بحار الانوار الجزء
55
العلامة المجلسي
[1]
الف بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار
الائمة الاطهار بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم
العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس الله سره) الجزء
الخامس والخمسون مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان كافة الحقوق محفوظة ومسجلة الطبعة
الثانية المصححة 1403 ه 1983 م مؤسسة الوفاء - بيروت - لبنان - صرب: 1457 - هاتف:
386868
[1]
1. (باب) * (العرش والكرسي وحملتهما) *
الآيات: البقرة: وسع كرسيه السماوات والارض. (1) الاعراف: ثم استوى على العرش. (2)
يونس: ثم استوى على العرش يدبر الامر ما من شفيع إلا من بعد إذنه. (3) هود: وكان
عرشه على الماء. (4) الرعد: ثم استوى على العرش. (5) طه: الرحمن على العرش استوى.
(6) المؤمنون: قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم. (7) الفرقان: ثم استوى
على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا. (8) النمل: رب العرش العظيم. (9)
(1) البقرة: 255. (2) الاعراف: 54. (3)
يونس: 3. (4) هود: 7. (5) الرعد: 2. (6) طه: 5. (7) المؤمنون: 86. (8) الفرقان: 59.
(9) النمل: 26.
[2]
التنزيل: ثم استوى على العرش. (1) المؤمن:
الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا.
(2) الحديد: ثم استوى على العرش. (3) الحاقة: ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية.
(4) تفسير: (وسع كرسيه السماوات والارض) قال الطبرسي - ره -: اختلف فيه على أقوال:
أحدها وسع علمه السماوات والارض عن ابن عباس ومجاهد، و هو المروي عن أبي جعفر وأبي
عبد الله عليهما السلام ويقال للعلماء (كراسي) كما يقال لهم (أوتاد الارض) لان بهم
قوام الدين والدنيا وثانيها أن الكرسي ههنا هو العرش عن الحسن، وإنما سمي كرسيا
لتركب بعضه على بعض وثالثها أن المراد بالكرسي ههنا الملك والسلطان والقدرة كما
يقال (اجعل لهذا الحائط كرسيا) أي عمادا يعمد به حتى لا يقع ولا يميل، فيكون معناه:
أحاطت قدرته بالسماوات والارض وما فيهما ورابعها أن الكرسي سرير دون العرش وقد روي
ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام وقريب منه ما روي عن عطاء (5) أنه قال: ما
السماوات والارض عند الكرسي إلا كحلقة خاتم في فلاة، وما الكرسي عند العرش إلا
كحلقة في الفلاة (6)، ومنهم من قال: إن السماوات والارض جميعا على (7) الكرسي، و
الكرسي تحت العرش (8) فالعرش فوق السماوات. وروى الاصبغ بن نباته أن
(1) السجدة: 4. (2) المؤمن: 7. (3)
الحديد: 4. (4) الحاقة: 17. (5) بالمد وقد يقصر. (6) في المصدر: في فلاة. (7) في
بعض النسخ: في الكرسي. (8) في المصدر (تحت الارض كالعرش فوق السماء) والظاهر انه
تصحيف.
[3]
عليا عليه السلام قال: السماوات والارض
وما فيهما من مخلوق في جوف الكرسي (1). وساق الحديث إلى آخره كما سيأتي في رواية
علي بن إبراهيم. (ثم استوى على العرش) منهم من فسر العرش هنا بمعنى الملك، قال
القفال: العرش في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه الملوك، ثم جعل العرش كناية عن
نفس الملك يقال (ثل عرشه) أي انتقص ملكه وقالوا: استوى على عرشه واستقر على سرير
ملكه. ومنهم من فسر العرش بالجسم الاعظم. والاستواء بمعنى الاستيلاء كما مر. قال
الرازي في تفسيره: اتفق المسلمون على أن فوق السماوات جسما عظيما هو العرش، واختلف
في المراد بالعرش هنا، فقال أبو مسلم: المراد أنه لما خلق الله السماوات والارض
سطحها ورفع سمكها، فإن كل بناء يسمى عرشا وبانيه يسمى عارشا، قال تعالى (ومما
يعرشون) (2) والاستواء على العرش هو الاستعلاء عليه بالقهر، والمشهور بين المفسرين
أن المراد بالعرش فيها الجسم العظيم الذي في السماء، وقيل: المراد من العرش الملك،
وملك الله تعالى عبارة عن مخلوقاته ووجود مخلوقاته إنما حصل بعد خلق السماوات
والارض، فلا جرم صح إدخال حرف (ثم) عليه، والحاصل أن المراد استواؤه على عالم
الاجسام بالقهر والقدرة والتدبير والحفظ، يعني أن من فوق العرش إلى ما تحت الثرى في
حفظه وتدبيره وفي الاحتياج إليه (3). (فاسأل به خبيرا) قال الطبرسي - ره -: قيل أي
فاسأل عنه خبيرا والباء بمعنى عن والخبير ههنا هو الله تعالى أو محمد صلى الله عليه
وآله وقيل: إن الباء على أصلها، و المعنى: فاسأل سؤالك (4) أيها الانسان خبيرا
يخبرك بالحق في صفته. وقيل: إن الباء فيه مثل الباء في قولك (لقيت بفلان ليثا) إذا
وصفت شجاعته، والمعنى: إذا
(1) مجمع البيان، ج 4، ص 362. (2) النحل:
68. (3) مفاتيح الغيب: ج 4، 782. (4) بسؤالك (خ).
[4]
رأيته رأيت الشئ المشبه بأنه الخبير به
(1). (الذين يحملون العرش) قال الطبرسي - ره -: عبادة لله وامتثالا لامره (ومن
حوله) يعني الملائكة المطيفين بالعرش وهم الكروبيون وسادة الملائكة (يسبحون بحمد
ربهم) أي ينزهون ربهم عما يصفه به هؤلاء المجادلون، وقيل: يسبحونه بالتسبيح المعهود
ويحمدونه على إنعامه (ويؤمنون به) أي ويصدقونه (2) ويعترفون بوحدانيته (ويستغفرون)
أي ويسألون الله المغفرة (للذين آمنوا) من أهل الارض أي صدقوا بوحدانية الله
واعترفوا بإلهيته وبما يجب الاعتراف به (3) وقال في قوله تعالى (ويحمل عرش ربك
فوقهم): يعني فوق الخلائق (يومئذ) يعني يوم القيامة (ثمانية) من الملائكة عن ابن
زيد، وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله أنهم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة
أيدهم بأربعة اخرى (4) فيكونون ثمانية. وقيل: ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم
عددهم إلا الله تعالى عن ابن عباس (5). وقال الرازي: نقل عن الحسن أنه قال: لا أدري
أنهم ثمانية أشخاص أو ثمانية آلاف يصفون، وحمله على ثمانية أشخاص أولى لما روي أنهم
ثمانية أملاك أرجلهم في تخوم الارض السابعة، والعرش فوق رؤوسهم، وهم يطوفون يسبحون.
وقيل: بعضهم على صورة الانسان، وبعضهم على صورة الاسد، وبعضهم على صورة الثور، و
بعضهم على صورة النسر. وروي: ثمانية أملاك على صورة الاوعال ما بين أظلافها إلى
ركبها مسيرة سبعين عاما. وعن شهر بن حوشب (6): أربعة منهم يقولون:
(1) في مجمع البيان: والمعنى أنك إذا
رأيته رأيت الشئ المشبه به والمعنى فاسأله عنه فانه الخبير ج 7 ص 176. (2) ويصدقون
به (خ). (3) مجمع البيان، ج 8، ص 515. (4) في المصدر: آخرين. (5) مجمع البيان، ج
10، ص 346. (6) شهر بن حوشب مولى اسماء بنت يزيد بن السكين أبو سعيد الشامي، يروى
عن امير =
[5]
(سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك
بعد قدرتك) وأربعة تقول (سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك) (1). 1 -
الخصال والمعاني والعياشي والدر المنثور: في حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه
وآله قال: يا باذر، ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وفضل
العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة (2). 2 - الفقيه والعلل والمجالس
للصدوق: روي عن الصادق عليه السلام أنه سئل: لم سمي (3) الكعبة كعبة ؟ قال: لانها
مربعة، فقيل له: ولم صارت مربعة ؟ قال: لانها بحذاء بيت المعمور وهو مربع، فقيل له:
ولم صار البيت المعمور مربعا ؟ قال: لانه بحذاء العرش وهو مربع، فقيل له: ولم صار
العرش مربعا ؟ قال: لان الكلمات التي بني عليها الاسلام أربع: سبحان الله، والحمد
لله، ولا إله إلا الله والله أكبر (4). بيان وتأويل عليل: قال السيد الداماد - ره -
في بعض تعليقاته على الفقيه: العرش هو فلك الافلاك، وإنما حكم عليه السلام بكونه
مربعا لان الفلك يتعين له بالحركة المنطقة والقطبان، وكل دائرة عظيمة منصفة للكرة،
والفلك يتربع بمنطقة الحركة والدائرة المارة بقطبيها، والعرش وهو الفلك الاقصى
والكرسي وهو فلك الثوابت يتربعان بمعدل النهار ومنطقة البروج والدائرة المارة
بالاقطاب
= المؤمنين عليه السلام وابن عباس وجابر
وام سلمة، وعائشة. قال الخزرجي (خلاصة تذهيب الكمال: 143) وثقه ابن معين واحمد،
وقال النسائي: ليس بالقوى، وقال البخاري وجماعة: مات سنة مائة، وقيل سنة احدى عشرة.
(انتهى) اقول: المراد بقوله (احدى عشرة) مائة واحدى عشرة، ويؤيد القول الاخير في
تاريخ وفاته ما رواه في الكافي عنه عن ابى حمزة الثمالى عن الصادق عليه السلام في
باب قسمة الغنيمة من كتاب الجهاد والله العالم. (2) مفاتيح الغيب: ج 8، ص 284. (2)
معاني الاخبار: 333 الدر المنثور: ج، 1 ص 328 وسيأتى تحت الرقم 10 من هذا الباب.
(3) في العلل، لم سميت. (4) الفقيه: ج 2 ص 201، العلل، ج 2 ص 88.
[6]
الاربعة، وأيضا دائرة الافق على سطح الفلك
الاعلى يتربع بدائرة نصف النهار ودائرة المشرق والمغرب، فيقع منها بينها أرباعها،
ويتعين عليها النقاط الاربع: الجنوب، والشمال، والمشرق والمغرب. والحكماء نزلوا
الفلك منزلة إنسان مستلق على ظهره، رأسه إلى الشمال، ورجلاه إلى الجنوب، ويمينه إلى
المغرب وشماله إلى المشرق. وأيضا التربيع والتسديس أول الاشكال في الدائرة على ما
قد استبان في مظانه، إذا لتربيع يحصل بقطرين متقاطعين على قوائم، والتسديس بنصف
قطر، فإن وتر سدس الدور يساوي نصف القطر، وربع الدور قوس تامة، وما نقصت عن الربع
فمتممها إلى الربع تمامها، وأيضا الفلك الاقصى له مادة، وصورة، و عقل هو العقل
الاول ويقال له عقل الكل، ونفس هي النفس الاولى ويقال لها نفس الكل، فيكون مربعا
وأول المربعات في نظام الوجود، وهنالك وجوه اخرى يضيق ذرع المقام عن بسطها فليتعرف
(انتهى) ولا يخفى عدم موافقتها لقوانين الشرع ومصطلحات أهله، وسيأتي القول فيها،
وقد مر بعض ما يزيفها. 3 - المتهجد والفقيه والتهذيب: في خطبة الاستسقاء: الذي جعل
السماوات لكرسية عمادا، والجبال (1) أوتادا، والارض للعباد مهادا، وملائكته على
أرجائها وحملة عرشه على أمطائها، وأقام يعزته أركان العرش وأشرق بضوئه شعاع الشمس،
وأطفأ (2) بشعائه ظلمة الغطش، وفجر الارض عيونا، والقمر نورا والنجوم بهورا (3). 4
- الاقبال: عن التلعكبري، بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام في دعاء يوم عرفة:
(وأسألك بكل اسم هولك، وكل مسألة حتى ينتهي إلى اسمك الاعظم الاعظم الاكبر الأكبر
العلي الاعلى، الذي استويت به على عرشك، واستقللت به على كرسيك (4).
(1) في الفقيه: والجبال للارض. (2) في
الفقيه: وأحيى. (3) الفقيه: ص 139، ج 16. (4) الاقبال: 374.
[7]
5 - العقائد للصدوق: اعتقادنا في العرش
أنه جملة جميع الخلق، والعرش في وجه آخر هو العلم. وسئل الصادق عليه السلام عن قول
الله عزوجل (الرحمن على العرش استوى) فقال: استوى من كل شئ، فليس شئ أقرب منه من
شئ، وأما العرش الذي هو جملة جميع الخلق فحملته ثمانية من الملائكة، لكل واحد ثماني
أعين، كل عين طباق الدنيا، واحد منهم على صورة بني آدم يسترزق الله تعالى لبني آدم،
وواحد منهم على صورة الثور يسترزق الله تعالى للبهائم كلها وواحد منهم على صورة
الاسد يسترزق الله تعالى للسباع، وواحد منهم على صورة الديك يسترزق الله تعالى
للطيور، فهم اليوم هؤلاء الاربعة فإذا كان يوم القيامة صاروا ثمانية وأما العرش
الذي هو العلم فحملته أربعة من الاولين وأربعة من الآخرين، فأما الاربعة من الاولين
فنوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم السلام، وأما الاربعة من الآخرين فمحمد، وعلي،
والحسن، والحسين عليهم السلام، هكذا روي بالاسانيد الصحيحة عن الائمة عليهم السلام
في العرش وحملته، وإنما صار هؤلاء حملة العرش الذي هو العلم، لان الانبياء الذين
كانوا قبل نبينا محمد صلى الله عليه وآله على شرائع الاربعة من الاولين: نوح، و
إبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم السلام، ومن قبل هؤلاء الاربعة صارت العلوم إليهم، و
كذلك صار العلم بعد محمد صلى الله عليه وآله وعلي والحسن والحسين إلى من بعد الحسين
من الائمة عليهم السلام. اقول: قال الشيخ المفيد - ره -: العرش في اللغة هو الملك،
قال: إذا ما بنوا مروان ثلث (1) عروشهم * وأودت كما أودت أياد وحميره يريد: إذا ما
بنوا مروان هلك ملكهم وبادوا. وقال آخر: أظننت عرشك لا يزول ولا يغير ؟ يعني أظننت
ملكك لا يزول ولا يغير ؟ وقال الله تعالى مخبرا عن واصف ملك
(1) قال الجوهرى، (ثل الله عرشهم) أي هدم
ملكهم، ويقال للقوم إذا ذهب عزهم: قد ثل عرشهم وقال: أودى فلان أي هلك (منه طاب
ثراه).
[8]
ملكة سبأ (وأوتيت من كل شئ ولها عرش عظيم
(1) يريد: ولها ملك عظيم فعرش الله تعالى هو ملكه، واستواؤه على العرش هو استيلاؤه
على الملك والعرب تصف الاستيلاء بالاستواء، قال: قد استوى بشر على العراق * من غير
سيف ودم مهراق يريد به: قد استولى على العراق، فأما العرش الذى تحمله الملائكة فهو
بعض الملك، وهو عرش خلقه الله تعالى في السماء السابعة، وتعبد الملائكة بحمله و
تعظيمه، كما خلق سبحانه بيتا في الارض وأمر البشر بقصده وزيارته والحج إليه
وتعظيمه، وقد جاء الحديث: إن الله تعالى خلق بيتا تحت العرش سماه (البيت المعمور)
تحجه الملائكة في كل عام، وخلق في السماء الرابعة بيتا سماه (الضراح) وتعبد
الملائكة بحجه والتعظيم له والطواف حوله، وخلق البيت الحرام في الارض فجعله تحت
الضراح وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: لو القي حجر من العرش لوقع على ظهر بيت
المعمور ولو القي من البيت المعمور لسقط على ظهر البيت الحرام ولم يخلق الله عرشا
لنفسه يستوطنه، تعالى الله عن ذلك، لكنه خلق عرشا أضافه إلى نفسه تكرمة له وإعظاما،
وتعبد الملائكة بحمله كما خلق بيتا في الارض ولم يخلقه لنفسه ولا يسكنه، تعالى الله
عن ذلك، لكنه خلقه لخلقه، وأضافه إلى نفسه إكراما له وإعظاما، وتعبد الخلق بزيارته
والحج إليه، فأما الوصف للعلم بالعرش فهو في مجاز اللغة دون حقيقتها، ولا وجه لتأول
قوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) بمعنى أنه احتوى على العلم، وإنما الوجه في
ذلك ما قدمناه، والاحاديث التي رويت في صفة الملائكة الحاملين للعرش أحاديث آحاد،
وروايات أفراد، لا يجوز القطع بها ولا العمل عليها، والوجه الوقوف عندها، والقطع
على أن العرش في الاصل هو الملك، والعرش المحمول جزء من الملك تعبد الله بحمله
الملائكة على ما قدمناه.
(1) النمل: 23.
[9]
6 - العقائد: اعتقادنا في الكرسي أنه وعاء
جميع الخلق من العرش و السماوات والارض وكل شئ خلق الله تعالى في الكرسي، وفي وجه
آخر الكرسي هو العلم، وقد سئل الصادق عليه السلام عن قول الله عزوجل (وسع كرسيه
السماوات والارض) قال: علمه. 7 - التوحيد: عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق، عن أحمد بن
محمد بن أبي سعيد عن أحمد بن محمد بن عبد الله الصغدي، عن محمد بن يعقوب العسكري
وأخيه معاذ عن محمد بن سنان الحنظلي، عن عبد الله بن عاصم، عن عبد الرحمن بن قيس،
عن أبي هاشم الرماني (1) عن زاذان، عن سلمان الفارسي، قال: سأل الجاثليق أمير
المؤمنين عليه السلام: أخبرني عن ربك أيحمل أو يحمل ؟ فقال: إن ربنا جل جلاله يحمل
ولا يحمل. قال النصراني: كيف ذلك (2) ونحن نجد في الانجيل (ويحمل عرش ربك فوقهم
يومئذ ثمانية) ؟ فقال علي عليه السلام إن الملائكة تحمل العرش و ليس العرش كما تظن
كهيئة السرير، ولكنه شئ محدود مخلوق مدبر وربك عزوجل مالكه، لاأنه عليه ككون الشئ
على الشئ، وأمر الملائكة بحمله فهم يحملون العرش بما أقدرهم عليه. قال النصراني:
صدقت رحمك الله (3). 8 - الكافي: عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد البرقي، رفعه
قال: سأل الجاثليق أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: أخبرني عن الله عزوجل يحمل
العرش أو (4) العرش يحمله ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: الله عزوجل حامل العرش
والسماوات والارض وما فيهما وما بينهما وذلك قول الله عزوجل: (إن الله يمسك
السماوات والارض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من
(1) الرماني بضم الراء المهملة وتشديد
الميم، قال في خلاصة تذهيب الكمال (ص: 398): اسمه يحيى بن دينار الواسطي، كان نزل
قصر الرمان، وثقه ابن معين والنسائي و أبو زرعة، مات سنة اثنتين وعشرين ومائة. (2)
في المصدر: فكيف ذاك ؟ (3) التوحيد: 232. (4) في المصدر: أم.
[10]
بعده إنه كان حليما غفورا) قال: فأخبرني
عن قوله (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) فكيف ذاك وقلت إنه يحمل العرش
والسماوات والارض ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إن العرش خلقه الله تبارك
وتعالى من أنوار أربعة: نور أحمر منه احمرت الحمرة، ونور أخضر منه أخضرت الخضرة،
ونور أصفر منه اصفرت الصفرة، ونور أبيض منه ابيض البياض، وهو العلم الذي حمله الله
الحملة، و ذلك نور من نور عظمته، فبعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين، وبعظمته ونوره
عاداه الجاهلون، وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات والارض من جميع خلائقه إليه
الوسيلة بالاعمال المختلفة، والاديان المشتبهة (1) فكل [شئ] محمول يحمله الله بنوره
وعظمته وقدرته لا يستطيع لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فكل شئ
محمول والله تبارك وتعالى الممسك لهما أن تزولا، والميحط بهما من شئ وهو حياة كل
شئ، ونور كل شئ، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. قال له: فأخبرني عن الله
عزوجل أين هو ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: هو ههنا وههنا وفوق وتحت ومحيط بنا
ومعنا، وهو قوله (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا
أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا) فالكرسي محيط بالسماوات والارض وما
بينهما وما تحت الثرى وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى، وذلك قوله تعالى (وسع
كرسيه السماوات والارض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم) فالذين يحملون العرش هم
العلماء الذين حملهم الله علمه، وليس يخرج من (2) هذه الاربعة شئ خلق الله في
ملكوته، وهو الملكوت الذي أراه الله أصفياءه، وأره خليله عليه السلام فقال: (و كذلك
نري إبراهيم ملكوت السماوات والارض وليكون من الموقنين) وكيف يحمل حملة العرش الله
وبحياته حييت قلوبهم وبنوره اهتدوا إلى معرفته (3) ؟ !
(1) المتشتته (ح). (2) عن (خ). (3)
الكافي: ج 1، 129.
[11]
توضيح: الجاثليق - بفتح الثاء - رئيس
للنصارى في بلاد الاسلام بمدينة السلام، ذكره الفيروز آبادي. (أن تزولا) أي يمسكهما
كراهة أن تزولا بالعدم والبطلان، أو يمنعهما ويحفظهما أن تزولا، فإن الامساك، متضمن
للمنع والحفظ وفيه دلالة على أن الباقي يحتاج في بقائه إلى المؤثر (إن أمسكهما) أي
ما أمسكهما من أحد (من بعده) أي من بعد الله، أو من بعد الزوال، و (من) الاولى
زائدة للمبالغة في الاستغراق، والثانية للابتلاء (فأخبرني عن قوله) لعله توهم
المنافاة من جهتين: الاولى أن حملة العرش ثمانية وقلت هو سبحانه حامله والثانية أن
الثمانية إذا حملوا عرشه فقد حملوه أيضا لانه على العرش وقلت إنه حامل جميع ما سواه
خلقه الله من أنوار أربعة. اقول: قد تحيرت الافهام في معني تلك الانوار التي هي من
غوامض الاسرار فمنهم من قال هي الجواهر القدسية العقلية التي هي وسائط جوده تعالى،
وألوانها كناية عن اختلاف أنواعها الذي هو سبب اختلاف الانواع الرباعية في هذا
العالم الحسي، كالعناصر والاخلاط وأجناس الحيوانات أعني الانسان والبهائم والسباع
والطيور، ومراتب الانسان أعني الطبع والنفس الحساسة والنفس المتخيلة و العقل،
وأجناس المولدات كالمعدن والنبات والحيوان والانسان. وقيل: إنه تمثيل لبيان تفاوت
تلك الانوار بحسب القرب والبعد من نور الانوار، فالنور الابيض هو الاقرب، والاخضر
هو الابعد، فكأنه ممتزج بضرب من الظلمة، و الاحمر هو المتوسط بينهما، ثم ما بين كل
اثنين ألوان اخرى كألوان الصبح و الشفق المختلفة في الالوان لقربها وبعدها من نور
الشمس. وقيل: المراد بها صفاته تعالى فالاخضر قدرته على إيجاد الممكنات وإفاضة
الارواح التي هي عيون الحياة ومنابع الخضرة، والاحمر غضبه وقهره على الجميع
بالاعدام والتعذيب والابيض رحمته ولطفه على عباده، قال تعالى (أما الذين ابيضت
وجوههم ففي رحمة الله). وأحسن ما سمعته في هذا المقام ما استفدته من والدي العلامة
- رفع الله
[12]
في الجنان مقامه - وملخصه أن لكل شئ شبها
ومثالا في عالم الرؤيا والعوالم التي تطلع عليها الارواح سوى عالم الحس، وتظهر تلك
الصور والمثل على النفوس مختلفة بحسب اختلاف مراتبها في الكمال، فبعض النفوس تظهر
لها صورة أقرب إلى ذي الصورة وبعضها أبدع، وشأن المعبر الكامل أن ينتقل من تلك
الصور إلى ما هي صور لها بحسب أحوال ذلك الشخص، ولذا لا يطلع عليها كما ينبغي إلا
الانبياء والاوصياء عليهم السلام المطلعون على مراتب استعدادات الاشخاص واختلافهم
في النقص والكمال، فالنور الاصفر كناية عن العبادة وصورة لها كما هو المجرب في
الرؤيا أنه إذا رأى العارف في المنام صفرة يوفق بعده لعبادة، كما هو المشاهد في
وجوه المتهجدين، وقد ورد في الخبر أنه ألبسهم الله من نوره لما خلوا به، و النور
الابيض العلم، كما جرب أن من رأى في المنام لبنا أو ماء صافيا يفاض عليه علم خالص
عن الشكوك والشبهات، والنور الاحمر المحبة كما هو المشاهد في وجوه المحبين عند
طغيانها، وجرب أيضا في الرؤيا، والنور الاخضر المعرفة وهو العلم المتعلق بذاته
وصفاته سبحانه كما هو مجرب في الرؤيا، ويومئ إليه ما روي عن الرضا عليه السلام أنه
سئل عما يروى أن محمدا صلى الله عليه وآله رأى ربه في صورة الشاب الموفق في صورة
أبناء ثلثين سنة رجلاه في خضرة، فقال عليه السلام: إن رسول الله عليه السلام حين
نظر إلى عظمة ربه كان في هيئة الشاب الموفق وسن أبناء ثلثين سنة. فقال الراوي: جعلت
فداك من كانت رجلاه في خضرة ؟ قال: ذاك محمد صلى الله عليه وآله كان إذا نظر إلى
ربه بقلبه جعله في نور مثل نور الحجب حتى يستبين له ما في الحجب، إن نور الله منه
أخضر، ومنه أحمر، ومنه أبيض، ومنه غير ذلك (تمام الخبر) لانه صلى الله عليه وآله
كان حينئذ في مقام كمال العرفان، وخائضا في بحار معرفة الحريم المنان، وكانت رجلاه
في النور الاخضر وقائما في مقام بين المعرفة لا يطيقها أحد من الملائكة والبشر
وإنما عبروا بهذه العبارات والكنايات لقصور أفهامنا عن أدراك صرف الحق كما تعرض على
النفوس الناقصة في المنام هذه الصور، ونحن في منام طويل من الغفلة عن المعارف
الربانية، والناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا، والاحوط في أمثال
[13]
هذه الاخبار الايمان بها مجملا، ورد علمها
إليهم عليهم السلام. ثم اعلم أنه على الوجه الاخير الضمير في قوله (وهو العلم) راجع
إلى النور الابيض، وعلى سائر الوجوه راجع إلى العرش، أي وقد يطلق العرش على العلم
أيضا، أو العرش المركب من الانوار الاربعة هو العلم. (أبصر قلوب المؤمنين)) أي ما
أبصروا وعلموا. (عاداه الجاهلون) لان الجهل مساوق الظلمة التي هي ضد النور،
والمعاداة إنما تكون بين الضدين كذا قيل، والاظهر أن المراد به أن غاية ظهوره صارت
سببا لخفائه كما قيل (يا خفيا من فرط الظهور) فإنه لو لم يكن للشمس غروب وافول كان
يشتبه على الناس أن ضوء النهار منها، ولما كان شمس عالم الوجود في نهاية الاستواء
والكمال أبدا وفيضه جار على المواد القابلة دائما يتوهم الملحد الجاهل أنها بأنفسها
موجودة غنية عن العلة أو منسوبة إلى الدهر أو الطبيعة. (ابتغى) أي طلب، ولعل المعنى
أن نوره سبحانه لما طلع على عالم الوجود وآثاره سبحانه ظهر في كل موجود طلبه جميع
الخلق، لكن بعضهم أخطؤوا طريق الطلب وتعيين المطلوب، فصاروا حيارى، فمنهم من يعبد
الصنم لتوهمه أن مطلوبه هناك، ومنهم من يعتقد الدهر أو الطبيعة لزعمه أن أحدهما
إلهه ومدبره، فكل منهم يعلمون اضطرارهم إلى خالق ورازق وحافظ ومدبر، ويطلبونه
ويبتغون إليه الوسيلة، لكنهم لضلالهم (1) وعماهم خاطؤون وعن الحق معرضون، وهذا
المعنى الذي خطر بالبال من غوامض الاسرار، وله شواهد من الاخبار، وإنما أو مأنا
إليه على الاجمال، إذ بسط المقال فيه يؤدي إلى إبداء ما تأبى عنه الاذهان السقيمة
لكن تستعذبه العقول المستقيمة. (الممسك لهما) أي للسماوات والارض (والمحيط) بالجر
عطفا على ضمير لهما و (من) بيان له أي الممسك للشئ المحيط بهما، أو متعلق بقوله (أن
تزولا) وقوله (من شئ) للتعميم ويجوز رفعه بالعطف على الممسك، و (من) بيان لضمير
(1) لضلالتهم (خ).
[14]
(بهما) لقصد زيادة التعميم، أو بيان
لمحذوف يعني المحيط بهما مع ما حوتاه من شئ (وهو حياة كل شئ) أي من الحيوانات أو
الحياة بمعنى الوجود والبقاء مجازا (ونور كل شئ) أي سبب وجوده وظهوره، فالكرسي يمكن
أن يكون المراد تفسير الكرسي أيضا بالعلم (ولا يؤده) أي لا يثقل عليه (هم العلماء)
إذا كان المراد بالعرش عرش العلم كان المراد بالانوار الاربعة صنوف العلم وأنواعه
ولا يخرج عن تلك الانواع أحد، وإذا كان المراد بالانوار نور العلم والمحبة و
المعرفة والعبادة كما مر فهو أيضا صحيح، إذ لا يخرج شئ منها أيضا، إذ مامن شئ إلا
وله عبادة ومحبة ومعرفة وهو يسبح بحمده، وقال الوالد ره: الظاهر أن المراد بالاربعة
العرش والكرسي والسماوات والارض، ويحتمل أن يكون المراد بها الانوار الاربعة التي
هي عبارة عن العرش، لانه محيط على ما هو المشهور. 9 - الكافي: عن أحمد بن إدريس، عن
محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، قال: سألني أبو قرة المحدث أن ادخله على أبي
الحسن الرضا عليه السلام فاستأذنته فأذن لي فدخل، فسأله عن الحلال والحرام، ثم قال
له: أفتقر أن الله محمول ؟ فقال أبو الحسن عليه السلام: كل محمول مفعول به مضاف إلى
غيره محتاج والمحمول اسم نقص في اللفظ، والحامل فاعل، وهو في اللفظ مدحة، وكذلك قول
القائل فوق، وتحت، وأعلى، وأسفل، وقد قال الله ((وله الاسماء الحسنى فادعوه بها)
ولم يقل في كتبه إنه المحمول، بل قال: إنه الحامل في البر والبحر والممسك السماوات
والارض أن تزولا، والمحمول ما سوى الله، ولم يسمع أحد آمن بالله وعظمته قط قال في
دعائه (يا محمول). قال أبو قرة: فإنه قال (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) وقال
(الذين يحملون العرش) فقال أبو الحسن عليه السلام: العرش ليس هو الله، والعرش اسم
علم وقدرة وعرش فيه كل شئ ثم أضاف الحمل إلى غيره خلق من خلقه لانه استعبد خلقه
بحمل عرشه، وهم حملة علمه، وخلقا يسبحون حول عرشه وهم يعملون (1) بعلمه، وملائكة
يكتبون أعمال
(1) في المصدر: يعلمون.
[15]
عباده، واستعبد أهل الارض بالطواف حوله
بيته، والله على العرش استوى، كما قال، والعرش ومن يحمله ومن حول العرش والله
الحامل لهم الحافظ لهم الممسك ا