بحار الانوار الجزء
58
العلامة المجلسي
[1]
بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة
الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس
الله سره " الجزء الثامن والخمسون مؤسسة الوفاء بيروت لبنان كافة الحقوق محفوظة
ومسجلة الطبعة الثانية المصححة 1403 ه 1983 م مؤسسة الوفاء بيروت لبنان صرب: 1457
هاتف: 386868
[1]
بسم الله الرحمن الرحيم 42 { باب } *
(حقيقة النفس والروح وأحوالهما) * الايات: الاسراء: ويسألونك عن الروح قل الروح من
أمر ربي وما اوتيتم من العلم إلا قليلا (1). الزمر: الله يتوفى الانفس حين موتها
والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الاخرى إلى أجل مسمى إن
في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (2). الواقعة: فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ
تنظرون (3). الملك: الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا (4). تفسير: "
ويسألونك عن الروح " قال الطبرسي - روح الله روحه - اختلف في الروح المسؤول عنه على
أقوال: أحدها أنهم سألوه عن الروح الذي في بدن الانسان ما هو ولم يجبهم، وسأله عن
ذلك قوم من اليهود، عن ابن مسعود وابن عباس وجماعة، واختاره الجبائي، وعلى هذا
فإنما عدل النبي صلى الله عليه وآله عن جوابهم لعلمه بأن ذلك أدعى لهم إلى الصلاح
في الدين، ولانهم كانوا بسؤالهم متعنتين لا مستفيدين، فلو صدر
(1) الاسراء: 85. (2) الزمر: 42. (3)
الواقعة: 83. (4) الملك: 2.
[2]
الجواب لازدادوا عنادا وقيل: إن اليهود
قالت لقريش (1): سلوا محمدا عن الروح، فإن أجابكم فليس بنبي، وإن لم يجبكم فهو نبي،
فإنا نجد في كتبنا ذلك، فأمر الله سبحانه بالعدول عن جوابهم، وأن يكلمهم (2) في
معرفة الروح إلى ما في عقولهم، ليكون ذلك علما على صدقه ودلالة لنبوته. وثانيها:
أنهم سألوه عن الروح: أهي مخلوقة محدثة أم ليست كذلك ؟ فقال سبحانه " قل الروح من
أمر ربي " أي من فعله وخلقه، وكان هذا جوابا لهم عما سألوه عنه بعينه. وعلى هذا
فيجوز أن يكون الروح الذي سألوه عنه هو الذي به قوام الجسد على قول ابن عباس وغيره،
أم جبرئيل على قول الحسن وقتادة، أم ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، لكل وجه
سبعون ألف لسان، يسبح الله تعالى بجميع ذلك على ما روي عن على عليه السلام، أم عيسى
عليه السلام فإنه سمي بالروح. وثالثها: أن المشركين سألوه عن الروح الذي هو القرآن
كيف يلقاك به الملك ؟ وكيف صار معجزا ؟ وكيف صار نظمه وترتيبه مخالفا لانواع كلامنا
من الخطب و الاشعار ؟ وقد سمى الله سبحانه القرآن روحا في قوله " وكذلك أوحينا إليك
روحا من أمرنا (3) " فقال سبحانه: قل يا محمد إن الروح الذي هو القرآن من أمر ربي،
أنزله علي دلالة على نبوتي، وليس من فعل المخلوقين، ولا مما يدخل في إمكانهم. وعلى
هذا فقد وقع الجواب أيضا موقعه، وأما على القول الاول فيكون معنى قوله " الروح من
أمر ربي " هو الامر الذي يعلمه ربي ولم يطلع عليه أحدا. واختلف العلماء في مهية
الروح، فقيل: إنه جسم رقيق هوائي متردد في مخارق الحيوان، وهو مذهب أكثر المتكلمين،
واختاره المرتضى - قدس الله روحه -. وقيل: هو جسم هوائي على بنية حيوانية في كل جزء
منه حياة، عن علي بن عيسى، قال: فلكل حيوان روح وبدن، إلا أن منهم من الاغلب عليه
الروح، ومنهم من الاغلب
(1) في المجمع: لكفار قريش (2) فيه:
ويكلهم. (3) الشورى: 52.
[3]
عليه البدن. وقيل: إن الروح عرض، ثم اختلف
فيه، فقيل: هو الحياة التي يتهيأ بها المحل لوجود العلم والقدرة والاختيار، وهو
مذهب الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان - رضي الله عنه - والبلخي
وجماعة من المعتزلة البغدادين وقيل: هو معنى في القلب، عن الاسواري. وقيل: إن الروح
الانسان، وهو الحي المكلف، عن ابن الاخشيد والنظام. وقال بعض العلماء: إن الله خلق
الروح منه ستة أشياء: من جوهر النور والطيب، والبقاء، والحيوة، والعلم، والعلو. ألا
ترى أنه مادام في الجسد كان الجسد نورانيا، يبصر بالعينين، ويسمع بالاذنين، ويكون
طيبا فإذا خرج من الجسد نتن البدن، ويكون باقيا فإذا فارقه الروح بلي وفنى، ويكون
حيا وبخروجه يصير ميتا ويكون عالما فإذا خرج منه الروح لم يعلم شيئا، ويكون علويا
لطيفا توجد به الحياة بدلالة قوله تعالى في صفة الشهداء " بل أحياء عند ربهم يرزقون
فرحين " (1) وأجسادهم قد بليت في التراب. وقوله " وما اوتيتم من العلم إلا قليلا "
قيل: هو خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وغيره، إذ لم يبين له الروح، ومعناه: وما
اوتيتم من العلم المنصوص عليه إلا قليلا، أي شيئا يسيرا، لان غير المنصوص عليه
أكثر، فإن معلومات الله تعالى لا نهاية لها. وقيل: خطاب لليهود الذين سألوه، فقالت
اليهود عند ذلك: كيف وقد أعطانا الله التوراة ؟ فقال: التوراة في علم الله قليل.
(2) وقال الرازي: للمفسرين في الروح المذكورة في هذه الآية أقوال وأظهرها أن المراد
منه الروح الذي هو سبب الحياة، ثم ذكر رواية سؤال اليهود وإبهام النبي صلى الله
عليه وآله قصة الروح، وزيفها بوجوه ضعيفة، ثم قال: بل المختار عندنا أنهم سألوه عن
الروح وأنه صلى الله عليه وآله أجابهم عنه على أحسن الوجوه. وتقريره أن المذكور في
الآية أنهم سألوه عن الروح، والسؤال عنه يقع على وجوه كثيرة أحدها أن يقال: ماهية
الروح أهو
(1) آل عمران: 170. (2) مجمع البيان: ج 6،
ص 347 و 438.
[4]
متحيز، أو حال في المتحيز، أو موجود غير
متحيز ولا حال في المتحيز ؟ وثانيها أن يقال: الارواح قديمة أو حادثة ؟ وثالثها أن
يقال: الارواح هل تبقى بعد موت الاجساد أو تفنى ؟ ورابعها أن يقال: ما هي حقيقة
سعادة الارواح وشقاوتها ؟ وبالجملة فالمباحث المتعلقة بالروح كثيرة، وقول "
ويسألونك عن الروح " ليس فيه ما يدل على أنهم عن أي هذه المسائل سألوا. إلا أن
جوابه تعالى لا يليق إلا بمسألتين من المسائل التي ذكرناها: إحديهما السؤال عن
ماهية الروح، والثانية عن قدمها وحدثها. أما البحث الاول فهو أنهم قالوا: ما حقيقة
الروح وماهيته ؟ أهو عبارة عن أجسام موجودة في داخل هذا البدن متولدة من امتزاج
الطبائع والاخلاط، أو عبارة عن نفس هذا المزج والتركيب، أو هو عبارة عن عرض آخر
قائم بهذه الاجسام، أو هو عبارة عن موجود مغائر لهذه الاجسام ولهذه الاعراض ؟ فأجاب
الله عنه بأنه موجود مغائر لهذه الاجسام ولهذه الاعراض، وذلك لان هذه الاجسام وهذه
الاعراض أشياء تحدث من امتزاج الاخلاط والعناصر، وأما الروح فإنه ليس كذلك، بل هو
جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث قوله كن فيكون: فقالوا: لم كان شيئا مغائرا لهذه
الاجسام ولهذه الاعراض ؟ فأجاب الله بأنه موجود يحدث بأمر الله وتكوينه وتأثيره في
إفادة الحياة لهذا الجسد، ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه، فإن أكثر
حقائق الاشياء وماهياتها مجهولة، ولم يلزم من كونها مجهولة نفيها، وهذا هو المراد
بقوله " وما اوتيتم من العلم إلا قليلا ". وأما البحث الثاني فهو أن لفظ الامر قد
جاء بمعنى الفعل، قال تعالى " وما أمر فرعون برشيد " وقال " لما جاء أمرنا " أي
فعلنا، فقوله " قل الروح من أمر ربي " من فعل ربي، وهذا الجواب يدل على أنهم سألوا
أن الروح قديمة أو حادثة ؟ فقال: بل هي حادثة، وإنما حصلت بفعل الله وتكوينه
وإيجاده. ثم احتج على حدوث الروح بقوله " وما اوتيتم من العلم إلا قليلا " بمعنى أن
الارواح في مبدأ الفطرة تكون خالية عن العلوم، ثم تحصل فيها المعارف والعلوم، فهي
لا تزال تكون في التغير من حال
[5]
إلى حال، وفي التبديل من نقصان إلى كمال،
والتغير والتبدل من أمارات الحدوث. فقوله " قل الروح من أمر ربي " يدل على أنهم
سألوا أن الروح هل هي حادثة أم لا ؟ فأجاب بأنها حادثة واقعة بتخليق الله وتكوينه،
ثم استدل على حدوث الارواح بتغيرها من حال إلى حال، فهذا ما نقوله في هذا الباب،
والله أعلم بالصواب (1). اقول: ثم ذكر الاقوال الاخرى في تفسير الروح في هذه الآية
فمنها أنه القرآن كما مر، ومنها أنه ملك من الملائكة هو أعظمهم قدرا وقوة، وهو
المراد من قوله تعالى: " يوم يقوم الروح والملائكة صفا " (2)، ونقلوا عن علي عليه
السلام أنه قال: هو ملك له سبعون ألف وجه، ولكل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون
ألف لغة يسبح الله تعالى بتلك اللغات كلها، ويخلق الله من كل تسبيحة ملكا يطير مع
الملائكة إلى يوم القيامة. قالوا: ولم يخلق الله خلقا أعظم من الروح غير العرش، ولو
شاء الله يبتلع السماوات السبع والارضين السبع بلقمة واحدة. ثم اعترض على هذا الوجه
و على الرواية بوجوه سخيفة، ثم ذكر من الوجوه أنه جبرئيل عليه السلام، ووجها رابعا
عن مجاهد: أنه خلق ليسوا بالملائكة على صورة بنى آدم، يأكلون ولهم أيد وأرجل و
رؤوس، وقال أبو صالح: يشبهون الناس وليسوا بالناس، ولم أجد في القرآن ولا في
الاخبار الصحيحة شيئا يمكن التمسك به في إثبات هذا القول. ثم قال في شرح مذاهب
الناس في حقيقة الانسان: اعلم أن العلم الضرورى حاصل بأن ههنا شيئا إليه يشير
الانسان بقوله " أنا " وإذا قال الانسان " علمت وفهمت وأبصرت وسمعت وذقت وشممت
ولمست وغضبت " فالمشار إليه لكل أحد بقوله " أنا " إما أن يكون جسما أو عرضا، أو
مجموع الجسم والعرض، أو ما تركب (3) من الجسم و العرض، وذلك الشئ الثالث، فهذا ضبط
معقول. أما القسم الاول وهو أن يقال: الانسان جسم، فذلك الجسم إما أن يكون هو هذه
البنية، أو جسما داخلا في هذه
(1) مفاتيح الغيب: ج 21، ص 37 - 38
(ملخصا). (2) النبأ: 38. (3) في المصدر: أو شيئا مغائرا للجسم والعرض أو من ذلك
الشئ الثالث.
[6]
البنية أو جسما خارجا عنها. أما القائلون
بأن الانسان عبارة عن هذه البنية المحسوسة وهذا الهيكل المجسم المحسوس، فإذا أبطلنا
كون الانسان عبارة عن هذا الجسم وأبطلنا كون الانسان محسوسا فقد بطل كلامهم
بالكلية. والذي يدل على أنه لا يمكن أن يكون الانسان عبارة عن هذا الجسم وجوه:
الاول: أن العلم البديهى حاصل بأن أجزاء هذه الجثة متبدلة بالزيادة والنقصان تارة
بحسب النمو والذبول، وتارة بحسب السمن والهزال، والعلم الضرورى حاصل بأن المتبدل
المتغير مغائر للثابت الباقي، ويحصل من مجموع هذه المقدمات الثلاث العلم القطعي
بأنه ليس عبارة عن مجموع هذه الجثة. الثاني: أن الانسان حال ما يكون مشتغل الفكر
متوجه الهمة نحو أمر مخصوص، فإنه في تلك الحالة غير غافل عن نفسه المعينة، بدليل
أنه في تلك الحالة قد يقول: غضبت واشتهيت وسمعت كلامك وأبصرت وجهك، و " تاء "
الضمير كناية عن نفسه المخصوصة، فهو في تلك الحالة عالم بنفسه المخصوصة، وغافل عن
جملة بدنه وعن كل واحد من أعضائه وأبعاضه. الثالث: أن كل أحد يحكم بصريح عقله
بإضافة كل واحد من هذه الاعضاء إلى نفسه، فيقول: رأسي، وعيني، ويدي، ورجلي، ولساني،
وقلبي، وبدني. والمضاف غير المضاف إليه، فوجب أن يكون الشئ الذي هو الانسان مغائرا
لجملة هذا البدن ولكل واحد من هذه الاعضاء، فان قالوا: فقد يقول: نفسي وذاتي، فيضيف
النفس والذات إلى نفسه، فيلزم أن نفس الشئ وذاته مغائرة لنفسه وذاته وذلك محال
قلنا: قد يراد بنفس الشئ وذاته هذا البدن المخصوص، وقد يراد بنفس الشئ وذاته
الحقيقة المخصوصة التي إليها يشير كل احد بقوله " أنا " فإذا قال: نفسي و ذاتي، كان
المراد منه البدن، وعندنا أنه مغائر لجوهر الانسان. الرابع: أن كل دليل يدل على أن
الانسان يمتنع أن يكون جسما فهو أيضا يدل على أنه يمتنع أن يكون عبارة عن هذا
الجسم، وسيأتي تقرير تلك الدلائل. الخامس: أن الانسان قد يكون حيا حال ما يكون
البدن ميتا، فوجب
[7]
كون الانسان مغايرا لهذا البدن والدليل
على صحة ما ذكرناه قوله تعالى: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل
أحياء عند ربهم يرزقون (1) " فهذا النص صريح في أن اولئك المقتولين أحياء، والحس
يدل على أن هذا الجسد ميتة. السادس: أن قوله تعالى: " النار يعرضون عليها غدوا
وعشيا (2) وقوله: " أغرقوا فادخلوا نارا (3) " يدل على أن الانسان حى بعد الموت،
وكذلك قوله صلى الله عليه وآله " الانبياء لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار "
وكذلك قوله صلى الله عليه وآله: " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران
" وكذلك قوله صلى الله عليه وآله: " من مات فقد قامت قيامته " [وإن] كل هذه النصوص
يدل على أن الانسان حى يبقى بعد موت الجسد وبديهة العقل والفطرة شاهدتان بأن هذا
الجسد ميت، ولو جوزنا كونه حيا كان يجوز مثله في جميع الجمادات، وذلك عين السفسطة،
وإذا ثبت أن الانسان حى ما كان الجسد ميتا لزم أن الانسان شئ غير هذا الجسد.
السابع: قوله صلى الله عليه وآله في خطبة طويلة له " حتى إذا حمل الميت على نعشه
رفرف روحه فوق النعش ويقول: يا أهلي ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي،
جمعت المال من حله ومن غير حله، فالمهنأ (4) لغيري والتبعة على، فاحذروا مثل ما حل
بي " وجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وآله صرح بأن حال كون الجسد محمولا على
النعش بقي هناك شئ ينادي ويقول " يا أهلي ويا ولدي جمعت المال من حله و غير حله.. "
ومعلوم أن الذي كان الاهل أهلا له، وكان الولد ولدا له، وكان جامعا للمال من الحرام
والحلال، والذي بقي في ربقته الوبال، ليس إلا ذلك الانسان فهذا تصريح بأن في الوقت
الذي كان الجسد ميتا محمولا على النعش كان ذلك الانسان حيا باقيا فاهما، وذلك تصريح
بأن الانسان شئ مغائر لهذا الجسد والهيكل.
(1) آل عمران: 165. (2) غافر: 46. (3)
نوح: 25. (4) في المصدر: فالغنى.
[8]
الثامن: قوله تعالى " يا أيتها النفس
المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية (1) " والخطاب بقوله: " ارجعي " إنما يتوجه
إليها حال الموت، فدل هذا على أن الشئ الذي يرجع إلى الله بعد موت الجسد يكون راضيا
مرضيا عند الله، والذي يكون راضيا مرضيا ليس إلا الانسان، فهذا يدل على أن الانسان
بقي حيا بعد موت الجسد، والحى غير الميت، فالانسان مغائر لهذا الجسد. التاسع: قوله
تعالى " حتى إذا جاء أحدهم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ثم رد وا إلى الله
موليهم الحق (2) " أثبت كونهم مردودين إلى الله الذي هو موليهم الحق عند كون الجسد
ميتا، فوجب أن يكون ذلك المردود إلى الله مغائرا لذلك الجسد الميت. العاشر: ترى
جميع فرق الدنيا من الهند والروم والعرب والعجم وجميع أرباب الملل والنحل من اليهود
والنصارى والمجوس والمسلمين وسائر فرق العالم وطوائفهم يتصدقون عن موتاهم ويدعون
لهم بالخير ويذهبون إلى زياراتهم، ولولا أنهم بعد موت الجسد بقوا أحياء لكان التصدق
لهم عبثا، ولكان الدعاء لهم عبثا، ولكان الذهاب إلى زيارتهم عبثا، فإطباق الكل على
هذه الصدقة والدعاء والزيارة يدل على أن فطرتهم الاصلية السليمة شاهدة بأن الانسان
شئ غير هذا الجسد، وأن ذلك الشئ لا يموت بموت هذا الجسد. الحادى عشر: أن كثيرا من
الناس يرى أباه وابنه في المنام ويقول له: اذهب إلى الموضع الفلاني فإن فيه ذهبا
دفنته لك، وقد يراه فيوصيه بقضاء دين عنه، ثم عند اليقظة إذا فتش عنه كان كما رآه
في النوم من غير تفاوت، ولولا أن الانسان باق حي بعد الموت لما كان كذلك، ولما دل
هذا الدليل على أن الانسان حي بعد الموت ودل الحس على أن الجسد ميت كان الانسان
مغائرا لهذا الجسد. الثاني عشر: أن الانسان إذا ضاع عضو من أعضائه مثل أن تقطع يداه
ورجلاه
(1) الفجر: 27 - 28. (2) الانعام: 61 -
62.
[9]
وتقلع عيناه، وتقطع اذناه، إلى غيرها من
الاعضاء، فإن ذلك الانسان يجد من قلبه وعقله أنه هو عين ذلك الانسان من غير تفاوت
البته، حتى أنه يقول: أنا ذلك الانسان الذي كنت موجودا قبل ذلك، إلا أنهم قطعوا يدي
ورجلي، وذلك برهان يقيني على أن ذلك الانسان شئ مغائر لهذه الاعضاء والابعاض، وذلك
يبطل قول من يقول: الانسان عبارة عن هذه البنية المخصوصة. الثالث عشر: أن القرآن
والاحاديث يدلان على أن جماعة من اليهود قد مسخهم الله، وجعلهم في صورة القردة
والخنازير، فنقول: ذلك الانسان هل بقي حال ذلك المسخ أولم يبق ؟ فإن لم يبق كان هذا
إماتة لذلك الانسان وخلق خنزير أو قردة وليس هذا من المسخ في شئ وإن قلنا: إن ذلك
الانسان بقي حال حصول ذلك المسخ فنقول: فعلى هذا التقدير الانسان باق وتلك البنية
وذلك الهيكل غير باق، فوجب أن يكون ذلك الانسان شيئا مغائرا لتلك البنية. الرابع
عشر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يرى جبرئيل في صورة دحية الكلبي وكان يرى
إبليس في صورة الشيخ النجدي، فهنا بنية الانسان وهيكله وشكله حاصل مع أن الحقيقة
(1) الانسانية غير حاصلة، وهذا يدل على أن الانسان ليس عبارة عن هذه البنية وهذا
الهيكل. الخامس عشر: أن الزاني يزني بفرجه ويضرب على ظهره، فوجب أن يكون الانسان
شيئا آخر سوى الفرج وسوى الظهر، ويقال: إن ذلك الشئ يستعمل الفرج في عمل والظهر في
عمل آخر، فيكون الملتذ والمتألم هو ذلك الشئ، إلا أنه يحصل اللذة بواسطة ذلك العضو
ويتألم بواسطة الضرب على هذا العضو. السادس عشر: أني إذا تكلمت مع زيد وقلت له:
افعل كذا، ولا تفعل كذا ! فالمخاطب بهذا الخطاب والمأمور والمنهي ليس هو جبهة زيد
ولا حدقته ولا أنفه ولافمه ولا شئ من أعضائه بعينه، فوجب أن يكون المأمور والمنهي
والمخاطب شيئا مغائرا لهذه الاعضاء، وذلك يدل على أن ذلك المأمور والمنهي غير هذا
الجسد. فإن قالوا:
(1) في المصدر: حقيقة الانسان.
[10]
لم لا يجوز أن يكون المأمور والمنهي جملة
هذا البدن لا شئ من أجزائه وأبعاضه ؟ قلنا: توجيه التكليف إلى الجملة إنما يصح لو
كانت الجملة فاهمة عالمة، فنقول: لو كانت الجملة عالمة، فإما أن يقوم بمجموع البدن
علم واحد، أو يقوم بكل واحد من أجزاء البدن علم عليحدة، والاول يقتضي قيام العرض
الواحد بالمحال الكثيرة وهو محال، والثاني يقتضي أن يكون كل واحد من أجزاء البدن
عالما فاهما على سبيل الاستقلال، وقد بينا أن العلم الضروري حاصل بأن الجزء المعين
من البدن ليس عالما فاهما مدركا بالاستقلال، فسقط هذا السؤال. السابع عشر: الانسان
يجب أن يكون عالما، والعلم لا يحصل إلا في القلب فيلزم أن يكون الانسان عبارة عن
الشئ الموجود في القلب، وإذا ثبت هذا بطل القول بأن الانسان عبارة عن هذا الهيكل
وهذه الجثة. إنما قلنا إن الانسان يجب أن يكون عالما، لانه فاعل مختار، والفاعل
المختار هو الذي يفعل بواسطة القصد إلى تكوينه، وهما مشروطان بالعلم، لان ما لا
يكون متصورا امتنع القصد إلى تكوينه فثبت أن الانسان يجب أن يكون عالما بالاشياء.
وإنما قلنا إن العلم لا يوجد إلا في القلب، للبرهان والقرآن، أما البرهان: فلانا
نجد العلم الضروري بأنا نجد علومنا من ناحية القلب. وأما القرآن: فآيات نحو قوله
تعالى: " لهم قلوب لا يفقهون بها (1) " وقوله: " كتب في قلوبهم الايمان " (2)
وقوله: " نزل به الروح الامين على قلبك " (3) وإذا ثبت أن الانسان يجب أن يكون
عالما، وثبت أن العلم ليس إلا في القلب، [ثبت أن الانسان شئ في القلب] أو شئ له
تعلق بالقلب، وعلى التقديرين فإنه بطل قول من يقول: إن الانسان هو هذا الجسد وهذا
الهيكل. وأما البحث الثاني: وهو بيان أن الانسان غير محسوس، هو أن حقيقة الانسان شئ
مغائر للسطح واللون، وكل ما هو مرئي فهو إما السطح وإما اللون، وهما مقدمتان
(1) الاعراف: 178. (2) المجادلة: 22. (3)
الشعراء: 193 - 194.
[11]
قطعيتان، ينتج هذا القياس أن حقيقة
الانسان غير مرئية ولا محسوسة، وهذا برهان يقيني. ثم قال في شرح مذاهب القائلين بأن
الانسان جسم موجود في داخل البدن: اعلم أن الاجسام الموجودة في هذا العالم السفلي،
إما أن يكون أحد العناصر الاربعة أو ما يكون متولدا من امتزاجها، ويمتنع أن يحصل في
البدن الانساني جسم عنصري خالص، بل لابد وأن يكون الحاصل جسما متولدا من امتزاجات
هذه الاربعة، فنقول: أما الجسم الذي تغلب عليه الارضية فهو الاعضاء الصلبة الكثيفة
كالعظم والعصب و الوتر والرباط والشحم واللحم والجلد، ولم يقل أحد من العقلاء الذين
قالوا إن الانسان شئ مغائر لهذا الجسد، بأنه عبارة عن عضو معين من هذه الاعضاء،
وذلك لان هذه الاعضاء كثيفة ثقيلة ظلمانية، فلاجرم لم يقل أحد من العقلاء بأن
الانسان عبارة عن أحد هذه الاعضاء وأما الجسم الذي تغلب عليه المائية، فهو الاخلاط
الاربعة، ولم يقع (1) في شئ منها أنه الانسان إلا في الدم، فإن فيهم من قال: إنه
الروح بدليل أنه إذا خرج لزمه الموت. أما الجسم الذي تغلب عليه الهوائية والنارية
فهي الارواح، وهي نوعان: أحد هما أجسام هوائية مخلوطة بالحرارة الغريزية، متولدة
إما في القلب أوفي الدماغ وقالوا: إنها هي الروح الانساني، ثم [إنهم] اختلفوا فمنهم
من يقول: الانسان هو الروح الذي في القلب، ومنهم من يقول: إنه جزء لا يتجزأ في
الدماغ، ومنهم من يقول: الروح عبارة عن أجزاء نارية مختلطة بهذه الارواح القلبية
والدماغية، وتلك الاجزاء النارية هي المسماة بالحرارة الغريزية، وهي الانسان. ومن
الناس من يقول: الروح عبارة عن أجسام نورانية سماوية لطيفة الجوهر، على طبيعة ضوء
الشمس، وهي لاتقبل التحلل والتبدل ولا التفرق والتمزق، فإذا تكون البدن وثم
استعداده - وهو المراد بقوله: " فإذا سويته " - نفذت تلك الاجسام الشريفة السماوية
الالهية في داخل أعضاء البدن نفاذ النار في الفحم، ونفاذ دهن السمسم في
(1) في المصدر: ولم يقل أحد في..
[12]
السمسم، ونفاذ ماء الورد في جسم الورد،
ونفاذ تلك الاجسام (1) السماوية في جوهر البدن هو المراد بقوله " ونفخت فيه من روحي
(2) ". ثم إن البدن مادام يبقى سليما قابلا لنفاذ تلك الاجسام الشريفة فيه بقي حيا،
فإذا تولد في البدن أخلاط غليظة منعت تلك الاخلاط الغليظة من سريان تلك الاجسام
الشريفة، فانفصلت عن هذا البدن فحينئذ يعرض الموت، فهذا مذهب قوي وقول شريف يجب
التأمل فيه، فإنه شديد المطابقة لما ورد في الكتب الالهية من أحوال الموت والحياة،
فهذا تفصيل مذاهب القائلين بأن الانسان جسم موجود في داخل البدن، وأما أن الانسان
جسم موجود خارج البدن فلا أعرف احدا ذهب إلى هذا القول. واما القسم الثاني: وهو أن
يقال: الانسان عرض حال في البدن فهذا لا يقوله عاقل، لانه من المعلوم بالضرورة أن
الانسان جوهر لانه موصوف بالعلم والقدرة والتدبير والتصرف، وكل من كان هذا شأنه كان
جوهرا، والجوهر لا يكون عرضا، بل الذي يمكن أن يقال له عاقل هو الانسان بشرط (3) أن
يكون موصوفا بأعضاء مخصوصة. وعلى هذا التقدير فللناس فيه أقوال: القول الاول: أن
العناصر الاربعة إذا امتزجت وانكسرت سورة كل واحد منها بسورة اخرى حصلت كيفية
معتدلة هي المزاج، ومراتب هذا المزاج غير متناهية، فبعضها هي الانسانية، وبعضها هي
الفرسية، فالانسان عبارة عن أجسام موصوفة بكيفياب مخصوصة متولدة عن امتزاجات أجزاء
العناصر بمقدار مخصوص، وهذا قول جمهور الاطباء ومنكري بقاء النفس، ومن المعتزلة قول
أبي الحسين البصري. والقول الثاني: أن الانسان عبارة عن أجزاء مخصوصة بشرط كونها
موصوفة بصفة الحياة والعلم والقدرة، والحياة عرض قائم بالجسم، وهؤلاء أنكروا الروح
والنفس
(1) في بعض النسخ " الاجزاء ". (2) الحجر:
29، ص: 72. (3) كذا في نسخ الكتاب، وفى المصدر " بل الذى يمكن ان يقول به كل عاقل
هو ان الانسان يشترط.. "
[13]
وقالوا: ليس ههنا إلا أجسام مؤتلفة موصوفة
بصفة الحياة، وبهذه الاعراض المخصوصة وهي الحياة والعلم والقدرة، وهذا مذهب أكثر
شيوخ المعتزلة. والقول الثالث: أن الانسان عبارة عن أجسام مخصوصة بأشكال مخصوصة
وبشرط أن تكون أيضا موصوفة بالحياة والعلم والقدرة، والانسان إنما يمتاز عن سائر
الحيوانات بشكل جسده وهيئة أعضائه وأجزائه، إلا أن هذا مشكل، فإن الملائكة قد
يتشبهون بصور الناس، فهنا صورة الانسان حاصلة مع عدم الانسانية، وفي صورة المسخ
معنى الانسانية حاصلة مع أن هذه الصورة غير حاصلة، فقد بطل اعتبار هذا الشكل
والصورة في حصول معنى الانسانية طردا وعكسا. اما القسم الثالث: وهو أن يقال:
الانسان موجود ليس بجسم ولا جسماني، وهذا قول أكثر الالهيين من الفلاسفة القائلين
ببقاء النفس المثبتين للنفس معادا روحانيا وثوابا وعقابا روحانيا، ذهب إليه جماعة
من علماء المسلمين، مثل الشيخ أبي القاسم الراغب الاصفهاني، والشيخ أبي حامد
الغزالي، ومن قدماء المعتزلة معمر بن عباد السلمي، ومن الشيعة الملقب عندهم بالشيخ
المفيد، ومن الكرامية جماعة. واعلم أن القائلين بإثبات النفس فريقان: الاول وهم
المحققون منهم قالوا: الانسان عبارة عن هذا الجوهر المخصوص، وهذا البدن آلته ومنزله
ومركبه، وعلى هذا التقدير فالانسان غير موجود في داخل العالم ولا في خارجه وغير
متصل بالعالم ولا منفصل عنه، ولكنه متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف، كما أن إله
العالم لا تعلق له بالعالم إلا على سبيل التصرف والتدبير. والفريق الثاني الذين
قالوا: النفس إذا تعلقت بالبدن اتحدت بالبدن، فصارت النفس عين البدن والبدن عين
النفس، ومجموعهما عند الاتحاد هو الانسان، فإذا جاء وقت الموت بطل هذا الاتحاد
وبقيت النفس وفسد البدن. فهذا جملة مذاهب الناس في الانسان، وكان " ثابت بن قرة "
يثبت النفس ويقول: إنها متعلقة بأجسام سماوية نورانية لطيفة غير قابلة للكون
والفساد والتفرق والتمزق، وأن تلك الاجسام تكون سارية في البدن، وهن موجودات في
داخل البدن (1). وأما أن
(1) مفاتيح الغيب: ج 21، ص 45.
[14]
الانسان جسم موجود خارج البدن فلا أعرف
أحدا ذهب إلى ذلك. اقول: ثم ذكر حججا عقلية طويلة الذيل على إثبات النفس ومغارتها
للبدن. منها: أن النفس واحدة ومتى كانت واحدة وجب أن تكون مغائرة لهذا البدن ولكل
واحد من أجزائه، أما كونها واحدة فتارة ادعى البداهة فيه، وتارة استدل عليه بوجوه:
منها أنا إذا فرضنا جوهرين مستقلين، يكون كل واحد منهما مستقلا بفعله الخاص، امتنع
أن يصير اشتغال أحدهما بفعله الخاص به مانعا لاشتغال الآخر بفعله الخاص به، وإذا
ثبت هذا فنقول: لو كان محل إلا دراك والفكر جوهرا ومحل الغضب جوهرا آخر ومحل الشهوة
جوهرا ثالثا، وجب أن لا يكون اشتغال القوة الغضبية بفعلها مانعا للقوة ال