الى اجزاء البحار الى المكتبة الهاشمية الى الصفحة الرئيسية

بحار الانوار الجزء 60

العلامة المجلسي


[1]

بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الأمة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء الستون مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان كافة الحقوق محفوظة ومسجلة الطبعة الثانية المصححة 1403 ه‍ - 1983 م مؤسسة الوفاء - بيروت - لبنان - ص ب 1457 - هاتف: 386868


 

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم (باب) (تأثير السحر والعين وحقيقتهما زائدا على ما تقدم في باب) (عصمة الملائكة) الايات: البقرة: يعلمون الناس السحر - إلى قوله - فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا باذن الله (1). الاعراف: فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤا بسحر عظيم. (2) يونس: ولا يفلح الساحرون. (3) وقال تعالى: وقال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين. (4) يوسف: وقال يا بنى لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما اغني عنكم من الله من شئ إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شئ إلا حاجة في نفس يعقوب

 

(1) البقرة: 102. (2) الاعراف: 116. (3) يونس 77. (4) يونس: 81.

 

[2]

قضيها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون (1). طه: قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى - إلى قوله تعالى - إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى (2). القلم: وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون. وما هو إلا ذكر للعالمين (3). الفلق: ومن شر النفاثات في العقد. ومن شر حاسد إذا حسد " (4). تفسير: قال الطبرسي - رحمه الله - في قوله تعالى " يعلمون الناس السحر " السحر والكهانة والحيلة نظائر، يقال: سحره يسحره سحرا. وقال صاحب العين: السحر عمل يقرب إلى الشياطين، ومن السحر الاخذة التي تأخذ العين حتى تظن أن الامر كما ترى وليس الامر كما ترى. فالسحر عمل خفي لخفاء سببه، يصور الشئ بخلاف صورته، ويقلبه عن جنسه في الظاهر، ولا يقلبه عن جنسه في الحقيقة ، ألا ترى إلى قوله تعالى " يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى " (5). وقال في قوله: " ما يفرقون به ": فيه وجوه: أحدها أنهم يوجدون أحدهما على صاحبه ويبغضونه إليه فيؤدي ذلك إلى الفرقة عن قتادة. وثانيها: أنهم يغوون أحد الزوجين ويحملونه على الكفر والشرك بالله تعالى فيكون بذلك قد فارق زوجه الآخر المؤمن المقيم على دينه، فيفرق بينهما على اختلاف النحلة وتباين الملة. و ثالثها أنهم يسعون بين الزوجين بالنميمة والوشاية حتى يؤول أمرهما إلى الفرقة و المباينة. " إلا بإذن الله " أي يعلم الله فيكون تهديدا أو بتخلية الله (6).

 

(1) يوسف 67، 68. (2) طه: 66 - 69. (3) القلم: 51 - 52. (4) الفلق: 4، 5. (5) مجمع البيان: ج 1 ص 17. (6) مجمع البيان: ج 1 ص 176 (بتلخيص).

 

[3]

وقال البيضاوي: المراد بالسحر ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان، وذلك لا يستتب إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس، فإن التناسب شرط في التضام والتعاون، وبهذا يميز الساحر عن النبي والولي. وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات والأدوية أو يريه صاحب خفة اليد فغير مذموم، وتسميته سحرآ على التجوز، أو لما فيه من الدقة لأنه في الأصل لما خفي سببه (1). وقال الشيخ - قدس سره - في التبيان: قيل في معنى السحر أربعة أقوال: أحدها أنه خدع ومخاريق وتمويهات لا حقيقة لها، يخيل إلى المسحور أن لها حقيقة. والثاني أنه أخذ بالعين على وجه الحيلة. والثالث أنه قلب الحيوان من صورة إلى صورة، وإنشاء الأجسام على وجه الاختراع، فيمكن الساحر أن يقلب الإنسان حمارا وينشئ أجساما. والرابع أنه ضرب من خدمة الجن. وأقرب الأقوال الأول لأن كل شئ خرج عن العادة الجارية فإنه سحر لا يجوز أن يتأتى من الساحر، ومن جوز شيئا من هذا فقد كفر، لأنه لا يمكن مع ذلك العلم بصحة المعجزات الدالة على النبوات، لأنه أجاز مثله على جهة الحيلة والسحر (2). وقال النيسابوري: السحر في اللغة عبار عن كل ما لطف مأخذه وخفي سببه، ومنه الساحر العالم، وسحره خدعه، والسحر الرئة. وفي الشرع مختص بكل أمر يختفي سببه ويتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع. وقد يستعمل مقيدا فيما يمدح ويحمد، وهو السحر الحلال. قال صلى الله عليه وآله: إن من البيان لسحرا. ثم السحر على أقسام: منها سحر الكلدانيين الذين كانوا في قديم الدهر، وهم قوم يعبدون الكواكب ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم، ومنها تصدر الخيرات

 

(1) أنوار التنزيل: ج 1، ص 102. (2) التبيان 1: 374.

 

[4]

والشرور والسعادة والنحوسة، ويستحدثون الخوارق بواسطة تمزيج القوى السماوية بالقوى الأرضية، وهم الذين بعث الله إبراهيم عليه السلام مبطلا لمقالتهم. ومنها سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، بدليل أن الجذع الذي يتمكن الإنسان من المشي عليه لو كان موضوعا على الأرض، لا يمكنه المشي عليه لو كان كالجسر، وما ذاك إلا لأن تخيل السقوط متى قوي أوجبه. وقد اجتمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر، والمصروع عن النظر إلى الأشياء القوية اللمعان والدوران، وما ذلك إلا لأن النفوس خلقت مطيعة للأوهام واجتمعت الأمم على أن الدعاء مظنة الإجابة، وأن الدعاء باللسان من غير طلب نفساني قليل الأثر، والإصابة بالعين مما اتفق عليه العقلاء. ومنها سحر من يستعين بالأرواح الأرضية، وهو المسمى بالعزائم وتسخير الجن. ومنها التخييلات الآخذة بالعيون، وتسمى بالشعبدة. (1) ومنها الأعمال العجيبة التي تظهر من الآلات المركبة على النسب الهندسية، أو لضرورة الخلاء. ومن هذا الباب صندوق الساعات وعلم جر الأثقال. وهذا لا يعد من السحر عرفا لأن لها أسبابا معلومة يقينية. ومنها الاستعانة بخواص الأدوية والأحجار. ومنها تعليق القلب، وهو أن يدعى الساحر أنه قد عرف الاسم الأعظم، و أن الجن ينقادون له في أكثر الأمور، فإذا اتفق أن كان السامع ضعيف العقل قليل التمييز اعتقد أنه حق وتعلق قلبه بذلك، وحصل في قلبه نوع من الرعب وحينئذ تضعف القوى الحساسة فيتمكن الساحر من أن يفعل فيه ما شاء. ومنها السعي بالنميمة والتضريب من وجوه خفية لطيفة - انتهى -. وهذا فذلكة مما نقلنا عن الرازي في باب عصمة الملائكة.

 

(1) بالشعوذة (خ).

 

[5]

وقال أيضا في قوله سبحانه " فيتعلمون ": أي فيتعلم الناس من الملكين ما يفرقون به بين المرء وزوجه، إما لأنه إذا اعتقد أن السحر حق كفر فبانت منه امرأته، وإما لأنه يفرق بينهما بالتمويه والاحتيال، كالنفث في العقد ونحو ذلك مما يحدث الله عنده الفرك والنشوز ابتلاء منه، لأن السحر له أثر في نفسه بدليل قوله " وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله " أي بإرادته وقدرته، لأنه إن شاء أحدث عند ذلك شيئا من أفعاله، وإن شاء لم يحدث. وكان الذي يتعلمون منهما لم يكن مقصورا على هذه الصورة، ولكن سكون المرء وركونه إلى زوجه لما كان أشد خصت بالذكر ليدل بذلك على أن سائر الصور بتأثير السحر فيها أولى - انتهى -. وقد مر من تفسير الإمام عليه السلام " فيتعلمون " يعني طالبي السحر " منهما " يعني مما كتبت الشياطين على ملك سليمان من النيرنجات، ومما انزل على الملكين ببابل هاروت وماروت، يتعلمون من هذين الصنفين " ما يفرقون به بين المرء وزوجه " هذا من يتعلم للإضرار بالناس، يتعلمون التضريب بضروب الحيل والنمائم والايهام أنه قد دفن في موضع كذا وعمل كذا ليحبب المرأة إلى الرجل، والرجل إلى المرأة، أو يؤدي إلى الفراق بينهما. " وما هم بضارين به " أي ما المتعلمون لذلك بضارين به " من أحد إلا بإذن الله " يعني بتخلية الله وعلمه، فإنه لو شاء لمنعهم بالجبر والقهر. وقال الطبرسي - رحمه الله - في قوله تعالى " فلما ألقوا " أي فلما ألقى السحرة ما عندهم من السحر احتالوا في تحريك العصي والحبال بما جعلوا فيها من الزئبق، حتى تحركت بحرارة الشمس وغير ذلك من الحيل وأنواع التمويه والتلبيس، وخيل إلى الناس أنها تتحرك على ما تتحرك الحية. وإنما سحروا أعين الناس لأنهم أروهم شيئا لم يعرفوا حقيقته، وخفي ذلك عليهم لبعده منهم، لأنهم لم يخلوا الناس يدخلون فيما بينهم. وفي هذا دلالة على أن السحر لا حقيقة له، لأنه لو صارت حيات حقيقة لم يقل الله سبحانه " سحروا أعين الناس " بل كان يقول " فلما ألقوا صارت حيات " - انتهى - (1).

 

(1) مجمع البيان: ج 4، ص 461.

 

[6]

وقال الرازي: احتج القائلون بأن السحر محض التمويه بهذه الآية. قال القاضي: لو كان السحر حقا لكانوا قد سحروا قلوبهم لا أعينهم، فثبت أن المراد أنهم تخيلوا أحوالا عجيبة، مع أن الأمر في الحقيقة ما كان على وفق ما تخيلوه. قال الواحدي: بل المراد سحروا أعين الناس أي قلبوها عن صحة إدراكها بسبب تلك التمويهات (1). وقال الطبرسي: " ولا يفلح الساحرون " أي لا يظفرون بحجة، ولا يأتون على ما يدعونه ببينة، وإنما هو تمويه على الضعفة. " ما جئتم به السحر " أي الذين جئتم به من الحبال والعصي السحر، لا ما جئت به. " إن الله سيبطل هذا السحر الذي عظمتموه (2). " إن الله لا يصلح عمل المفسدين " إن الله لا يهيئ عمل من قصد إفساد الدين ولا يمضيه، ويبطله حتى يظهر الحق من الباطل (3). وقال في قوله " لا تدخلوا من باب واحد " خاف عليهم العين، لأنهم كانوا ذوي جمال، وهيئة وكمال، وهم إخوة، أولاد رجل واحد، عن ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك والسدي وأبو مسلم. وقيل: خاف عليهم حسد الناس إياهم، وأن يبلغ الملك قوتهم وبطشهم، فيحبسهم أو يقتلهم خوفا على ملكه، عن الجبائي، وأنكر العين وذكر أنه لم يثبت بحجة، وجوزه كثير من المحققين، ورووا فيه الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله " إن العين حق تستنزل الحالق " والحالق المكان المرتفع من الجبل وغيره، فجعل عليه السلام العين كأنها تحط ذروة الجبل، من قوة أخذها، وشدة بطشها. وورد في الخبر أنه صلى الله عليه وآله كان يعوذ الحسن والحسين عليهما السلام بأن يقول " اعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة " وروي أن إبراهيم

 

تفسير الرازي ج 14: 203. (2) في المصدر: فعلتموه. (3) مجمع البيان: ج 5: ص 126. (*)

 

[7]

عليه السلام عوذ ابنيه، وأن موسى عليه السلام عوذ ابني هارون بهذه العوذة، وروي أن بني جعفر بن أبيطالب كانوا غلمانا بيضا، فقالت أسماء بنت عميس: يا رسول الله، إن العين إليهم سريعة، أفأسترقي لهم من العين ؟ فقال صلى الله عليه وآله: نعم. وروي أن جبرئيل عليه السلام رقى رسول الله صلى الله عليه وآله وعلمه الرقية، وهي: " بسم الله أرقيك من كل عين حاسد الله يشفيك " وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لو كان شئ يسبق القدر لسبقته العين. ثم اختلفوا في وجه تأثير الإصابة بالعين، فروي عن عمرو بن بحر الجاحظ أنه قال: لا ينكر أن ينفصل من العين الصائبة إلى الشئ المستحسن أجزاء لطيفة تتصل به وتؤثر فيه، ويكون هذا المعنى خاصة في بعض الأعين كالخواص في بعض الأشياء. وقد اعترض على ذلك بأنه لو كان كذلك لما اختص ذلك ببعض الأشياء دون بعض، ولأن الأجزاء تكون جواهر، والجواهر متماثلة، ولا يؤثر بعضها في بعض. وقال أبو هاشم: إنه فعل الله بالعادة لضرب من المصلحة، وهو قول القاضي. ورأيت في شرح هذا للشريف الأجل الرضي الموسوي - قدس الله روحه - كلاما أحببت إيراده في هذا الموضع. قال: إن الله يفعل المصالح بعباده على حسب ما يعلمه من الصلاح لهم في تلك الأفعال التي يفعلها، فغير ممتنع أن يكون تغييره نعمة زيد مصلحة لعمرو، وإذا كان تعالى يعلم من حال عمرو أنه لو لم يسلب زيدا نعمته أقبل على الدنيا بوجهه، ونأى عن الآخرة بعطفه. وإذا سلب نعمة زيد للعلة التي ذكرناها عوضه (1) عنها، وأعطاه بدلا منها عاجلا وآجلا، فيمكن أن يتأول قوله عليه السلام " العين حق " على هذا الوجه. على أنه قد روي عنه عليه السلام ما يدل على أن الشئ إذا عظم في صدور العباد وضع الله قدره، وصغر أمره، وإذا كان الأمر على هذا فلا ينكر تغيير حال بعض الأشياء عند نظر بعض الناظرين إليه، واستحسانه له، وعظمه في صدره، وفخامته في عينه، كما روي أنه قال - لما سبقت ناقته العضباء، وكانت إذا سوبق بها لم تسبق -: " ما رفع العباد من شئ إلا وضع الله منه " ويجوز

 

(1) فيه عوضه غيرها وأعطاه بدلا منها عاجلا أو آجلا.

 

[8]

أن يكون ما أمر به المستحسن للشئ عند الرؤية من تعويذه بالله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله قائما في المصلحة مقام تغيير حالة الشئ المستحسن، فلا تغيير (1) عند ذلك، لأن الرائي لذلك قد أظهر الرجوع إلى الله تعالى والإعاذة به فكأنه غير راكن إلى الدنيا، ولا مغتر بها - انتهى كلامه رضي الله عنه -. " وما اغني عنكم من الله من شئ " أي وما أدفع من قضاء الله من شئ، إن كان قد قضا عليكم الإصابة بالعين أو غير ذلك. " إن الحكم إلا لله " أي ما الحكم إلا لله. " عليه توكلت " فهو القادر على أن يحفظكم من العين، أو من الحسد، ويردكم علي سالمين. " وعليه فليتوكل المتوكلون " أي ليفوضوا أمورهم (2) إليه وليثقوا به. " ولما دخلوا مصر من حيث أمرهم أبوهم " أي من أبواب متفرقة كما أمرهم [أبوهم] يعقوب " ما كان يغني عنهم - إلخ - " أي لم يكن دخولهم مصر كذلك يغني عنهم (3) أي يدفع عنهم شيئا أراد الله إيقاعه، من حسد أو إصابة عين، وهو عليه السلام كان عالما بأنه لا ينفع حذر من قدر، ولكن كان ما قاله لبنيه حاجة في قلبه، فقضى يعقوب تلك الحاجة، أي أزال به اضطراب قلبه، لأن لا يحال على العين مكروه يصيبهم. وقيل: معناه أن العين لو قدر أن تصيبهم لأصابتهم وهم متفرقون، كما تصيبهم مجتمعين. قال: " وحاجة " استثناء ليس من الأول بمعنى ولكن حاجة " وإنه لذو علم " أي لذو يقين ومعرفة بالله " لما علمناه " من أجل تعليمنا إياه، أو يعلم ما علمناه فيعمل به " ولكن أكثر الناس لا يعلمون " مرتبة يعقوب في العلم (4).

 

(1) فلا يغتر (خ). (2) أمرهم (خ). (3) في المصدر: أو. (4) مجمع البيان: ج 5، ص 249 - 250.

 

[9]

قال البيضاوي: لا يعلمون سر القدر، وأنه لا يغني عنه الحذر (1). وقال الرازي: قال جمهور المفسرين إنه خاف من العين عليهم، ولنا ههنا مقامان: المقام الأول إثبات أن العين حق. والذي يدل عليه وجهان: الأول إطباق المتقدمين من المفسرين على أن المراد من هذه الآية ذلك. والثاني ما روي أن النبي صلى الله عليه وإله كان يعوذ الحسن والحسين عليهما السلام. ثم ذكر بعض ما مر من الأحبار - إلى أن قال -: والخامس دخل رسول الله صلى الله عليه وآله بيت ام سلمة وعندها صبي يشتكي فقال (2): يا رسول الله أصابته العين، فقال صلى الله عليه وآله: أما تسترقون له من العين ؟ السادس قوله صلى الله عليه وآله " العين حق، ولو كان شئ يسبق القدر لسبقت العين القدر ". السابع قالت عائشة: كان يأمر العاين أن يتوضأ ثم يغتسل منه المعين الذي اصيب بالعين. المقام الثاني في الكشف عن ماهيته، فنقول: إن الجبائي أنكر هذا المعنى إنكارا بليغا، ولم يذكر في إنكاره شبهة فضلا عن حجة. وأما الذين اعترفوا به وأقروا بوجوده فقد ذكروا فيه وجوها: الاول قال الجاحظ: تمتد من العين أجزاء، فتتصل بالشخص المستحسن، فتؤثر وتسري فيه كتأثير اللسع والسم والنار، وإن كان مخالفا في وجه التأثير لهذه الأشياء. قال القاضيي: وهذا ضعيف، لأنه لو كان الأمر كما قال لوجب أن يؤثر في الشخص الذي لا يستحسن كتأثيره في المستحسن. واعلم أن هذا الاعتراض ضعيف، وذلك لأنه إذا استحسن شيئا فقد يحب بقاءه كما إذا استحسن ولد نفسه وبستان نفسه، وقد يكره بقاءه، كما إذا استحسن الحاسد بحصول شئ حسن لعدوه، فإن كان الأول فإنه يحصل عند ذلك الاستحسان خوف

 

(1) أنوار التنزيل: ج 1، ص 603. (2) فقالت (ظ).

 

[10]

شديد من زواله، والخوف الشديد يوجب انحصار الروح في داخل القلب، فحينئذ يسخن القلب والروح جدا، وتحصل في الروح الباصر كيفية قوة مسخنة، وإن كان الثاني فإنه يحصل عند ذلك الاستحسان حسد شديد وحزن عظيم بسبب حصول تلك النعمة لعدوه، والحزن أيضا يوجب انحصار الروح في داخل القلب وتحصل فيه سخونة شديدة. فثبت أن عند الاستحسان القوي يسخن الروح جدا فيسخن شعاع العين، بخلاف ما إذا لم يستحسن فإنه لا تحصل هذه السخونة، فظهر الفرق بين الصورتين. ولهذا السبب أمر الرسول صلى الله عليه وآله العاين بالوضوء، ومن أصابته العين بالاغتسال. اقول: على ما ذكره، إذا عاين شيئا عند استحسان شئ إخر وحصول تلك الحالة فيه أو عند حصول غضب شديد على رجل آخر، أو حصول هم شديد من مصيبة أو خوف عظيم من عدو أو يؤثر نظره إليه وإى كل شئ يعاينه، ومعلوم أنه ليس كذلك. ثم قال الرازي: الثاني قال أبو هاشم وأبو القاسم البلخي: لا يمتنع أن يكون العين حقا، ويكون معناه أن صاحب العين إذا شاهد الشئ واعجب به استحسانا كانت المصلحة له في تكليفه أن يغير الله تعالى ذلك الشخص أو ذلك الشئ حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف متعلقا به، فهذا التغيير غير ممتنع. ثم لا يبعد أيضا أنه لو ذكر ربه عند تلك الحالة وبعد عن الإعجاب وسأل ربه فعنده تتغير المصلحة، والله سبحانه يبقيه ولا يفنيه، ولما كانت هذه العادة مطردة لا جرم قيل: " العين حق ". الوجه الثالث: هو قول الحكماء. قالوا: هذا الكلام مبنى على مقدمة، وهي أنه ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات المحسوسة، أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، بل قد يكون التأثير نفسانيا ومحضا، ولا تكون القوى الجسمانية لها تعلق به والذى يدل عليه أن اللوح الذي يكون قليل العرض إذا كان موضوعا على الأرض قدر الإنسان على المشي عليه، ولو كان موضوعا فيما بين جدارين عاليين لعجز الإنسان عن المشي عليه، وما ذاك إلا لأن خوفه من


 

[11]

السقوط منه يوجب سقوطه منه، فعلمنا أن التأثيرات النفسانية موجودة. وأيضا إن الإنسان إذا تصور كون فلان مؤذيا له حصل في قلبه، وسخن مزاجه، فمبدء تلك السخونة ليس إلا ذاك التصور النفساني. ولأن مبدء الحركات البدنية ليس إلا التصورات النفسانية. ولما ثبت أن تصور النفس يوجب تغير بدنه الخاص لم يبعد أيضا أن يكون بعض النفوس تتعدى تأثيراتها إلى سائر الأبدان. فثبت أنه لا يمتنع في العقل كون النفس مؤثرة في سائر الأبدان. وأيضا جواهر النفوس مختلفة بالماهية، فلا يمتنع أن تكون بعض النفوس بحيث يؤثر في تغيير بدن حيوان آخر بشرط أن تراه وتتعجب منه. فثبت أن هذا المعنى أمر محتمل، والتجارب من الزمن الأقدم ساعدت عليه، والنصوص النبوية نطقت به، فعند هذا لا يبقى في وقوعه شك. وإذا ثبت هذا ثبت أن الذي أطبق عليه المتقدمون من المفسرين في تفسير هذه الآية بإصابة العين كلام حق لا يمكن رده. (1) قوله تعالى: " يخيل " قال الطبرسي: الضمير (2) راجع إلى موسى عليه السلام وقيل: إلى فرعون، أي يرى الحبال والعصي من سحرهم أنها تسعى (3) وتعدو مثل سير الحيات. وإنما قال " يخيل إليه " لأنها لم تكن تسعى حقيقة، وإنما تحركت لأنهم جعلوا داخلها الزئبق، فلما حميت الشمس طلب الزئبق الصعود فحركت الشمس ذلك فظن أنها تسعى (4). " إنما صنعوا " أي إن الذي صنعوه أو إن صنيعهم " كيد ساحر " أي مكره و حيلته. " ولا يفلح الساحر " أي لا يظفر ببغيته، إذ لا حقيقة للسحر " حيث أتى " أي حيث كان من الأرض، وقيل: لا يفوز الساحر حيث أتى بسحره، لأن الحق يبطله (5).

 

(1) تفسير الرازي 18: 172 - 174. (2) في المصدر: الضمير في " إليه ". (3) فيه: تسير وتعدو. (4) مجمع البيان: ج 7، ص 18. (5) المصدر: ج 7، ص 20.

 

[12]

وقال - قدس سره - في قوله تعالى " وإن يكاد الذين كفروا ": " إن " هي المخففة من الثقيلة (1) " ليزلقونك " أي (2) يقتلونك ويهلكونك، عن ابن عباس وكان يقرأها كذلك. وقيل: ليصرعونك، عن الكلبي. وقيل: يصيبونك بأعينهم، عن السدي. والكل يرجع في المعنى إلى الإصابة بالعين، والمفسرون كلهم على أنه المراد في الآية، وأنكر الجبائي ذلك وقال: إن إصابة العين لا تصح. وقال الرماني: وهذا الذي ذكره غير صحيح، لأنه غير ممتنع أن يكون الله تعالى أجرى العادة بصحة ذلك لضرب من المصلحة، وعليه إجماع المفسرين، وجوزه العقلاء فلا مانع منه. وقيل: إن الرجل منهم كان إذا أراد أن يصيب صاحبه بالعين تجوع ثلاثة أيام، ثم كان يصفه فيصرعه بذلك، وذلك بأن يقول الذي (3) أراد أن يصيبه بالعين: لا أرى كاليوم إبلا أو شاتا أو ما أراد، أي كإبل أراها اليوم. فقالوا للنبي صلى الله عليه وآله كما كانوا يقولون (4) لما أرادوا أن يصيبوه بالعين، عن الفراء والزجاج. وقيل: معناه أنهم ينظرون إليك عند تلاوة القرآن والدعاء إلى التوحيد نظر عداوة وبغض وانكار لما يسمعونه وتعجب منه، فيكادون يصرعونك بحدة نظرهم ويزيلونك عن موضعك. وهذا مستعمل في الكلام، يقولون: نظر إلى فلان نظرا يكاد يصرعني ونظرا يكاد يأكلني فيه. وتاويله كله أنه نظر إلى نظرا لو أمكنه معه أكلي أو أن يصرعني لفعل، عن الزجاج. " لما سمعوا الذكر " يعني القرآن " ويقولون " مع ذلك " إنه لمجنون وما هو " أي القرآن " إلا ذكر " أي شرف " للعالمين " إلى أن تقوم الساعة، أو مذكر لهم. قال

 

(1) المثقلة (خ). (2) فيه: ليزهقونك. (3) في المصدر: للذى يريد. (4) فيه: لما يريدون.

 

[13]

الحسن: دواء إصابة العين أن يقرأ الإنسان هذه الآية - انتهى - (1). قوله " أي كإبل " كأنه حمل قوله " أو ما أراد " على تغيير تركيب الكلام، ولا يخفى بعده، بل الظاهر أن المعنى: أو ما أراد أن يصيبه بالعين سوى الإبل، فيذكره مكانهما. وقال - رحمه الله - في نزول سورة الفلق: قيل: إن لبيد بن أعصم اليهودي سحر (2) رسول الله صلى الله عليه وآله ثم دس ذلك في بئر لبني زريق، فمرض رسول الله صلى الله عليه وآله فبينما هو نائم إذ أتاه ملكان، فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فأخبراه بذلك وأنه في بئر ذروان في جف طلعة تحت راعوفة - والجف قشر الطلع، والراعوفة حجر في أسفل البئر يقف عليه المائح (3). فانتبه رسول الله صلى الله عليه وآله وبعث عليا عليه السلام والزبير وعمارا فنزحوا، ماء تلك البئر ثم رفعوا الصخرة وأخرجوا الجف، فإذا فيه مشاطة رأس وأسنان من مشطة، وإذا فيه معقد فيه إحدى عشرة عقدة مغروزة بالإبر، فنزلت هاتان السورتان، فجعل كلما يقرء آية انحلت عقدة، ووجد رسول الله خفة، فقام فكأنما انشط من عقال. وجعل جبرئيل عليه السلام يقول: " بسم الله أرقيك من كل شئ يؤذيك، من حاسد وعين، والله يشفيك ". ورووا ذلك عن عائشة وابن عباس. وهذا لا يجوز، لأن من وصف بأنه مسحور فكأنه قد خبل عقله، قد أبى الله سبحانه ذلك في قوله " وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا * انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا " (4) ولكن يمكن أن يكون اليهودي أو بناته على ما روي اجتهدوا في ذلك فلم يقدروا عليه واطلع الله نبيه صلى الله عليه وآله على ما فعلوه من التمويه حتى استخرج وكان ذلك دلالة

 

(1) مجمع البيان: ج 10، ص 341. (2) فيه: لرسول الله. (3) ماح يميح ميحا وميحوحة: اغترف الماء بكفه.

 

[14]

على صدقه صلى الله عليه وآله وكيف يجوز أن يكون المرض من فعلهم ؟ ! ولو قدروا على ذلك لقتلوه وقتلا كثيرا من المؤمنين مع شده عداوتهم لهم ! وقال في قوله سبحانه " ومن شر النفاثات في العقد " معناه: ومن شر النساء الساحرات اللاتي ينفثن في العقد. وإنما امر بالتعوذ من شر السحرة لإيهامهم أنهم يمرضون ويصحون ويفعلون أشياء (1) من النفع والضرر والخير والشر وعامة الناس يصدقونهم، فيعظم بذلك الضرر في الدين، ولأنهم يموهون (2) أنهم يخدمون الجن ويعلمون الغيب، وذلك فساد في الدين ظاهر، فلأجل هذا الضرر امر بالتعوذ من شرهم. وقال أبو مسلم: النفاثات النساء اللاتي يملن آراء الرجال ويصرفنهم عن مرادهم ويردونهم إلى آرائهن، لأن العزم والرأي يعبر عنهما بالعقد، فعبر عن حلهما بالنفث، فإن العادة جرت أن من حل عقدا نفث فيه. " ومن شر حاسد إذا حسد " فإنه يحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود، فامر بالتعوذ من شره. وقيل: إنه أراد من شر نفس الحاسد ومن شر عينه فإنه ربما أصاب بهما فعان وضر. وقد جاء في الحديث أن العين حق. وقد مضى الكلام فيه. وروي أن العضباء ناقة النبي صلى الله عليه وآله لم تكن تسبق، فجاء أعرابي على قعود له فسابق بها فسبقها، فشق ذلك على الصحابة، فقال النبي صلى الله عليه وآله: حق على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه، وروى أنس أن النبيي صلى الله عليه وآله قال: من رأى شيئا يعجبه فقال: " الله الصمد، ما شاء الله لا قوة إلا بالله " لم يضر شيئا. وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وآله كان كثيرا ما يعوذ الحسن والحسين عليهما السلام بهاتين السورتين - انتهى - (3).

 

(1) فيه: شيئا. (2) فيه: يوهمون. (3) مجمع البيان: ج 10، ص 568 - 569.

 

[15]

وأقول: قال في النهاية: في حديث سحر النبي صلى الله عليه وآله " بئر ذروان " بفتح الذال وسكون الراء، بئر لبني زريق بالمدينة. وقال: الراعوفة هي صخرة تترك في أسفل البئر إذا حفرت تكون ناتئة هناك، فأذا أرادوا تنقية البئر جلس عليها المنقي. وقيل: هي حجر يكون على رأس البئر يقوم المستقي عليه، ويروى بالثاء المثلثة بمعناها. وقال: في حديث سحر النبي صلى الله عليه وآله أنه جعل في جف طلعة. الجف وعاء الطلع، وهو الغشاء الذي يكون فوقه، يروى في جب طلعة أي في داخلها. وقال: القعود من الدواب ما يقتعده الرجل للركوب والحمل، ولا يكون إلا ذكرا، والقعود من الإبل ما أمكن أن يركب. وقال البيضاوي: " ومن شر النفاثات في العقد " ومن شر النفوس أو النساء السواحر اللاتي يعقدن عقدا في خيوط وينفثن عليها. والنفث - بالفتح - النفخ مع ريق، وتخصيصه لما روي أن يهوديا سحر النبي صلى الله عليه وآله في إحدى عشرة عقدة في وتر دسه في بئر، فمرض عليه السلام، فنزلت المعوذتان وأخبره جبرئيل بموضع السحر، فأرسل عليا عليه السلام فجاء به، فقرأهما عليه، فكان كلما قرأ آية انحلت عقدة، ووجد بعض الخفة. ولا يوجب ذلك صدق الكفرة في أنه مسحور، لأنهم أرادوا به أنه مجنون بواسطة السحر. وقيل: المراد بالنفث في العقد إبطال عزائم الرجال بالحيل، مستعار من تليين العقدة بنفث الريق ليسهل حلها. " ومن شر حاسد إذا حسد " إذا أظهر حسده، وعمل بمقتضاه (1). وقال الرازي: اختلفوا في أنه &