بحار الانوار الجزء
45
العلامة المجلسي
[1]
بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة
الاطهار بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة
فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء الخامس والاربعون
مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان كافة الحقوق محفوظة ومسجلة الطبعة الثانية المصححة 1403
ه - 1983 م مؤسسة الوفاء - بيروت - لبنان - ص ب: 1457 - هاتف: 386868
[1]
بسم الله الرحمن الرحيم [بقية الباب 37]
[سائر ما جرى عليه بعد بيعة الناس] [ليزيد بن معاوية إلى شهادته صلوات الله عليه]
فلما كان الغداة أمر الحسين عليه السلام بفسطاطه فضرب وأمر بجفنة فيها مسك كثير
فجعل فيها نورة، ثم دخل ليطلي فروي أن برير بن خضير الهمداني وعبد الرحمن بن عبد
ربه الانصاري وقفا على باب الفسطاط ليطليا بعده، فجعل برير يضاحك عبد الرحمن فقال
له عبد الرحمن: يا برير أتضحك ؟ ما هذه ساعة باطل، فقال برير: لقد علم قومي أنني ما
أحببت الباطل كهلا ولا شابا، وإنما أفعل ذلك استبشارا بما نصير إليه، فوالله ما هو
إلا أن نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا نعالجهم ساعة ثم نعانق الحور العين (1). رجعنا
إلى رواية المفيد قال: قال علي بن الحسين عليهما السلام: إني جالس في تلك الليلة
التي قتل أبي في صبيحتها وعندي عمتي زينب تمرضني (2) إذا اعتزل أبي في خباء له،
وعنده فلان (3) مولى أبي ذر الغفاري وهو يعالج سيفه ويصلحه
(1) كتاب الملهوف ص 84. (2) يقال: مرضه -
من باب التفعيل إذا أحسن القيام عليه في مرضه وتكفل بمداواته، قال في اللسان: جاءت
فعلت هنا للسلب وان كانت في أكثر الامر انما تكون للاثبات. (3) جون. خ ل. وفى
المصدر: جوين.
[2]
وأبي يقول: يا دهر أف لك من خليل * كم لك
بالاشراق والاصيل من صاحب وطالب قتيل * والدهر لا يقنع بالبديل وإنما الامر إلى
الجليل * وكل حي سالك سبيلي فأعادها مرتين، أو ثلاثا حتى فهمتها وعلمت ما أراد
فخنقتني العبرة، فرددتها ولزمت السكوت، وعلمت أن البلاء قد نزل، وأما عمتي فلما
سمعت ما سمعت وهي امرأة ومن شأن النساء الرقة والجزع، فلم تملك نفسها أن وثبت تجر
ثوبها وهي حاسرة حتى انتهت إليه، وقالت: واثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة، اليوم
ماتت أمي فاطمة، وأبي علي وأخي الحسن يا خليفة الماضي، وثمال الباقي، فنظر إليها
الحسين عليه السلام وقال لها: يا أخته لا يذهبن حلمك الشيطان ! وترقرقت عيناه
بالدموع، وقال: لو ترك القطا [ليلا] لنام (1) فقالت: يا ويلتاه أفتغتصب نفسك
اغتصابا ؟ (2) فذلك أقرح لقلبي وأشد على نفسي، ثم لطمت وجهها، وهوت إلى جيبها وشقته
وخرت مغشية عليها. فقام إليها الحسين عليه السلام فصب على وجهها الماء وقال لها: يا
أختاه اتقي الله وتعزي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الارض يموتون، وأهل السماء لا
يبقون، وأن
(1) القطا: جمع قطاة وهى طائر في حجم
الحمام صوته قطاقطا وهذا مثل. قال الميداني: نزل عمرو بن مامة على قوم من مراد،
فطرقوه ليلا فأثاروا القطا من أماكنها فرأتها امرأته طائرة، فنبهت المرأة زوجها
فقال: انما هي القطا، فقالت: لو ترك القطا ليلا لنام. يضرب لمن حمل على مكروه من
غير ارادته، وقيل غير ذلك. راجع مجمع الامثال ج 2 ص 174 تحت الرقم 3231. (2) لا أرى
لذكر الاغتصاب وجها والظاهر أنه تصحيف والصحيح: " أفتحتسب نفسك احتسابا ". يقال:
احتسب ولدا له: إذ امات ولده كبيرا، ومثله احتسب نفسه: إذا عدها شهيدا في ذات الله،
وقد مر في ص 138 من ج 44 كلام الحسن بن على عليهما السلام " اللهم انى احتسب نفسي
عندك " فراجع.
[3]
كل شئ هالك إلا وجه الله تعالى، الذي خلق
الخلق بقدرته، ويبعث الخلق ويعودون وهو فرد وحده، وأبي خير مني وأمي خير مني وأخي
خير مني ولي ولكل مسلم برسول الله أسوة، فعزاها بهذا ونحوه، وقال لها: يا أختاه إني
أقسمت عليك فأبري قسمي لا تشقي علي جيبا، ولا تخمشي علي وجها، ولا تدعي علي بالويل
والثبور إذا أنا هلكت، ثم جاء بها حتى أجلسها عندي. ثم خرج إلى أصحابه فأمرهم أن
يقرن بعضهم بيوتهم من بعض وأن يدخلوا الاطناب بعضها في بعض، وأن يكونوا بين البيوت
فيقبلوا القوم في وجه واحد والبيوت من ورائهم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم قد حفت
بهم، إلا الوجه الذي يأتيهم منه عدوهم، ورجع عليه السلام إلى مكانه فقام ليلته كلها
يصلي ويستغفر ويدعو ويتضرع، وقام أصحابه كذلك يصلون ويدعون ويستغفرون (1). وقال في
المناقب: فلما كان وقت السحر خفق الحسين برأسه خفقة ثم استيقظ فقال: أتعلمون ما
رأيت في منامي الساعة ؟ فقالوا: وما الذي رأيت يا ابن رسول الله ؟ فقال: رأيت كأن
كلابا قد شدت علي لتنهشني وفيها كلب أبقع رأيته أشدها علي وأظن أن الذي يتولى قتلي
رجل أبرص من بين هؤلاء القوم، ثم إني رأيت بعد ذلك جدي رسول الله صلى الله عليه
وآله ومعه جماعة من أصحابه وهو يقول لي: يا بني أنت شهيد آل محمد، وقد استبشر بك
أهل السماوات وأهل الصفيح الاعلى فليكن إفطارك عندي الليلة عجل ولا تؤخر ! فهذا ملك
قد نزل من السماء ليأخذ دمك في قارورة خضراء، فهذا ما رأيت وقد أزف الامر (2)
واقترب الرحيل من هذه الدنيا لا شك في ذلك. وقال المفيد: قال الضحاك بن عبد الله:
ومرت بنا خيل لابن سعد تحرسنا وإن حسينا عليه السلام ليقرأ " فلا تحسبن الذين كفروا
أنما نملي لهم خير لانفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين، ما كان
الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه
(1) كتاب الارشاد ص 215 و 216. (2) في
الاصل: وقد أنف الامر، وأظنه تصحيفا.
[4]
حتى يميز الخبيث من الطيب " (1) فسمعها من
تلك الخيل رجل يقال له: عبد الله ابن سمير، وكان مضحاكا وكان شجاعا بطلا فارسا
شريفا فاتكا فقال: نحن ورب الطيبون ميزنا بكم، فقال له برير بن الخضير: يا فاسق أنت
يجعلك الله من الطيبين ؟ قال له: من أنت ويلك، قال: أنا برير بن الخضير فتسابا.
وأصبح الحسين فعبأ أصحابه بعد صلاة الغداة، وكان معه اثنان وثلاثون فارسا وأربعون
راجلا، وقال محمد بن أبي طالب: وفي رواية اخرى اثنان وثمانون راجلا وقال السيد: روي
عن الباقر عليه السلام أنهم كانوا خمسة وأربعين فارسا ومائة راجل وكذا قال ابن نما:
وقال المفيد: فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه، وحبيب ابن مظاهر في ميسرة
أصحابه، وأعطى رايته العباس أخاه، وجعلوا البيوت في ظهورهم وأمر بحطب وقصب كان من
وراء البيوت أن يترك في خندق كان قد حفر هناك، وأن يحرق بالنار مخافة أن يأتوهم من
ورائهم. وأصبح عمربن سعد في ذلك اليوم وهو يوم الجمعة، وقيل يوم السبت فعبأ أصحابه،
وخرج فيمن معه من الناس نحو الحسين، وكان على ميمنته عمرو بن الحجاج، وعلى ميسرته
شمربن ذي الجوشن، وعلى الخيل عروة بن قيس، وعلى الرجالة شبث بن ربعي وأعطى الراية
دريدا مولاه، وقال محمد بن أبي طالب: وكانوا نيفا على اثنين وعشرين ألفا، وفي رواية
عن الصادق عليه السلام ثلاثين ألفا قال المفيد: وروي عن علي بن الحسين أنه قال: لما
أصبحت الخيل تقبل على الحسين عليه السلام رفع يديه وقال: اللهم أنت ثقتي في كل كرب،
ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة، كم من كرب يضعف عنه الفؤاد،
وتقل فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت [فيه] العدو، أنزلته بك وشكوته إليك رغبة
مني إليك عمن سواك ففرجته وكشفته، فأنت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة، ومنتهى كل رغبة
قال: فأقبل القوم يجولون حول بيت الحسين، فيرون الخندق في ظهورهم
(1) آل عمران: 178 و 179.
[5]
والنار تضطرم في الحطب والقصب الذي كان
القي فيه، فنادى شمر بن ذي الجوشن بأعلا صوته: يا حسين أتعجلت، بالنار قبل يوم
القيامة ؟ فقال الحسين عليه السلام: من هذا كأنه شمر بن ذي الجوشن ؟ فقالوا: نعم،
فقال له: يابن راعية المعزى أنت أولى بها صليا، ورام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم
فمنعه الحسين عليه السلام من ذلك، فقال له: دعني حتى أرميه فان الفاسق من أعداء
الله وعظماء الجبارين، وقد أمكن الله منه، فقال له الحسين عليه السلام: لاترمه فاني
أكره أن أبدءهم بقتال (1) وقال محمد بن أبيطالب: وركب أصحاب عمر بن سعد، فقرب إلى
الحسين فرسه فاستوى عليه، وتقدم نحو القوم في نفر من أصحابه، وبين يديه برير بن
خضير فقال له الحسين عليه السلام: كلم القوم، فتقدم برير فقال: يا قوم اتقوا الله
فان ثقل محمد قد أصبح بين أظهركم، هؤلاء ذريته وعترته وبناته وحرمه، فهاتوا ما
عندكم وما الذي تريدون أن تصنعوه بهم ؟ فقالوا: نريد أن نمكن منهم الامير ابن زياد،
فيرى رأيه فيهم، فقال لهم برير: أفلا تقبلون منهم أن يرجعوا إلى المكان الذي جاؤا
منه ؟ ويلكم يا أهل الكوفة أنسيتم كتبكم وعهودكم التي أعطيتموها وأشهدتم الله
عليها، يا ويلكم أدعوتم أهل بيت نبيكم، وزعمتم أنكم تقتلون أنفسكم دونهم، حتى إذا
أتوكم أسلمتموهم إلى ابن زياد، وحلاتموهم عن ماء الفرات بئس ما خلفتم نبيكم في
ذريته، ما لكم لاسقاكم الله يوم القيامة، فبئس القوم أنتم. فقال له نفر منهم: يا
هذا ما ندري ما تقول ؟ فقال برير: الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة اللهم إني أبرء
إليك من فعال هؤلاء القوم اللهم ألق بأسهم بينهم، حتى يلقوك وأنت عليهم غضبان، فجعل
القوم يرمونه بالسهام فرجع برير إلى ورائه. وتقدم الحسين عليه السلام حتى وقف بازاء
القوم، فجعل ينظر إلى صفوفهم كأنهم السيل، ونظر إلى ابن سعد واقفا في صناديد الكوفة
فقال: الحمدلله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال، متصرفة بأهلها حالا بعد
حال، فالمغرور من غرته * (الهامش) * (1) ارشاد المفيد ص 217
[6]
والشقي من فتنته، فلا تغرنكم هذه الدنيا،
فانها تقطع رجاء من ركن إليها وتخيب طمع من طمع فيها، وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد
أسخطتم الله فيه عليكم وأعرض بوجهه الكريم عنكم، وأحل بكم نقمته، وجنبكم رحمته،
فنعم الرب ربنا، وبئس العبيد أنتم ! أقررتم بالطاعة، وآمنتم بالرسول محمد صلى الله
عليه وآله ثم إنكم زحفتم إلى ذريته وعترته تريدون قتلهم، لقد استحوذ عليكم الشيطان،
فأنساكم ذكر الله العظيم، فتبا لكم ولما تريدون، إنا لله وإنا إليه راجعون، هؤلاء
قوم كفروا بعد إيمانهم فبعدا للقوم الظالمين فقال عمر: ويلكم كلموه فانه ابن أبيه،
والله لو وقف فيكم هكذا يوما جديدا لما انقطع ولما حصر، فكلموه فتقدم شمر لعنه الله
فقال: يا حسين ما هذا الذي تقول ؟ أفهمنا حتى نفهم، فقال: أقول: اتقوا الله ربكم
ولا تقتلوني، فانه لا يحل لكم قتلي، ولا انتهاك حرمتي، فاني ابن بنت نبيكم وجدتي
خديجة زوجة نبيكم ولعله قد بلغكم قول نبيكم: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنه -
إلى آخر ما سيأتي برواية المفيد وقال المفيد: ودعا الحسين عليه السلام براحلته
فركبها ونادى بأعلا صوته: يا أهل العراق - وجلهم يسمعون - فقال: أيها الناس اسمعوا
قولي ولا تعجلوا حتى أعظكم بما يحق لكم علي، وحتى أعذر عليكم، فان أعطيتموني النصف،
كنتم بذلك أسعد وإن لم تعطوني النصف من أنفسكم " فاجمعوا رأيكم ثم لا يكن أمركم
عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى
الصالحين " ثم حمدالله وأثنى عليه وذكر الله بما هو أهله، وصلى على النبي وعلى
ملائكته وعلى أنبيائه، فلم يسمع متكلم قط قبله ولابعده أبلغ منه في منطق ثم قال:
أما بعد فانسبوني فانظروا من أنا، ثم راجعوا أنفسكم وعاتبوها فانظروا هل يصلح لكم
قتلي وانتهاك حرمتي ؟ ألست ابن نبيكم، وابن وصيه وابن عمه ؟ وأول مؤمن مصدق لرسول
الله صلى الله عليه وآله بما جاء به من عند ربه ؟ أو ليس حمزة سيد الشهداء عمي ؟ أو
ليس جعفر الطيار في الجنة بجناحين عمي ؟ أولم
[7]
يبلغكم ما قال رسول الله صلى الله عليه
وآله لي ولاخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة ؟ فان صدقتموني بما أقول وهو الحق، والله
ما تعمدت كذبا مذ علمت أن الله يمقت عليه أهله، وإن كذبتموني فان فيكم من إن
سألتموه عن ذلك أخبركم، اسألوا جابر ابن عبد الله الانصاري وأبا سعيد الخدري وسهل
بن سعد الساعدي وزيد بن أرقم وأنس بن مالك (1) يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من
رسول الله صلى الله عليه وآله لي ولاخي أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي ؟ فقال له
شمربن ذي الجوشن هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما تقول فقال له حبيب بن مظاهر:
والله إني لاراك تعبد الله على سبعين حرفا وأنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول قد
طبع الله على قلبك ثم قال لهم الحسين عليه السلام: فان كنتم في شك من هذا أفتشكون
أني ابن بنت نبيكم ؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم، ولا في
غيركم ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته ؟ أو مال لكم استهلكته ؟ أو بقصاص من جراحة
؟ فأخذوا لا يكلمونه فنادى يا شبث بن ربعي يا حجار بن أبجر يا قيس بن الاشعث يا
يزيد بن الحارث ألم تكتبوا إلي أن قد أينعت الثمار، واخضر الجناب، وإنما تقدم على
جند لك مجند ؟ فقال له قيس بن الاشعث: ما ندري ما تقول ولكن انزل على حكم بني عمك،
فانهم لن يروك إلا ما تحب، فقال لهم الحسين عليه السلام: لا والله لا اعطيكم بيدي
إعطاء الذليل، ولا اقر لكم إقرار العبيد ثم نادى: يا عباد الله إني عذت بربي وربكم
أن ترجمون، وأعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب. ثم إنه أناخ راحلته
وأمر عقبة بن سمعان بعقلها، وأقبلوا يزحفون نحوه (2) * (الهامش) * (1) مات جابر بن
عبد الله سنة 74 وشهد جنازته الحجاج والظاهر أنه بالكوفة وأبو سعيد الخدرى سنة 64 -
74 وسهل بن سعد هو آخر من مات بالمدينة سنة احدى وتسعين وزيد بن أرقم سنة 66
بالكوفة، وأنس بن مالك آخر من مات بالبصرة سنة 71 وكان قاطنا بها (2) الارشاد ص 217
و 218
[8]
وفي المناقب روى بإسناده، عن عبد الله بن
محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن عبد الله قال: لما عبأ
عمربن سعد أصحابه لمحاربة الحسين بن علي عليهما السلام ورتبهم مراتبهم، وأقام
الرايات في مواضعها، وعبأ أصحاب الميمنة والميسرة، فقال لاصحاب القلب: اثبتوا
وأحاطوا بالحسين من كل جانب حتى جعلوه في مثل الحلقة، فخرج عليه السلام حتى أتى
الناس فاستنصتهم فأبوا أن ينصتوا حتى قال لهم: ويلكم ما عليكم أن تنصتوا إلي
فتسمعوا قولي، وإنما أدعوكم إلى سبيل الرشاد، فمن أطاعني كان من المرشدين، ومن
عصاني كان من المهلكين، وكلكم عاص لامري غير مستمع قولي فقد ملئت بطونكم من الحرام،
وطبع على قلوبكم، ويلكم ألا تنصتون ؟ ألا تسمعون ؟ فتلاوم أصحاب عمربن سعد بينهم
وقالوا: أنصتوا له. فقام الحسين عليه السلام ثم قال: تبا لكم أيتها الجماعة وترحا،
أفحين استصرختمونا ولهين متحيرين فأصرختكم مؤدين مستعدين، سللتم علينا سيفا في
رقابنا، وحششتم علينا نار الفتن خباها عدوكم وعدونا، فأصبحتم إلبا على أوليائكم
ويدا عليهم لاعدائكم، بغير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم، إلا الحرام من
الدنيا أنالوكم، وخسيس عيش طمعتم فيه، من غير حدث كان منا ولا رأي تفيل لنا، فهلا -
لكم الويلات - إذ كرهتمونا وتركتمونا تجهزتموها والسيف لم يشهر، والجاش طامن،
والرأي لم يستحصف، ولكن أسرعتم علينا كطيرة الذباب، وتداعيتم كتداعي الفراش، فقبحا
لكم، فانما أنتم من طواغيت الامة وشذاذ الاحزاب، ونبذة الكتاب، ونفثة الشيطان،
وعصبة الآثام، ومحرفي الكتاب، ومطفئ السنن، وقتلة أولاد الانبياء، ومبيري عترة
الاوصياء، وملحقي العهار بالنسب، ومؤذي المؤمنين، وصراخ أئمة المستهزئين، الذين
جعلوا القرآن عضين وأنتم ابن حرب وأشياعه تعتمدون، وإيانا تخاذلون، أجل والله الخذل
فيكم معروف، وشجت عليه عروقكم، وتوارثته اصولكم وفروعكم، وثبتت عليه
[9]
قلوبكم، وغشيت صدوركم، فكنتم أخبث شئ سنخا
للناصب واكلة للغاصب، ألا لعنة الله على الناكثين الذين ينقضون الايمان بعد
توكيدها، وقد جعلتم الله عليكم كفيلا فأنتم والله هم. ألا إن الدعي ابن الدعي قد
ركز بين اثنتين بين القلة (1) والذلة، وهيهات ما آخذ الدنية، أبى الله ذلك ورسوله،
وجدود طابت، وحجور طهرت، وانوف حمية ونفوس أبية لا تؤثر مصارع اللئام على مصارع
الكرام، ألا قد أعذرت وأنذرت ألا إني زاحف بهذه الاسرة، على قلة العتاد، وخذلة
الاصحاب ثم أنشأ يقول: فإن نهزم فهزامون قدما * وإن نهزم فغير مهزمينا وما إن طبنا
جبن ولكن * منايانا ودولة آخرينا (2) ألا ! ثم لا تلبثون بعدها إلا كريث ما يركب
الفرس، حتى تدور بكم الرحى، عهد عهده إلي أبي عن جدي فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم
كيدوني جميعا فلا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ *
(الهامش) * (1) القلة: قلة العدد بالقتل. وفى بعض النسخ: السلة منه رحمه الله (2)
قائلها فروة بن مسيك المرادى قالها في يوم الردم لهمدان من مراد. وزاد بعدهما في
الملهوف: إذا ما الموت رفع عن اناس * كلاكله أناخ بآخرينا فأفنى ذلكم سروات قومي *
كما أفنى القرون الاولينا فلو خلد الملوك إذا خلدنا * ولو بقى الكرام إذا بقينا فقل
للشامتين بنا أفيقوا * سيلقى الشامتون كما لقينا وقد تروى على غير هذا اللفظ كما
نقله ابن هشام في السيرة ج 2 ص 582: مررن على لفات وهن خوص * ينازعن الاعنة ينتحينا
فان نغلب فغلابون قدما * وان نغلب فغير مغلبينا وما ان طبناجبن ولكن * منايانا
وطعمة آخرينا كذاك الدهر دولته سجال * تكر صروفه حينا فحينا الخ.
[10]
بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم اللهم
احبس عنهم قطر السماء، وابعث عليهم سنين كسني يوسف، وسلط عليهم غلام ثقيف يسقيهم
كأسا مصبرة، ولا يدع فيهم أحدا إلا (قتله) قتلة بقتلة، وضربة بضربة، ينتقم لي
ولاوليائي وأهل بيتي و أشياعي منهم، فانهم غرونا وكذبونا وخذلونا، وأنت ربنا عليك
توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير. ثم قال: أين عمر بن سعد ؟ ادعوا لي عمر ! فدعي
له، وكان كارها لا يحب أن يأتيه فقال: يا عمر أنت تقتلني ؟ تزعم أن يوليك الدعي بن
الدعي بلاد الري وجرجان، والله لاتتهنأ بذلك أبدا، عهدا معهودا، فاصنع ما أنت صانع،
فانك لاتفرح بعدي بدنيا ولا آخرة، ولكأني برأسك على قصبة قد نصب بالكوفة، يتراماه
الصبيان ويتخذونه غرضا بينهم. فاغتاظ عمر من كلامه، ثم صرف بوجهه عنه، ونادى
بأصحابه: ما تنتظرون به ؟ احملوا بأجمعكم إنما هي اكلة واحدة، ثم إن الحسين دعا
بفرس رسول الله المرتجز فركبه، وعيأ أصحابه. أقول: قد روى الخطبة في تحف العقول
نحوا مما مر ورواه السيد بتغيير واختصار (1) وستأتي برواية الاحتجاج أيضا. ثم قال
المفيد رحمه الله: فلما رأى الحر بن يزيد أن القوم قد صمموا على قتال الحسين عليه
السلام قال لعمر بن سعد: أي عمر ! أمقاتل أنت هذا الرجل ؟ قال: إي والله قتالا
شديدا أيسره أن تسقط الرؤوس، وتطيح الايدي، قال: أفما لكم فيما عرضه عليكم رضى ؟
قال عمر: أما لو كان الامر إلي لفعلت، ولكن أميرك قد أبى، فأقبل الحر حتى وقف من
الناس موقفا ومعه رجل من قومه يقال له قرة بن قيس فقال له: يا قرة هل سقيت فرسك
اليوم ؟ قال: لا، قال: فما تريد أن تسقيه ؟ قال قرة: فظننت والله إنه يريد أن يتنحى
ولا يشهد القتال، فكره أن أراه حين يصنع ذلك فقلت له: لم أسقه وأنا منطلق فأسقيه،
فاعتزل ذلك المكان الذي كان فيه فوالله لو أنه * (الهامش) * (1) تحف العقول ص 240
الملهوف ص 85 - 88
[11]
اطلعني على الذي يريد لخرجت معه إلى
الحسين (1). فأخذ يدنو من الحسين قليلا قليلا، فقال له مهاجر بن أوس: ما تريد يا
ابن يزيد ؟ أتريد أن تحمل ؟ فلم يجبه فأخذه مثل الافكل وهي الرعدة، فقال له
المهاجر: إن أمرك لمريب، والله ما رأيت منك في موقف قط مثل هذا، ولو قيل لي: من
أشجع أهل الكوفة ؟ لما عدوتك، فما هذا الذي أرى منك ؟ فقال له الحر: إني والله اخير
نفسي بين الجنة والنار، فوالله لا أختار على الجنة شيئا ولو قطعت واحرقت. ثم ضرب
فرسه فلحق الحسين عليه السلام فقال له: جعلت فداك يا ابن رسول الله أنا صاحبك الذي
حبستك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، وجعجعت بك في هذا المكان، وما ظننت أن القوم
يردون عليك ما عرضته عليهم، ولا يبلغون منك هذه المنزلة، والله لو علمت أنهم ينتهون
بك إلى ما أرى ما ركبت مثل الذي ركبت، وأنا تائب إلى الله مما صنعت، فترى لي من ذلك
توبة ؟ فقال له الحسين عليه السلام: نعم يتوب الله عليك فانزل فقال: أنا لك فارسا
خير مني راجلا اقاتلهم على فرسي ساعة، وإلى النزول ما يصير آخر أمري، فقال له
الحسين عليه السلام: فاصنع يرحمك الله ما بدالك. فاستقدم أمام الحسين عليه السلام
فقال: يا أهل الكوفة لامكم الهبل والعبر (2) أدعوتم هذا العبد الصالح حتى إذا أتاكم
أسلمتموه ؟ وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه ثم عدوتم عليه لتقتلوه ؟ أمسكتم بنفسه،
وأخذتم بكلكله، وأحطتم به من كل جانب لتمنعوه التوجه إلى بلاد الله العريضة، فصار
كالاسير في أيديكم: لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع عنها ضرا، وحلاتموه ونساءه وصبيته
وأهله عن ماء الفرات الجاري تشربه اليهود والنصارى والمجوس، وتمرغ فيه خنازير
السواد وكلابهم، وهاهم قد صرعهم العطش، بئسما خلفتم محمدا في ذريته، لاسقاكم الله
يوم الظمأ * (الهامش) * (1) كذب عدوالله، فانه قد رأى الحر بعد ذلك حين يقاتل ذبا
عن آل رسول الله. (2) الهبل: الثكل، والعبر: الموت يقال عبر القوم: ماتوا:
[12]
فحمل عليه رجال يرمونه بالنبل، فأقبل حتى
وقف أمام الحسين عليه السلام ونادى عمر بن سعد: يا دريد أدن رأيتك فأدناها ثم وضع
سهما في كبد قوسه ثم رمى وقال: اشهدوا أني أول من رمى الناس (1) وقال محمد بن أبي
طالب: فرمى أصحابه كلهم فما بقي من أصحاب الحسين عليه السلام إلا أصابه من سهامهم،
قيل: فلما رموهم هذه الرمية، قل أصحاب الحسين عليه السلام وقتل في هذه الحملة خمسون
رجلا، وقال السيد: فقال عليه السلام لاصحابه: قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لابد
منه فان هذه السهام رسل القوم إليكم، فاقتتلوا ساعة من النهار حملة وحملة، حتى قتل
من أصحاب الحسين عليه السلام جماعة، قال: فعندها ضرب الحسين عليه السلام يده على
لحيته، وجعل يقول: اشتد غضب الله على اليهود إذ جعلوا له ولدا، واشتد غضبه على
النصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة واشتد غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر دونه،
واشتد غضبه على قوم اتفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيهم، أما والله لا اجيبهم إلى
شئ مما يريدون حتى ألقى الله تعالى، وأنا مخضب بدمي. وروي عن مولانا الصادق عليه
السلام أنه قال: سمعت أبي عليه السلام يقول: لما التقى الحسين عليه السلام وعمر بن
سعد لعنه الله وقامت الحرب، انزل النصر حتى رفرف على رأس الحسين عليه السلام ثم خير
بين النصر على أعدائه وبين لقاء الله تعالى، فاختار لقاء الله تعالى قال الراوي: ثم
صاح عليه السلام: أما من مغيث يغيثنا لوجه الله، أما من ذاب يذب عن حرم رسول الله
(2) وقال المفيد رحمه الله: وتبارزوا فبرز يسار مولى زياد بن أبي سفيان وبرز إليه
عبد الله بن عمير، فقال له يسار: من أنت فانتسب له فقال: لست أعرفك حتى يخرج إلي
زهير بن القين أو حبيب بن مظاهر، فقال له عبد الله بن عمير: يا ابن الفاعلة *
(الهامش) * (1) كتاب الارشاد ص 219 (2) الملهوف ص 89 و 90.
[13]
وبك رغبة عن مبارزة أحد من الناس ثم شد
عليه فضربه بسيفه حتى برد، وإنه لمشغول بضربه إذ شد عليه سالم مولى عبيدالله بن
زياد، فصاحوا به قد رهقك العبد فلم يشعر حتى غشيه، فبدره بضربة اتقاها ابن عمير
بيده اليسرى فأطارت أصابع كفه، ثم شد عليه فضربه حتى قتله، وأقبل وقد قتلهما جميعا
وهو يرتجز ويقول: إن تنكروني فأنا ابن كلب * أنا امرء ذو مرة وعصب ولست بالخوار عند
النكب وحمل عمرو بن الحجاج على ميمنة أصحاب الحسين عليه السلام فيمن كان معه من أهل
الكوفة، فلما دنا من الحسين عليه السلام جثوا له على الركب وأشرعوا الرماح نحوهم،
فلم تقدم خيلهم على الرماح فذهبت الخيل لترجع، فرشقهم أصحاب الحسين عليه السلام
بالنبل، فصرعوا منهم رجالا وجرحوا منهم آخرين وجاء رجل من بني تميم يقال له عبد
الله بن خوزة فأقدم على عسكر الحسين عليه السلام فناداه القوم: إلى أين ثكلتك امك ؟
فقال: إني أقدم على رب رحيم وشفيع مطاع، فقال الحسين عليه السلام لاصحابه: من هذا ؟
فقيل له: هذا ابن خوزة التميمي، فقال: اللهم جره إلى النار فاضطرب به فرسه في جدول
فوقع وتعلقت رجله اليسرى في الركاب وارتفعت اليمنى وشد عليه مسلم بن عوسجة فضرب
رجله اليمنى فأطارت وعدابه فرسه فضرب برأسه كل حجر وكل شجر حتى مات وعجل الله بروحه
إلى النار، ونشب القتال فقتل من الجميع جماعة (1) وقال محمد بن أبي طالب وصاحب
المناقب وابن الاثير في الكامل ورواياتهم متقاربة: إن الحر أتى الحسين عليه السلام
فقال: يا ابن رسول الله كنت أول خارج عليك فائذن لي لاكون أول قتيل بين يديك، وأول
من يصافح جدك غدا، وإنما قال الحر: لاكون أول قتيل بين يديك والمعنى يكون أول قتيل
من المبارزين وإلا فان جماعة كانوا قد قتلوا في الحملة الاولى كما ذكر، فكان أول من
تقدم إلى * (الهامش) * (1) كتاب الارشاد ص 220
[14]
براز القوم، وجعل ينشد ويقول: إني أنا
الحر ومأوى الضيف * أضرب في أعناقكم بالسيف عن خير من حل بأرض الخيف * أضربكم ولا
أرى من حيف وروي أن الحر لما لحق بالحسين عليه السلام قال رجل من تميم يقال له يزيد
ابن سفيان: أما والله لو لحقته لاتبعته السنان، فبينما هو يقاتل وإن فرسه لمضروب
على اذنيه وحاجبيه وإن الدماء لتسيل إذ قال الحصين: يا يزيد هذا الحر الذي كنت
تتمناه، قال: نعم، فخرج إليه فما لبث الحر أن قتله، وقتل أربعين فارسا وراجلا، فلم
يزل يقاتل حتى عرقب فرسه، وبقي راجلا وهو يقول: إني أنا الحر ونجل الحر * أشجع من
ذي لبد هزبر ولست بالجبان عند الكر * لكنني الوقاف عند الفر ثم لم يزل يقاتل حتى
قتل رحمه الله، فاحتمله أصحاب الحسين عليه السلام حتى وضعوه بين يدي الحسين عليه
السلام وبه رمق، فجعل الحسين يمسح وجهه، ويقول: أنت الحر كما سمتك امك، وأنت الحر
في الدنيا، وأنت الحر في الآخرة ورثاه رجل من أصحاب الحسين عليه السلام وقيل: بل
رثاه علي بن الحسين عليهما السلام لنعم الحر حر بني رياح * صبور عند مختلف الرماح
ونعم الحر إذ نادى حسينا * فجاد بنفسه عند الصياح فيا ربي أضفه في جنان * وزوجه مع
الحور الملاح وروي أن الحر كان يقول: آليت لا اقتل حتى أقتلا * أضربهم بالسيف ضربا
معضلا لا ناقل عنهم ولا معللا * لا عاجز عنهم ولا مبدلا أحمي الحسين الماجد المؤملا
قال المفيد رحمه الله: فاشترك في قتله: أيوب بن مسرح ورجل آخر من
[15]
فرسان أهل الكوفة انتهى كلامه (1). وقال
ابن شهر آشو