بحار الانوار الجزء
53
العلامة المجلسي
[1]
بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة
الأطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الأمة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس
الله سره " الجزء الثالث والخمسون دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان
[2]
الطبعة الثالثة المصححة 1403 ه - 1983 م
دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان - بناية كليوباترا - شارع دكاش ص. ب 7957 /
11 تلفون المستودع: 274696 - 273032 - 278766 - المنزل 830711 - 830717 برقيا:
التراث - تلكس 44632 / LE تراث
[3]
كلمة تفضل بافادتها الحبر العلام حجة
الاسلام الحاج الميرزا أبو الحسن الشعراني دامت بركاته بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلوة على عباده الذين اصطفى. وبعد فيقول العبد أقل خدمة أهل العلم أبو
الحسن بن محمد المدعو بالشعراني أصلح الله حاله: إن كتاب بحار الانوار للشيخ الجليل
المحدث العلامة الحفظة محمد باقر بن محمد تقي المجلسي قدس الله روحه باتفاق أهل
الحل والعقد من علماء أهل البيت أجمع الكتب المصنفة لشتات الأحاديث الشريفة وأشملها
لمتفرقات الأخبار المنيفة وأحصاها لأغراض المذهب وأبينها لمقاصد رواد هذا المشرب
وأكملها في نقل أقوال العلماء، وأسهلها لطالبي الارتواء مع غزارة مادتها وهو بحيث
لا يستغني عنه أحد من المنتحلين إلى الدين سواء كان فقيها أو محدثا أو واعظا أو
مؤرخا أو مفسرا أو متكلما، بل ولو فيلسوفا حكيما إلهيا لجمعه جميع الأغراض، نعم لا
يجوز الغوص في البحار إلا للماهر في السباحة حتى لا يغرق في تيار أمواجها، ولا
يجتني من قعرها إلا درها من أثباجها. وكان مؤلفها أعلى الله مقامه وفق للعثور على
كنوز علم لا يتفق لكل أحد فقد اجتمع عنده من كتب أصحابنا الأوائل والنسخ النادرة
الوجود ما لا يحصل في كل زمان وكل بلد فاغتنم الفرصة وجمعها في كتاب لئلا تتفرق
وتضيع ولو كان غرضه الاكتفاء بنقل السمين وترك الغث لفعل لكن لم يفعل لأغراض ولعل
منها قصر الوقت وضيق الفرصة أو فتح باب الاجتهاد ودفع توهم من يظن أن المحدثين
يتركون ما يخالف غرضهم ويباين مذهبهم عمدا حسما لاحتجاج الخصم به كما ترك بعضهم من
غيرنا نقل حديث الغدير فجمع رحمه الله كل شئ وجده وترك البحث فيها لمن بعده.
[4]
وكان هذا الكتاب مع سعته وطوله وثقل حجمه
وكثرة أجزائه مرغوبا متداولا، وقد طبع جميع مجلداته وأحسن الطبعات هي المشهورة بطبع
الكمباني مشتملة على جميع أجزاء الكتاب إذ تصدى لتصحيحها ومقابلتها جماعة من أعاظم
علماء وقته من الماهرين في الأدب والحديث المتتبعين للكتب بعناية تامة، إلا أن
الزمان طال عليها، وفقدت نسخه في زماننا مع كثرة طالبيه، وزاد قيمتها على طاقة
المستفيدين، وربما اجتهد أحدهم في الطلب حتى يحصل على دورة كاملة فلا يرجع إلا بخفي
حنين ولا يتفق له إلا مجلدات مبتورة بعد أعوام وسنين، إلى أن حدا دواعي النفوس
جماعة إلى تجديد طبعه فشرعوا فيه وخرج منه مجلدات بجهد جهيد وكد كديد وحدثت حوادث
فحالت بينهم وبين الطبع موانع الأسباب وقصرت بهم الازمات، وبذل الناس لطبعه أموالا
جزيلة رجاء الحصول على أمل لم يتحقق فأيسوا عن الكتاب وعما بذلوا حتى وكان يسئل
بعضهم بعضا " متى هذا الوعد إن كنتم صادقين " وكان الجواب لن يخرج إلى الوجود " ما
اختلف الملوان وتعاقب العصران وكر الجديدان واستقبل الفرقدان ". إلى أن طلع نجم
ولاح ضوء وبرق لامع واستنار أفق، أزال ظلمة اليأس وتصدى له من لا يثنيه عن عزمه
الحدثان، ولا يبطئه تلاعب الأزمان، ووقعت القوس في يد باريها، وظهر بعض مجلدات
الكتاب مطبوعة على أحسن صورة وكانت بشارة بسرعة العمل ووعدا قريبا بحصول الأمل من
المكتبة الاسلامية الشريفة المشهورة باتقان الصنع وإنجاز الوعد والاسراع في الوفاء
بالعهد، وكان من محاسن ما رأيت من الأجزاء المطبوعة، الصحة ومطابقة نسخة الكمباني،
ويزيد عليها بذكر بعض كلمات تخالف المصادر ومما يمتاز به إنشاء الله أن يتجرد عن
ذكر أمور تافهة لا تسمن ولا تغني من جوع ولا فائدة فيها، ولا حاجة للعلماء إليها
ولا يعجز عنها احد وصرف الوقت والعمل فيها تسويف بغير علة وترجئة لغير سبب وهم إلى
أصل الكتاب أحوج، والاسراع إلى إكمال الطبع عندهم أرضى وأحب. وفق الله الناشرين
والمصححين والساعين في طبع الكتب الدينية وشركهم في ثواب علم العالمين وعمل
العاملين بمحمد وآله الطاهرين.
[1]
بسم الله الرحمن الرحيم 25 (باب) * (ما
يكون عند ظهوره عليه السلام) * (برواية المفضل بن عمر) أقول: روي في بعض مؤلفات
أصحابنا، عن الحسين بن حمدان، عن محمد ابن إسماعيل وعلي بن عبد الله الحسني، عن أبي
شعيب [و] محمد بن نصير، عن عمر بن الفرات، عن محمد بن المفضل، عن المفضل بن عمر (1)
قال: سألت سيدي الصادق عليه السلام هل للمأمور المنتظر المهدي عليه السلام من وقت
موقت يعلمه الناس ؟ فقال: حاش لله أن يوقت ظهوره بوقت يعلمه شيعتنا، قلت: يا سيدي
ولم ذاك ؟ قال: لأنه هو الساعة التي قال الله تعالى: " ويسئلونك عن الساعة
(1) عنونه النجاشي ص 326 وقال: " أبو عبد
الله وقيل أبو محمد الجعفي، كوفي فاسد المذهب، مضطرب الرواية، لا يعبأ به، وقيل انه
كان خطابيا، وقد ذكرت له مصنفات لا يعول عليها " وعنونه العلامة في الخلاصة وقال: "
متهافت، مرتفع القول، خطابي " وزاد الغضائري: " أنه قد زيد عليه شئ كثير وحمل
الغلاة في حديثه حملا عظيما لا يجوز أن يكتب حديثه ". أقول: كيف يكون في أصحاب
الائمة عليهم السلام رجل فاسد المذهب، كذاب غال، مع أنهم عليهم السلام كانوا
متوسمين: يعرفون كلا بسيماه وحليته وسريرته، وقد روى أنهم كانوا يحجبون بعض شيعتهم
عن الورود عليهم، لفسقه أو فساد عقيدته أو عدم تحرجه عن الاثام. فكيف لم يحجبوا
مفضل بن عمر وأضرابه الموصوفين بكذا وكذا، ولم يلعنوهم =
[2]
أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا
يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات و الأرض " (1). الآية [وهو الساعة التي قال
الله تعالى " يسئلونك عن الساعة أيان مرساها "] (2) وقال " عنده علم الساعة " (3)
ولم يقل إنها عند أحد وقال " فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها
" الآية (4) وقال " اقتربت الساعة وانشق القمر " (5) وقال " ما يدريك لعل الساعة
تكون قريبا " (6) " يستعجل بها (7) الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها
ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد ". قلت: فما معنى
يمارون ؟ قال: يقولون متى ولد ؟ ومن رأى ؟ وأين يكون ؟ ومتى يظهر ؟ وكل ذلك
استعجالا لأمر الله، وشكا في قضائه، ودخولا في قدرته * (هامش ص 2) * (1) الاعراف:
186. (2) النازعات: 42، والظاهر أنها تكرار. (3) لقمان: 34 والزخرف: 61. (4)
القتال: 18. (5) القمر: 1. (6) الاحزاب: 63. (7) وقبله: وما يدريك لعل الساعة قريب
يستعجل " الاية 17 و 18 من سورة الشورى.= ولم يكذبوهم ولم يطردوهم ؟. بل الظاهر
الحق ان مفضل بن عمر الجعفي، وجابر بن يزيد الجعفي، ويونس بن ظبيان وأضرابهم ممن
أخذوا عن الصادقين عليهما السلام كانوا صحيحي الاعتقاد، صالحي الرواية، صادقي
اللهجة متحرجين عن الكذب وسائر الاثام، غير أنه قد كذب عليهم، وزيد في رواياتهم،
واختلق عليهم، وانما أتوا من قبل الغلاة وأشباههم ممن أرادوا أن يهدموا أساس
المذهب، فكذبوا وزادوا واختلقوا أحاديث ونسبوه إلى أصحاب الائمة الصادقين نصرة
لمذهبهم وترويجا لمرامهم الفاسد كما فعلت المرجئة والقدرية، فوضعوا أحاديث ونسبوه
إلى المعروفين من أصحاب رسول الله. فإذا لابد وان نحقق عن حال من اسند عنه فنرى في
الحديث محمد بن نصير وهو النميري الكذاب الغال الخبيث المدعى للنيابة على ما في
غيبة الشيخ ص 250 - وقد مر في ج 51 ص 367 و 368 شطر من ترجمته - يروى عن عمر بن
الفرات الكاتب البغدادي = (*)
[3]
أولئك الذين خسروا الدنيا وإن للكافرين
لشر مآب. قلت: أفلا يوقت له وقت ؟ فقال: يا مفضل لا اوقت له وقتا ولا يوقت له وقت،
إن من وقت لمهدينا وقتا فقد شارك الله تعالى في علمه، وادعى أنه ظهر على سره، وما
لله من سر إلا وقد وقع إلى هذا الخلق المعكوس الضال عن الله الراغب عن أولياء الله،
وما لله من خبر إلا وهم أخص به لسره، وهو عندهم وإنما ألقى الله إليهم ليكون حجة
عليهم. قال المفضل: يا مولاي ! فكيف بدؤ ظهور المهدي عليه السلام وإليه التسليم ؟
قال عليه السلام: يا مفضل يظهر في شبهة ليستبين، فيعلو ذكره، ويظهر أمره، وينادي
باسمه وكنيته ونسبه ويكثر ذلك على أفواه المحقين والمبطلين والموافقين والمخالفين
= الغالي ذو المناكير، عن محمد بن المفضل
بن عمر: مهمل أو مجهول، ولكن الظاهر أن الكذب انما جاء من قبل البغدادي الكاتب ذي
المناكير، وهو الذي كتب وصنف هذا الحديث وسردها بطوله، أو الجاعل هو نفس النميري.
ولذلك ترى أنه يعرف في طيه محمد بن نصير النميري بعنوان نيابة الامام عليه السلام
وأنه يقعد بصابر وهو اسم سكة في مرو، مع ما مر في ج 51 ص 368 عن غيبة الشيخ انه كان
يدعى انه رسول نبي ويقول بالتناسخ ويقول في أبي الحسن الهادي بالربوبية ويقول
بالاجابة للمحارم وتحليل نكاح الرجال وأنه من التواضع. فاعتمد الكاتب إلى أحاديث
صحيحة أو حسنة، واخرى ضعيفة أو مجعولة، فزاد عليها من مخائله. وجمع بين مضامينها
ولعب فيها كالقصاصين الدجالين فراجع ج 52 باب 23 و 24 ترى مضامين هذا الحديث منبثة
فيها بين صحيح وسقيم. فالرجل - أعني المفضل بن عمر الجعفي - من أصحاب الصادق
الممدوحين وقد عده الشيخ المفيد في الارشاد ص 270 من شيوخ أصحاب أبي عبد الله عليه
السلام وخاصته وبطانته وثقاته الفقهاء الصالحين رحمة الله عليهم، وبذلك وصفه الشيخ
في كتاب الغيبة ص 223 وروى في مدحه أحاديث، وروى الكشى في ص 206 و 256 أحاديث في
مدحه، وذكر الكليني في روضة الكافي ص 373 حديثا يقتضى مدحه والثناء عليه، فراجع.
[4]
لتلزمهم الحجة بمعرفتهم به على أنه قد
قصصنا ودللنا عليه، ونسبناه وسميناه وكنيناه، وقلنا سمي جده رسول الله صلى الله
عليه وآله وكنيه لئلا يقول الناس: ما عرفنا له اسما ولا كنية ولا نسبا. والله
ليتحقق الايضاح به وباسمه ونسبه وكنيته على ألسنتهم، حتى ليسميه بعضهم لبعض، كل ذلك
للزوم الحجة عليهم، ثم يظهره الله كما وعد به جده صلى الله عليه وآله في قوله عزوجل
" هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون "
(1). قال المفضل: يا مولاي فما تأويل قوله تعالى: " ليظهره على الدين كله ولو كره
المشركون " قال عليه السلام: هو قوله تعالى " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون
الدين كله لله " (2) فوالله يا مفضل ليرفع عن الملل والأديان الاختلاف ويكون الدين
كله واحدا كما قال جل ذكره " إن الدين عند الله الإسلام " (3) وقال الله " ومن يبتغ
غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين " (4). قال المفضل: قلت:
يا سيدي ومولاي والدين الذي في آبائه إبراهيم ونوح وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه
وآله هو الاسلام ؟ قال: نعم يا مفضل، هو الاسلام لا غير. قلت: يا مولاي أتجده في
كتاب الله ؟ قال: نعم من أوله إلى آخره ومنه هذه الآية " إن الدين عند الله الاسلام
" وقوله تعالى " ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين " (5) ومنه قوله تعالى في قصة
إبراهيم وإسماعيل " واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك " (6) وقوله تعالى
في قصة فرعون " حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو
إسرائيل وأنا من المسلمين " (7) وفي قصة سليمان وبلقيس " قبل أن يأتوني مسلمين "
وقولها " أسلمت مع سليمان لله
(1) براءة: 34. (2) الانفال: 39. (3) آل
عمران: 19. (4) آل عمران: 85. (5) الحج: 78. (6) البقرة: 128. (7) يونس: 90.
[5]
رب العالمين " (1). وقول عيسى عليه السلام
" من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون "
(2) وقوله عزوجل " وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها " (3) وقوله في قصة
لوط " فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين " (4) وقوله " قولوا آمنا بالله وما أنزل
إلينا - إلى قوله - لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون " (5) وقوله تعالى " أم
كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت - إلى قوله - ونحن له مسلمون " (6). قلت: يا سيدي كم
الملل ؟ قال: أربعة وهي شرائع قال المفضل: قلت: يا سيدي المجوس لم سموا المجوس ؟
قال عليه السلام: لأنهم تمجسوا في السريانية وادعوا على آدم وعلى شيث وهو هبة الله
أنهما أطلقا لهم نكاح الامهات والأخوات والبنات والخالات والعمات والمحرمات من
النساء، وأنهما أمراهم أن يصلوا إلى الشمس حيث وقفت في السماء ولم يجعلا لصلاتهم
وقتا، وإنما هو افتراء على الله الكذب وعلى آدم وشيث عليهما السلام. قال المفضل: يا
مولاي وسيدي لم سمي قوم موسى اليهود ؟ قال عليه السلام: لقول الله عزوجل " إنا هدنا
إليك " (7) أي اهتدينا إليك قال: فالنصارى ؟ قال عليه السلام: لقول عيسى عليه
السلام " من أنصاري إلى الله " وتلا الآية (8) إلى آخرها فسموا النصارى لنصرة دين
الله ؟ قال المفضل: فقلت: يا مولاي فلم سمي الصابئون الصابئين ؟ فقال عليه السلام:
إنهم صبوا إلى تعطيل الأنبياء والرسل والملل والشرائع، وقالوا: كلما جاؤا به باطل،
فجحدوا توحيد الله تعالى، ونبوة الأنبياء، ورسالة المرسلين، ووصية
(1) النمل: 31 و 44. (2) آل عمران: 52.
(3) آل عمران: 83. (4) الذاريات: 36. (5) البقرة: 136. (6) البقرة: 133. (7)
الاعراف: 155. (8) آل عمران: 52.
[6]
الأوصياء، فهم بلا شريعة ولا كتاب ولا
رسول، وهم معطلة العالم. قال المفضل: سبحان الله ما أجل هذا من علم ؟ قال عليه
السلام: نعم، يا مفضل فألقه إلى شيعتنا لئلا يشكوا في الدين. قال المفضل: يا سيدي
ففي اي بقعة يظهر المهدي ؟ قال عليه السلام: لا تراه عين في وقت ظهوره إلا رأته كل
عين، فمن قال لكم غير هذا فكذبوه. قال المفضل: يا سيدي ولا يرى وقت ولادته ؟ قال:
بلى والله، ليرى من ساعة ولادته إلى ساعة وفاة أبيه سنتين وتسعة أشهر أول ولادته
وقت الفجر من ليلة الجمعة، لثمان خلون من شعبان سنة سبع وخمسين ومائتين إلى يوم
الجمعة لثمان خلون من ربيع الأول من سنة ستين ومائتين وهو يوم وفاة أبيه بالمدينة
التي بشاطئ دجلة يبنيها المتكبر الجبار المسمى باسم جعفر، الضال الملقب بالمتوكل
وهو المتأكل لعنه الله تعالى وهي مدينة تدعى بسر من رأى وهي ساء من رأى، يرى شخصه
المؤمن المحق سنة ستين ومائتين ولا يراه المشكك المرتاب، وينفذ فيها أمره ونهيه،
ويغيب عنها فيظهر في القصر بصابر (1) بجانب المدينة في حرم جده رسول الله صلى الله
عليه وآله فيلقاه هناك من يسعده الله بالنظر إليه، ثم يغيب في آخر يوم من سنة ست
وستين ومائتين فلا تراه عين أحد حتى يراه كل أحد وكل عين. قال المفضل: قلت: يا سيدي
فمن يخاطبه ولمن يخاطب ؟ قال الصادق عليه السلام: تخاطبه الملائكة والمؤمنون من
الجن ويخرج أمره ونهيه إلى ثقاته وولاته ووكلائه ويقعد ببابه محمد بن نصير النميري
في يوم غيبته بصابر ثم يظهر بمكة. ووالله يا مفضل كأني أنظر إليه دخل مكة وعليه
بردة رسول الله صلى الله عليه وآله، وعلى رأسه عمامة صفراء، وفي رجليه نعلا رسول
الله صلى الله عليه وآله المخصوفة وفي يده هراوته عليه السلام يسوق بين يديه عنازا
عجافا (2) حتى يصل بها نحو البيت
(1) صابر بفتح الباء كهاجر سكة في مرو
قاله الفيروز آبادي. (2) عناز بالكسر " جمع عنز وهي الانثى من المعز، وقيل إذا أتى
عليها حول. وعجاف - أيضا بالكسر - جمع عجفاء وهي المهزولة الضعيفة والهراوة: هي
العصا الضخمة.
[7]
ليس ثم احد يعرفه، ويظهر وهو شاب. قال
المفضل: يا سيدي يعود شابا أو يظهر في شيبة ؟ فقال عليه السلام: سبحان الله وهل
يعرف ذلك ؟ يظهر كيف شاء وبأي صورة شاء إذا جاءه الأمر من الله تعالى مجده وجل
ذكره. قال المفضل: يا سيدي فمن أين يظهر وكيف يظهر ؟ قال: يا مفضل يظهر وحده ويأتي
البيت وحده، ويلج الكعبة وحده، ويجن عليه الليل وحده، فإذا نامت العيون و غسق الليل
نزل إليه جبرئيل وميكائيل عليهما السلام، والملائكة صفوفا فيقول له جبرئيل: يا سيدي
قولك مقبول، وأمرك جائز، فيمسح عليه السلام يده على وجهه ويقول: " الحمد لله الذي
صدقنا وعده، وأورثنا الأرض نتبوء من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين " (1). ويقف
بين الركن والمقام، فيصرخ صرخة فيقول: يا معاشر نقبائي وأهل خاصتي ومن ذخرهم الله
لنصرتي قبل ظهوري على وجه الأرض ! ائتوني طائعين ! فترد صيحته عليه السلام عليهم
وهم على محاريبهم، وعلى فرشهم، في شرق الأرض وغربها فيسمعونه في صيحة واحدة في أذن
كل رجل، فيجيئون نحوها، ولا يمضي لهم إلا كلمحة بصر، حتى يكون كلهم بين يديه عليه
السلام بين الركن والمقام. فيأمر الله عزوجل النور فيصير عمودا من الأرض إلى السماء
فيستضئ به كل مؤمن على وجه الأرض، ويدخل عليه نور من جوف بيته، فتفرح نفوس المؤمنين
بذلك النور، وهم لا يعلمون بظهور قائمنا أهل البيت عليه وعليهم السلام. ثم يصبحون
وقوفا بين يديه، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا بعدة أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وآله يوم بدر. قال المفضل: يا مولاي يا سيدي فاثنان وسبعون رجلا الذين قتلوا مع
الحسين بن علي عليهما السلام يظهرون معهم ؟ قال: يظهر منهم أبو عبد الله الحسين بن
علي عليهما السلام في اثني عشر ألفا مؤمنين من شيعة علي عليه السلام وعليه عمامة
سوداء.
(1) الزمر: 74.
[8]
قال المفضل: يا سيدي فبغير سنة القائم
عليه السلام بايعوا له قبل ظهوره وقبل قيامه ؟ فقال عليه السلام: يا مفضل كل بيعة
قبل ظهور القائم عليه السلام فبيعته كفر ونفاق وخديعة، لعن الله المبايع لها
والمبايع له، بل يا مفضل يسند القائم عليه السلام ظهره إلى الحرم، ويمد يده فترى
بيضاء من غير سوء ويقول: هذه يد الله، وعن الله، وبأمر الله ثم يتلو هذه الآية: "
إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فانما ينكث على
نفسه " (1) الآية. فيكون أول من يقبل يده جبرئيل عليه السلام ثم يبايعه وتبايعه
الملائكة ونجباء الجن، ثم النقباء ويصبح الناس بمكة، فيقولون: من هذا الرجل الذي
بجانب الكعبة ؟ وما هذا الخلق الذين معه ؟ وما هذه الآية التي رأيناها الليلة ولم
تر مثلها ؟ فيقول بعضهم لبعض: هذا الرجل هو صاحب العنيزات (2). فيقول بعضهم لبعض:
انظروا هل تعرفون أحدا ممن معه، فيقولون: لا نعرف أحدا منهم إلا أربعة من أهل مكة،
وأربعة من أهل المدينة، وهم فلان وفلان و يعدونهم بأسمائهم، ويكون هذا أول طلوع
الشمس في ذلك اليوم، فإذا طلعت الشمس وأضاءت صاح صائح بالخلائق من عين الشمس بلسان
عربي مبين، يسمع من في السماوات والأرضين: يا معشر الخلائق ! هذا مهدي آل محمد -
ويسميه باسم جده رسول الله صلى الله عليه وآله ويكنيه، وينسبه إلى أبيه الحسن
الحادي عشر إلى الحسين بن علي صلوات الله عليهم أجمعين - بايعوه تهتدوا، ولا
تخالفوا أمره فتضلوا. فأول من يقبل يده الملائكة، ثم الجن، ثم النقباء ويقولون:
سمعنا وأطعنا ولا يبقى ذو اذن من الخلائق إلا سمع ذلك النداء، وتقبل الخلائق من
البدو والحضر والبر والبحر، يحدث بعضهم بعضا ويستفهم بعضهم بعضا ما سمعوا بآذانهم.
فإذا دنت الشمس للغروب، صرخ صارخ من مغربها: يا معشر الخلائق قد ظهر ربكم بوادي
اليابس من أرض فلسطين وهو عثمان بن عنبسة الاموي من ولد
(1) الفتح: 10. (2) العنيزات: جمع عنيزة
وهي تصغير عنز انثى المعز ولاجل هزالها سماها عنيزات.
[9]
يزيد بن معاوية فبايعوه تهتدوا، ولا
تخالفوا عليه فتضلوا، فيرد عليه الملائكة والجن والنقباء قوله، ويكذبونه، ويقولون
له: سمعنا وعصينا، ولا يبقى ذوشك ولا مرتاب ولا منافق ولا كافر إلا ضل بالنداء
الأخير. وسيدنا القائم عليه السلام مسند ظهره إلى الكعبة، ويقول: يا معشر الخلائق
ألا ومن أراد أن ينظر إلى آدم وشيث، فها أنا ذا آدم وشيث، ألا ومن أراد أن ينظر إلى
نوح وولده سام فها أنا ذا نوح وسام، ألا ومن أراد أن ينظر إلى إبراهيم وإسماعيل فها
أنا ذا إبراهيم وإسماعيل، ألا ومن أراد أن ينظر إلى موسى ويوشع، فها أنا ذا موسى
ويوشع، ألا ومن أراد أن ينظر إلى عيسى وشمعون فها أنا ذا عيسى وشمعون. ألا ومن أراد
أن ينظر إلى محمد وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما فها أنا ذا محمد صلى الله عليه
وآله وأمير المؤمنين عليه السلام، ألا ومن أراد أن ينظر إلى الحسن والحسين عليهما
السلام فها أنا ذا الحسن والحسين، ألا ومن أراد أن ينظر إلى الأئمة من ولد الحسين
عليهم السلام فها أنا ذا الأئمة عليهم السلام أجيبوا إلى مسألتي، فاني أنبئكم بما
نبئتم به وما لم تنبئوا به. ومن كان يقرأ الكتب والصحف فليسمع مني، ثم يبتدئ بالصحف
التي أنزلها الله على آدم وشيث عليهما السلام، ويقول أمة آدم وشيث هبة الله: هذه
والله هي الصحف حقا، ولقد أرانا ما لم نكن نعلمه فيها، وما كان خفي علينا، وما كان
أسقط منها و بدل وحرف، ثم يقرأ صحف نوح وصحف إبراهيم والتوراة والانجيل والزبور
فيقول أهل التوراة والانجيل والزبور: هذه والله صحف نوح وإبراهيم عليهما السلام
حقا، وما اسقط منها وبدل وحرف منها هذه والله التوراة الجامعة والزبور التام
والانجيل الكامل وإنها أضعاف ما قرأنا منها (1). ثم يتلو القرآن فيقول المسلمون:
هذا والله القرآن حقا الذي أنزله الله
(1) يعلم الباحث المطالع أن صحف آدم وشيث
وصحف نوح وابراهيم وهكذا زبور داود عليهم السلام قد ضاعت بضياع أممهم، وليس الان
رجل في أقطار الارض يقرء هذه الصحف أو يتدين بها.
[10]
على محمد صلى الله عليه وآله، وما اسقط
منه وحرف وبدل. ثم تظهر الدابة بين الركن والمقام، فتكتب في وجه المؤمن " مؤمن "
وفي وجه الكافر " كافر " ثم يقبل على القائم عليه السلام رجل وجهه إلى قفاه، وقفاه
إلى صدره (1) ويقف بين يديه فيقول: يا سيدي أنا بشير أمرني ملك من الملائكة أن ألحق
بك وأبشرك بهلاك جيش السفياني بالبيداء فيقول له القائم عليه السلام: بين قصتك وقصة
أخيك. فيقول الرجل كنت وأخي في جيش السفياني وخربنا الدنيا من دمشق إلى الزوراء
وتركناها جماء، وخربنا الكوفة وخربنا المدينة، وكسرنا المنبر (2) وراثت بغالنا في
مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وخرجنا منها وعددنا ثلاثمائة ألف رجل نريد إخراب
البيت، وقتل أهله، فلما صرنا في البيداء عرسنا فيها، فصاح بنا صائح يا بيداء أبيدي
القوم الظالمين فانفجرت الأرض، وابتلعت كل الجيش، فوالله ما بقي على وجه الأرض عقال
ناقة فما سواه غيري وغير أخي. فإذا نحن بملك قد ضرب وجوهنا فصارت إلى ورائنا كما
ترى، فقال لأخي: ويلك يا نذير ! امض إلى الملعون السفياني بدمشق، فأنذره بظهور
المهدي من آل محمد عليهم السلام، وعرفه أن الله قد أهلك جيشه بالبيداء، وقال لي: يا
بشير الحق بالمهدي بمكة وبشره بهلاك الظالمين، وتب على يده، فإنه يقبل توبتك، فيمر
القائم عليه السلام يده على وجهه فيرده سويا كما كان، ويبايعه ويكون معه. قال
المفضل: يا سيدي ! وتظهر الملائكة والجن للناس ؟ قال: إي والله يا مفضل، ويخاطبونهم
كما يكون الرجل مع حاشيته وأهله، قلت: يا سيدي ويسيرون معه ؟ قال: إي والله يا مفضل
ولينزلن أرض الهجرة ما بين الكوفة والنجف
(1) قد مر في باب 23 و 24 أن جيش السفياني
يخسف بهم غير رجلين يحول وجههما إلى أقفيتهما، وأما أن " قفاه إلى صدره " فلا معنى
له معقول. (2) هذا أيضا من مخائله، فان جيش السفياني لا تصل إلى المدينة بل يخسف
بهم بالبيداء حين يتوجهون إليها من دمشق.
[11]
وعدد أصحابه عليه السلام حينئذ ستة
وأربعون الفا من الملائكة وستة آلاف من الجن وفي رواية أخرى: ومثلها من الجن بهم
ينصره الله ويفتح على يديه. قال المفضل: فما يصنع بأهل مكة ؟ قال: يدعوهم بالحكمة
والموعظة الحسنة، فيطيعونه ويستخلف فيهم رجلا من أهل بيته، ويخرج يريد المدينة. قال
المفضل: يا سيدي فما يصنع بالبيت ؟ قال: ينقضه فلا يدع منه إلا القواعد التي هي أول
بيت وضع للناس ببكة في عهد آدم عليه السلام والذي رفعه إبراهيم وإسماعيل عليهما
السلام منها وإن الذي بني بعدهما لم يبنه نبي ولا وصي، ثم يبنيه كما يشاء الله
وليعفين آثار الظالمين بمكة والمدينة والعراق وسائر الأقاليم، وليهدمن مسجد الكوفة،
وليبنيه على بنيانه الأول، وليهدمن القصر العتيق، ملعون ملعون من بناه. قال المفضل:
يا سيدي يقيم بمكة ؟ قال: لا يا مفضل بل يستخلف منها رجلا من أهله، فإذا سار منها
وثبوا عليه فيقتلونه، فيرجع إليهم فيأتونه مهطعين مقنعي رؤسهم يبكون ويتضرعون،
ويقولون: يا مهدي آل محمد التوبة التوبة فيعظهم وينذرهم، ويحذرهم، ويستخلف عليهم
منهم خليفة ويسير، فيثبون عليه بعده فيقتلونه فيرد إليهم أنصاره من الجن والنقباء
ويقول لهم: ارجعوا فلا تبقوا منهم بشرا إلا من آمن، فلولا أن رحمة ربكم وسعت كل شئ
وأنا تلك الرحمة لرجعت إليهم معكم، فقد قطعوا الأعذار بينهم وبين الله، وبيني
وبينهم، فيرجعون إليهم، فوالله لا يسلم من المائة منهم واحد لا والله ولا من ألف
واحد. قال المفضل: قلت: يا سيدي فأين تكون دار المهدي، ومجتمع المؤمنين ؟ قال: دار
ملكه الكوفة، ومجلس حكمه جامعها، وبيت ماله ومقسم غنائم المسلمين مسجد السهلة،
وموضع خلواته الذكوات البيض من الغريين. قال المفضل: يا مولاي كل المؤمنين يكونون
بالكوفة ؟ قال: إي والله لا يبقى مؤمن إلا كان بها أو حواليها، وليبلغن مجالة فرس
منها ألفي درهم وليودن أكثر الناس أنه اشترى شبرا من أرض السبع بشبر من ذهب، والسبع
[12]
خطة من خطط همدان، وليصيرن الكوفة أربعة
وخمسين ميلا وليجاورن قصورها كربلا، وليصيرن الله كربلاء معقلا ومقاما تختلف فيه
الملائكة والمؤمنون وليكونن لها شأن من الشأن، وليكونن فيها من البركات ما لو وقف
مؤمن ودعا ربه بدعوة لأعطاه الله بدعوته الواحدة مثل ملك الدنيا ألف مرة. ثم تنفس
أبو عبد الله عليه السلام وقال: يا مفضل إن بقاع الأرض تفاخرت: ففخرت كعبة البيت
الحرام، على بقعة كربلا، فأوحى الله إليها أن اسكتي كعبة البيت الحرام، ولا تفتخري
على كربلا، فانها البقعة المباركة التي نودي موسى منها من الشجرة، وإنها الربوة
التي أويت إليها مريم والمسيح وإنها الدالية (1) التي غسل فيها رأس الحسين عليه
السلام وفيها غسلت مريم عيسى عليه السلام واغتسلت من ولادتها وإنها خير بقعة عرج
ر