بحار الانوار الجزء
44
العلامة المجلسي
[1]
بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة
الأطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الأمة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس
الله سره " الجزء الرابع والأربعون مؤسسة الوفاء بيروت لبنان كافة الحقوق محفوظة
ومسجلة الطبعة الثانية المصححة 1403 ه - 1983 م مؤسسة الوفاء - بيروت - لبنان -
صرب: 1457 - هاتف: 386868
[1]
بسم الله الرحمن الرحيم (18) * " (باب) *
* " (العلة التى من أجلها صالح الحسن بن على صلوات الله عليه) " * * " (معاوية بن
أبى سفيان عليه اللعنة، وداهنه ولم يجاهده) " * * (وفيه رسالة محمد بن بحر الشيباني
رحمه الله) * 1 - ع: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن ابن فضال، عن ثعلبة، عن عمر ابن
أبي نصر، عن سدير، قال: قال أبو جعفر عليه السلام ومعي ابني: يا سدير اذكر لنا أمرك
الذي أنت عليه، فان كان فيه إغراق كففناك عنه، وإن كان مقصرا أرشدناك قال: فذهبت أن
أتكلم فقال أبو جعفر عليه السلام: أمسك حتى أكفيك إن العلم: الذي وضع رسول الله صلى
الله عليه وآله عند علي عليه السلام من عرفه كان مؤمنا ومن جحده كان كافرا ثم كان
من بعده الحسن عليه السلام قلت: كيف يكون بتلك المنزلة، وقد كان منه ما كان دفعها
إلى معاوية ؟ فقال: اسكت فانه أعلم بما صنع، لولا ما صنع لكان أمر عظيم (1). 2 ع:
حدثنا علي بن أحمد [ابن محمد]، عن محمد بن موسى بن داود الدقاق، عن الحسن بن أحمد
بن الليث، عن محمد بن حميد، عن يحيى بن أبي بكير قال: حدثنا أبو العلاء الخفاف، عن
أبي سعيد عقيصا قال: قلت للحسن بن علي ابن أبي طالب عليهما السلام: يا ابن رسول
الله لم داهنت معاوية وصالحته، وقد علمت أن
(1) تراه في علل الشرائع ج 1 ص 200 وهكذا
الحديث التالى.
[2]
الحق لك دونه وأن معاوية ضال باغ ؟ فقال:
يابا سعيد ألست حجة الله تعالى ذكره على خلقه، وإماما عليهم بعد أبي عليه السلام ؟
قلت: بلى، قال: ألست الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله لي ولأخي: الحسن
والحسين إمامان قاما أو قعدا ؟ قلت: بلى، قال: فأنا إذن إمام لو قمت، وأنا إمام إذا
قعدت، يابا سعيد علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول الله صلى الله عليه وآله لبني
ضمرة وبني أشجع، ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية، اولئك كفار بالتنزيل ومعاوية
وأصحابه كفار بالتأويل، يابا سعيد إذا كنت إماما من قبل الله تعالى ذكره لم يجب أن
يسفه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة، وإن كان وجهه الحكمة فيما أتيته ملتبسا.
ألا ترى الخضر عليه السلام لما خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط موسى عليه
السلام فعله، لاشتباه وجه الحكمة عليه حتى أخبره فرضي، هكذا أنا سخطتم علي بجهلكم
بوجه الحكمة فيه، ولولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الارض أحد إلا قتل. قال
الصدوق رحمه الله: قد ذكر محمد بن بحر الشيباني رضي الله عنه (1) في كتابه المعروف
بكتاب " الفروق بين الأباطيل والحقوق " في معنى موادعة الحسن بن علي بن أبي طالب
لمعاوية فذكر سؤال سائل عن تفسير حديث يوسف بن مازن الراسبي (2) في هذا المعنى
والجواب عنه وهو الذي رواه أبو بكر محمد بن الحسن بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري
قال: حدثنا أبو طالب زيد بن أحزم قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا القاسم بن الفضل،
قال: حدثنا يوسف بن مازن الراسبي قال: بايع الحسن بن علي صلوات الله عليه معاوية
على أن لا يسميه أمير المؤمنين، ولا يقيم عنده شهادة، وعلى أن لا يتعقب على شيعة
علي عليه السلام شيئا، وعلى أن يفرق في أولاد
(1) عنونه النجاشي في رجاله ص 298 وقال:
قال بعض أصحابنا انه كان في مذهبه ارتفاع، وحديثه قريب من السلامة، ولا أدرى من أين
قيل ذلك. (2) الراشى خ ل في الموضعين.
[3]
من قتل مع أبيه يوم الجمل وأولاد من قتل
مع أبيه بصفين ألف ألف درهم، وأن يجعل ذلك من خراج دار ابجرد (1). قال: وما ألطف
حلية الحسن صلوات الله عليه في إسقاطه إياه عن إمرأة المؤمنين قال يوسف: فسمعت
القاسم بن محيمة يقول: ما وفى معاوية للحسن بن علي صلوات الله عليه بشئ عاهده عليه
وإني قرأت كتاب الحسن عليه السلام إلى معاوية يعدد عليه ذنوبه إليه وإلى شيعة علي
عليه السلام فبدأ بذكر عبد الله بن يحيى الحضرمي ومن قتلهم معه. فنقول: رحمك الله
إن ما قال يوسف بن مازن من أمر الحسن عليه السلام ومعاوية عند أهل التميز والتحصيل
تسمى المهادنة والمعاهدة، ألا ترى كيف يقول " ما وفى معاوية للحسن بن علي بشئ عاهده
عليه وهادنه " ولم يقل بشئ بايعه عليه، والمبايعة على ما يدعيه المدعون على الشرائط
التي ذكرناها، ثم لم يف بها لم يلزم الحسن عليه السلام. وأشد ما ههنا من الحجة على
الخصوم، معاهدته إياه على أن لا يسميه أمير المؤمنين، والحسين عليه السلام عند نفسه
لا محالة مؤمن فعاهده على أن لا يكون عليه أميرا، إذ الأمير هو الذي يأمر فيؤتمر
له. فاحتال الحسن صلوات الله عليه لإسقاط الايتمار لمعاوية إذا أمره أمرا على نفسه
والأمير هو الذي أمره مأمور (2) من فوقه، فدل على أن الله عزوجل لم يؤمره عليه، ولا
رسوله صلى الله عليه وآله أمره عليه، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله: " لا يلين
مفاء على مفئ " (3).
(1) وسيجيئ منا وجه ذلك. (2) في المصدر
المطبوع ج 1 ص 202 " كأمور " وفى الطبعة الحجرية " كأمر " وسيجيئ بيانه من المصنف -
رضوان الله عليه - لكن يحتمل أن يكون مصحف " بأمور ". (3) " المفاء " هو الذى صار
فيئا للمسلمين، و " المفئ " هو كل مسلم أخذ ذلك المفاء عنوة، فلو كان ذلك المفاء
المأخوذ كبيرا يجوز للمسلمين قتله، واطلاقه منا أو فداء، ولو كان
[4]
يريد أن من حكمه (1) حكم هوازن الذين
صاروا فيئا للمهاجرين والأنصار فهؤلاء طلقاء المهاجرين الأنصار بحكم إسعافهم النبي
فيئهم لموضع رضاعه (2)
صغيرا لم يبلغ الحلم جاز لهم استرقاقه
وهكذا اطلاقه منا أو فداء. لكن المراد بالمفاء في هذا الحديث: الذى صار طليقا بالمن
عليه، صغيرا كان أو كبيرا، فحيث كان المسلمون حاكمين على نفسه بالقتل أو الاسترقاق
ولم يفعلوا ذلك، بل تكرموا ومنوا عليه بالاطلاق، ثبت لهم ولاية ذلك كما في ولاء
العتق، فلم يكن له أن يأمر ولا أن ينهى ولا أن يتأمر على المسلمين قضاء لحقوق تلك
الولاية. ووجه ذلك أن المسلمين هم الذين أعطوه ووهبوا له آثار الحياة والحرية، بحيث
صار يأمر وينهى لنفسه، يذهب ويجئ حيث يشاء، فلو صار يأمر وينهى المسلمين، ويتأمر
عليهم، انتقض عليه ذلك وكان كعبد يتحكم على مولاه. هذا مرمى قوله صلى الله عليه
وآله: " لا يلين مفاء على مفيئ " أي لا يكون الطليق أميرا على المسلمين أبدا، ولو
تأمر عليهم لكان غاصبا لحق الامارة، ظالما لهم بحكم الشرع والعقل والاعتبار، فحيث
كان معوية طليقا لم يكن له أن يتأمر على المسلمين. (1) الضمير في " حكمه " يرجع إلى
الفيئ، أي من أحكام الفيئ حكم أسرى هوازن الذين صاروا فيئا للمهاجرين والانصار يوم
حنين. (2) أتى رسول الله وفد هوازن بالجعرانة وكان مع رسول الله صلى الله عليه وآله
من سبى هوازن ستة آلاف من الذرارى والنساء، ومن الابل والشاء ما لا يدرى ما عدته
فقالوا: يا رسول الله انا أصل وعشيرة وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فامنن
علينا من الله عليك وقام رجل من بنى سعد بن بكر يقال له زهير. فقال: يا رسول الله !
انما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتى كن يكفلنك، ولو أنا ملحنا للحارث بن
أبى شمر، أو للنعمان بن المنذر، ثم نزل منا بمثل الذى نزلت به، رجونا عطفه وعائدته
علينا، وأنت خير المكفولين. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله بعد كلام: أما ما
كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله،
وقالت الانصار: وما كان لنا فهو لرسول الله. راجع سيرة ابن هشام ج 2 ص 488.
[5]
وحكم قريش وأهل مكة حكم هوازن (1). فمن
أمره (2) رسول الله صلى الله عليه وآله عليهم، فهو التأمير من الله جل جلاله ورسوله
صلى الله عليه وآله. أو من الناس كما قالوا في غير معاوية إن الامة اجتمعت فأمرت
فلانا وفلانا وفلانا على أنفسهم فهو أيضا تأمير غير أنه من الناس لا من الله ولا من
رسوله وهو إن لم يكن تأميرا من الله ومن رسوله ولا تأميرا من المؤمنين فيكون أميرهم
بتأميرهم فهو تأمير منه بنفسه. والحسن صلوات الله عليه مؤمن من المؤمنين فلم يؤمر
معاوية على نفسه بشرطه عليه ألا يسميه أمير المؤمنين، فلم يلزمه ذلك الايتمار له في
شئ أمره به، وفرغ صلوات الله عليه، إذ خلص بنفسه من الايجاب عليها الايتمار له [عن]
أن يتخذ على المؤمنين الذينهم على الحقيقة مؤمنون، وهم الذين كتب في قلوبهم
الايمان. ولأن هذه الطبقة لم يعتقدوا إمارته ووجوب طاعته على أنفسهم، ولأن الحسن
عليه السلام أمير البررة، وقاتل الفجرة، كما قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي
عليه السلام علي
(1) فتح رسول الله صلى الله عليه وآله مكة
عنوة فخطب على باب الكعبة ثم قال بعد كلام: " يا معشر قريش ! ما ترون أنى فاعل فيكم
؟ قالوا: خيرا. أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء " راجع سيرة ابن
هشام ج 2 ص 412. فكان له (ص) أن يأمر بأسرهم وقتلهم وسبى ذراريهم حيث انه دخلها
عنوة فلم يفعل ذلك بل من عليهم وقال: انتم الطلقاء، وفيهم معوية بن أبى سفيان. (2)
هذا هو الصحيح يعنى فعلى هذا: من أمره رسول الله على المسلمين أو على الطلقاء فهو
التأمير من الله ورسوله الخ ويكون ابتداء كلام وما في النسخ من قوله: " لمن أمره
رسول الله عليهم " تتميما لما سبق، فهو تصحيف لم يتنبه له المصنف رضوان الله عليه
على ما يجئ في البيان، وذلك لان حكم الطلقاء طلقاء قريش وهوازن - من عدم جواز
تأمرهم على المسلمين بقوله " لا يلين مفاء على مفئ " عام مطلق، لا يختص بمن أمره
رسول الله على الطلقاء. مع أنه لو قرءنا اللفظ " لمن أمره " لتشتت الكلام من نواحى
شتى.
[6]
أمير البررة، وقاتل الفجرة، فأوجب عليه
السلام أنه ليس لبر من الابرار أن يتأمر عليه وأن التأمير على أمير الابرار ليس
ببر، هكذا يقتضي مراد رسول الله صلى الله عليه وآله ولو لم يشترط الحسن بن علي
عليهما السلام على معاوية هذه الشروط، وسماه أمير المؤمنين. وقد قال النبي صلى الله
عليه وآله قريش أئمة الناس أبرارها لأبرارها، وفجارها لفجارها. وكل من اعتقد من
قريش أن معاوية إمامه بحقية الامامة من الله عزوجل واعتقد الايتمار له وجوبا عليه
فقد اعتقد وجوب اتخاذ مال الله دولا وعباده خولا ودينه دخلا (1) وترك أمر الله إياه
إن كان مؤمنا فقد أمر الله عزوجل المؤمنين بالتعاون على البر والتقوى فقال: "
وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان " (2). فان كان اتخاذ
مال الله دولا، وعباده خولا، ودين الله دخلا: من البر والتقوى، جاز على تأويلك من
اتخذه إماما وأمره على نفسه، كما ترون التأمير على العباد. ومن اعتمد أن قهر مال
الله على ما يقهر عليه، ودين الله على ما يسام، وأهل دين الله على ما يسامون، هو
بقهر من اتخذهم خولا، وأن الله من قبله مديل في تخليص المال من الدول، والدين من
الدخل، والعباد من الخول، علم وسلم وآمن واتقى أن البر مقهور في يد الفاجر،
والأبرار مقهورون في أيدي الفجار، بتعاونهم مع الفاجر على الاثم والعدوان المزجور،
عنه المأمور بضده وخلافه ومنافيه. وقد سأل الثوري السفيان عن " العدوان " ما هو ؟
فقال: هو أن ينقل صدقة بانقياء إلى الحيرة فتفرق في أهل السهام بالحيرة، وببانقياء
أهل السهام
(1) اشارة إلى قوله صلى الله عليه وآله: "
إذا بلغ بنو العاص ثلاثين رجلا: اتخذوا مال الله دولا، وعباد الله خولا، ودين الله
دغلا " أخرجه الحاكم بالاسناد إلى على عليه السلام وهكذا أبى ذر، وأبى سعيد الخدرى،
وصححه راجع مستدرك الحاكم ج 4 ص 480. (2) المائدة: 3.
[7]
وأنا اقسم بالله قسما بارا أن حراسة سفيان
ومعاوية بن مرة ومالك بن معول وخيثمة بن عبد الرحمن خشبة (1) زيد بن علي بن الحسين
بن علي بن أبي طالب عليهم السلام بكناس الكوفة بأمر هشام بن عبد الملك من العدوان
الذي زجر الله عز وجل عنه وأن حراسة من سميتم بخشبة زيد رضوان الله عليه، الداعية
بنقل صدقة بانقياء إلى الحيرة. فإن عذر عاذر عمن سميتهم بالعجز عن نصر البر الذي هو
الامام من قبل الله عزوجل، الذي فرض طاعته على العباد، على الفاجر الذي تأمر باعانة
الفجرة إياه، قلنا: لعمري إن العاجز معذور فيما عجز عنه، ولكن ليس الجاهل بمعذور في
ترك الطلب، فيما فرض الله عز وجل عليه، وإيجابه على نفسه فرض طاعته وطاعة رسول الله
صلى الله عليه وآله وطاعة اولي الأمر، وبأنه لا يجوز أن يكون سريرة ولاة الأمر
بخلاف علانيتهم، كما لم يجزأن يكون سريرة النبي صلى الله عليه وآله الذي هو أصل
ولاة الأمر وهم فرعه، بخلاف علانيته. وإن الله عز وجل العالم بالسرائر والضمائر،
والمطلع على ما في صدور العباد، لم يكل علم ما لم يعلمه العباد إلى العباد، جل وعز
عن تكليف العباد ما ليس في وسعهم وطوقهم، إذ ذاك ظلم من المكلف، وعبث منه، وأنه لا
يجوز أن يجعل جل وتقدس اختيار من يستوي سريرته بعلانيته، ومن لا يجوز ارتكاب
الكبائر الموبقة والغضب والظلم منه، إلى من لا يعلم السرائر والضمائر، فلا يسع أحدا
جهل هذه الأشياء. وإن وسع العاجز بعجزه ترك ما يعجز عنه، فانه لا يسعه الجهل
بالإمام البر الذي هو إمام الأبرار، والعاجز بعجزه معذور، والجاهل غير معذور، فلا
يجوز أن لا يكون للأبرار إمام، وإن كان مقهورا في قهر الفاجر والفجار، فمتى
(1) هؤلاء كانوا موكلين على حراسة خشبة
صلب عليها زيد بن على بن الحسين عليهم السلام، لئلا ينزلوه ويدفنوه، فبقى جثته
رضوان الله عليه أربع سنين على الصليب ثم استنزلوه وأحرقوه.
[8]
لم يكن للبر إمام بر قاهر أو مقهور، فمات
ميتة جاهلية، إذا مات وليس يعرف إمامه. فان قيل: فما تأويل عهد الحسن عليه السلام
وشرطه على معاوية بأن لا يقيم عنده شهادة لا يجاب الله عليه عز وجل إقامة الشهادة
بما علمه، قبل شرطه على معاوية [بأن لا يقيم عنده شهادة] قيل: إن لاقامة الشهادة من
الشاهد شرائط: وهي حدودها التي لا يجوز تعد يها لأن من تعدى حدود الله عزوجل فقد
ظلم نفسه، وأوكد شرائطها إقامتها عند قاض فصل، وحكم عدل، ثم الثقة من الشاهد أن
يقيمها عند من يجر (1) بشهادته حقا ويميت بها أثرة، ويزيل بها ظلما، فإذا لم يكن من
يشهد عنده سقط عنه فرض إقامة الشهادة. ولم يكن معاوية عند الحسن عليه السلام أميرا
أقامه الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وآله أو حاكما من ولاة الحكم، فلو كان حاكما
من قبل الله وقبل رسوله، ثم علم الحسن عليه السلام أن الحكم هو الأمير، والأمير هو
الحكم، وقد شرط عليه الحسن أن لا يؤمر، حين شرط ألا يسميه أمير المؤمنين، فكيف يقيم
الشهادة عند من أزال عنه الامرة بشرط أن لا يسميه أمير المؤمنين، وإذا زال ذلك عنه
بالشرط أزال عنه الحكم، لأن الأمير هو الحاكم، وهو المقيم للحاكم، ومن ليس له تأمير
ولا تحاكم، فحكمه هذر، ولا تقام الشهادة عند من حكمه هذر. فان قال: فما تأويل عهد
الحسن عليه السلام على معاوية وشرطه عليه أن لا يتعقب على شيعة علي عليه السلام
شيئا ؟ قيل: إن الحسن عليه السلام علم أن القوم جوزوا لأنفسهم التأويل، وسوغوا في
تأويلهم إراقة ما أرادوا إراقته من الدماء، وإن كان الله عز وجل حقنه، وحقن ما
أرادوا حقنه، وإن كان الله عز وجل أراقه في حكمه. فأراد الحسن عليه السلام أن يبين
أن تأويل معاوية على شيعة علي عليه السلام بتعقبه عليهم ما يتعقبه زائل مضمحل فاسد،
كما أنه أزال إمرته عنه وعن المؤمنين، بشرط
(1) عند من يحيى بشهادته حقا. ظ، بقرينة
قوله " يميت " وما في الصلب مطابق للنسخ والمصدر.
[9]
أن لا يسميه أمير المؤمنين، وأن إمرته
زالت عنه وعنهم، وأفسد حكمه عليه وعليهم. ثم سوغ الحسن عليه السلام بشرطه عليه أن
لا يقيم عنده شهادة، للمؤمنين القدوة منهم به في أن لا يقيموا عنده شهادة فتكون
حينئذ داره دائرة وقدرته قائمة لغير الحسن ولغير المؤمنين، فتكون داره كدار بخت نصر
وهو بمنزلة دانيال فيها وكدار العزيز وهو كيوسف فيها. فان قال: دانيال ويوسف عليهما
السلام كانا يحكمان لبخت نصر والعزيز، قلنا: لو أراد بخت نصر دانيال والعزيز يوسف
أن يريقا بشهادة عمار بن الوليد، وعقبة بن أبي معيط، وشهادة أبي بردة بن أبي موسى،
وشهادة عبد الرحمن بن أشعث بن قيس دم حجر بن عدي بن الأدبر وأصحابه رحمهم الله وأن
يحكما له بأن زيادا أخوه وأن دم حجر وأصحابه مراقة بشهادة من ذكرت، لما جاز أن
يحكما لبخت نصر والعزيز، والحكم بالعدل يرمي الحاكم به في قدرة عدل أو جائر ومؤمن
أو كافر لا سيما إذا كان الحاكم مضطرا إلى أن يدين للجائر الكافر، والمبطل والمحق
بحكمه. فإن قال: ولم خص الحسن عليه السلام عد الذنوب إليه وإلى شيعة علي عليه
السلام وقدم أمامها قتله عبد الله بن يحيى الحضرمي وأصحابه، وقد قتل حجرا وأصحابه
وغيرهم ؟ قلنا: لو قدم الحسن عليه السلام في عده على معاوية ذنوب حجر وأصحابه على
عبد الله بن يحيى الحضرمي وأصحابه لكان سؤالك قائما فتقول: لم قدم حجرا على عبد
الله بن يحيى وأصحابه أهل الأخيار والزهد في الدنيا والاعراض عنها فأخبر معاوية بما
كان عليه ابن يحيى وأصحابه من الخرق (1) على أمير المؤمنين عليه السلام وشدة حبهم
إياه، وإفاضتهم في ذكره وفضله، فجاء بهم وضرب أعناقهم صبرا. ومن أنزل راهبا من
صومعته فقتله بلا جناية منه إلى قاتله أعجب ممن يخرج
(1) في النسخ المطبوعة وهكذا المصدر ص 205
" الحزق " وهو بمعنى المنع والقبض ولعل الصحيح: " الحرق " من الحرارة والحب الشديد.
[10]
قسا من ديره فيقتله لأن صاحب الدير أقرب
إلى بسط اليد لتناول ما معه من صاحب الصومعة الذي هو بين السماء والأرض، فتقديم
الحسن عليه السلام العباد على العباد والزهاد على الزهاد، ومصابيح البلاد على
مصابيح البلاد، لا يتعجب منه، بل يتعجب لو قدم في الذكر مقصرا على مخبت ومقتصدا على
مجتهد. فان قال: ما تأويل اختيار مال دارا بجرد على سائر الأموال لما اشترط أن
يجعله لأولاد من قتل مع أبيه صلوات الله عليهم يوم الجمل وبصفين، قيل: لدارا بجرد
خطب في شأن الحسن عليه السلام، بخلاف جميع فارس (1).
(1) قد ذكر الصدوق رحمه الله في وجه
اختيار الامام الحسن السبط عليه السلام خراج درا بجرد ما تتلوه، والذى أراه أن
درابجرد لم يفتح عنوة بل صالح أهلها على ما صرح به البلاذرى في فتوح البلدان ص 380
حيث قال: " وأتى عثمان بن أبى العاص درابجرد وكانت شادروان علمهم ودينهم وعليها
الهربذ فصالحه الهربذ على مال أعطاه اياه، وعلى أن أهل دراجرد كلهم اسوة من فتحت
بلاده من أهل فارس، واجتمع له جمع بناحية جهرم ففضهم، وفتح أرض جهرم، وأتى عثمان
فصالحه عظيمها على مثل صلح درابجرد، ويقال: ان الهربذ صالح عليها أيضا " انتهى.
فحيث كان درابجرد صولح عليها مثل فدك، كان يجب حمل مال صلحها إلى زعيم أهل البيت
لقوله تعالى: " وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب -
إلى قوله تعالى - ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى
واليتامى والمساكين وابن السبيل كى لا يكون دولة بين الاغنياء منكم ". وأما سائر
الاراضي المفتوحة عنوة بايجاف الخيل والركاب، فكان حكم خراجها أن يقاسم بين
مقاتليها، فانها فيئ وغنيمة كما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله في أراضي خيبر،
بعد ما أخرج سهم الخمس، لكن لم يعمل عمر بن الخطاب بتلك السنة النبوية وتأول قوله
تعالى " والذين جاؤا من بعدهم " فجعل خراجها لعامة المسلمين ودون لهم ديوان العطاء.
فجرى بعده سائر الخلفاء والامراء على سنة عمر بن الخطاب، ولم يتهيأ لعلى عليه
السلام أن يرد ذلك إلى نصابه الحق المطابق لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله فقد
كان الحسن السبط عليه السلام يحكم بأن المتبع من السنن، انما هو سنة النبي الاقدس،
ولا يرى لاوليائه وأصحابه المخصوصين به أن يرتزقوا ويأخذوا العطاء من خراج الاراضي
المفتوحة عنوة، ولذلك شرط على معاوية أموال درابجرد التى صولح عليها.
[11]
وقلنا: إن المال مالان: الفيئ الذي ادعوا
أنه موقوف على المصالح الداعية إلى قوام الملة وعمارتها، من تجييش الجيوش للدفع عن
البيضة، ولأرزاق الأسارى، ومال الصدقة الذي خص به أهل السهام وقد جرى في فتوح
الأرضين بفارس والأهواز وغيرهما من البلدان: فيما فتح منها صلحا، وما فتح منها عنوة
وما أسلم أهلها عليها هنات وهنات، وأسباب وأسباب (1). وقد كتب ابن عبد العزيز إلى
عبد الحميد بن زيد بن الخطاب وهو عامله على العراق: أيدك الله هاش في السواد ما ير
كبون فيه البراذين، ويتختمون بالذهب، ويلبسون الطيالسة وخذ فضل ذلك فضعه في بيت
المال. وكتب ابن الزبير إلى عامله " جنبوا بيت مال المسلمين ما يؤخذ على المناظر
والقناطر فانه سحت "، فقصر المال عما كان، فكتب إليهم " ما للمال قد قصر " ؟ فكتبوا
إليه إن أمير المؤمنين نهانا عما يؤخذ على المناظر والقناطر، فلذلك قصر المال، فكتب
إليهم: " عودوا إلى ما كنتم عليه " هذا بعد قوله: " إنه سحت ". ولا بد أن يكون
أولاد من قتل من أصحاب علي صلوات الله عليه بالجمل وبصفين من أهل الفيئ ومال
المصلحة ومن أهل الصدقة والسهام. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله في الصدقة "
قد امرت أن آخذها من أغنياءكم وأردها في فقرائكم " بالكاف والميم، ضمير من وجبت
عليهم في أموالهم الصدقة، ومن وجبت لهم الصدقة فخاف الحسن عليه السلام أن كثيرا
منهم لا يرى لنفسه أخذ الصدقة من كثير منهم ولا أكل صدقة كثير منهم، إذ كانت غسالة
ذنوبهم، ولم يكن للحسن عليه السلام في مال الصدقة سهم. روى بهز بن حكيم بن معاوية
بن حيدة القشيري عن أبيه، عن جده (2) أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: في كل
أربعين من الابل ابنة لبون ولا تفرق إبل عن
(1) زاد في المصدر بعده: [بايجاب الشرائط
الدالة عليها]. (2) هذا هو الصحيح كما في المصدر ص 207، وقد روى الحديث أبو داود في
سننه عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده ولفظه:
[12]
حسابها، من أتانا بها مؤتجرا فله أجرها
ومن منعناها أخذناها منه وشرط إبله عزمة من عزمات ربنا وليس لمحمد وآل محمد فيها
شئ، وفي كل غنيمة خمس أهل الخمس بكتاب الله عزوجل وإن منعوا. فخص الحسن عليه السلام
ما لعله كان عنده أعف وأنظف من مال أردشير خره ولأنها حوصرت سبع سنين حتى اتخذ
المحاصرون لها في مدة حصارهم إياها مصانع (1) وعمارات، ثم ميزوها من جملة ما فتحوها
بنوع من الحكم وبين الاصطخر الأول والاصطخر الثاني هنات علمها الرباني الذي هو
الحسن عليه السلام فاختار لهم أنظف ما عرف. فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله
أنه قال في تفسير قوله عزوجل: " وقفوهم إنهم مسؤلون " (2) أنه لا يجاوز قدما عبد
حتى يسأل عن أربع: عن ثيابه (3) فيما أبلاه
ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: في
كل سائمة ابل في أربعين بنت لبون لا يفرق ابل عن حسابها، من أعطاها مؤتجرا بها فله
أجرها، ومن منعها فانا آخذوها وشطر ما له عزمة من عزمات ربنا عزوجل، ليس لال محمد
منها شئ. ". فما في النسخ المطبوعة: " روى بهذين حكيم عن معاوية بن جندة القشيرى "
فهو تصحيف. والرجل معنون بنسبته ونسبه في رجال العامة، راجع التاريخ الكبير للبخاري
ج 1 ق 2 ص 290، الجرح والتعديل ج 1 ق 1 ص 430، اسد الغابة ج 4 ص 385 وعنونه في
التقريب ص 57 وقال: صدوق من السادسة. (1) المصانع: جمع مصنع ومصنعة: ما يصنع كالحوض
يجمع فيه ماء المطر. (2) الصافات: 24. والحديث رواه الشيخ في الامالى عن أبى حمزة
عن أبى جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله: لا يزال قدما عبد الخ. وهكذا أخرجه
موفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب من حديث أبى برذة ولفظه: لا يزول الخ كما في
البرهان ج 4 في تفسير سورة الصافات. وأخرجه المؤلف رضوان الله في ج 36 ص 79 من
الطبعة الحديثة عن كتاب منقبة المطهرين للحافظ أبى نعيم باسناده عن نافع بن الحارث
عن أبى بردة فراجع. (3) شبابه، خ.
[13]
وعمره فيما أفناه، وعن ماله من أين جمعه،
وفيما أنفقه، وعن حبنا أهل البيت وكان الحسن والحسين عليهما السلام يأخذان من
معاوية الأموال فلا ينفقان من ذلك على أنفسهما ولا على عيالهما ما تحمله الذبابة
بفيها. قال شيبة بن نعامة: كان علي بن الحسين عليهما السلام ينحل فلما مات نظروا
فإذا هو يعول في المدينة أربعمائة بيت من حيث لم يقف الناس عليه. فان قال: فان هذا
محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري قال: حدثنا أبو بشر الواسطي قال: حدثنا خالد بن
داود، عن عامر قال: بايع الحسن بن علي معاوية على أن يسالم من سالم ويحارب من حارب،
ولم يبايعه على أنه أمير المؤمنين. قلنا: هذا حديث ينقض آخره أوله، وأنه لم يؤمره،
وإذا لم يؤمره لم يلزمه الايتمار له إذا أمره، وقد روينا من غير وجه ما ينقض قوله:
" يسالم من سالم، ويحارب من حارب " فلا نعلم فرقة من الامة أشد على معاوية من
الخوارج وخرج على معاوية بالكوفة جويرية بن ذراع أو ابن وداع أو غيره من الخوارج
فقال معاوية للحسن: اخرج إليهم وقاتلهم، فقال: يأبى الله لي بذلك، قال: فلم ؟ أليس
هم أعداؤك وأعدائي ؟ قال: نعم يا معاوية، ولكن ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب
الباطل فوجده، فأسكت معاوية. ولو كان ما رواه أنه بايع على أن يسالم من سالم،
ويحارب من حارب، لكان معاوية لا يسكت على ماحجه به الحسن عليه السلام ولأنه يقول
له: قد يايعتني على أن تحارب من حاربت كائنا من كان، وتسالم من سالمت كائنا من كان،
وإذا قال عامر في حديثه: " ولم يبايعه على أنه أمير المؤمنين " قد ناقض لأن الأمير
هو الآمر والزاجر، والمأمور هو المؤتمر والمنزجر، فأبى تصرف الآمر، فقد أزال الحسن
عليه السلام في موادعته معاوية الايتمار له، فقد خرج من تحت أمره حين شرط أن لا
يسميه أمير المؤمنين. ولو انتبه معاوية بحيلة الحسن عليه السلام بما احتال عليه،
لقال له: يا با محمد أنت
[14]
مؤمن وأنا أمير، فإذا لم أكن أميرك لم أكن
للمؤمنين أيضا أميرا وهذه حيلة منك تزيل أمري عنك، وتدفع حكمي لك وعليك، فلو كان
قوله " يحارب من حارب " مطلقا ولم يكن شرطه " إن قاتلك من هو شر منك قاتلته، وإن
قاتلك من هو مثل