بحار الانوار الجزء
59
العلامة المجلسي
[1]
بحار الانوار الجامعة لدرر اخبار الائمة
الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس
الله سره " الجزء التاسع والخمسون مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان كافة الحقوق محفوظة
ومسجلة الطبعة الثانية المصححة 1403 ه 1983 م مؤسسة الوفاء بيروت لبنان ص ب: 1457
هاتف: 386868
[1]
بسم الله الرحمن الرحيم { 48 باب آخر } *
(في ما ذكره الحكماء والاطباء في تشريح البدن وأعضائه) * * (وفيه فصول) * { الفصل
الاول } * (في بيان الاعضاء الاصلية للبدن) * قالوا: إن الله سبحانه خلق أعضاء
الحيوان مختلفة لحكم ومصالح، فجعلها عظاما وأعصابا وعضلات وأوتارا ورباطات وعروقا
وأغشية ولحوما وشحوما و رطوبات وغضاريف، وهي البسائط. ثم جعل منها الاعضاء المركبة
الآلية من القحف (1) والدماغ والفكين والعين والاذن والانف والاسنان واللسان والحلق
والعنق والصلب والنخاع والاضلاع والقص والترقوة والعضد والساعد والرسغ (2) والمشط
والاصابع والاظفار والصدر والرئة والقلب والمرئ والمعدة والامعاء والكبد والطحال
والمرارة والكلى والمثانة ومراق البطن والانثيين والقضيب والثدي والرحم والعانة
والفخذ والساق والقدم والعقب والكعب وغير ذلك. أربعة منها رئيس شريف: وهي الدماغ
والقلب والكبد والانثيان، إذ في
(1) القحف: العظم الذى فوق الدماغ. (2)
الرسغ: المفصل ما بين الساعد والكف، أو الساق والقدم.
[2]
الاول قوة الحس والحركة، وفي الثاني قوة
الحياة، وفي الثالث قوة التغذية، والثلاثة ضرورية لبقاء الشخص، وفي الرابع قوة
التوليد وحفظ النسل المحتاج إليه في بقاء النوع، وبه يتم الهيئة والمزاج الذكورى
والانوثي اللذين (1) هما من العوارض اللازمة لانواع الحيوان. وكل من الثلاثة الاول
مشتبك بالآخر محتاج إليه: إذ لولا الكبد وإهداره لسائر الاعضاء بالغذاء لا نحلت
وانفشت، ولولا ما يتصل بالكبد من حرارة القلب لم يبق له جوهره الذي به يتم فعله،
ولولا تسخن الدماغ بالشرايين وإغذاء الكبد بالعروق الصاعدة إليه لم يدم له طباعه
الذي يكون به فعله، ولولا تحريك الدماغ لعضل الصدر لم يكن التنفس ولم يبق للقلب
جوهره الذي منه تنبعث الحرارة الغريزية في أبداننا، ولكن الرئيس المطلق هو القلب،
وهو أول ما يتكون في الحيوان، ومنه يسري الروح الذى هو محل الحس والحركة إلى
الدماغ، ثم يسري منه إلى سائر الاعضاء، ومنه أيضا يسري الروح الذي هو مبدأ التغدية
(2) والنمو إلى الكبد، ثم يسري منه إلى سائر الاعضاء. فتبارك الله أحسن الخالقين.
ثم اعلم أن العظام أنواع: من طويل وقصير وعريض ودقيق ومصمت ومجوف على حسب اختلاف
المصالح والحكم. فمنها ما قياسه من البدن قياس الاساس وعليه مبناه، ومنها ما قياسه
المجن والوقاية، ومنها ما هو كالسلاح الذي يدفع به المصادم، ومنها ما هو حشوبين فرج
المفاصل، ومنها ما هو متعلق العضلات المحتاجة إلى علاقة. وجملة العظام دعامة وقوام
للبدن ولهذا خلقت صلبة. ثم مالا منفعة فيه سوى هذه خلق مصمتا وإن كان فيه المسام
والخلل والتي لابد منها. وما يحتاج إليه لاجل الحركة أيضا فقد زيد في تجويفه وجعل
تجويفه في الوسط واحدا ليكون
(1) كذا، والصواب " اللذان ". (2) التغذى
(خ).
[3]
جرمه غير محتاج إلى مواقف الغذاء المتفرقة
فيصير رخوا، بل صلب جرمه وجمع غذاؤه وهو المخ في حشوه. ففائدة زيادة التجويف أن
يكون أخف وفائدة توحيد التجويف أن يبقى جرمه أصلب، وفائدة صلابة جرمه أن لا ينكسر
عند الحركات العنيفة، وفائدة المخ ليغذوه وليرطبه دائما فلا يتفتت بتجفيف الحركة،
وليكون - وهو مجوف - كالمصمت. والتجويف يقل إذا كانت الحاجة إلى الوثاقة (1) أكثر،
ويكثر إذا كانت الحاجة إلى الخفة أكثر. وخلق بعضها مشاشة (2) لاجل (3) الغذاء
المذكور مع زيادة حاجة بسبب شئ يجب أن ينفذ فيها كالرائحة المستنشقة مع الهواء في
العظام التي تحت الدماغ ولفضول الدماغ المدفوعة فيها. والعظام كلها متجاورة متلاقية
ليس بين شئ منها وبين الذي يليه مسافة كثيرة وإنما لم يجعل كل ما في البدن منها
عظما واحدا لئلا يشمل البدن ما أصابته من آفة أو كسر، وليكون لاجزاء البدن حركات
مختلفة متفننة (4)، ولهذا هيئ كل واحد منها بالشكل الموافق لما اريد به، ووصل ما
يحتاج منها إلى أن يتحرك في بعض الاحوال معا وفي بعضها فرادى برباط أنبته من أحد
طرفي العظم ووصل بالطرف الآخر، وهو جسم أبيض عديم الحس، فجعل لاحد طرفي العظمين
زوائد وفي الاخر مرا موافقه لدخول هذه الزوائد وتمكنها فيها والنابت بهذه الهيئة
بين العظام مفاصل وصار للاعضاء من أجل المفاصل أن تتحرك منها بعض دون بعض، ومن أجل
الربط المواصلة بين العظام أن تتحرك معا كعظم واحد، ومن أجل أن العظام وسائر
الاعضاء ليس لها أن تتحرك بذاتها بل بمحرك وعلى سبيل جهة الانفعال وصل بها من مبدأ
الحس والحركة وينبوعهما الذي هو الدماغ وصولا.
(1) الوثاق (خ). (2) المشاشة - بالضم -
الارض الرخوة التى يتحلب فيها الماء. (3) لامر (خ). (4) في بعض النسخ " متفقة " وفى
بعضها " متنفشة ".
[4]
وهذه الوصول هي العصب، وهو جوهر لدن (1)
علك مستطيل مصمت عند الحس غير العصبة المجوفة التي في العين، فائدته بالذات إفادة
الدماغ بتوسطه لسائر الاعضاء حسا وحركة، وبالعرض تشديد اللحم وتقوية البدن. وليس
يتصل بالعظم مفردة ولكن بعد اختلاطها باللحم والرباط، وذلك لان الاعصاب لو اتصلت
مفردة بعضو عظيم لكانت إما أن لا تقدر على أن تحركه البتة وإما أن يكون تحريكها له
تحريكا ضعيفا، وخصوصا عند ما تتوزع وتنقسم وتنشعب في الاعضاء وتصير حصة العضو
الواحد أدق كثيرا من الاصل، وعند ما يتباعد من مبدئه ومنبته. ومن أجل ذلك ينقسم
العصب قبل بلوغه إلى العضو الذي أريد تحريكه به وينسج في ما بين تلك الاقاسم اللحم
وشظايا من الرباط، فيتكون من جميع ذلك شئ يسمى عضلا ويكون عظمه وصغره وشكله بمقدار
العضو الذي أريد تحريكه وبحسب الحاجة إليه ووضعه في الجهة التي يراد أن يتحرك إليها
ذلك العضو. ثم ينبت من الطرف الذي يلي العضو المتحرك من طرفي العضلة شئ يسمي وترا،
وهو جسم مركب من العصب الآتي إلى ذلك العضو ومن الرباط النابت من العظام وقد خلص من
اللحم فيمر حتى يتصل بالعضو الذي يريد تحريكه بالطرف الاسفل فيلتثم بهذا التدبير أن
يعرض قليل نشج للعضلة نحو أصلها بجذب الوتر جذبا قويا وأن يتحرك العضو بكليته لان
الوتر متصل منه بطرفه الاسفل. وقد يتعدد الاوتار لعضل واحد إذا كان كبيرا، وربما
تعاونت عدة عضل على تحريك عضو واحد. وربما لا يكون للعضل وتر لصغره جدا. وكل عضو
يتحرك حركة إرادية فان له عضلة بها تكون حركته، فإن كان يتحرك إلى جهة متضادة كانت
له عضلات متضادة المواضع تجذبه كل واحدة منها إلى ناحيتها عند كون تلك الحركة وتمسك
المضادة لها عن فعلها، وإن عملت المتضادتان في وقت واحد استوى العضو وتمدد وقام.
مثلا: الكف إذا مدها العضل الموضوع في باطن الساعد، انثنى
(1) اللدن: اللين، والعلك: اللزج.
[5]
وإن مده العضل الموضوع في ظهره رجع إلى
خلف، وإن مداه جميعا استوى وقام بينهما. ثم إن مبدء الحس والحركة جميعا في الاعضاء
قد يكون عصبة واحدة، وقد يكون اثنتين. ومبدئية العصب للحس والحركة إنما هو بسبب
حمله للقوة اللامسة والقوة المحركة من جهة الروح الحيوانية المنبثة فيه من الدماغ.
فالقوة اللامسة منبثة في جملة جلد البدن وأكثر اللحم والغشاء وغير ذلك بسبب انبثات
حاملها الذي هو الروح إلا ما يكون عدم الحس أنفع له كالكبد والطحال والكلية والرئة
والعظم. وتدرك هذه القوة الكيفيات الاول: الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة
وتدرك أيضا الخفة والثقل والملاسة والخشونة والصلابة واللين والهشاشة والزوجة كلها
بالمماسة. وكذلك القوة المحركة منبثة في جميع الاعضاء بواسطة الروح المنبثة في
العضلات، ثم لما كانت أسافل البدن وما بعد عن الدماغ يحتاج أن ينال الحس والحركة
وكان نزول العصب إليها من الدماغ بعيد المسلك غير حريز ولا وثيق. وأيضا لو نبتت
الاعصاب كلها من الدماغ لاحتيج أن يكون الرأس أعظم مما هو عليه بكثير ولثقل على
البدن حمله، فلذلك جعل الله - عز اسمه - في أسفل القحف ثقبا وأخر (1) منها شيئا من
الدماغ وهو النخاع، وحصنه لشرفه وعزته بالعنق والصلب كما حصن الدماغ بالقحف، وأجراه
في طول البدن وهو محصن موقي، وأنبت منه حين قارب وحاذى عضوا ما عصبا يخرج من ثقب في
خرز العنق والصلب ويتصل بتلك الاعضاء التي يأتيها العصب من ذلك الموضع فيعطيها الحس
والحركة بقوة مبدئهما الذي فيه. فإن حدث على الدماغ حادثة عظيمة فقد البدن كله الحس
والحركة، وإن حدثت على النخاع فقدتهما الاعضاء التي يجيئها العصب من ذلك الموضع وما
دونه
(1) أخرج (خ).
[6]
فحسب، لان الدماغ بمنزلة العين والينبوع
لذلك، والنخاع بمنزلة النهر العظيم الجاري منه، والاعصاب بمنزلة الجداول. وأول (1)
مبادئ الاعصاب الخارجة من الدماغ والنخاع تكون لينة شبيهة بهما، ثم إنها تصلب متى
تباعدت منهما حتى يصير عصبا تام النوع. ثم اعلم أن العضلات كلها مجلله بغشاء لطيف،
وكذلك جميع الاحشاء مجللة بأغشية والغشاء جسم لطيف رقيق منتسج من العصب والرباط
ليفيد العضو الذي هو غشاء له ومحيط به مما لاحس له الحس والشعور العرضيين، فيتبادر
إلى دفع الالم في الجملة وليحفظ أيضا الاعضاء على أشكالها وأوضاعها ويصونها (2) عن
التبدد والتفرق، وليربطها بواسطة العصب والرباط الذي يشظى إلى ليفها بعضو آخر.
وجميع الاشياء الملفوفة في الغشاء مما هو داخل الاضلاع فمنبت غشائها من أحد غشائي
الصدر والبطن المستبطنين والاعضاء اللحمية، إما ليفية كلحم العضل، وأما ليس فيها
ليف كالكبد ولا شئ من الحركات إلا بالليف، أما الارادية فبسبب ليف العضل، وأما
الطبيعية كحركة الرحم والعروق، والمركبة كحركة الازدراد فبليف مخصوص بهيئة من وضع
الطول والعرض والتورب وللجذب الليف المطول (3) وللدفع الليف الذاهب عرضا العاصر،
وللامساك الليف المؤرب. وأما العروق فنوعان: إحداهما النابضة الضوارب. ومنبتها
القلب، ويسمى بالشرايين، ولها حركتان: انقباضية، وانبساطية، وشأنها أن تنفض البخار
الدخاني من القلب بحركتها الانقباضية، وتجذب بحركتها الانبساطية نسيما طيبا صافيا
يستريح به القلب ويستمد منه الحرارة الغريزية، وبهذه الحركة ينتشر الروح والقوة
الحيوانية والحرارة الغريزية في جميع البدن. وخلقت كلها ذات صفاقين، احتياطا في
وثاقة جسميتها، لئلا تنشق بسبب
(1) وأما (خ). (2) ولصونها (خ). (3)
المطاول (خ).
[7]
قوة حركتها بما فيها، ولثلا يتحلل ما
فيها، إلا واحدة منها تسمى بالشريان الوريدي، فإنها ذات صفاق واحد ليكون ألين وأطوع
للانبساط والانقباض، فإن الحاجة إلى السلاسة أمس منها إلى الوثاقة، لانها كما أنها
منفذ للنسيم كذلك منفذ لغذاء الرئة، فإن غذاءها من القلب، وهي تغوص في الرئة وتصير
شعبا ولحم الرئة لين لطيف لا تخشى مصادمته عند النبض، ويحتاج إلى ترشح الغذاء إليه
بسرعة وسهولة. وجعل الصفاق الداخلاني من ذوات الصفاقين أصلب، لانه كالبطانة التي
تحمي الطهارة، وهو الملاقي لقوة الحرارة الغريزية ولمصادمته حركة الروح، فأوجبت
الحكمة تقوية منفذ الروح والحرارة الغريزية بهذه البطانة و إحرازها بها. والنوع
الثاني العروق الساكنة، ومنبتها الكبد، وتسمى الاوردة، وشأنها إما جذب الغذاء إلى
الكبد وإما إيصال الغذاء من الكبد إلى الاعضاء، وكلها ذات صفاق واحد، إلا واحد يسمى
بالوريد الشريانى فإنه ذو غشائين صلبين، لانه ينفذ في التجويف الايمن من القلب
ويأتي بغذاء الرئة إلى القلب، ولحم الرئة لحم لطيف خفيف لا يصلح له إلا دم رقيق
لطيف. ومن الشرايين ما يرافق (1) الاوردة لترتبط الاوردة بالاغشية المجللة بها
فيستقي في ما بينهما من الاعضاء فيستقي كل واحد منهما عن الآخر، وكلما ترافقا (2)
على الصلب في داخل امتطى (3) الشريان الوريد ليكون أخسهما حاملا للاشرف وما ترافقا
في الاعضاء الظاهرة غاص الشريان تحت الوريد ليكون أستر وأكن له، ويكون الوريد له
كالجنة. وأما الغضروف فهو ألين من العظم فينعطف، وأصلب من سائر الاعضاء. وفائدته أن
يحسن به اتصال العظام بالاعضاء اللينة، فلا يكون الصلب واللين قد تركبا بلا
(1) يوافق (خ). (2) توافقا (خ). (3) أي
اتخذه مطية وركبه.
[8]
متوسط (1)، فيتأذى اللين بالصلب خصوصا عند
الضربة والضغطة، وليحسن به تجاور المفاصل المستحاكة فلا تتراض لصلابتها، وليستند به
ويقوى بعض العضلات الممتدة إلى عضو ذي عظم، وليعتمد عليه ما افتقر إلى الاعتماد على
شئ قوي ليس بغاية الصلابة. فهذه هي الاعضاء المتشابهة الاجزاء التي تركب عنها
الاعضاء الآلية، لواهبها الحمد كما هو أهله. وكلها يتكون عن المني ما خلا اللحم
والشحم فإنهما يتكونان عن الدم. { الفصل الثاني } * (في تشريح الرأس واعضائه وما
اشتملت عليه) * فمنها قحف الرأس وهو الذي خلقه الله لحفظ الدماغ ووقايته عن الآفات
فخلقه الله مستديرا إلى طول لان المستدير أعظم مساحة من الاشكال المستقيمة الخطوط
إذا تساوت إحاطتها، ولئلا ينفعل عن المصادمات ما ينفعل عنه ذو الزوايا. وأما طوله
فلان منابت الاعصاب الدماغية موضوعة في الطول لئلا يزدحم ولا ينضغط، وقد يفقد
النتوء (2) المقدم أو المؤخر أو كلاهما. [و] القحف مؤلف من ستة أعظم، اثنان منها
بمنزلة السقف، وأربعة بمنزلة الجدران ويتصل بعضها ببعض بدروز (3) تسمى بالشؤون،
وجعل الجدران أصلب من اليافوخ (4) لان السقطات والصدمات عليها أكثر، ولان الحاجة
إلى تخلخل اليافوخ أمس لينفذ فيه البخار المتحلل، ولئلا يثقل على الدماغ. وجعل أصلب
الجدران
(1) بلا توسط (خ). (2) النتوء - كالقعود
-: الارتفاع. (3) الدروز: جمع الدرز. وهو الارتفاع الذى يحصل في الثوب عند جمع
طرفيه في الخياطة. (4) اليافوخ: موضع التقام عظام الجمجمة في مقدمتها واعلاها.
[9]
مؤخرها لانها غائبة عن حراسة الحواس. وفي
القحف ثقب كثيرة ليخرج منها أعصاب كثيرة، ويدخل فيها عروق وشرايين ويخرج منها
الابخرة الغليظة الممتنعة النفوذ في العظم فينقى بتحللها الدماغ وليتشبث بها الحجاب
الثقيل الغليظ الآتي ذكره فيخف عن الدماغ. وأعظم ثقب فيه الذي من أسفل عند فقرة
القفا، وهو يخرج النخاع. ويتصل بالقحف اللحى (1) الاعلى وهو الذي فيه الخدان
والاذنان والاسنان العليا. ويتركب من أربعة عشر عظما يتصل بعضها ببعض بدروز. ثم
اللحي الاسفل وهو الذي فيه الاسنان السفلى، إلا أنه لم يتصل به اتصال التحام وركز
بل اتصال مفصل لاحتياجه إلى حركة، ويسمى موضع اتصاله به " الزرفين " وهو مركب - سوى
الاسنان - من عظمين بينهما شان في وسط الذقن. وتحت القحف من ناحية الخلف فيما بينه
وبين اللحي الاعلى عظم مركوز قد ملئ به الخلل الحادث من تقسيم أشكال هذه العظام
ويسمى بالوتد، فجميع عظام الرأس إذا عدت على ما ينبغي خلا الاسنان ثلاثة وعشرون
عظما. وأما الدماغ فخلقه الله سبحانه لينا دسما لينطبع المحسوسات فيه بسهولة ولتكون
الاعصاب النابتة منه لدنا (2) لا ينكسر ولا ينقطع، وجعل مزاجه باردا رطبا لتنفعل
القوى المودعة فيه عن مدركاتها، ولئلا يشتعل بالحرارة المتولدة فيه من الحركات
الفكرية والخيالية، ولتعدل قوة الروح والحرارة الصاعدة إليه من القلب، وجعل مقدمه
الذي هو منبت الاعصاب الحسية ألين من مؤخره الذي هو منبت الاعصاب الحركية، لان
الحركة لا تحصل إلا بقوة، والقوة إنما تحصل بصلابة. وهو ذو قسمين طولا وعرضا لئلا
تشمل الآفة جميع أجزائها، وفي طوله تجاويف ثلاثة يفضي بعضها إلى بعض تسمى بطون
الدماغ، وهي محل الروح النفساني ومواضع الحواس ومقدمها أعظمها، ويتدرج إلى الصغر
حتى يعود إلى قدر النخاع وشكله.
(1) اللحى - بفتح اللام وسكون الحاء
المهملة -: عظم الحنك الذى عليه الاسنان. (2) لدن بضم العين لدانة ولدونة: كان
لينا، فهو " لدن " كفلس.
[10]
وله زائداتان شبيهتان بحلمتي الثدي يبلغان
إلى العظم الكثير الثقب الشبيه بالمصفي في موضعه من القحف حيث ينتهي إليه أقصى
الانف، فيهما حس الشم، وبهما يندفع الفضول من هذا البطن المقدم إلى العظم المذكور
وينزل منه إلى الخيشوم بالعطاس. وأما فضول البطنين الآخرين فتندفع إلى العظم المثقب
الذي تحت الحنك والبطن المقدم هو موضع انجذاب الهواء إلى الدماغ، والهواء بعد مكثه
في البطون وتغيره إلى المزاج الدماغي يصير روحا نفسانيا، وكثيرا ما يزيد على ما
تسعه البطون فيصعد إلى بطون للدماغ تسمى بالتزاريد، ويستحل فيها إلى المزاج الدماغي
وإلى صلوحه له. والزرد الموضوع من جانبي البطن الاوسط يتمدد تارة ويتقلص اخرى مثل
الدودة، ويسمى بها كما يسمى هذا البطن أيضا لان بتمدده يستطيل هو وينتظم معه،
وبتقلصه يستعرض وينفرج عنه، والاول حركة الانقباض، بها يندفع الفضلة والثاني حركة
الانبساط بها تتأدى صور المدركات إلى القوة الحافطة بتقدير العزيز الحكيم. ثم إنه
تعالى قد جلل الدماغ بغشائين: رقيق لين ملاصق [له] ومخالط في مواضع، وغليظ صلب فوقه
ملاصق للقحف وله في أمكنة منه، وهو مثقب، ثقبا كثيرة في موضعين عند العظم الشبيه
بالمصفي والعظم الذي في الحنك لاندفاع الفضول، ويتشعب منه شعب دقاق يصعد من دروز
القحف إلى ظاهر يتشبث أولا الغشاء بالقحف بتلك الشعب فيتجافى بها عن الدماغ ويرتفع
ثقله عنه ثم ينسج من تلك الشعب على ظاهر القحف غشاء يجلله. ويتوسط أيضا جزئي الدماغ
المقدم والمؤخر حجاب لطيف يحجب الجزء الالين عن مماسة الاصلب. وتحت الدماغ بين
الغشاء الغليظ والعظم نسجة شبيهة بالشباك الكثيرة التي القيت بعضها على بعض حصلت من
الشرايين الصاعدة إلى الرأس من القلب والكبد، ويخرج منها عرقان فيدخلان الغشاء
الصلب ويتصلان بالدماغ
[11]
وإنما فرشت الشبكة تحت الدماغ ليبرد فيها
الدم الشرياني والروح فيتشبه بالمزاج الدماغي بعد النضج، ثم يتخلص إلى الدماغ على
التدريج. والفرج التي تقع بين فروع هذه الشريانات محشوة بلحم غددي لئلا تبقى خالية
ولتعتمد عليه تلك الفروع وتبقى على أوضاعها. وأما الاعصاب النابتة من الدماغ فسبعة
أزواج أولها ينشأ من مقدم الدماغ ويجئ إلى العين فيعطيها حس البصر بتوسط القوة
الباصرة، وهاتان العصبتان مجوفتان وإذا نشأتا من الدماغ وبعدتا عند قليلا اتصلتا
وأفضى ثقب كل واحد منهما إلى صاحبه ثم يفترقان أيضا وهما بعد داخل القحف، ثم يخرجان
ويصير كل واحد منهما إلى العين التي من جانبه. والزوج الثاني ينشأ من خلف منشأ
الاول، ويخرج من القحف في الثقب الذي في قعر العين ويتفرق في عضل العين فتكون به
حركاتها. والثالث منشأه من خلف الثاني بحيث ينتهي البطن المقدم إلى البطن الثاني
ويخالط الزوج الرابع الذي بعده ثم يفارقه. وينقسم أربعة أقسام: أحدها ينزل إلى
البطن إلى ما دون الحجاب، والباقي منها يتفرق في أماكن من الوجه والانف، ومنها ما
يتصل بالزوج الذي بعده. والرابع منشأه من خلف منشأ الثالث، ويتفرق في الحنك فيعطيه
حسا خاصا له. والخامس يكون ببعضه حس السمع وببعضه حركة العضل الذي يحرك الخد.
والسادس يصير بعضه إلى الحلق واللسان وبعضه إلى العضل الذي في ناحية الكتف وما
حواليه، وبعضه ينحدر من العنق ويتشعب منها في مرورها شعب تتصل بعضل الحنجرة، فإذا
بلغت إلى الصدر انقسمت أيضا فرجع منها بعضها مصعدا حتى يتصل بعضل الحنجرة، ويتفرق
شئ منها في غلاف القلب والرئة والمرئ وما جاورهما ويمر الثاني وهو أكبره حتى ينفذ
الحجاب ويتصل بفم المعدة منه أكثره، ويتصل
[12]
الباقي بغشاء الكبد والطحال وسائر
الاحشاء، ويتصل به هناك بعض أقسام الزوج الثالث. والسابع يبتدئ من مؤخر الدماغ حيث
ينشأ النخاع ويتفرق في عضل اللسان والحنجرة، والعضلات المحركة لاعضاء البدن كلها
ينشأ من هذه الاعصاب والاعصاب النخاعية الآتي ذكرها. ولما لم يمكن تصويرها بالكلام
ما يمكن من تصوير الاعصاب والعظام بل لابد في ذلك من مشاهدة ودرية كثيرة بالغة
أعرضنا عنه. وعدد كل ما في البدن من العضلات خمسمائة وتسعة وعشرون عضلا على رأي
جالينوس. وأما العين فهي مركبة من سبع طبقات وثلاث رطوبات ما خلا الاعصاب والعضلات
والعروق. وبيان هيآتها أن العصبة المجوفة التي هي اولى العصب الخارجة من الدماغ
تخرج من القحف إلى حيث قعر العين، وعليها غشاءان هما غشاءا الدماغ فإذا برزت من
القحف وصارت في حومة عظم العين فارقها الغشاء الغليظ وصار لباسا وغشاء على عظم
العين الاعلى كله، ويسمى هذا الغشاء " الطبقة الصلبة " ويفارقها أيضا الغشاء الرقيق
فيصير غشاء ولباسا دون الطبقة الصلبة ويسمى " الطبقة المشيمية " لشبهها بالمشيمة.
وتعرض العصبة نفسها ويصير فيها غشاء دون هذين وتسمى " الطبقة الشبكية ". ثم يتكون
في وسط هذا الغشاء جسم لين رطب حمراء صافية غليظة مثل الزجاج الذائب يسمى " الرطوبة
الزجاجية " ويتكون في وسط هذا الجسم جسم آخر مستدير إلا أن فيه أدنى تفرطح (1) شبيه
بالجليد في صفائه، وتسمى " الرطوبة الجليدية " وتحيط الزجاجية من الجليدية بمقدار
النصف، ويعلو النصف الآخر جسم شبيه بنسج العنكبوت شديد الصفاء والصقال يسمى "
الطبقة العنكبوتية ". ثم يعلو هذا [ال] جسم سائل في لون بياض يسمى " الرطوبة
البيضية " و يعلو الرطوبة البيضية جسم رقيق مخمل الداخل حيث يلي البيضية، أملس
الخارج، ويختلف لونه في الابدان، فربما كان شديد السواد وربما كان دون ذلك، في وسطه
[ب] حيث
(1) تفرطح: صار عريضا.
[13]
يحاذي الجليدية ثقب يتسع ويضيق في حال دون
حال بمقدار حاجة الجليدية إلى الضوء، فيضيق في الضوء الشديد ويتسع في الظلمة،
وبانسداده يبطل الابصار، وهو مثل ثقب حب عنب ينزع من العنقود، وهو الحدقة، وفيها
رطوبة لطيفة وروح، ولهذا يبطل الناظر عند الموت. ويسمى هذا الغشاء " الطبقة العنبية
". ويعلو هذه الطبقة ويغشاها جسم كثيف صاف صلب يشبه صفحة صلبة رقيقة من قرن أبيض،
وتسمى " القرنية " غير أنها تتلون بلون الطبقة التي تحتها المسماة عنبية، كما تلصق
وراء جام من زجاج شيئا ذا لون، فيميل ذلك المكان من الزجاج إلى لون ذلك الشئ. ويعلو
هذا ويغشاه - لكن لا كله بل إلى موضع سواد العين - لحم أبيض دسم مشف مختلط بالعضلات
المحركة للعين غليظ ملتحم عليه تسمى ب " الملتحمة " وهو بياض العين، وينشأ من
الغشاء الذي على القحف من خارج كما ينشأ القرنية من الطبقة الصلبة، والعنبية من
الطبقة المشيمية، والعنكبوتية من الشبكية، وكل يجذب الغذاء من التي هي منشأها،
فإنها تتغذى بنصيبها وتؤدي الباقي إليها. وألوان العيون باعتبار اختلاف ألوان
الطبقة العنبية أربعة: كحلاء وزرقاء وشهلاء وشعلاء. وسبب الكحل إما قلة الروح وعدم
إشراقها على جميع أجزاء العين أو كدورتها وقلة إشراقها على لون العنبية أو صغر
الجليدية أو غورها وكونها داخلة جدا فلا يظهر صفاؤها كما ينبغي، أو كثرة الرطوبة
البيضية أو كدورتها فتسير بريق الجليدية، أو شدة سواد العنبية، فإذا اجتمعت هذه
الاسباب كانت العين شديدة الكحل. وأسباب الزرقة أضداد ذلك، وإذا اختلطت أسباب الكحل
والزرقة وتكافأت كانت العين شهلاء وإذا زادت أسباب الزرقة على أسباب الكحل كانت
شعلاء. وإنما خلقت هذه الطبقة على هذا اللون لانه أوفق الالوان لنور البصر، إذ
الابيض يفرق نوره، والاسود يجمعه ويكثفه، والآسمانجوني لاعتداله يجمع النور جمعا
معتدلا ويقويه. وإنما خلقت غليظة لتمنع عن إشراق الشمس على نور
[14]
البصر، وليكون وسيطا قويا بين الرطوبات
وبين الطبقة الصلبة القرنية التي قدامها ولهذا جعل ظاهرها الذي يليها أصلب. وفي
صلابة ظاهرها فائدة اخرى، هي أن تبقى الثقبة العنبية لصلابة ما يحفظ بها مفتوحة لا
تتشوش من أطرافها تشوش الشئ الرخو للين. وفي الحقيقة هذه الطبقة طبقتان: داخلانية
ذات خمل، واخرى صلبة. وجعلت القرنية شفيفة لئلا تحجب نور البصر عن النفوذ فيها،
وصلبة لتكون وقاية للطبقات الاخر وللرطوبات عن الآفات، ولتحفظها على أوضاعها
وأشكالها. وجعلت الرطوبة البيضية قدام الجليدية لتحجب منها قوة الاشعة والاضواء
لكيلا تغلبها، وجعل ظاهر الجليدية مفرطحة لان تقع الاشباح المدركة في جزء كبير
منها، فيكون الابصار به أقوى، وإذ المدور لا يحاذي الشئ إلا بجزء صغير وجعلت
الزجاجية غليظة لئلا تسيل، وجعلت من وراء الجليدية ليكون إلى مبدء الغذاء أقرب.
والرطوبة الجليدية هي أشرف أجزاء العين، وسائر الطبقات والرطوبات خادمة لها ووقاية،
وهي محل المدركات البصرية من جهة الروح الآتي إليها من العصبتين المجوفتين اللتين
هما محل القوة الباصرة المدركة للاضواء والالوان والحركات والمقادير وغيرها بتوسط
الروح التي فيها. وإنما جعلت العصبتان مجوفتين للاحتياج إلى كثرة الروح الحامل لهذه
القوة، بخلاف سائر الحواس، وإنما جعلتا متلاقيتين ليجمع عند تلاقيهما الروح حتى لو
أصاب إحدى العينين آفة لا يضيع نورها بل يندفع النور من هذا المجمع بالكلية إلى
العين الصحيحة فيصير بسبب ذلك أشد أبصارا، ولهذا كل من غمض إحدى عينيه تقوى عينه
الاخرى وتتسع ثقبتها العنبية، ولان يكون للعينين مؤدى واحد تؤديان إليه شبح المبصر
فيتحد هناك ويكون الابصار بالعينين إبصارا واحدا ليتمثل الشبح في القدر المشترك،
ولذلك يعرض للحلول (1) أن يروا الشئ الواحد
(1) الحول - بالضم -: جمع " أحول " وهو
الذى تميل احدى حدقتيه الى الانف والاخرى الى الصدغ.
[15]
شيئين عندما تزول إحدى الحدقتين إلى فوق
أو إلى أسفل، فتبطل به استقامة نفوذ المجرى إلى التقاطع، ويعرض قبل الحد المشترك حد
مشترك آخر لانكسار العصبة وكذلك كل من استرخى أعضاؤه وتمايلت حدقتاه كالسكارى. وم