بحار الانوار الجزء
51
العلامة المجلسي
[1]
بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة
الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس
الله سره " الجزء الحادي والخمسون مؤسسة الوفاء بيروت لبنان كافة الحقوق محفوظة
ومسجلة الطبعة الثانية المصححة 1403 ه - 1983 م مؤسسة الوفاء - بيروت - لبنان - ص
ب: 1457 - هاتف: 386868
[1]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي
وصل لعباده القول بإمام بعد إمام لعلهم يتذكرون * وأكمل الدين بامنائه وحججه في كل
دهر وزمان لقوم يوقنون * والصلاة والسلام على من بشر به وبأوصيائه النبيون
والمرسلون * محمد سيد الورى وآله مصابيح الدجى إلى يوم يبعثون * ولعنة الله على
أعدائهم ما دامت السماوات والارضون. أما بعد: فهذا هو المجلد الثالث عشر من كتاب
بحار الانوار في تاريخ الامام الثاني عشر، والهادي المنتظر، والمهدي المظفر، ونور
الانوار، وحجة الجبار، والغائب عن معاينة الابصار، والحاضر في قلوب الاخيار، وحليف
الايمان وكاشف الاحزان، وخليفة الرحمن الحجة بن الحسن إمام الزمان صلوات الله عليه
وعلى آبائه المعصومين، ما توالت الازمان، من مؤلفات خادم أخبار الائمة الاخيار،
وتراب أعتاب حملة الآثار: محمد باقر بن محمد تقي حشرهما الله تعالى مع مواليهما
الاطهار، وجعلهما في دولتهم من الاعوان والانصار.
[2]
(1) * (باب) * * " (ولادته وأحوال امه
صلوات الله عليه) " * 1 - كا: ولد عليه السلام للنصف من شعبان سنة خمس وخمسين
ومأتين. 2 - ك: ابن عصام عن الكليني، عن علان الرازي، قال: أخبرني بعض أصحابنا أنه
لما حملت جارية أبي محمد عليه السلام قال: ستحملين ذكرا واسمه محمد وهو القائم من
بعدي. 3 - ك: ابن الوليد، عن محمد العطار، عن الحسين بن رزق الله، عن موسى ابن محمد
بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر، قال: حدثتني حكيمة بنت محمد ابن علي بن موسى بن
جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام قالت: بعث إلي أبو
محمد الحسن بن علي عليهما السلام فقال: يا عمة اجعلي إفطارك الليلة عندنا فانها
ليلة النصف من شعبان فان الله تبارك وتعالى سيظهر في هذه الليلة الحجة وهو حجته في
أرضه قالت: فقلت له: ومن امه ؟ قال لي: نرجس. قلت له: والله جعلني الله فداك ما بها
أثر ؟ فقال: هو ما أقول لك قالت: فجئت فلما سلمت وجلست جاءت تنزع خفي وقالت لي: يا
سيدتي كيف أمسيت ؟ فقلت: بل أنت سيدتي وسيدة أهلي قالت: فأنكرت قولي وقالت: ما هذا
يا عمه ؟ قالت: فقلت لها: يا بنية إن الله تبارك وتعالى سيهب لك في ليلتك هذه غلاما
سيدا في الدنيا والآخرة قالت: فجلست واستحيت (1) فلما أن فرغت من صلاة العشاء
الآخرة وأفطرت وأخذت مضجعي فرقدت فلما أن كان جوف الليل قمت إلى الصلاة ففرغت من
صلاتي وهي نائمة ليس بها حادث ثم جلست معقبة ثم اضطجعت ثم انتبهت فزعة وهي راقدة ثم
قامت فصلت.
(1) استحت خ ل وكلاهما وجيهان قرئ بهما
قوله تعالى: " ان الله لا يستحيى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ".
[3]
قالت حكيمة: فدخلتني الشكوك فصاح بي أبو
محمد عليه السلام من المجلس فقال: لا تعجلي يا عمة فان الامر قد قرب قالت: فقرأت
الم السجدة ويس فبينما أنا كذلك إذا انتبهت فزعة فوثبت إليها فقلت: اسم الله عليك
ثم قلت لها: تحسين شيئا ؟ قالت: نعم يا عمة، فقلت لها: اجمعي نفسك واجمعي قلبك فهو
ما قلت لك. قالت حكيمة: ثم أخذتني فترة وأخذتها فطرة (1) فانتبهت بحس سيدي عليه
السلام فكشفت الثوب عنه فإذا أنا به عليه السلام ساجدا يتلقى الارض بمساجده فضممته
إلي فإذا أنا به نظيف منظف فصاح بي أبو محمد عليه السلام هلمي إلي ابني يا عمة فجئت
به إليه فوضع يديه تحت أليتيه وظهره ووضع قدميه على صدره ثم أدلى لسانه في فيه وأمر
يده على عينيه وسمعه ومفاصله ثم قال: تكلم يا بني فقال: أشهد أن لا إله إلا الله
وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله ثم صلى على أمير
المؤمنين عليه السلام وعلى الائمة إلى أن وقف على أبيه ثم أحجم. قال أبو محمد عليه
السلام: يا عمة اذهبي به إلى امه ليسلم عليها وائتني به فذهبت به فسلم عليها ورددته
ووضعته في المجلس ثم قال: يا عمة إذا كان يوم السابع فائتينا. قالت حكيمة: فلما
أصبحت جئت لاسلم على أبي محمد عليه السلام فكشفت الستر لافتقد سيدي عليه السلام فلم
أره فقلت له: جعلت فداك ما فعل سيدي ؟ فقال: يا عمه استودعناه الذي استودعته ام
موسى عليه السلام. قالت حكيمة: فلما كان في اليوم السابع جئت وسلمت وجلست فقال:
هلمي إلي ابني فجئت بسيدي في الخرقة ففعل به كفعلته الاولى ثم أدلى لسانه في فيه.
كأنه يغذيه لبنا أو عسلا ثم قال: تكلم يا بني فقال عليه السلام: أشهد أن لا إله إلا
الله وثنى بالصلاة على محمد وعلى أمير المؤمنين والائمة صلوات الله عليهم أجمعين
حتى وقف على أبيه عليه السلام ثم تلا هذه الآية " بسم الله الرحمن الرحيم ونريد أن
نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في
(1) المراد بالفترة سكون المفاصل وهدوؤها
قبل غلبة النوم والمراد بالفطرة انشقاق البطن بالمولود وطلوعه منه.
[4]
الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما
كانوا يحذرون " (1). قال موسى: فسألت عقبة الخادم عن هذا فقال: صدقت حكيمة. بيان
يقال حجمته عن الشئ فأحجم أي كففته فكف. 4 - ك: جعفر بن محمد بن مسرور، عن الحسين
بن محمد بن عامر، عن معلى ابن محمد قال: خرج عن أبي محمد عليه السلام حين قتل
الزبيري: هذا جزاء من افترى على الله تبارك وتعالى في أوليائه زعم أنه يقتلني وليس
لي عقب فكيف رأى قدرة الله عزوجل. وولد له وسماه م ح م د سنة ست وخمسين ومأتين. غط:
الكليني، عن الحسين بن محمد، عن المعلى، عن أحمد بن محمد قال: خرج عن أبي محمد عليه
السلام وذكر مثله. بيان: ربما يجمع بينه وبين ما ورد من خمس وخمسين بكون السنة في
هذا الخبر ظرفا لخرج أو قتل أو إحداهما على الشمسية والاخرى على القمرية (2). 5 -
ك: ابن عصام، عن الكليني، عن علي بن محمد قال: ولد الصاحب عليه السلام (في) النصف
من شعبان سنة خمس وخمسين ومأتين. 6 - ك: ماجيلويه والعطار معا، عن محمد العطار، عن
الحسين بن علي النيسابوري، عن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن موسى بن جعفر عليه
السلام، عن الشاري عن نسيم وماريه أنه لما سقط صاحب الزمان عليه السلام من بطن امه
سقط جاثيا على ركبتيه، رافعا سبابتيه إلى السماء ثم عطس فقال: الحمد لله رب
العالمين وصلى الله على محمد وآله، زعمت الظلمة أن حجة الله داحضة، ولو اذن لنا في
الكلام لزال الشك. غط: علان، عن محمد العطار مثله.
(1) القصص: 5. (2) ولكن الاخير غير صحيح
لان السنة القمرية في خمس وخمسين ومأتى سنة يزيد على السنة الشمسية بسبع سنوان، لا
بسنة واحدة. فكانت السنة الشمسية سنة تسع وأربعين ومائتين. والقمرية ست وخمسين
ومائتين.
[5]
7 - ك: قال إبراهيم بن محمد: وحدثتني نسيم
خادم أبي محمد عليه السلام قالت: قال لي صاحب الزمان عليه السلام وقد دخلت عليه بعد
مولده بليلة فعطست عنده فقال لي: يرحمك الله، قالت نسيم: ففرحت بذلك فقال لي عليه
السلام: ألا ابشرك في العطاس ؟ فقلت بلى، قال: هو أمان من الموت ثلاثة أيام. 8 -
غط: الكليني، رفعه عن نسيم الخادم قال: دخلت على صاحب الزمان عليه السلام بعد مولده
بعشر ليال، فعطست عنده فقال: يرحمك الله، ففرحت بذلك فقال: ألا ابشرك في العطاس ؟
هو أمان من الموت ثلاثة أيام. 9 - ك: ما جيلويه، وابن المتوكل، والعطار جميعا عن
إسحاق بن رياح البصري، عن أبي جعفر العمري قال: لما ولد السيد عليه السلام قال أبو
محمد عليه السلام: ابعثوا إلي أبي عمرو، فبعث إليه فصار إليه فقال: اشتر عشرة آلاف
رطل خبزا وعشرة آلاف رطل لحما وفرقه أحسبه قال: على بني هاشم وعق عنه بكذا وكذا
شاة. 10 - ك: ماجيلويه، عن محمد العطار، عن أبي علي الخيزراني، عن جارية له كان
أهداها لابي محمد عليه السلام فلما أغار جعفر الكذاب على الدار جاءته فارة من جعفر
فتزوج بها قال أبو علي: فحدثتني أنها حضرت ولادة السيد عليه السلام وأن اسم ام
السيد صقيل وأن أبا محمد عليه السلام حدثها بما جرى على عياله فسألته أن يدعو لها
بأن يجعل منيتها قبله، فماتت قبله في حياة أبي محمد عليه السلام وعلى قبرها لوح
عليه مكتوب هذا ام محمد. قال أبو علي: وسمعت هذه الجارية تذكر أنه لما ولد السيد
رأت له نورا ساطعا قد ظهر منه وبلغ افق السماء ورأت طيورا بيضا تهبط من السماء و
تمسح أجنحتها على رأسه ووجهه وسائر جسده ثم تطير، فأخبرنا أبا محمد عليه السلام
بذلك فضحك ثم قال: تلك ملائكة السماء نزلت لتتبرك به وهي أنصاره إذا خرج. 11 - ك:
ابن المتوكل، عن الحميري، عن محمد بن أحمد العلوي، عن أبي غانم الخادم قال: ولد
لابي محمد عليه السلام ولد فسماه محمدا فعرضه على أصحابه يوم الثالث وقال: هذا
صاحبكم من بعدي وخليفتي عليكم، وهو القائم الذي تمتد إليه الاعناق بالانتظار فإذا
امتلات الارض جورا وظلما خرج فملاها قسطا وعدلا.
[6]
12 - غط: جماعة عن أبي المفضل الشيباني،
عن محمد بن بحر بن سهل الشيباني قال: قال بشر بن سليمان النخاس وهو من ولد أبي أيوب
الانصاري أحد موالي أبي الحسن وأبي محمد وجارهما بسر من رأى: أتاني كافور الخادم
فقال: مولانا أبو الحسن علي بن محمد العسكري يدعوك إليه فأتيته فلما جلست بين يديه
قال لي: يابشر إنك من ولد الانصار وهذه الموالاة لم تزل فيكم يرثها خلف عن سلف
وأنتم ثقاتنا أهل البيت وإني مزكيك ومشرفك بفضيلة تسبق بها الشيعة في الموالاة بسر
اطلعك عليه، وانفذك في ابتياع أمة فكتب كتابا لطيفا بخط رومي ولغة رومية وطبع عليه
خاتمه وأخرج شقة (1) صفراء فيها مائتان وعشرون دينارا فقال: خذها و توجه بها إلى
بغداد واحضر معبر الفرات ضحوة يوم كذا فإذا وصلت إلى جانبك زواريق السبايا وترى
الجواري فيها ستجد طوايف المبتاعين من وكلاء قواد بني العباس وشر ذمة من فتيان
العرب فإذا رأيت ذلك فأشرف من البعد على المسمى عمر بن يزيد النخاس عامة نهارك إلى
أن تبرز للمبتاعين جارية صفتها كذا وكذا لابسة حريرين صفيقين تمتنع من العرض ولمس
المعترض والانقياد لمن يحاول لمسها وتسمع صرخة رومية من وراء ستر رقيق فاعلم أنها
تقول: واهتك ستراه فيقول بعض المبتاعين علي ثلاثمأة دينار فقد زادني العفاف فيها
رغبة فتقول له بالعربية: لو برزت في زي سليمان بن داود وعلى شبه ملكه ما بدت لي فيك
رغبة فاشفق على مالك فيقول النخاس: فما الحيلة ولابد من بيعك فتقول الجارية: وما
العجلة ولابد من اختيار مبتاع يسكن قلبي إليه وإلى وفائه وأمانته. فعند ذلك قم إلى
عمر بن يزيد النخاس وقل له: إن معك كتابا ملطفة لبعض الاشراف كتبه بلغة رومية وخط
رومي ووصف فيه كرمه ووفاءه ونبله وسخاءه تناولها لتتأمل منه أخلاق صاحبه فان مالت
إليه ورضيته فأنا وكيله في ابتياعها منك. قال بشر بن سليمان: فامتثلت جميع ما حده
لي مولاي أبو الحسن عليه السلام في
(1) الشقة بالكسر والضم السبيبة المقطوعة
من الثياب المستطيلة وقد يكون تصحيف " حقة " وهى وعاء تسوى من خشب أو من العاج أو
غير ذلك.
[7]
أمر الجارية فلما نظرت في الكتاب بكت بكاء
شديدا وقالت لعمر بن يزيد: بعني من صاحب هذا الكتاب وحلفت بالمحرجة والمغلظة (1)
أنه متى امتنع من بيعها منه قتلت نفسها فما زلت اشاحه في ثمنها حتى استقر الامر فيه
على مقدار ما كان أصحبنيه مولاي عليه السلام من الدنانير فاستوفاه وتسلمت الجارية
ضاحكة مستبشرة وانصرفت بها إلى الحجيرة التي كنت آوي إليها ببغداد، فما أخذها
القرار حتى أخرجت كتاب مولانا عليه السلام من جيبها وهي تلثمه وتطبقه على جفنها
وتضعه على خدها وتمسحه على بدنها فقلت تعجبا منها تلثمين كتابا لا تعرفين صاحبه ؟
فقالت: أيها العاجز الضعيف المعرفة بمحل أولاد الانبياء أعرني سمعك (2) وفرغ لي
قلبك أنا مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم وامي من ولد الحواريين تنسب إلى وصي
المسيح شمعون انبئك بالعجب. إن جدي قيصر أراد أن يزوجني من ابن أخيه وأنا من بنات
ثلاث عشرة سنة فجمع في قصره من نسل الحواريين من القسيسين والرهبان ثلاثمائة رجل و
من ذوي الاخطار منهم سبعمائة رجل وجمع من امراء الاجناد وقواد العسكر و نقباء
الجيوش وملوك العشاير أربعة آلاف وأبرز من بهي ملكه عرشا مساغا من أصناف الجوهر
ورفعه فوق أربعين مرقاة فلما صعد ابن أخيه وأحدقت الصلب و قامت الاساقفة عكفا ونشرت
أسفار الانجيل تسافلت الصلب من الاعلى فلصقت الارض وتقوضت أعمدة العرش فانهارت إلى
القرار وخر الصاعد من العرش مغشيا عليه فتغيرت ألوان الاساقفة وارتعدت فرائصهم فقال
كبيرهم لجدي: أيها الملك اعفنا من ملاقاة هذه النحوس الدالة على زوال هذا الدين
المسيحي والمذهب الملكاني فتطير جدي من ذلك تطيرا شديدا وقال للاساقفة: أقيموا هذه
الاعمدة وارفعوا الصلبان واحضروا أخا هذا المدبر لعاهر المنكوس جده لازوجه هذه
(1) المغلظة: المؤكدة من اليمين،
والمحرجة: اليمين التى تضيق مجال الحالف بحيث لا يبقى له مندوحة عن بر قسمه. (2) من
الاعارة أي أعطيني سمعك عارية. (*)
[8]
الصبية فيدفع نحوسه عنكم بسعوده ولما
فعلوا ذلك حدث على الثاني مثل ما حدث على الاول وتفرق الناس وقام جدي قيصر مغتما
فدخل منزل النساء وارخيت الستور واريت في تلك الليلة كأن المسيح وشمعون وعدة من
الحواريين قد اجتمعوا في قصر جدي ونصبوا فيه منبرا من نور يباري السماء علوا
وارتفاعا في الموضع الذي كان نصب جدي وفيه عرشه ودخل عليه محمد صلى الله عليه وآله
وختنه ووصيه عليه السلام وعدة من أبنائه. فتقدم المسيح إليه فاعتنقه فيقول له محمد
صلى الله عليه وآله: يا روح الله إني جئتك خاطبا من وصيك شمعون فتاته مليكة لابني
هذا وأومأ بيده إلى أبي محمد عليه السلام ابن صاحب هذا الكتاب فنظر المسيح إلى
شمعون وقال له: قد أتاك الشرف فصل رحمك برحم آل محمد عليهم السلام قال: قد فعلت،
فصعد ذلك المنبر فخطب محمد صلى الله عليه وآله وزوجني من ابنه وشهد المسيح عليه
السلام وشهد أبناء محمد عليهم السلام والحواريون. فلما استيقظت أشفقت أن أقص هذه
الرؤيا على أبي وجدي مخافة القتل فكنت اسرها ولا ابديها لهم وضرب صدري بمحبة أبي
محمد عليه السلام حتى امتنعت من الطعام والشراب فضعفت نفسي ودق شخصي ومرضت مرضا
شديدا فما بقي في مداين الروم طبيب إلا أحضره جدي وسأله عن دوائي فلما برح به اليأس
قال: يا قرة عيني هل يخطر ببالك شهوة فازودكها في هذه الدنيا فقلت: يا جدي أرى
أبواب الفرج علي مغلقة فلو كشفت العذاب عمن في سجنك من اسارى المسلمين وفككت عنهم
الاغلال وتصدقت عليهم ومنيتهم الخلاص رجوت أن يهب المسيح وامه عافية فلما فعل ذلك
تجلدت في إظهار الصحة من بدني قليلا و تناولت يسيرا من الطعام فسر بذلك وأقبل على
إكرام الاسارى وإعزازهم فاريت أيضا بعد أربع عشرة ليلة كأن سيدة نساء العالمين
فاطمة عليها السلام قد زارتني ومعها مريم بنت عمران وألف من وصايف الجنان فتقول لي
مريم هذه سيدة النساء عليها السلام ام زوجك أبي محمد فأتعلق بها وأبكي وأشكو إليها
امتناع أبي محمد من زيارتي فقالت سيدة النساء عليها السلام: إن ابني أبا محمد
[9]
لا يزورك وأنت مشركة بالله على مذهب
النصارى وهذه اختي مريم بنت عمران تبرء إلى الله من دينك فان ملت إلى رضى الله
تعالى ورضى المسيح ومريم عليهما السلام وزيارة أبي محمد إياك فقولي أشهد أن لا إله
إلا الله وأن أبي محمدا رسول الله فلما تكلمت بهذه الكلمة ضمتني إلى صدرها سيدة
نساء العالمين وطيب نفسي وقالت الآن توقعي زيارة أبي محمد وإني منفذته إليك فانتبهت
وأنا أنول (1) وأتوقع لقاء أبي محمد عليه السلام فلما كان في الليلة القابلة رأيت
أبا محمد عليه السلام وكأني أقول له: جفوتني يا حبيبي بعد أن أتلفت نفسي معالجة
حبك، فقال: ما كان تأخري عنك إلا لشركك فقد أسلمت وأنا زائرك في كل ليلة إلى أن
يجمع الله شملنا في العيان فلما قطع عني زيارته بعد ذلك إلى هذه الغاية. قال بشر:
فقلت لها: وكيف وقعت في الاسارى فقالت: أخبرني أبو محمد عليه السلام ليلة من
الليالي أن جدك سيسير جيشا إلى قتال المسلمين يوم كذا وكذا ثم يتبعهم فعليك باللحاق
بهم متنكرة في زي الخدم مع عدة من الوصايف من طريق كذا ففعلت ذلك فوقفت علينا طلايع
المسلمين حتى كان من أمري ما رأيت وشاهدت وما شعر بأني ابنة ملك الروم إلى هذه
الغاية أحد سواك وذلك باطلاعي إياك عليه ولقد سألني الشيخ الذي وقعت إليه في سهم
الغنيمة عن اسمي فأنكرته وقلت: نرجس فقال: اسم الجواري. قلت: العجب أنك رومية
ولسانك عربي ؟ قالت: نعم، من ولوع جدي وحمله إياي على تعلم الآداب أن أوعز إلي
امرأة ترجمانة له في الاختلاف إلي وكانت تقصدني صباحا ومساء وتفيدني العربية حتى
استمر لساني عليها واستقام قال بشر: فلما انكفأت بها إلى سر من رأى دخلت على مولاي
أبي الحسن عليه السلام فقال: كيف أراك الله عز الاسلام وذل النصرانية وشرف محمد
وأهل بيته عليهم السلام قالت: كيف أصف لك يا ابن رسول الله ما أنت أعلم به مني قال:
فاني احب أن
(1) في النسخة المطبوعة: أقول، وهو سهو
والصحيح ما أثبتناه يقال: نالت المرأة بالحديث أو الحاجة تنول أي سمحت أو همت
[10]
اكرمك فأيما أحب إليك عشرة آلاف دينار أم
بشرى لك بشرف الابد قالت: بشرى بولد لي. قال لها: ابشري بولد يملك الدنيا شرقا
وغربا ويملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا قالت: ممن ؟ قال: ممن خطبك رسول
الله صلى الله عليه وآله، له ليلة كذا في شهر كذا من سنة كذا بالرومية قال لها: ممن
زوجك المسيح عليه السلام ووصيه ؟ قالت: من ابنك أبي محمد عليه السلام فقال: هل
تعرفينه قالت: وهل خلت ليلة لم يزرني فيها منذ الليلة التي أسلمت على يد سيدة
النساء عليها السلام قال: فقال مولانا: يا كافور ادع اختي حكيمة فلما دخلت قال لها:
هاهيه فاعتنقتها طويلا وسرت بها كثيرا فقال لها أبو الحسن عليه السلام: يا بنت رسول
الله خذيها إلى منزلك وعلميها الفرايض والسنن فانها زوجة أبي محمد وام القائم عليه
السلام. * 13 - ك: محمد بن علي بن محمد بن حاتم. عن أحمد بن عيسى الوشاء، عن أحمد
بن طاهر القمي، عن أبي الحسين محمد بن يحيى الشيباني قال: وردت كربلاء سنة ست
وثمانين ومائتين قال: وزرت قبر غريب رسول الله صلى الله عليه وآله ثم انكفأت إلى
مدينة السلام متوجها إلى مقابر قريش وقد تضرمت الهواجر وتوقدت السماء ولما وصلت
منها إلى مشهد الكاظم عليه السلام واستنشقت نسيم تربته المغمورة من الرحمة المحفوفة
بحدايق الغفران أكببت عليها بعبرات متقاطرة وزفرات متتابعة، وقد حجب الدمع طرفي عن
النظر فلما رقأت العبرة وانقطع النحيب وفتحت بصرى وإذا أنا بشيخ قد انحنى صلبه
وتقوس منكباه وثفنت جبهته وراحتاه وهو يقول لآخر معه عند القبر: يا ابن أخ فقد نال
عمك شرفا بما حمله السيدان من غوامض الغيوب وشرايف العلوم التي لم يحمل مثلها إلا
سلمان وقد أشرف عمك على استكمال المدة وانقضاء العمر وليس يجد في أهل الولاية رجلا
يفضي إليه قلت: يانفس لا يزال العناء والمشقة ينالان منك باتعابي الخف والحافر في
طلب العلم وقد قرع سمعي من هذا الشيخ لفظ يدل على علم جسيم وأمر عظيم.
في النسخة المطبوعة: كا وهو سهو والصحيح
ما أثبتناه راجع كمال الدين ج 2 ص 89 من طبعتنا.
[11]
فقلت: أيها الشيخ ومن السيدان ؟ قال
النجمان المغيبان في الثرى بسر من رأى فقلت: إني اقسم بالموالاة وشرف محل هذين
السيدين من الامامة والوراثة أني خاطب علمهما وطالب آثارهما وباذل من نفسي الايمان
الموكدة على حفظ أسرارهما قال: إنكنت صادقا فيما تقول فأحضر ما صحبك من الآثار عن
نقلة أخبارهم فلما فتش الكتب وتصفح الروايات منها قال: صدقت أنا بشر بن سليمان
النخاس من ولد أبي أيوب الانصاري أحد موالي أبي الحسن وأبي محمد عليهما السلام
وجارهما بسر من رأى قلت فأكرم أخاك ببعض ما شاهدت من آثارهما قال: كان مولاي أبو
الحسن عليه السلام فقهني في علم الرقيق فكنت لا أبتاع ولا أبيع إلا باذنه فاجتنبت
بذلك موارد الشبهات حتى كملت معرفتي فيه فأحسنت الفرق فيما بين الحلال والحرام
فبينا أنا ذات ليلة في منزلي بسر من رأى وقد مضى هوي من الليل إذ قد قرع الباب قارع
فعدوت مسرعا فإذا بكافور الخادم رسول مولانا أبي الحسن علي بن محمد عليهما السلام
يدعوني إليه فلبست ثيابي ودخلت عليه فرأيته يحدث ابنه أبا محمد عليه السلام واخته
حكيمة من وراء الستر فلما جلست قال: يا بشر إنك من ولد الانصار وهذه الولاية لم تزل
فيكم يرثها خلف عن سلف وأنتم ثقاتنا أهل البيت وساق الخبر نحوا مما رواه الشيخ إلى
آخره. بيان يباري السماء: أي يعارضها ويقال برح به الامر تبريحا جهده وأضر به وأوعز
إليه في كذا أي تقدم، وانكفأ أي رجع. 14 - ك: ابن إدريس عن أبيه، عن محمد بن
إسماعيل، عن محمد بن إبراهيم الكوفي عن محمد بن عبد الله المطهري، قال: قصدت حكيمة
بنت محمد عليه السلام بعد مضي أبي محمد عليه السلام أسألها عن الحجة وما قد اختلف
فيه الناس من الحيرة التي فيها فقالت لي: اجلس فجلست ثم قالت لي: يا محمد إن الله
تبارك وتعالى لا يخلي الارض من حجة ناطقة أو صامتة ولم يجعلها في أخوين بعد الحسن
والحسين تفضيلا للحسن والحسين عليهما السلام وتمييزا لهما أن يكون في الارض عديلهما
إلا أن الله تبارك وتعالى خص ولد الحسين بالفضل على ولد الحسن كما خص ولد هارون على
ولد موسى وإن كان
[12]
موسى حجة على هارون والفضل لولده إلى يوم
القيامة، ولابد للامة من حيرة يرتاب فيها المبطلون ويخلص فيها المحقون: لئلا يكون
للناس على الله حجة بعد الرسل، وإن الحيرة لا بد واقعة بعد مضي أبي محمد الحسن عليه
السلام. فقلت: يا مولاتي هل كان للحسن عليه السلام ولد فتبسمت ثم قالت: إذا لم يكن
للحسن عليه السلام عقب فمن الحجة من بعده ؟ وقد أخبرتك حدثيني بولادة مولاي وغيبته
عليه السلام. قال: نعم، كانت لي جارية يقال لها نرجس: فزارني ابن أخي عليه السلام
وأقبل يحد النظر إليها، فقلت له: يا سيدي لعلك هويتها فارسلها إليك ؟ فقال: لا يا
عمة لكني أتعجب منها فقلت: وما أعجبك ؟ فقال عليه السلام: سيخرج منها ولد كريم على
الله عزوجل الذي يملا الله به الارض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما فقلت: فارسلها
إليك يا سيدي ؟ فقال: استاذني في ذلك أبي، قالت: فلبست ثيابي وأتيت منزل أبي الحسن
فسلمت وجلست فبدأني عليه السلام وقال: يا حكيمة ابعثي بنرجس إلى ابني أبي محمد
قالت: فقلت: يا سيدي على هذا قصدتك أن أستأذنك في ذلك، فقال: يا مباركة إن الله
تبارك وتعالى أحب أن يشركك في الاجر ويجعل لك في الخير نصيبا قالت حكيمة: فلم ألبث
أن رجعت إلى منزلي وزينتها ووهبتها لابي محمد وجمعت بينه وبينها في منزلي فأقام
عندي أياما ثم مضى إلى والده ووجهت بها معه. قالت حكيمة: فمضى أبو الحسن عليه
السلام وجلس أبو محمد عليه السلام مكان والده وكنت أزوره كما كنت أزور والده
فجاءتني نرجس يوما تخلع خفي وقالت: يا مولاتي ناولني خفك، فقلت: بل أنت سيدتي
ومولاتي والله لا دفعت إليك حفي لتخلعيه ولا خدمتيني بل أخدمك على بصري فسمع أبو
محمد عليه السلام ذلك فقال: جزاك الله خيرا يا عمة فجلست عنده إلى وقت غروب الشمس
فصحت بالجارية وقلت: ناوليني ثيابي لانصرف فقال عليه السلام: يا عمتاه بيتي الليلة
عندنا فانه سيولد الليلة المولود الكريم
[13]
على الله عزوجل الذي يحيي الله عزوجل به
الارض بعد موتها، قلت: ممن يا سيدي ولست أرى بنرجس شيئا من أثر الحمل فقال: من نرجس
لا من غيرها قالت: فوثبت إلى نرجس فقلبتها ظهر البطن فلم أر بها أثرا من حبل فعدت
إليه فأخبرته بما فعلت فتبسم ثم قال لي: إذا كان وقت الفجر يظهر لك بها الحبل لان
مثلها مثل ام موسى لم يظهر بها الحبل ولم يعلم بها أحد إلى وقت ولادتها لان فرعون
كان يشق بطون الحبالى في طلب موسى وهذا نظير موسى عليه السلام. قال حكيمة: فلم أزل
أرقبها إلى وقت طلوع الفجر وهي نائمة بين يدي لا تقلب جنبا إلى جنب حتى إذا كان في
آخر الليل وقت طلوع الفجر وثبت فزعة فضممتها إلى صدري وسميت عليها فصاح أبو محمد
عليه السلام وقال: اقرئي عليها إنا أنزلناه في ليلة القدر فأقبلت أقرأ عليها وقلت
لها: ما حالك ؟ قالت: ظهر الامر الذي أخبرك به مولاي فأقبلت أقرأ عليها كما أمرني
فأجابني الجنين من بطنها يقرأ كما أقرأ وسلم علي قالت حكيمة: ففزعت لما سمعت فصاح
بي أبو محمد عليه السلام لا تعجبي من أمر الله عزوجل إن الله تبارك وتعالى ينطقنا
بالحكمة صغارا ويجعلنا حجة في أرضه كبارا فلم يستتم الكلام حتى غيبت عني نرجس فلم
أرها كأنه ضرب بيني وبينها حجاب فعدوت نحو أبي محمد عليه السلام وأنا صارخة فقال
لي: ارجعي يا عمة فانك ستجديها في مكانها قالت: فرجعت فلم ألبث أن كشف الحجاب بيني
وبينها وإذا أنا بها وعليها من أثر النور ما غشي بصري وإذا أنا بالصبي عليه السلام
ساجدا على وجهه جاثيا على ركبتيه رافعا سبابتيه نحو السماء وهو يقول: أشهد أن لا
إله إلا الله وحده لا شريك له وأن جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وأن أبي أمير
المؤمنين ثم عد إماما إماما إلى أن بلغ إلى نفسه، فقال عليه السلام: اللهم أنجز لي
وعدي وأتمم لي أمري وثبت وطأتي واملا الارض بي عدلا وقسطا. فصاح أبو محمد الحسن
عليه السلام فقال: يا عمة تناوليه فهاتيه فتناولته وأتيت به نحوه فلما مثلت بين يدي
أبيه وهو على يدي سلم على أبيه فتناوله الحسن عليه السلام و الطير ترفرف على رأسه
فصاح بطير منها فقال له: احمله واحفظه ورده إلينا في
[14]
كل أربعين يوما فتناوله الطاير وطار به في
جو السماء وأتبعه ساير الطير فسمعت أبا محمد يقول: أستودعك الذي استودعته ام موسى
فبكت نرجس فقال لها: اسكتي فان الرضاع محرم عليه إلا من ثديك وسيعاد إليك كما رد
موسى إلى امه و ذلك قوله عزوجل " فرددناه إلى امه كي تقر عينها ولا تحزن " قالت
حكيمة: فقلت: ماهذا الطاير قال: هذا روح القدس الموكل بالائمة عليهم السلام يوفقهم
ويسددهم ويربيهم بالعلم. قالت حكيمة: فلما أن كان بعد أربعين يوما رد الغلام ووجه
إلي ابن أخي عليه السلام فدعاني فدخلت عليه فإذا أنا بصبي متحرك يمشي بين يديه
فقلت: سيدي هذا ابن سنتين فتبسم عليه