الى اجزاء البحار الى المكتبة الهاشمية الى الصفحة الرئيسية

بحار الانوار الجزء 54

العلامة المجلسي


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس الله سره) الجزء الرابع والخمسون دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان الطبعة الثالثة المصححة 1403 ه‍ 1983 م دار احياء التراث العربي بيروت لبنان بناية كليوباترا - شارع دكاش ص. ب 7957 / 11 تلفون المستودع: 274696 - 273032 - 278766 المنزل 830711 - 830717 برقيا: التراث تلكس 44632 / LE تراث


 

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتى الحمد لله خالق الارضين والسماوات، وسامك المسموكات، وداحي المدحوات ومخرج عباده إلى النور من الظلمات، مزوج الآباء العلوية (1) امهات السفليات ومثمر المواليد من أرحام الاسطقسات (2) ومظهر الانواع المتوالدة والمتولدة من مشائم القابليات. والصلاة على أشرف الخلائق والبريات وعين أعيان المكونات (3) وأفضل تتائج الآباء والامهات، محمد المصطفى وأهل بيته الاقدسين الذين بهم جرت جميع النعم على الكائنات، وبنورهم يهتدى إلى مناهج السعادات، وبذكر شفاعتهم يشفى غليل صدور أرباب الجرائم والسيئات. اما بعد فيقول أفقر العباد إلى عفو ربه الغافر محمد بن محمد تقي المدعو بباقر رزقهما الله السعادة في اليوم الآخر، وثبت أقدامهما في المزالق والمعاثر (4): هذا هو المجلد الرابع عشر من كتاب بحار الانوار المسمى بكتاب السماء والعالم لاشتماله على كشف الغطاء عن غوامض أسرار الآيات والروايات المتعلقة بخلق اللوح و القلم والعرش والكرسي والحجب والسرادقات والسماوات، وأصناف الملائكة و الكواكب والنجوم وصفاتها وأحكامها وآثارها والارضين والعناصر والمواليد من

 

(1) العلويات (خ ل). (2) الاسطقس: لغة يونانية معناها بالعربية الاصل، وفي اصطلاح الفلاسفة الطبيعيين أبسط أجزاء المركب. (3) المكنونات (خ ل). (4) المزالق والمعاثر: المواضع التى تزل فيها الاقدام (*).

 

[2]

المعادن والنباتات والحيوانات، وخواصها وحلها وحرمتها وصيدها وذبحها، ومنافع الادوية والثمار والحشايش والعقاقير وخواصها وفوائدها، وأحوال الانسان و النفس والروح وتشريح الابدان وعلم الطب، وأحوال البقاع والبلدان والاصقاع وساير ما يتعلق بتلك الاعيان. وهذا مما لم يسبقني إليه أحد من علمائنا والمخالفين وأرجو بفضله سبحانه أن يكون مما تقربه أعين المؤمنين ويسخن (1) عيون المنافقين والملحدين، وأستمد المعونة في ذلك من ربي جل شأنه ثم من موالي الاكرمين وحسبنا الله ونعم الوكيل. (أبواب) * (كليات أحوال العالم وما يتعلق بالسماويات) * 1. (باب) * (حدوث العالم وبدء خلقه وكيفيته وبعض كليات الامور) * (2) الايات: البقرة: هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا ثم استوى إلى السماء فسويهن سبع سماوات وهو بكل شئ عليم (3). الانعام: الحمد لله الذي خلق السماوات وجعل الظلمات النور (4). الاعراف: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش (5).

 

(1) سخنت عينه (بكسر الخاء المعجمة) يسخن (بفتحها): نقيض (قرت) وأسخن عينه وسخنها: أبكاه. (2) الاحوال (خ ل). (3) البقرة: 29. (4) الانعام: 1. (5) الاعراف: 54 (*).

 

[3]

يونس: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الامر (1). هود: وهو الذي خلق السماوات والارض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا (2). الكهف: ما أشهدتهم خلق السماوات والارض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا (3). الانبياء: أولم ير الذين كفروا أن السماوات والارض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شئ حي أفلا يؤمنون (4). الفرقان: الذي خلق السماوات والارض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا (5). التنزيل: الله الذي خلق السماوات والارض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش (6). السجدة: قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين وتجعلون له له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين * ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها و للارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين * فقضيهن سبع سماوات في يومين و أوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم (7).

 

(1) يونس: 3. (2) هود: 7. (3) الكهف: 51. (4) الانبياء: 30. (5) الفرقان: 59. (6) الم السجدة: 4. (7) حم السجدة: 9 - 12.

 

[4]

ق: ولقد خلقنا السماوات والارض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب (1). الحديد: هو الذي خلق السماوات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش (2). النازعات: ءأنتم أشد خلقا أم السماء بناها * رفع سمكها فسويها * وأغطش ليلها وأخرج ضحيها * والارض بعد ذلك دحيها * أخرج منها مائها ومرعيها * والجبال أرسيها * متاعا لكم ولانعامكم (3). الاعلى: سبح اسم ربك الاعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى (4). تفسير: (هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا) امتنان على العباد بخلق ما يتوقف عليه بقاؤهم ويتم به معاشهم ومعنى (لكم) لاجلكم وانتفاعكم في دنياكم باستعمالكم بها في مصالح أبدانكم بوسط أو غير وسط وفي دينكم بالاستدلال والاعتبار والتعرف بما يلائمها من لذات الآخرة وآلامها. وهذا مما يستدل به على إباحة جميع الاشياء إلا ما أخرجه الدليل. و (ما) يعم كل ما في الارض، لا الارض، إلا إذا اريد به جهة السفل كما يراد بالسماء جهة العلو. (جميعا) حال عن الموصول الثاني (ثم استوى إلى السماء (5)) أي قصد إليها بإرادته من قولهم (استوى إليه)

 

(1) ق: 38. (2) الحديد: 4. (3) النازعات: 33 27. (4) الاعلى 1 - 3. (5) قال والراغب في مفرداته: سماء كل شئ أعلاه، قال الشاعر في وصف فرس: وأحمر كالديباج أما سماؤه * فريا وأما أرضه فمحول وسمى المطر سماء لخروجه منها، وسمى النبات سماء إما لكونه من المطر الذى هو سماء وإما لارتفاعه عن الارض. والسماء المقابل للارض مؤنث وقد يذكر، ويستعمل للواحد والجمع لقوله (ثم استوى إلى السماء فسواهن) وقد يقال في جمعها (سماوات) قال: (خلق السموات، قل من رب السماوات) وقال (السماء منفطر به) فذكر وقال: (إذا السماء انشقت) و (إذا السماء انفطرت) فأنث (انتهى ملخصا) (*).

 

[5]

إذا قصده قصدا مستويا من غير أن يلوي على شئ. وقيل: استوى أي استولى وملك قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق والمراد بالسماء الاجرام العلوية أو (1) جهات العلو كما قيل. (فسويهن) أي عدلهن وخلقهن مصونة من العوج والفطور، وقيل: (هن) ضمير السماء إن فسرت بالاجرام لانها جمع أوفي معنى الجمع، وإلا فمبهم يفسره ما بعده كقولهم: ربه رجلا (سبع سماوات) بدل أو تفسير، والسبع لا ينافي التسع التي أثبتوها أصحاب الارصاد، إذ الثامن والتاسع مسميان في لسان الشرع بالكرسي والعرش (2). (وهو بكل شئ عليم) قيل: فيه تعليل كأنه قال ولكونه عالما بتلك الاشياء كلها خلق ما خلق على هذا النمط الاكمل والوجه الانفع، والاستدلال بأن من كان فعله على هذا النسق العجيب والترتيب الانيق كان عليما، وتدل الآية على حدوث السماوات بل الارض أيضا كا سيأتي بيانه. (الحمد لله الذي خلق السماوات والارض) أخبر بأنه تعالى حقيق بالحمد

 

(1) أي (خ ل). (2) غير خفى أن هذا التطيبق مبنى على الفرضية البطلميوسية في الهيئة وهى كون الافلاك الكلية تسعة وفيه جهات من الاشكال. الاولى أن عدد الافلاك بناء على تلك الفرضية تسعة والسماوات سبع بالنص غير القابل للتأويل، وتطبيق الثامن على الكرسي والعرش قول من غير دليل، بل الدليل على خلافه كما سيجئ في معنى العرش والكرسي. الثانية أن القرآن يجعل الكواكب كلها مصابيح للسماء الدنيا (وهى السماء الاولى ظاهرا) لا مثبتا فيها ولا في غيرها من السماوات بل يصرح بأنها تسبح في الفلك، وأما على الفرض المذكور فمحل الثوابت هو الفك الثامن ومحل كل من السيارات التى ينحصر عددها في السبع على الفرض فلك من الافلاك المحوية وكلها مركوزة في الافلاك يستحيل عليها الانتقال وتغير الوضع إلا بتبع الافلاك. الثالثة أن الفلك بمعناه المصطلح في الهيئة القديمة لا أثر منها في الخارج وقد استدل عليه علماء الهيئة الحديثة بدلائل متعددة. إلى غير ذلك (*).

 

[6]

ونبه على أنه المتسحق له على هذه النعم الجسام حمد أو لم يحمد ليكون حجة على الذين هم بربهم يعدلون، وجمع السماوات دون الارض وهي مثلهن لان طبقاتها مختلفة بالذات متفاوتة الآثار والحركات وقدمها لشرفها وعلو مكانها (وجعل الظلمات والنور) أي أنشأهما والفرق بين (خلق) و (جعل) الذي له مفعول واحد أن (خلق) فيه معنى التقدير و (جعل) فيه معنى التضمين، ولذلك عبر عن إحداث النور والظلمة بالجعل تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت الثنوية وجمع الظلمات لكثرة أسبابها والاجرام الحاملة لها أو لان المراد بالظلمة الضلال وبالنور الهدى، والهدى واحد والضلال متعدد. وتقديمها لتقدم الاعدام على الملكات. (في ستة أيام) المشهور أن المراد بالايام هنا مقدار أيام الدنيا، وروي عن ابن عباس أنها من أيام الآخرة كل يوم منها ألف سنة مما تعدون. اقول: وبمثل هذا الخبر لا يمكن صرف الآية عن ظاهرها. ثم إنه سبحانه إنما خلق في هذه المدة مع أنه كان قادرا على خلقها في طرفة عين إما لعبرة من خلقها من الملائكة، إذ الاعتبار في التدريج أكثر كما ورد في الخبر، أو ليعلم بذلك أنها صادرة من قادر مختار عالم بالمصالح ووجوه الاحكام، إذ لو حصلت من مطبوع أو موجب لحصلت في حالة واحدة، أو ليعلم الناس التأني في الامور وعدم الاستعجال فيها كما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام (ولو شاء أن يخلقها في أقل من لمح البصر لخلق ولكنه جعل الاناء (1) والمداراة مثالا لامنائه وإيجابا للحجة على خلقه). واورد هنا إشكال وهو أن اليوم إنما يحصل بحركة الشمس وطلوعها وغروبها فما معنى اليوم ههنا ؟ ويمكن أن يجاب بوجوه: الاول: أن مناط تمايز الايام وتقدرها إنما هو حركة الفلك الاعلى دون السماوات السبع، والمخلوق في الايام المتمايزة إنما هو السماوات السبع و

 

(1) الاناء، بفتح الهمزة اسم من الايناء أي الابطاء والتأخير (*).

 

[7]

الارض وما بينهما دون ما فوقهما، ولا يلزم من ذلك الخلا لتقدم الماء الذي خلق منه الجميع على الجميع. الثاني: أن المراد بالايام الاوقات، كقوله تعالى (ومن يولهم يومئذ دبره) (1). الثالث: أن المراد: في مقدار ستة أيام، ومرجع الجميع إلى واحد، إذ قبل وجود الشمس لا يتصور يوم حقيقة، فالمراد إما مقدار من الزمان مطلقا، أو مقدار حركة الشمس هذا القدر، وعلى التقديرين إما مبني على كون الزمان أمرا موهوما منتزعا من بقائه سبحانه، أو من أول الاجسام المخلوقة كالماء، أو من الارواح المخلوقة قبل الاجسام على القول به، أو من الملائكة كما هو ظاهر الخبر الآتي وإما بالقول بخلق فلك متحرك قبل ذلك بناء على القول بوجود الزمان وأنه مقدار حركة الفلك، فإن التجدد والتقضي والتصرم الذي هو منشأ تحقق الزمان عندهم في الجميع متصور (2).

 

(1) الانفال: 16. (2) يقع الكلام في قوله تعالى (خلق الله السماوات والارض في ستة ايام) تارة في معنى السماوات وماهيتها، واخرى في معنى الايام المذكورة وكيفية تصويرها حين خلق السماوات والارض، وثالثة في معنى الخلق وكيفية وقوعه في برهة من الزمان. اما السماوات فالظاهر من الايات الكريمة والروايات الشريفة انها اجسام لطيفة خلقت من مادة سماها القرآن (دخانا) قال تعالى: ثم استوى إلى السماء وهى دخان إلى ان قال فقضيهن سبع سماوات) لكن قد يستعمل السماء بمعنى الموجود العالي سواء كان علوه حسيا أو غير حسى كما ورد في صعود الاعمال إلى السماء ونزول الارزاق منها إلى غير ذلك، ولعل قوله تعالى (وفتحت السماء فكانت ابوابا) ايضا من هذا القبيل. ثم الظاهر انه كان قبل خلق السماوات والارض شئ سماه القرآن (ماء) وانه مادة جميع الاجسام، قال تعالى (خلق السماوات والارض في ستة ايام وكان عرشه على الماء) ويؤيد ذلك كله روايات كثيرة ستطلع عليها من قريب. والظاهر ان اصل السماء خلق قبل الارض لكن فتقها وتسويتها سبعا وقع بعده، قال تعالى (خلق لكم ما في الارض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات) كما ان الظاهر ان دحو الارض كان بعد تسوية السماوات، قال تعالى (والارض بعد ذلك دحيها) وايضا الظاهر ان الكواكب كلها ولا اقل من المرئية منها تحت (*).

 

[8]

وقال بعض الصوفية: للزمان المادي زمان مجرد كالنفس للجسد، وللمكان

 

السماء الاولى، قال تعالى (وزينا السماء الدنيا بمصابيح) وقال تعالى (انازينا السماء الدنيا بزينة الكواكب). واما الايام فالمتيقن انه لم يكن قبل خلق الارض يوم بمعناه المشهور، اعني ما يحصل من حركة الارض الوضعية، لان هذا المعنى انما يمكن قرضه بعد وجود ارض متحركة: فالمراد بها اما ساعات مساوية لها، أو مقادير اخرى من الزمان اعتبرت أياما بعناية: كما يطلق الايام على السنين والاعوام بلى على القرون والاحقاب وهو استعمال شائع. وعلى أي تقدير فان قيل بوجود الزمان قبل خلق السماوات والارض فلابد من الالتزام بوجود جسم متحرك بحركة جوهرية أو عرضية قبلها - وقد مر استظهار وجود الماء عندئذ - والا فمعنى وقوع خلق السماوات والارض في تلك الازمنة مقارنته لها: ويكفى في المقارنة كونها بحركتها راسمة للزمان. وأما القول بان الزمان امر موهوم منتزع من بقاء ذات الباري سبحانه فان اريد ان ذاته تعالى منشأ لا نتزاعه ففيه مضافا إلى انه ينافى مخلوقيته ان الزمان امر سيال متصرم وحقيقته التجدد والتغير وما هذا شانه يستحيل انتزاعه مما لا سبيل للتغير إليه بوجه، وكذلك القول بانتزاعه من الملائكة أو الارواح، الا ان يقال بكونها اجساما قابلة للحركة فتصير كسائر الاجسام في صحة انتزاع الزمان من حركتها فتأمل. وان اريد انه امر موهوم لا اثر منه في الخارج اصلا فلا يمكن اناطة الابحاث الحقيقية كبحث القدم والحدوث الزمانين وغيره من الابحاث الهامة: مع انه بناء عليه لا يبقى فرق حقيقي بين الحوادث الماضية والاتية ! وسيأتى الكلام فيه. واما الكلام في وقوع الخلق مقارنا للايام الستة فالذي يظهر من الايات الشريفة ان المراد بالخلق ليس هو الاحداث الدفعي بل المراد الايجاد التدريجي: قال تعالى (هو الذى خلق السماوات والارض في ستة ايام) وقال (خلق الارض في يومين) وقال (وجعل فيها رواسي من فوقها و بارك فيها وقدر فيها اقواتها في اربعة ايام) والظاهر انه ليس المراد بهذه الاربعة اياما اخرى غير اليومين الاولين، والا لما بقى لخلق السماوات شئ من ستة ايام، وهو تعالى يقول بعيد هنا (فقضيهن سبع سماوات في يومين) فخلق الارض واكمالها إلى ان تستعد لوجود الرواسى و تهيئة الاقوات كل ذلك وقع في اربعة أيام، الا ان يقال بتداخل ايام خلق السماوات في أيام خلق الارض ووقوع خلق السماوات مقارنا ليومين من ايام خلق الارض وكيف كان فيشبه ان يكون المراد بالايام التى خلقت فيها الارض الادوار التى مرت عليها من حين احداثها إلى ان صارت على حالها هذه واستعدت لنشوء الموجود الحى فيها، فينطبق على ما ذكره علماء (الجيولوجيا) في ادوار الارض بعض الانطباق. وان يكون المراد باليومين اللذين خلق فيهما السماوات الدورتين اللتين مرتا عليها اعني الدورة التى كانت مرتتقة غير متميزة، والدورة التى فتقت وسويت سبع سماوات متميزة. وسيأتى نقلا عن تفسير القمى ان المراد باربعة أيام الفصول الاربعة لانها التى يخرج الله تعالى فيها اقوات الناس والبهائم وسائر الحيوانات والله العالم (*).

 

[9]

المادي مكان مجرد وهما عارضان للمجردات ولا يمكن فهمه وخارج عن طور العقل كسائر خيالاتهم وأقوالهم. وعلى أي حال هذه الآية وما سيأتي من أشباهها تدل على حدوث السماوات والارض وما بينهما لان الحادث في اليوم الاخير مثلا مسبوق بخمسة أيام فيكون متناهي البقاء منقطع الوجود في جهة الماضي، والموجود في اليوم الاول زمان وجوده أزيد على الاخير بقدر متناه فالجميع متناهي الوجود حادث فيرد على الحكماء كون الزمان ايضا حادثا متناهيا لانه عندهم مقدار حركة الفلك. وأما ما ذكره الرازي في تفسيره (1) من أن المراد بستة أيام ستة أحوال (2) وذلك لان السماء والارض وما بينهما ثلاثة أشياء ولكل واحد منهما ذات وصفة فنظرا (3) إلى خلقه (4) ذات السماء حالة، وإلى (5) خلقه (6) صفاتها اخرى، و نظرا (7) إلى خلقه (8) ذات الارض وإلى صفاتها كذلك، ونظرا (9) إلى ذوات ما بينهما وإلى صفاتها اخرى (10) فهي ستة أشياء في ستة أحوال، وإنما ذكر الايام لان الانسان إذا رأى (11) إلى الخلق رآه فعلا، والفعل ظرفه الزمان والايام أشهر الازمنة، وإلا فقبل السماوات لم يكن ليل ولا نهار، وهذا مثل ما يقول القائل لغيره (إن يوما ولدت فيه كان يوما مباركا) وقد يجوز أن يكون ولد ذلك ليلا (12) ولا يخرج عن مراده لان المراد الزمان (13) الذي هو ظرف

 

(1) مفاتيح الغيب، ج 6 ص 751 في تفسير سورة السجدة. (2) في نظر الناظرين (كذا في مفاتيح الغيب). (3 و 7 و 9) فنظر (نسخة). (4 و 6 و 8) خلقة (خ ل). (5) ونظرا لى خلقه (كذا في المدر). (10) صفاتها كذلك (في المصدر). (11) إذا نظر (مفاتيح الغيب). (12) أن يكون ذلك قد ولد ليلا (المصدر). (13) هو الزمان (المصدر) (*).

 

[10]

ولادته. فهو تكلف بعيد مستغنى عنه، وما ذكرنا أقرب إلى لفظ الآية الكريمة وأوفق بالمراد. وسيأتي معاني (1) (العرش) و (استوى (2) عليه). (وكان عرشه على الماء) قال البيضاوي (3): أي قبل خلقهما لم يكن حائل بينهما لا أنه كان موضوعا على متن الماء واستدل به على إمكان الخلاء وأن الماء أول حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم وقيل: كان الماء على متن الريح والله أعلم بذلك (انتهى) وقال الطبرسي (4): وفي هذا دلالة على أن العرش و الماء كانا موجودين قبل خلق السماوات والارض وكان الماء قائما بقدرة الله على غير موضع قرار بل كان الله يمكسه بكمال قدرته وفي ذلك أعظم الاعتبار لاهل الانكار وقيل: المراد (5) بقوله (عرشه) بناؤه يدل عليه (ومما يعرشون) أي يبنون فالمعني (6): وكان بناؤه على الماء، فإن البناء على الماء أبدع وأعجب، عن أبي مسلم (انتهى). وقال الرازي في تفسيره (7): قال كعب: خلق الله تعالى ياقوتة خضراء ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ثم وضع العرش على الماء. قال أبو بكر الاصم: ومعنى قوله (وكان عرشه على الماء) كقولهم السماء على الارض، وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملتصقا بالآخر وكيف كانت الواقعة يدل (8) على أن العرش والماء كانا قبل السماوات والارض قالت المعتزلة: وفي الآية دلالة على وجود الملائكة قبل خلقهما لانه لا يجوز أن

 

(1) في نسخة: بيان العرش. (2) والاستواء (خ ل). (3) أنوار التنزيل، ج 1 س هود ى 7. (4) مجمع البيان، ج 5، سورة هود وليس فيه لفظة الواو. (5) ان المراد (خ ل). (6) والمعنى (خ ل). (7) مفاتيح الغيب ج 5 ص 57 في تفسير سورة هود. (8) فذلك يدل (مفاتيح الغيب للرازي) (*).

 

[11]

يخلق ذلك ولا أحد ينتفع بالعرش والماء (انتهى). وفي بعض الاخبار أن المراد حمل علمه ودينه الماء، وربما يؤول من قال بالهيولى الماء بها. (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) أي خلقهن لحكمة بالغة وهي أن يجعلها مساكن لعباده وينعم عليهم فيها بفنون النعم ويكلفهم ويعرضهم لثواب الآخرة ولما أشبه ذلك اختبار المختبر، قال (ليبلوكم) أي ليفعل بكم ما يفعل المبتلي لاحوالكم كيف تعملون. وعن الصادق عليه السلام: ليس يعني أكثركم عملا ولكن أصوبكم عملا، و إنما الاصابة خشية الله والنية الصادقة. (ما أشهدتهم خلق السماوات والارض) قال الطبرسي (1) ره أي ما أحضرت إبليس وذريته خلق السماوات والارض ولا خلق أنفسهم مستعينا بهم على ذلك، ولا استعنت ببعضهم على خلق بعض، وهذا إخبار عن كمال قدرته و استغنائه عن الانصار والاعوان، ويدل عليه قوله (وما كنت متخذ المضلين عضدا) أي الشياطين الذين يضلون الناس أعوانا يعضدونني عليه، وكثيرا ما يستعمل العضد بمعنى العون (2). وقيل: المعنى أنكم اتبعتم الشياطين كما يتبع من يكون عنده علم لا ينال إلا من جهته وأنا ما طلعتهم على خلق السماوات (3) ولا على خلق أنفسهم، ولم اعطهم العلم بأنه كيف يخلق الاشياء فمن أين يتبعونهم ؟ وقيل: معناه ما أحضرت مشركي العرب وهؤلاء الكفار خلق السماوات والارض ولا بعضهم خلق بعض بل لم يكونوا موجودين فخلقتهم فمن أين قالوا إن الملائكة بنات الله و من أين ادعوا ذلك ؟ (انتهى) وزاد الرازي وجهين آخرين (4): أحدهما أن الضمير عائد إلى الكفار

 

(1) مجمع البيان ج 6 ص 476 في تفسير سورة الكهف ى 51. (2) وانما وحده هنا لوفاق الفواصل (مجمع البيان). (3) والارض (مجمع البيان). (4) نقل عن مفاتيح الغيب، ج 5 ص 729 في تفسير سورة الكهف ملخصا (*).

 

[12]

الذين قالوا له صلى الله عليه وآله: إن لم تطرد عن مجلسك هؤلاء الفقراء فلا نؤمن بك، فكأنه تعالى قال: إن هؤلاء الذين أتوا بهذا الاقتراح الفاسد والتعنت الباطل ما كانوا شركائي في خلق العالم وتدبير الدنيا والآخرة بل هم كسائر الخلق، فلم أقدموا على هذا الاقتراح ؟ ونظيره أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له: لست بسلطان البلد ولا وزير الملك حتى نقبل منك هذه الاقتراحات. وثانيهما: أن يكون المراد هؤلاء الكفار أيضا ويكون المعنى: أنتم جاهلون بما جرى به القلم من أحوال السعادة والشقاوة فكيف يمكنكم أن تحكموا لانفسكم بالرفعة والكمال والعلو ولغيركم بالذل والدفاءة (انتهى). وروى العياشي عن الباقر عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: اللهم أعز (1) الاسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام فأنزل الله هذه الآية يعنيهما. وفي الكافي (2) عن الجواد عليه السلام: إن الله تعالى لم يزل متفردا بوحدانيته، ثم خلق محمدا وعليا وفاطمة فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الاشياء فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها، وفوض أمرها (3) إليهم (الخبر) وهذا الخبر صريح في حدوث جميع أجزاء العالم. (أولم ير الذين كفروا) قال الطبرسي ره: استفهام يراد به التقريع (4) والمعنى: أو لم يعلموا أن الله سبحانه (5) الذي يفعل هذه الاشياء ولا يقدر عليها غيره فهو الاله المستحق للعبادة دون غيره (أن السماوات والارض كانتا رتقا ففتقناهما) تقديرها: كانتا ذواتي رتق (6) والمعنى: كانتا ملتزقتين منسدتين ففصلنا

 

(1) أعن (خ ل). (2) ج 1 ص 440 من الطبعة الحديثة. (3) في المصدر: امورها. (4) التقريع: التعنيف والعتاب الشديد. (5) في المصدر: أنه سبحانه. (6) في المصدر: تقديره: كانتا ذواتي رتق فجعلناهما ذواتي فتق (*).

 

[13]

بينهما بالهواء، عن ابن عباس وغيره (1). وقيل: كانت السماوات مرتتقة مطبقة ففتقناها سبع سماوات، وكانت الارض كذلك ففتقناها سبع أرضين، عن مجاهد و السدي. وقيل: كانت السماء رتقا لا تمطر، والارض رتقا لا تنبت، ففتقنا السماء بالمطر والارض بالنبات، عن عكرمة وعطية وابن زيد، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام (2) (انتهى). وقال الرازي: الرؤية إما بمعنى الابصار أو العلم، والاول مشكل لان القوم ما رأوهما، ولقوله تعالى (ما أشهدتهم خلق السماوات والارض) والثاني أيضا مشكل لان (3) الاجسام قابلة للرتق والفتق في أنفسها فالحكم عليها بالرتق أولا وبالفتق ثانيا لا سبيل إليه إلا السمع، والمناظرة مع الكفار المنكرين للرسالة، فكيف يجوز مثل هذا الاستدلال ؟ ودفع الاشكال بعد اختيار الثاني بوجوه: أحدها أنا نثبت نبوة محمد صلى الله عليه وآله بسائر المعجزات ثم نستدل بقوله، ثم نجعلهما دليلا على حصول المصالح في العالم وانتفاء الفساد عنه. وثانيها أن نحمل الرتق والفتق على إمكانهما والعقل يدل عليه لان الاجسام يصح عليها الاجتماع و الافتراق فاختصاصها بالاجتماع دون الافتراق أو بالعكس يستدعي مخصصا وثالثها أن اليهود والنصارى كانوا عالمين بذلك، فإنه جاء في التوراة أن الله تعالى خلق جوهرة ثم نظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء، ثم خلق السماوات والارض وفتق بينهما. وكان بين عبدة الاوثان وبين اليهود نوع صداقة بسبب الاشتراك في عداوة محمد صلى الله عليه وآله فاحتج الله تعالى عليهم بهذه الحجة بناء على أنهم يقبلون قول اليهود في ذلك. ثم قال: اختلف المفسرون في المراد من الرتق والفتق على أقوال: أحدها وذكر الوجه الاول من وجوه الطبرسي ثم قال: هذا القول يوجب أن خلق

 

(1) في المصدر: عن ابن عباس والضحاك وعطاء وقتادة. (2) مجمع البيان، ج 7 ص 45. (3) في بعض النسخ: لان القوم ما رأوا الاجسمام القابلة (*).

 

[14]

الارض مقدم على خلق السماء لانه تعالى لما فصل بينهما ترك الارض حيث هي وأصعد الاجزاء السماوية، قال كعب: خلق الله السماوات والارضين ملتصقتين ثم خلق ريحا توسطهما ففتقاتبها، ثم ذكر الثاني والثالث ورجح الثالث بقوله تعالى (والسماء ذات الرجع والارض ذات الصدع) وبقوله سبحانه (وجعلنا من الماء كل شئ حي) ثم قال: ورابعها قول أبي مسلم الاصفهاني، قال: يجوز أن يراد بالفتق، الايجاد والاظهار كقوله (فاطر السماوات والارض) فأخبر عن الايجاد بلفظ الفتق، وعن الحال قبل الايجاد بلفظ الرتق. اقول: وتحقيقته أن العدم نفي محض فليس فيه ذوات متميزة، وأعيان متبائنة بل كأنه أمر واحد متصل متشابه، فإذا وجدت الحقائق فعند الوجود والتكوين يتميز بعضها عن بعض، فبهذا الطريق جعل الرتق مجازا عن العدم، والفتق عن الوجود. وخامسها أن الليل سابق على النهار بقوله (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار) فكانت السماوات والارض مظلمة ففتقهما الله بإظهار النهار المبصرة (انتهى) (1). وأقول: سيأتي في الاخبار ما يؤيد الوجه الثالث، ويومئ بعض خطب أمير المؤمنين عليه السلام إلى الثاني كما ستعرف. وروى الكليني في الروضة عن عدة من أصحابه عن أحمد بن محمد بن خالد عن الحسن بن محبوب عن أبي حمزة الثمالي (2)

 

(1) مفاتيح الغيب، ج 6 ص 144 (نقل عنه ملخصا) (2) في المصدر: (عن الحسن بن محبوب عن أبى حمزة ثابت بن دينار الثمالى، و أبو منصور عن أبى الربيع).. والحسن بن محبوب السراد ويقال الزراد مولى بجيلة كوفى ثقة جليل القدر من أصحاب الكاظم والرضا عليهما السلام وروى عن ستين رجلا من أصحاب أبى عبد الله عليه السلام مات رحمه الله سنة (224) وكان من ابناء خمس وسبعين سنة. و أبو