فيه اختصار، وتمامه على ما في المصدر: اما قوله تعالى: " والطير صافات " فلقائل أن يقول: ما وجه اتصال هذا بما قبله ؟ والجواب انه سبحانه لما ذكر. (2) في المصدر: على ذكر الله. (3) في المصدر: صلاة الله. (4) في المصدر: " محمد بن جعفر الباقر " ولعله تصحيف من النساخ. (5) في المصدر: قال: لا، قال. *

 

[13]

من الصبي الذين لا يعرف هذه الامور، فبأن يمتنع ذلك فيها أولى، وإذا ثبت أنها لا تعرف الله استحال كونها مسبحة له بالنطق فثبت أنها لا تسبح الله إلا بلسان الحال. ثم ذكر كثيرا من الحيل الدقيقة الصادرة عن الحيوانات كما سيأتي، واستدل بها على شعورها وعقلها، ثم قال: والاكياس من العقلاء يعجزون عن أمثال هذه الحيل، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال: إنها ملهمة عن الله سبحانه بمعرفته والثناء عليه وكانت (1) غير عارفة بسائر الامور التي يعرفها الناس ؟ ولله در شهاب السمعاني حيث قال: جل جناب العز والجلال، عن أن يوزن بميزان الاعتزال (2). وقال في قوله سبحانه: " والله خلق كل دابة من ماء " في هذه الآية سئوالات: الاول: قال الله: " خلق كل دابة من ماء " مع أن كثيرا من الحيوانات غير مخلوقة من الماء كالملائكة (3)، وهو أعظم المخلوقات عددا، وأنهم (4) مخلوقون من النور، وأما الجن فهم مخلوقون من النار، وخلق الله آدم من التراب (5) وخلق الله عيسى من الريح لقوله: " فنفخنا فيه من روحنا " (6). وأيضا نرى أن كثيرا من الحيوانات يتولد لا عن النطفة. والجواب من وجوه: أحدها وهو الاحسن ما قاله القفال: وهو أن " من ماء " صلة " كل دابة " وليس هو من صلة " خلق " أن كل دابة متولدة من الماء فهي مخلوقة لله. وثانيها: أن أصل جميع المخلوقات الماء على ما روي " أول ما خلق الله تعالى جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء ثم من ذلك الماء خلق النار والهواء والنور "

 

(1) في المصدر: وان كانت. (2) تفسير الرازي 24: 10 - 12. (3) في المصدر: اما الملائكة. (4) في المصدر: وهم مخلوقون. (5) زاد في المصدر: لقوله: " خلقه من تراب " أقول: الاية في آل عمران: 59. (6) التحريم: 12. *

 

[14]

ولما كان المقصود من هذه الآية بيان أصل الخلقة وكان الاصل الاول هو الماء لا جرم ذكره على هذا الوجه. وثالثها: أن المراد من الدابة، الذي يدب (1) على وجه الارض ومسكنهم هناك لتخرج الملائكة والجن (2)، ولما كان الغالب جدا من هذه الحيوانات كونهم مخلوقين من الماء إما لانها متولدة من النطفة، وإما لانها لا تعيش إلا بالماء لا جرم أطلق الكل تنزيلا للغالب منزلة الكل. الثاني: لم سمي الزحف على البطن مشيا ؟ والجواب هذا على سبيل الاستعارة كمايقال: فلان لا يمشي له أمر، وعلى طريق المشاكلة. الثالث: أنه لم تنحصر (3) القسمة، لانا نجد ما يمشي على أكثر من أربع مثل العناكب والعقارب ومثل الحيوان الذي له أربع وأربعون رجلا الذي يسمى دخال الاذن. والجواب: القسم الذي ذكرتم كالنادر فكان ملحقا بالعدم، ولان الفلاسفة يقولون: ماله قوائم كثيرة فالاعتماد له إذا مشى على أربع جهاته لا غير فكأنه يمشي على أربع ولان قوله: " يخلق الله ما يشاء " تنبيه على أن الحيوانات كما اختلف بحسب كيفية المشي فكذا هي مختلفة بحسب امور اخر. ولنذكر هيهنا بعض تلك التقسيمات: التقسيم الاول: الحيوانات قد تشترك في أعضاء وقد تتباين بأعضاء، أما الشركة: فمثل اشتراك الانسان والفرس في أن لهما لحما وعصبا وعظما، وأما التباين: فاما أن يكون في نفس العضو، أو في صفته.

 

(1) في المصدر: التى تدب. (3) في المصدر: فيخرج عنه الملائكة والجن. (3) في المصدر: لم يستوف القسمة. *

 

[15]

أما الاول، فعلى وجهين: أحدهما: أن لا يكون العضو حاصلا للآخر وإن كانت أجزاؤه حاصلة للثاني، كالفرس والانسان، فان الفرس له ذنب، والانسان ليس له ذنب ولكن أجزاء الذنب ليس إلا العظم والعصب واللحم والجلد والشعر، وكل ذلك حاصل للانسان. والثاني: أن لا يكون ذلك العضو حاصلا للثاني لا بذاته ولا بأجزائه، مثل أن للسلحفاة صدفا يحيط به وليس للانسان، وللسمك فلوس (1)، وللقنفذ شوك، وليس شئ منها للانسان. وأما التباين في صفة العضو، فأما أن يكون من باب الكمية، أو الكيفية أو الوضع، أو الفعل، أو الانفعال، أما الذي في الكمية، فاما أن يتعلق بالمقدار مثل أن عين البوم كبيرة وعن العقاب صغيرة، أو بالعدد مثل أن أرجل بعض العناكب ستة وأرجل ضرب آخر ثمانية أو عشرة، والذي في الكيفية فكاختلافها في الالوان والاشكال والصلابة واللين، والذي في الوضع: فمثل اختلاف وضع ثدي الفيل فانه قريب من الصدور، وثدي الفرس فانه عند السرة، وأما الذي في الفعل: فمثل كون اذن الفيل للذب (2) مع كونه آلة للسمع، وليس كذلك الانسان (3) وكون أنفه آلة للقبض دون أنف غيره، وأما الذي في الانفعال: فمثل كون عين الخفاش سريعة التحير في الوضوء، وعين الخطاف خلاف ذلك. التقسيم الثاني للحيوان: إما أن يكون مائيا بأن يكون مسكنه الاصلي هو الماء، أو أرضيا، أو يكون مائيا ثم يصير أرضيا، أما الحيوانات المائية: فتعتبر أحوالها من وجوه الاول: إما أن يكون مكانه وغذاؤه ونفسه مائيا فله بدل التنفس

 

(1) في المصدر، وليس للانسان ذلك وكذا للسمك فلوس. (2) في المصدر: صالحا للذب. (3) في المصدر: في الانسان. *

 

[16]

جذب الماء إلى بطنه ثم رده (1) ولا يعيش إذا فارقه، والسمك كله كذلك (2) أو مكانه وغذاؤه مائي، لا يتنفس ولا يستنشق مثل أصناف من الصدف لا تظهر للهواء ولا تستدخل الماء إلى باطنها. الثاني: الحيوانات المائية بعضها ماؤها الانهار الجارية، وبعضها ماؤها البطائح مثل الضفادع، وبعضها ماؤها مياه البحر (3). الثالث: منها لجية، ومنها شطية، ومنها طينية، ومنها صخرية. الوجه الرابع: الحيوان المنتقل في الماء منه ما يعتمد في غوصه على رأسه وفي السباحة على أجنحته كالسمك، ومنه ما يعتمد في السباحة على أرجله كالضفادع ومنه ما يمشى في قعر الماء كالسرطان، ومنه ما يزحف مثل ضرب من السمك لا جناح له كالدود. وأما الحيوانات البرية: فتعتبر أحوالها أيضا من وجهين. الاول: أن منها ما يتنفس من طريق واحد كالفم والخيشوم، ومنه ما لا يتنفس كذلك بل على نحو آخر (4) مثل الزنبور والنحل. الثاني: أن الحيوانات الارضية منها: ماله مأوى معلوم، ومنها: ما مأواه كيف اتفق إلا أن تلد فيقيم للحضانة واللواتي لها مأوى: فبعضها مأواه قلة رابية (5)، وبعضها مأواه وجه الارض.

 

(1) في المصدر: فله بدل التنفس في الهواء التنشق المائى فهو