بحار الانوار الجزء
56
العلامة المجلسي
[1]
بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة
الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس
الله سره " الجزء السادس والخمسون دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان الطبعة
الثالثة المصححة 1403 ه 1983 م دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان - بناية
كليوباترا - شارع دكاش - ص. ب 7957 / 11 تلفون المستودع: 274696 - 273032 - 278766
- المنزل 830711 - 830717 برقيا: التراث تلكس 44632 / LE تراث
[1]
14. (باب) * (الايام والساعات والليل
والنهار) * 1 - الخصال: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن علي بن الحسين السعد آبادي
عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان، عن أبي عبد
الله عليه السلام قال: ساعات الليل اثنتا عشرة ساعة، وساعات النهار اثنتا عشرة ساعة
وأفضل ساعات الليل والنهار أوقات الصلوات، ثم قال عليه السلام: إنه إذا زالت الشمس
فتحت أبواب السماء، وهبت الرياح، ونظر الله عزوجل إلى خلقه، وإني لاحب أن يصعد لي
عند ذلك إلى السماء عمل صالح. ثم قال: عليكم بالدعاء في أدبار الصلوات فإنه مستجاب
(1). 2 - ومنه: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن
إبراهيم بن إسحاق، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن أبي هاشم، قال: قلت لابي الحسن
الماضي عليه السلام: لم جعلت صلوة الفريضة والسنة خمسين ركعة لا يزاد فيها ولا ينقص
منها ؟ قال: إن ساعات الليل اثنتا عشرة ساعة، وفيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس
ساعة، وساعات النهار اثنتا عشرة ساعة، فجعل لكل ساعة ركعتين، وما بين غروب الشمس
إلى سقوط الشفق غسق (2). 3 - العلل: عن أبيه - إلى قوله - عن أبي هاشم الخادم، وذكر
الحديث وزاد في آخره: فجعل للغسق ركعة (3). بيان: المراد بالركعة ركعتا الوتيرة،
فإنهما تعدان بركعة، والمراد بالساعة في الخبرين الساعات المعوجة (4) الزمانية كما
سيأتي بيانها، وعدم
(1) الخصال: 86. (2) الخصال: 86. (3)
العلل: ج 2، ص 17. (4) سمي بها لاختلاف مقاديرها طولا وقصرا باختلاف الفصول بخلاف
الساعات المستوية.
[2]
إدخال الساعتين في الليل والنهار مبني على
اصطلاح خاص كان عند القدماء وأهل الكتاب، ونقل أبو ريحان البيروني في القانون
المسعودي عن براهمة الهند أن ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وكذلك ما بين غروب
الشمس وغروب الشفق خارجان عن الليل والنهار، بل هما بمنزلة الفصل المشترك بينهما،
وذكره البرجندي في بعض تعليقاته. 4 - العلل: في خبر ابن سلام سأل النبي صلى الله
عليه وآله لم سمي الليل ليلا ؟ قال: لانه يلايل الرجال من النساء، جعله الله عزوجل
الفة ولباسا، وذلك قول الله عزوجل " وجعلنا الليل لباسا (1) وجعلنا النهار معاشا
(2) ". بيان: الملايلة المعاملة ليلا كالمياومة المعاملة يوما، ويظهر منه أن الليل
من الملايلة مع أن الظاهر العكس، ويمكن أن يكون تنبيها على أن أصل الليل الستر. 5 -
العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن هاشم، عن النوفلي، عن السكوني،
عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا
تسبوا الرياح فإنها مأمورة، ولا تسبوا الجبال ولا الساعات ولا الايام ولا الليالي
فتأثموا وترجع عليكم (3). بيان: حاصله أن تلك الامور إن كان فيها شر أو نحوسة أو
ضرر فكل ذلك بتقدير خالقها وهي مجبولة عليها، فلعنها لعن من لا يستحقه، ومن لعن من
لا يستحقه يرجع اللعن عليه. 6 - تحف العقول: قال الحسن بن مسعود: دخلت على أبي
الحسن علي ابن محمد عليهما السلام وقد نكيت إصبعي وتلقاني راكب وصدم كتفي، ودخلت في
زحمة فخرقوا علي بعض ثيابي، فقلت: كفاني الله شرك من يوم فما أشأمك ! فقال لي: يا
حسن، هذا وأنت تغشانا ! ترمي بذنبك من لا ذنب له ؟ ! قال الحسن: فأثاب
(1) النبأ: 10 - 11. (2) العلل: ج 2، ص
155. (3) العلل: ج 2، ص 264.
[3]
إلي عقلي، وتبينت خطأي، فقلت: مولاي
أستغفر الله. فقال: يا حسن ما ذنب الايام حتى صرتم تتشأمون بها إذا جوزيتم بأعمالكم
فيها ؟ قال الحسن: أنا أستغفر الله أبدا، وهي توبتي يا ابن رسول الله. قال: والله
ما ينفعكم، ولكن الله يعاقبكم بذمها على ما لاذم عليها فيه، أما علمت يا حسن أن
الله هو المثيب والمعاقب والمجازي بالاعمال عاجلا وآجلا ؟ قلت: بلى يا مولاي، قال:
لا تعد ولا تجعل للايام صنعا في حكم الله (1). بيان: " هذا " أي تقول هذا " وأنت
تغشانا " أي تدخل علينا " فأثاب " أي أرجع الإمام " إلي عقلي " ويدل على أنه ليس
لحركات الافلاك وحدوث الازمنة مدخل في الحوادث، وهذا لا ينافي ما وقع من التحرز عن
بعض الساعات والايام للأعمال، لانها بأمره تعالى تحرزا عما قدر الله حدوثه فيها،
كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: أفر من قضاء الله إلى قدره. 7 - النهج: قال
عليه السلام وقد سئل عن مسافة ما بين المشرق والمغرب: مسيرة يوم للشمس (2). بيان:
لعل عدوله عليه السلام عن الجواب الحقيقي إلى الاقناعي للاشعار بقلة الفائدة في
معرفة تلك المسافة نحو ما قيل في قوله تعالى " قل هي مواقيت للناس " (3) أو لعسر
إثباتها على وجه لا يبقى للمنافقين من الحاضرين سبيل إلى الانكار، كما صرح عليه
السلام به في جواب من سأل عن عدد شعر لحيته، أو لعدم استعداد الحاضرين لفهمه بحجة
ودليل، وعدم المصلحة في ذكره بلا دليل. 8 - العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم: قال:
علة فضل الليل على النهار أن بالليل يكون البيات، ويرفع العذاب، وتقل المعاصي، وفيه
ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر (4).
(1) تحف العقول: 482. (2) نهج البلاغة: ج
1، ص 207. (3) البقرة: 189. (4) لم يوجد في العلل.
[4]
بيان: لعل المراد بالبيات البيتوته والنوم
والاستراحة، أو البيات إلى الطاعات، والظاهر أنه كان " السبات " فصحفه النساخ، قال
الجوهري: السبات النوم، وأصله الراحة، ومنه قوله تعالى " وجعلنا نومكم سباتا " (1)
ويرفع العذاب عذاب المخلوقين على الغالب. 9 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه،
عن الحسن بن محبوب، عن إسماعيل بن أبان، عن عمر بن عبد الله الثقفي، قال: لما أخرج
هشام بن عبد الملك أبا جعفر عليه السلام إلى الشام سأله عالم من علماء النصارى عن
مسائل، فكان فيما سأله: أخبرني عن ساعة ماهي من الليل ولا من النهار أي ساعة هي ؟
فقال أبو جعفر عليه السلام: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. فقال النصراني: فإذا
لم تكن من ساعات الليل ولا من ساعات النهار فمن أي الساعات هي ؟ فقال أبو جعفر عليه
السلام: من ساعات الجنة، وفيها تفيق مرضانا (الخبر) (2). توضيح: قد عرفت أن هذا
اصطلاح آخر في الليل والنهار وساعاتهما كان معروفا بين أهل الكتاب، فأجابه عليه
السلام على مصطلحهم، والحاصل أن هذه الساعة لا تشبه شيئا من ساعات الليل والنهار بل
هي شبيهة بساعات الجنة، وإنما جعلها الله في الدنيا ليعرفوا بها طيب هواء الجنة
ولطافته واعتداله. 10 - ارشاد القلوب: بإسناده رفعه إلى الكاظم عليه السلام عن
آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الله تعالى فرض على امة
محمد صلى الله عليه وآله في الليل والنهار خمس صلوات في خمسة أوقات، اثنتان بالليل
وثلاث بالنهار، ثم جعل هذه الخمس صلوات تعدل خمسين صلوة، وجعلها كفارة خطاياهم
(الخبر). الخصال: عن الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، عن عمه، عن أبي إسحاق قال:
أملى علينا " تغلب " ساعات الليل: الغسق، والفحمة، والعشوة والهدأة (3) والسباع
(1) النباء: 9. (2) روضة الكافي: 123. (3)
في المصدر: المهدأة.
[5]
والجنح، والهزيع، والعفر (1)، والزلفة،
والسحرة، البهرة. وساعات النهار: الراد، والشروق، والمتوع (2)، والترجل، والدلوك،
والجنوح، والهجيرة والظهيرة، والاصيل، والطفل. توضيح: قال الفيروز آبادي: الغسق -
محركة - ظلمة أول الليل. وقال: الفحمة من الليل أوله، أو أشد سواده، أو ما بين غروب
الشمس إلى نوم الناس خاص بالصيف. جمع: فحام وفحوم وقال: العشوة بالفتح الظلمة
كالعشاء (3) مابين أول الليل إلى ربعه، والعشاء أول الظلام، أو من المغرب إلى
العتمة، أو من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، والعشية آخر النهار، والعشاءان المغرب
والعتمة و في المصباح المنير: العشي قيل ما بين الزوال إلى الصباح، وقيل العشي
والعشاء من صلاة المغرب إلى العتمة، وعليه قول ابن فارس " العشاء ان المغرب والعتمة
" قال ابن الانباري: العشية مؤنثة، وربما ذكرتها العرب، وقال بعضهم: العشية واحدة
جميعا عشي، والعشاء بالكسر والمد أول ظلام الليل، والعشاء بالفتح والمد الطعام الذي
يتعشى به وقت العشاء. وقال: أتانا بعد هدء من الليل وهدء وهدأة وهدئ ومهدأ وهدوء أي
حين هدأ الليل والرجل، أو الهدء أول الليل إلى ثلثه. وأما السباع فلم أجده فيما
عندنا من كتب اللغة، وكأنه من السباع ككتاب بمعنى الجماع لانه وقته، أو من السبع
لانه مضى من الليل سبع ساعات، أو هو بالياء المثناة التحتانية. قال في القاموس: بعد
سبعاء من الليل بالكسر وكسيراء بعد قطع منه وبعد سوع من الليل وسواع كغراب بعد هدء.
وقال: جنوح الليل إقباله والجنح بالكسر الجانب، ومن الليل الطائفة ويضم. وقال
الراغب في مفرداته: الجنح قطعة من الليل مظلمة. وفي القاموس: هزيع من الليل كأمير
طائفة أو نحو ثلثه أو ربعه. والعفر في بعض النسخ بالعين المهملة والفاء، وفي بعضها
بالمعجمة، و
(1) في المصدر: الفقد. (2) في المصدر:
المنزع. (3) في المصدر: كالعشواء أو ما بين....
[6]
على التقادير آخره راء مهملة، وفي بعضها "
الفغد " بالفاء ثم الغين المعجمة، وفي بعضها بالفاء ثم القاف، وفي بعضها بالنون ثم
القاف، وعلى التقادير آخره دال مهملة، ولم أجد لشئ منها معنى مناسبا. وفي القاموس:
اليعفور جزء من أجزاء الليل. فالأول أنسب إن لم يكن تصحيفه. وفي القاموس: الزلفة
بالضم الطائفة من الليل والجمع زلف كغرف وغرفات وغرفات وغرفات، أو الزلف ساعات
الليل الآخذة من النهار، وساعات النهار الآخذة من الليل. وقال الجوهري: الزلفة
الطائفة من أول الليل. وقال: السحر قبل الصبح، والسحرة بالضم السحر الأعلى. وقال
الراغب في المفردات: السحر والسحرة اختلاط ظلام آخر الليل بضياء النهار، وجعل اسما
لذلك الوقت، يقال لقيته بأعلى سحرين. وفي القاموس: ابهار الليل انتصف، أو تراكبت
(1) ظلمته، أو ذهبت عامته، أو بقي نحو ثلثه. والبهرة بالضم من الليل وسطه. وقال:
رائد الضحى ورأده ارتفاعه. وقال: الشرق الشمس ويحرك وإسفارها، وشرقت الشمس شرقا
وشروقا طلعت كأشرقت. و قال: متع النهار كمنع متوعا ارتفع قبل الزوال، والضحى بلغ
آخر غايته. وهو عند الضحى الأكبر، أو ترجل وبلغ الغاية. وقال ترجل النهار ارتفع.
وقال: دلكت الشمس دلوكا غربت أو اصفرت أو مالت أو زالت من كبد السماء (انتهى).
وأقول: قد ورد في الأخبار أن دلوك الشمس زوالها، والجنوح لعله هنا بمعنى الميل لميل
الشمس إلى المغرب، ولم أر بهذا المعنى في كتب اللغة. وفي القاموس: الهجير والهجيرة
والهجر والهاجرة نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر، أو من عند زوالها إلى العصر،
لأن الناس يستكنون في بيوتهم كأنهم قد تهاجروا شدة الحر (2). وقال: الظهر ساعة
الزوال، والظهيرة حد انتصاف النهار وإنما (3) ذلك في القيظ. وقال الراغب: الظهيرة
وقت الظهر، وقال: يقال للعشية
(1) تراكمت (خ) (2) في المصدر " وشدة الحر
". (3) في المصدر " أو انما ".
[7]
أصيل وأصيلة. وقال الجوهري: الأصيل الوقت
بعد العصر إلى المغرب، وجمعه أصل وآصال. وقال: الطفل بالتحريك بعد العصر إذا طفلت
الشمس للمغرب (1) يقال: أتيته طفلا. أقول: ورأيت في بعض الكتب أن العرب قسموا كلا
من الليل والنهار باثنتي عشرة ساعة وسموا كلا منها باسم، فساعات النهار: البكور،
والشروق، و الغدو، والضحى، والهاجرة، والظهيرة، والرواح، والعصر، والقصر، والأصيل
والعشي، والغروب. وساعات الليل: الشفق، والغسق، والعتمة، والسدفة والجهمة، والزلفة،
والبهرة، والسحر، والسحرة، والفجر، والصبح، والصباح. وبعضهم ذكروا في ساعات النهار:
الذرور، والبزوغ، والضحى، والغزالة، والهاجرة والزوال، والدلوك، والعصر، والاصيل،
والصبوب، والحدود، والغروب، وبعضهم هكذا: البكور، والشروق، والاشراق، والراد،
والضحى، والمتوع، والهاجرة والأصيل، والعصر، والقصر، والطفل، والغروب. ففي القاموس:
البكرة بالضم الغدوة كالبكر محركة، واسمها الإبكار، وبكر إليه وعليه وفيه وبكر
وابتكر: أتاه بكرة، وكل من بادر إلى شئ فقد أبكر إليه في أي وقت كان. وقال: الغدوة
بالضم البكرة، أو ما بين صلوة الفجر وطلوع الشمس، كالغداة والغدية والجمع غدوات
وغديات وغدايا وغدوا ولا يقال غدايا إلا مع عشايا، وغدا عليه غدوا وغدوة بالضم
واغتدى: بكر. وقال: الضحو والضحوة والضحية كعشية ارتفاع النهار، والضحى فويقه،
والضحاء بالمد إذا قرب انتصاف النهار. وقال: الرواح العشي (2) من الزوال إلى الليل.
وقال: العصر العشي إلى احمرار الشمس. وقال الجوهري: قصر الظلام اختلاطه، وقد قصر
العشي يقصر قصورا إذا أمسيت، ويقال أتيته قصرا أي عشيا. وقال: الشفق بقية ضوء الشمس
له حمرتها في أول الليل إلى قريب من العتمة. وقال الخليل: الشفق الحمرة من
(1) في المصدر " للغروب ". (2) في المصدر:
أو من الزوال
[8]
غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، فإذا
ذهب قيل غاب الشفق. وقال: العتمة وقت صلاة العشاء، قال الخليل: العتمة هو الثلث
الأول من الليل بعد غيبوبة الشفق، وقد عتم الليل يعتم، وعتمته ظلامه. وقال: قال
الأصمعي: السدفة والسدفة في لغة نجد الظلمة، وفي لغة غيرهم الضوء، وهو من الاضداد،
و كذلك السدف بالتحريك. وقال أبو عبيد: بعضهم يجعل السدفة اختلاط الضوء والظلمة معا
كوقت ما بين طلوع الفجر إلى الاسفار، وقد أسدف الليل أي أظلم وقال الفيروز آبادي:
الجهمة أول مآخير الليل أو بقية سواده من آخره ويضم. وقال: الفجر ضوء الصباح، وهو
حمرة الشمس في سواد الليل، وقد انفجر الصبح وتفجر وانفجر عنه الليل، وأفجروا دخلوا
فيه، وأنت مفجر إلى طلوع الشمس. وقال: الصبح الفجر، أو أول النهار، والجمع أصباح،
وهو الصبيحة والصباح والاصباح (انتهى). وأقول: الظاهر أن مرادهم بالفجر الأول،
وبالصبح إلثاني، وبالصباح الاسفار، وللصبح عند العرب أسماء كثيرة: الفلق بالتحريك،
والسطيع، والصديع والمغرب، والصرام، والصريم، والشميط، والسدف، والشق، والفتق،
والذرور - من ذرت الشمس تذر ذرورا إذا طلعت - وبزوغ الشمس أيضا طلوعها. وفي
القاموس: الغزالة كسحابة الشمس، لأنها تمد حبالا كأنها تغزل أو الشمس عند طلوعها أو
عند ارتفاعها، وغزالة الضحى وغزالاته أولها، أو بعد (1) ما تنبسط الشمس وتضحى، أو
أولها إلى مضي خمس النهار (انتهى). والصبوب والحدود لم أر لهما معنى مناسبا، ويقال
للغداة والعشي: البردان والأبردان، والعصران، والصرعان، والقرتان، والكرتان، ويقال
وسق الليل لساعة منه، وسهواء الليل وروبته بالفتح والضم بغير همز اسمان لبعض ساعات
الليل والهبة بكسر الهاء وتشديد الباء الساعة تبقى من السحر، ويقال رأيت بلجة الصبح
بالفتح والضم إذا رأيت ضوءه. فهذا ما وجدنا من أسماء ساعات الليل والنهار عند
(1) في المصدر " أو بعيد... "
[9]
العرب، ولليل والنهار أيضا عندهم اسماء:
الدائبان، والصرفان، والجديدان والأجدان، والحاديان، والأصرمان، والملوان،
والعصران، والردفان والصرعان، والأثرمان، والمتباديان، والفتيان، والطريدان، وإبنا
سبات، وإبنا - جمير، وإبنا سمير، فالدائبان لدؤوبهما وجدهما في السير، والصرفان
لصروف الدهر فيهما: والجديدان لحدوثهما وتجددهما، ولذلك سمي الأجدان، و الحاديان
لسوقهما الناس إلى الموت، والأصرمان لقطعهما الأعمار، والملوان من قولهم عشت معه
ملاوة من الدهر أي حينا وبرهة، ويقال سكت مليا أي طويلا والعصران من العصر بمعنى
الدهر، والردفان لترادفهما وتواليهما، والصرعان إبلان ترد أحدهما حين تصدر الأخرى،
والصرعان أيضا المثلان، والاثرمان أي القديمان الشائبان، فإن الثرم سقوط الثنايا من
الأسنان، والمتباديان من البدو بمعنى الظهور، والفتيان لأنهما يتجددان شابين،
والطريدان لأنهما يطردان و يدفعان سريعا، والسبات بالضم الدهر، والجمير من قولهم
أجمر القوم على الشئ إذا اجتمعوا عليه، وهذا جمير القوم أي مجتمعهم، والسمير من
المسامرة وهو الحديث بالليل، والسمير أيضا الدهر، وأبناه الليل والنهار. فوائد
جليلة الاولى: اعلم أن اليوم نوعان: حقيقي، ووسطي، فالحقيقي عند بعض المنجمين من
زوال الشمس من دائرة نصف النهار فوق الأرض إلى وصولها إليها، و عند بعضهم من زوال
مركز الشمس من دائرة نصف النهار تحت الأرض إلى وصولها إليها، وعلى التقديرين يكون
اليوم بليلته بمقدار دورة من المعدل مع المطالع الاستوائية لقوس يقطعه الشمس من فلك
البروج بحركتها الخاصة من نصف اليوم إلى نصف اليوم، أو من نصف الليل إلى نصف الليل،
والوسطي هو مقدار دورة من المعدل مع مطالع قوس تقطعه الشمس بالسير الوسطي، وبسبب
الاختلاف بين الحركة الوسطية والحركة التقويمية يختلف اليوم بالمعنى الأول والثاني
اختلافا
[10]
يسيرا يظهر في أيام كثيرة، لكن اليوم
بالاصطلاحين لا يختلف باختلاف الآفاق، و بعضهم يأخذون اليوم من طلوع الشمس إلى
طلوعها، وبعضهم من غروبها إلى غروبها، وذلك يختلف باختلاف الآفاق كما تقرر في محله.
قال أبو ريحان البيروني: إن اليوم بليلته هو عودة الشمس بدوران الكل إلى دائرة فرضت
ابتداء لذلك اليوم بليلته أي دائرة كانت إذا وقع عليها الاصطلاح وكانت عظيمة، لأن
كل واحدة من العظام أفق بالقوة أعني بالقوة أنه يمكن فيها أن يكون أفقا لمسكن ما،
وبدوران الكل حركة الفلك بما فيه المرئية من المشرق إلى المغرب على قطبيه. ثم إن
العرب فرضت أول مجموع اليوم والليلة نقط المغارب على دائرة الأفق، فصار اليوم عندهم
بليلته من لدن غروب الشمس عن الأفق إلى غروبها من الغد، والذي دعاهم إلى ذلك هو أن
شهورهم مبتنية على مسير القمر، مستخرجة من حركاته المختلفة، مقيدة برؤية الأهلة لا
الحساب، وهي ترى لدى غروب الشمس ورؤيتها عندهم أول الشهر فصارت الليلة عندهم قبل
النهار، وعلى ذلك جرت عادتهم في تقديم الليالي على الأيام إذا نسبوها إلى أسماء
الأسابيع. واحتج لهم من وافقهم على ذلك بأن الظلمة أقدم في المرتبة من النور، وأن
النور طار على الظلمة، فالاقدم أولى أن يبتدأ به، وغلبوا السكون لذلك على الحركة
بإضافة الراحة والدعة، وأن الحركة لحاجة وضرورة، والتعب عقيب الضرورة فالتعب نتيجة
الحركة، وبأن السكون إذا دام في الاسطقسات مدة لم يولد فسادا فإذا دامت الحركة فيها
واستحكمت أفسدت وحدثت الزلازل والعواصف والأمواج وأشباهها. فأما عند غيرهم من الروم
والفرس ومن وافقهم فإن الاصطلاح واقع بينهم على أن اليوم بليلته هو من لدن طلوعها
من أفق المشرق إلى طلوعها منه بالغد، إذ كانت شهورهم مستخرجة بالحساب غير متعلقة
بأحوال القمر ولا غيره من الكواكب، وابتداؤها من أول النهار، فصار النهار عندهم قبل
الليل. واحتجوا بأن النور وجود والظلمة عدم، ومقدموا النور على الظلمة يقولون
بتغليب
[11]
الحركة على السكون، لأنها وجود لا عدم
وحيوة لا موت، ويعارضونهم بنظائر ما قاله اولئك، كقولهم، إن السماء أفضل من الأرض،
وإن العامل والشاب أصح، والماء الجاري لا يقبل عفونة كالراكد. وأما أصحاب التنجيم
فإن اليوم بليلته عند جلهم والجمهور من علمائهم هو من لدن موافاة الشمس فلك نصف
النهار إلى موافاتها إياه في نهار الغد، وهو قول بين القولين، فصار ابتداء الأيام
بلياليها عندهم من النصف الظاهر من فلك نصف النهار، وبنوا على ذلك حسابهم واستخرجوا
عليها مواضع الكواكب بحركاتها المستوية ومواضعها المقومة في دفاتر السنة، و بعضهم
آثر النصف الخفي من فلك نصف النهار، فابتدؤوا به من نصف الليل كصاحب زيج شهرياران،
ولا بأس بذلك، فإن المرجع إلى أصل واحد. والذي دعاهم إلى اختيار دائرة نصف النهار
دون دائرة الأفق هو أمور كثيرة منها: أنهم وجدوا الأيام بلياليها مختلفة المقادير
غير متفقة كما يظهر ذلك من اختلافها عند الكسوفات ظهورا بينا للحس، وكان ذلك من أجل
اختلاف مسير الشمس في فلك البروج وسرعته فيه مرة وبطئه أخرى، واختلاف مرور القطع من
فلك البروج على الدوائر، فاحتاجوا إلى تعديلها لإزالة ما عرض لها من الاختلاف وكان
تعديلها بمطالع فلك البروج على دائرة نصف النهار مطردا في جميع المواضع إذ كانت هذه
الدائرة بعض آفاق الكرة المنتصبة وغير متغيرة اللوازم في جميع البقاع من الأرض، ولم
يجدوا ذلك في دوائر الآفاق، لاختلافها في كل موضع وحدوثها لكل واحد من العروض على
شكل مخالف لما سواه، وتفاوت مرور قطع فلك البروج عليها، والعمل بها غير تام ولا جار
على نظام. ومنها: أنه ليس بين دوائر أنصاف نهار البلاد إلا ما بينهما من دائرة معدل
النهار والمدارات المشبهة بها، فأما الآفاق فإن ما بينها مركب من ذلك ومن انحرافها
إلى الشمال والجنوب، وتصحيح أحوال الكواكب ومواضعها إنما هو بالجهة التي يلزم من
فلك نصف النهار وتسمى الطول ليس له خط في الجهة الأخرى اللازمة عن الأفق وتسمى
العرض، فلاجل هذا اختاروا الدائرة التي
[12]
تطرد عليها حسباناتهم وأعرضوا عن غيرها.
على أنهم لوراموا العمل بالآفاق لتهيألهم ولأدتهم إلى ما أدتهم إليه دائرة نصف
النهار لكن بعد سلوك المسلك البعيد وأعظم الخطأ هو تنكب الطريق المستقيم إلى البعد
الأطول على عمد. الفائدة الثانية: اعلم أن اليوم قد يطلق على مجموع اليوم والليلة،
وقد يطلق على ما يقابل الليل، وهو يرادف النهار، ولا ريب في أن اليوم والنهار
الشرعيين مبدؤهما من طلوع الفجر الثاني إلى غيبوبة قرص الشمس عند بعض، و إلى ذهاب
الحمرة المشرقية عند أكثر الشيعة، وعند المنجمين وأهل فارس والروم من طلوع الشمس
إلى غروبها. وخلط بعضهم بين الاصطلاحين فتوهم أن اليوم الشرعي أيضا في غير الصوم من
الطلوع إلى الغروب، وهذا خطأ، وقد أوردنا الآيات والأخبار الكثيرة الدالة على ما
اخترناه في كتاب الصلوة وأجبنا عن شبه المخالفين في ذلك. قال أبو ريحان بعد إيراد
ما تقدم منه: هذا الحد هو الذي نحد به اليوم على الإطلاق إذا اشترط الليلة في
التركيب، فأما على التقسيم والتفصيل فإن اليوم بانفراده والنهار بمعنى واحد، وهو من
طلوع جرم الشمس إلى غروبه والليل بخلاف ذلك وعكسه بتعارف من الناس قاطبة فيما بينهم
واتفاق من جمهورهم لا يتنازعون فيه، إلا أن بعض علماء الفقه في الاسلام حد أول
النهار بطلوع الفجر وآخره بغروب الشمس، تسوية منه بينه وبين مدة الصوم. واحتج بقوله
تعالى " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم
أتموا الصيام إلى الليل " (1) فادعى أن هذين الحدين هما طرفا النهار. ولا تعلق لمن
رأى هذا الرأي بهذه الآية بوجه من الوجوه، لأنه لو كان أول الصوم أول النهار لكان
تحديده ما هو ظاهر بين للناس بمثل ما حده به جاريا مجرى التكلف لما لا معنى له، كما
لم يحد آخر النهار وأول الليل بمثل ذلك، إذ هو معلوم متعارف لا يجهله أحد، ولكنه
تعالى لما حد أول الصوم بطلوع الفجر ولم
(1) البقرة: 187.
[13]
يحد آخره بمثله بل أطلقه بذكر الليل فقط
لعلم الناس بأسرهم أنه غروب قرص الشمس علم أن المراد بما ذكر في الاول لم يكن مبدأ
النهار، ومما يدل على صحة قولنا قوله تعالى " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم
- إلى قوله [تعالى] - ثم أتموا الصيام إلى الليل " (1) فأطلق المباشرة والأكل
والشرب إلى وقت محدود لا الليل كله، كما كان محظورا على المسلمين قبل نزول هذه
الآية الأكل والشرب بعد عشاء الآخرة، وما كانوا يعدون صومهم بيوم وبعض ليلته، بل
كانوا يذكرونها أياما بإطلاق. فان قيل: إنه أراد بذلك تعريفهم أول النهار، للزم أن
يكون الناس قبل ذلك جاهلين بأول الأيام والليالي، وذلك ظاهر المحال. فإن قيل: إن
النهار الشرعي خلاف النهار الوضعي، فما ذلك إلا خلاف في العبارة وتسمية شئ باسم وقع
في التعارف على غيره مع تعري الآية عن ذكر النهار وأوله، والمشاحة في مثل ذلك مما
نعتزلها ونوافق الخصوم في العبارات إذا وافقونا في المعاني، وكيف يعتقد أمر ظهر
للعيان خلافه ؟ فإن الشفق من جهة المغرب هو نظير الفجر من جهة المشرق، وهما
متساويان في العلة متوازيان في الحالة، فلو كان طلوع الفجر أول النهار لكان غروب
الشفق آخره، وقد اضطر إلى قبول ذلك بعض الشيعة (2) وعلى أن من خالفنا فيما قدمناه
يوافقنا في مساواة الليل والنهار مرتين في السنة: إحداهما في الربيع، والأخرى في
الخريف، ويطابق قوله قولنا في أن النهار ينتهي في طوله عند تناهي قرب الشمس من
القطب الشمالي، وأنه ينتهي في قصره عند تناهي بعدها منه، وأن ليل الصيف الأقصر
يساوي نهار الشتاء الأقصر، وأن
(1) البقرة: 187. (2) القول باعتبار غروب
الشفق لتحقق الليل غير معهود من الشيعة، والظاهر أن منشأ الاشتباه المشهور ارتفاع
الحمرة المشرقية إلى قمة الرأس. ولعله أراد ببعض الشيعة أبا الخطاب العالي، فقد روي
في السرائر عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إنما أمرت أبا
الخطاب أن يصلي المغرب حين تغرب الحمرة من مطلع الشمس عند مغربها فجعله هو الحمرة
التي من قبل المغرب، فكان يصلي حين يغيب الشفق.
[14]
معنى قوله تعالى " يولج الليل في النهار
ويولج النهار في الليل (1) " وقوله تعالى: " يكور الليل على النهار ويكور النهار
على الليل (2) " راجع إلى ذلك، فإن جهلوا ذلك كله أو تجاهلوا لم يجدوا بدا من كون
النصف النهار الأول ست ساعات، والنصف الأخير ست ساعات، ولا يمكنهم التعامي عن ذلك
لشيوع الخبر المأثور في ذكر فضائل السابقين إلى الجامع يوم الجمعة وتفاضل [أجورهم
بتفاضل] قصورهم في الساعات الست التي هي أول النهار إلى وقت الزوال، وذلك مقول على
الساعات الزمانية المعوجة دون المستوية التي تسمى المعتدلة، فلو سامحناهم بالتسليم
لهم في دعواهم لوجب أن يكون استواء الليل والنهار حين تكون الشمس بجنبتي