الى اجزاء البحار الى المكتبة الهاشمية الى الصفحة الرئيسية

بحار الانوار الجزء 41

العلامة المجلسي


 

[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء الحادي والاربعون دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان الطبعة الثالثة المصححة 1403 ه‍. 1983 م


 

[1]

99 (باب) * (يقينه صلوات الله عليه، وصبره على المكاره وشدة ابتلائه) * 1 - يد: أبي، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب، عن جعفر بن بشير، عن العرزمي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان لعلي عليه السلام غلام اسمه قنبر، وكان يحب عليا حبا شديدا، فإذا خرج علي خرج على أثره بالسيف، فرآه ذات ليلة فقال (1): يا قنبر مالك ؟ قال: جئت لامشي خلفك، فان الناس كما تراهم يا أمير المؤمنين، فخفت عليك، قال: ويحك أمن أهل السماء تحرسني أم من أهل الارض ؟ قال: لا بل من أهل الارض، قال: إن أهل الارض لا يستطيعون بي شيئا إلا بإذن الله عزوجل من السماء، فارجع فرجع (2). 2 - يد: القطان، عن ابن زكريا، عن ابن حبيب، عن علي بن زياد، عن مروان بن معاوية، عن الاعمش، عن أبي حيان التيمي (3)، عن أبيه - وكان مع علي عليه السلام يوم صفين وفيما بعد ذلك - قال: بينما علي بن أبي طالب عليه السلام يعبئ (4) الكتائب يوم صفين ومعاوية مستقبله على فرس له يتأكل (5) تحته تأكلا وعلي عليه السلام على فرس رسول الله صلى الله عليه وآله المرتجز وبيده حربة رسول الله صلى الله عليه وآله وهو متقلد سيفه ذاالفقار، فقال رجل من أصحابه: احترس يا أمير المؤمنين فإنا نخشى أن يغتالك (6) هذا الملعون، فقال علي عليه السلام: لئن قلت ذاك إنه غير

 

(1) في المصدر: فقال له. (2) التوحيد: 350. (3) عن ابن حيان التميمي خ ل. (4) أي يهيئ. (5) أي يكاد يسقط. (6) في المصدر: أن يقاتلك.

 

[2]

مأمون على دينه، وإنه لاشقى القاسطين وألعن الخارجين على الائمة المهتدين ولكن كفى بالاجل حارسا، ليس أحد من الناس إلا ومعه ملائكة حفظة يحفظونه من أن يتردى في بئر، أو يقع عليه حائط، أو يصيبه سوء، فإذا حان ؟ أجله خلوا بينه وبين ما يصيبه، فكذلك (1) أنا إذا حان أجلي انبعث أشقاها فخضب هذه من هذا وأشار إلى لحيته ورأسه - عهدا معهودا ووعدا غير مكذوب ; والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة (2). 3 - يد: الوراق وابن المغيرة (3) معا، عن سعد، عن النهدي، عن ابن علوان، عن عمرو بن ثابت، عن ابن طريف، عن ابن نباتة قال: إن أمير المؤمنين عليه السلام عدل من عند حائط مائل إلى حائط آخر، فقيل له: يا أمير المؤمنين تفر من قضاء الله قال (4): أفر من قضاء الله إلى قدر الله عزوجل (5). بيان: لعل المعنى أن فراري أيضا مما قدره الله تعالى، فلا ينافي الاحتراز عن المكاره، الايمان بقضائه تعالى، وقد مر توضيحه في كتاب العدل. 4 - قب: كان أمير المؤمنين عليه السلام يطوف بين الصفين بصفين في غلالة (6)، فقال الحسن عليه السلام: ما هذا زي الحرب، فقال: يا بني إن أباك لا يبالى وقع على الموت أو وقع الموت عليه. وكان عليه السلام يقول: ما ينتظر أشقاها أن يخضبها من فوقها بدم، ولما ضربه ابن ملجم قال: فزت ورب الكعبة، فقد قال الله تعالى: " قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء (7) " الآية ومن صبره ما قال الله تعالى فيه: " الصابرين و

 

(1) في المصدر: وكذلك. (2) التوحيد: 376 (3) في (م) وفى نسخة من المصدر: وابن مقبرة. (4) في المصدر: أتفر من قضاء الله ؟ فقال. (5) التوحيد: 377. (6) بكسر أوله: شعار يلبس تحت الثوب أو تحت الدرع. (7) سورة الجمعة: 6.

 

[3]

الصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالاسحار (1) ". والدليل على أنها نزلت فيه أنه قام الاجماع على صبره مع النبي صلى الله عليه وآله في شدائده من صغره إلى كبره وبعد وفاته، وقد ذكر الله تعالى صفة الصابرين في قوله: " والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس اولئك الذين صدقوا (2) وهذا صفته بلاشك. مجمع البيان وتفسير علي بن إبراهيم وأبان بن عثمان: أنه أصاب عليا عليه السلام يوم أحد ستون جراحة. تفسير القشيري قال أنس بن مالك: أنه اتي رسول الله صلى الله عليه وآله بعلي عليه السلام وعليه نيف وستون جراحة، قال أبان: أمر النبي صلى الله عليه وآله أم سليم وأم عطية أن تداوياه فقالتا: قد خفنا عليه، فدخل النبي صلى الله عليه وآله والمسلمون يعودونه وهو قرحة واحدة فجعل النبي صلى الله عليه وآله يمسحه بيده ويقول: إن رجلا لقي هذا في الله لقد أبلى (3) أعذر، فكان يلتئم، فقال علي عليه السلام: الحمدلله الذي جعلني لم أفر ولم اولي الدبر فشكر الله تعالى له ذلك في موضعين من القرآن، وهو قوله تعالى " سيجزي الله الشاكرين (4) " " وسنجزي الشاكرين (5) ". سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى " أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين (6) " يعني بالشاكرين صاحبك علي بن أبي طالب عليه السلام، والمرتدين على أعقابهم الذين ارتدوا عنه. سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود في قوله

 

(1) سورة آل عمران: 17. (2) سورة البقرة: 177. (3) أبلى فلانا عذره: قدمه له فقبله. أبلى في الحرب بلاء حسنا: أظهر فيها بأسه حتى بلاه الناس وامتحنوه. (4 و 6) سورة آل عمران 144. (5) سورة آل عمران: 145.

 

[4]

تعالى: " إني جزيتهم اليوم بما صبروا (1) " يعني صبر علي بن أبي طالب وفاطمة و الحسن والحسين عليهم السلام في الدنيا على الطاعات وعلى الجوع وعلى الفقر، وصبروا على البلاء لله في الدنيا " أنهم هم الفائزون (2) " وقال علي بن عبد الله بن عباس: " وتواصوا بالصبر (3) " علي بن بن أبي طالب عليه السلام ولما نعى رسول الله صلى الله عليه وآله عليا بحال جعفر في غزوة مؤتة (4) قال: " إنا لله وإنا إليه راجعون " فأنزل الله عزوجل: " الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات (5) " الآية. وقال رجل: إني والله لا حبك في الله تعالى، فقال: إن كنت تحبني فأعد للفقر نجفافا أو جلبابا (6). قال أبو عبيدة وتغلب (7): أي استعد جلبابا من العمل الصالح والتقوى، يكون لك جنة من الفقر، يوم القيامة، وقال آخرون: أي فليرفض الدنيا وليزهد فيها وليصبر على الفقر، يدل عليه قول أمير المؤمنين عليه السلام: ومالي لا أرى منهم سيماء الشيعة ؟ قيل: وما سيماء الشيعة يا أمير المؤمنين ؟ قال: خمص البطون من الطوى، يبس الشفاه من الظماء، عمش العيون من البكاء. في مسند أبي يعلى واعتقاد الاشنهي ومجموع أبي العلاء الهمداني عن أنس وأبي برزة وأبي رافع، وفي إبانة ابن بطة من ثلاثة طرق أن النبي صلى الله عليه وآله خرج يتمشى إلى قبا، فمر بحديقة فقال علي عليه السلام: ما أحسن هذه الحديقة ! فقال النبي صلى الله عليه وآله: حديقتك يا علي في الجنة أحسن منها. حتى مر بسبع حدائق على

 

(1 و 2) سورة المؤمنون: 111. (3) سورة العصر: 3 (4) في المصدر " في أرض مؤتة " وهى اسم قرية بالشام على اثنى عشر ميلا من اذرخ، بها قبر جعفر بن أبي طالب وزيد بن أبي حارثة وعبد الله بن رواحة، على كل قبر منها بناء منفرد. (مراصد الاطلاع 3: 1330) (5) سورة البقرة: 156. (6) التجفاف - بالفتح والكسر -: آلة للحرب يتقى بها كالدرع، والجلباب: القميص أو الثوب الواسع. (7) كذا في النسخ، والصحيح " ثعلب ". (*)

 

[5]

ذلك، ثم أهوى إليه فاعتنقه، فبكى وبكى علي عليه السلام ثم قال علي عليه السلام: ما الذي أبكاك يا رسول الله ؟ قال: أبكي لضغائن في صدور قوم لن تبدو لك إلا من بعدي، قال: يا رسول الله كيف أصنع ؟ قال: تصبر فإن لم تصبر تلق جهدا وشدة، قال: يا رسول الله أتخاف فيها هلاك ديني ؟ قال: بل فيها حياة دينك. وقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما رأيت منذ بعث الله محمدا رخاء - فالحمد لله - ولقد خفت صغيرا وجاهدت كبيرا اقاتل المشركين واعادي المنافقين، حتى قبض الله نبيه، فكانت الطامة الكبرى، فلم أزل محاذرا وجلا أحاف أن يكون مالا يسعني فيه المقام، فلم أر بحمدالله إلا خير، حتى مات عمر، فكانت أشياء ففعل الله ما شاء، ثم أصيب فلان، فما زلت بعد فيما ترون دائبا أضرب بسيفي صبيا حتى كنت شيخا، الخبر. عمرو بن حريث في حديثه: قال أمير المؤمنين عليه السلام: كنت أحسب أن الامراء يظلمون الناس، فإذا الناس يظلمون الامراء. أبو الفتح الحفار باسناده أن عليا عليه السلام قال: ما زلت مظلوما منذ كنت قيل له: عرفنا ظلمك في كبرك فما ظلمك في صغرك ؟ فذكر أن عقيلا كان به رمد، فكان لا يذرهما حتى يبدؤوا بي (1). 5 - قب: أبو معاوية الضرير، عن الاعمش، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة وابن عباس في قوله تعالى: فما يكذبك بعد بالدين (2) " يقول: يا محمد لا يكذبك علي بن أبي طالب عليه السلام بعد ما آمن بالحساب. وقال أمير المؤمنين عليه السلام في مقامات كثيرة: أنا باب المقام، وحجة الخصام ودابة الارض، وصاحب العصا، وفاصل القضاء، وسفينة النجاة، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق. وقال أيضا: أنا شجرة الندى، وحجاب الورى، وصاحب الدنيا، وحجة

 

(1) مناقب آل أبى طالب 1: 320 - 323. (2) سورة التين: 7.

 

[6]

الانبياء، واللسان المبين، والحبل المتين، والنبأ العظيم الذي عنه تعرضون وعنه تسألون وفيه تختلفون. وقال عليه السلام: فوعزتك وجلالك وعلو مكانك في عظمتك وقدرتك ماهبت عدوا ولا تملقت وليا، ولا شكرت على النعماء أحدا سواك. وفي مناجاته: اللهم إني عبدك وليك، اخترتني وارتضيتني ورفعتني، وكرمتني بما أورثتني من مقام أصفيائك وخلافة أوليائك، وأعنيتني وأفقرت الناس في دينهم ودنياهم إلي، وأعززتني وأذللت العباد إلي، وأسكنت قلبي نورك، ولم تحوجني إلى غيرك، وأنعمت علي وأنعمت بي، ولم تجعل منة علي لاحد سواك، وأقمتني لاحياء حقك والشهادة على خلقك، وأن لا أرضى ولا أسخط إلا لرضاك وسخطك، ولا أقول إلا حقا، ولا أنطلق إلا صدقا، فانظر إلى جسارته على الحق، وخذلان جماعة كما تكلموا بما روي عنهم في حلية الاولياء وغريب الحديث وغيرهما (1). 6 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن زيد الشحام، عن أبي عبد الله عليه السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام جلس إلى حائط مائل يقضي بين الناس، فقال بعضهم: لا تقعد تحت هذا الحائط فإنه معور، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: حرس امرءا أجله (2). فلما قام أمير المؤمنين عليه اسلام سقط الحائط، قال: وكان أمير المؤمنين عليه السلام مما يفعل هذا وأشباهه، وهذا اليقين (3). 7 - كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن الوشاء، عن عبد الله بن سنان، عن أبي حمزة، عن سعيد بن قيس الهمداني قال: نظرت يوما في الحرب إلى رجل

 

(1) مناقب آل أبى طالب 1: 320 (2) " امرءا " مفعول " حرس " و " أجله " فاعله وهذا مما استعمل فيه النكرة في سياق الاثبات للعموم، أي حرس كل امرئ أجله، ويشكل هذا لانه يدل على جواز إلقاء النفس إلى التهلكة وعدم وجوب الفرار عما يظن عنه الهلاك، والمشهور عند الاصحاب خلافه، ويمكن أن يجاب عنه بوجوه، راجع مرآة: العقول 2: 83. (3) اصول الكافي (الجزء الثاني من الطبعة الحديثة): 58.

 

[7]

عليه ثوبان، فحركت فرسي فإذا هو أمير المؤمنين عليه السلام فقلت: يا أمير المؤمنين في مثل هذا الموضع ؟ فقال: نعم يا سعيد بن قيس، إنه ليس من عبد إلا وله من الله عزوجل حافظ وواقية، معه ملكان يحفظانه من أن يسقط من رأس جبل أو يقع في بئر، فإذا نزل القضاء خليا بينه وبين كل شئ (1). 8 - نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لما أنزل الله سبحانه قوله: " ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (2) " علمت أن الفتنة لا تنزل بنا ورسول الله صلى الله عليه وآله بين أظهرنا، فقلت: يا رسول الله ما هذه الفتنة التي أخبرك الله تعالى بها ؟ فقال: يا علي إن أمتي سيفتنون من بعدي، فقلت: يا رسول الله أو ليس قد قلت لي يوم أحد حيث استشهد من استشهد من المسلمين واخرت (3) عني الشهادة فشق ذلك علي فقلت لي: ابشر فإن الشهادة من ورائك ؟ فقال لي: إن ذلك لذلك، فكيف صبرك إذا ؟ فقلت: يا رسول الله ليس هذا من مواطن الصبر ولكن من مواطن البشرى والشكر (4). 9 - ن: المفسر باسناده إلى أبي محمد العسكري عن آبائه عليهم السلام قال: قيل لامير المؤمنين عليه السلام: ما الاستعداد للموت ؟ قال: أداء الفرائض، واجتناب المحارم والاشتمال على المكارم، ثم لا يبالي إن وقع على الموت أو وقع الموت عليه، والله ما يبالي ابن أبي طالب إن وقع على الموت أو وقع الموت عليه (5).

 

(1) اصول الكافي (الجزء الثاني من الطبعة الحديثة): 58 و 59. (2) سورة العنكبوت: 2. (3) في المصدر " وحيزت " أي منعت. (4) نهج البلاغة (عبده ط مصر) 1: 303 و 304. (5) عيون الاخبار: 165.

 

[8]

100 (باب) * (تنمره في ذات الله وتركه المداهنة في دين الله) * 1 - قب: في الصحيحين والتاريخين والمسندين وأكثر التفاسير أن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هشام أتت النبي صلى الله عليه وآله من مكة مسترفدة، فأمر بني عبد المطلب بإسدانها (1) فأعطاها حاطب ابن أبي بلتعة عشرة دنانير على أن تحمل كتابا بخبر وفود النبي صلى الله عليه وآله إلى مكة، وكان صلى الله عليه وآله إسر ذلك ليدخل عليهم بغتة فأخذت الكتاب وأخفته في شعرها وذهبت، فأتى جبرئيل عليه السلام وقص القصة على رسول الله صلى الله عليه وآله، فأنفذ عليا والزبير ومقدادا وعمارا وعمر وطلحة وأبا مرثد خلفها فأدركوها بروضة خاخ يطالبونها بالكتاب، فأنكرت وما وجدوا معها كتابا فهموا بالرجوع، فقال علي عليه السلام: والله ما كذبنا ولا كذبنا، وسل سيفه وقال: أخرجي الكتاب وإلا والله لاضربن عنقك، فأخرجته من عقيصتها، فأخذ أمير المؤمنين عليه السلام الكتاب وجاء النبي صلى الله عليه وآله فدعا بحاطب بن أبي بلتعة وقال له: ما حملك على ما فعلت ؟ قال: كنت رجلا عزيزا في أهل مكة - أي غريبا ساكنا بجوارهم - فأحببت أن أتخذ عندهم بكتابي إليهم مودة، ليدفعوا عن أهلي بذلك، فنزل قوله: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أو لياء تلقون إليهم بالمودة (2) " قال السدي ومجاهد في تفسيرهما عن ابن عباس " لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة " بالكتاب والنصيحة لهم " وقد كفروا بما جاءكم " أيها المسلمون " من الحق " يعني الرسول والكتاب " يخرجون الرسول " يعني محمدا " وإياكم " يعني وهم أخرجوا أمير المؤمنين " أن تؤمنوا بالله ربكم " وكان النبي وعلي صلى الله عليهما وحاطب ممن اخرج من مكة، فخلاه رسول الله صلى الله عليه وآله لايمانه

 

(1) سدن: خدم. (2) سورة الممتحنة: 1.

 

[9]

" إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي " أيها المؤمنون " تسرون إليهم بالمودة " تخفون إليهم بالكتاب بخبر النبي صلى الله عليه وآله وتتخذون عندهم النصيحة و " أنا أعلم بما أخفيتم " من إخفاء الكتاب الذي كان معها " وما أعلنتم " وما قاله أمير المؤمنين عليه السلام للزبير: والله لا صدقت المرأة أن ليس معها كتاب بل الله أصدق ورسوله، فأخذه منها، ثم قال: " ومن يفعله منكم " عند أهل مكة بالكتاب " فقد ضل سواء السبيل ". وقد اشتهر عنه عليه السلام قوله: أنا فقأت عين الفتنة، ولم يكن ليفقأها غيري. وأخذ عليه السلام رجلا من بني أسد في حد، فاجتمعوا قومه ليكلموا فيه، وطلبوا إلى الحسن عليه السلام أن يصحبهم، فقال: ائتوه فهو أعلى بكم عينا، فدخلوا عليه وسألوه، فقال: لا تسألوني شيئا أملكه إلا أعطيتكم، فخرجوا يرون أنهم قد أنجحوا فسألهم الحسن عليه السلام فقالوا: أتينا خير مأتي، وحكوا له قوله، فقال: ما كنتم فاعلين إذا جلد صاحبكم ؟ فأصغوه، فأخرجه علي عليه السلام فحده، ثم قال: هذا والله لست أملكه (1). بيان: قال الجزري: فيه " أعلابهم عينا " أي أبصر بهم وأعلم بحالهم (2)، وأصغى الشئ: نقصه. 2 - قب: وبلغ معاوية أن النجاشي هجاه، فدس قوما شهدوا عليه عند علي عليه السلام أنه شرب الخمر، فأخذه علي فحده، فغضب جماعة على علي عليه السلام في ذلك. منهم طارق بن عبد الله النهدي، فقال: يا أمير المؤمنين ما كنا نرى أن أهل المعصية والطاعة وأهل الفرقة والجماعة عند ولاة العقل ومعادن الفضل سيان في الجزاء حتى ما كان من صنيعك بأخي الحارث - يعني النجاشي - فأوغرت صدورنا (3) وشتتت امورنا، وحملتنا على الجادة التي كنا نرى أن سبيل من ركبها النار،

 

(1) مناقب آل أبى طالب 1: 338. (2) النهاية 3: 126. (3) أوغر صدره: أوقده من الغيظ.

 

[10]

فقال علي عليه السلام " إنها لكبيرة إلا على الخاشعين " يا أخا بني نهدهل هو إلا رجل من المسلمين انتهك حرمة من حرمة الله فأقمنا عليه حدها زكاة له وتطهيرا ؟ يا أخا بني نهد إنه من أتى حد افاليم (1) كان كفارته، يا أخا بني نهد إن الله عزوجل يقول في كتابه العظيم: " ولا يجر منكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى (2) " فخرج طارق والنجاشي معه إلى معاوية، ويقال: إنه رجع (3). 3 - قب: الحسن الحسيني في كتاب النسب أنه رأى أمير المؤمنين علي عليه السلام يوم بدر عقيلا في قيد فصد عنه، فصاح به: يا علي أما والله لقد رأيت مكاني ولكن عمدا تصدعني، فأتى علي إلى النبي صلى الله عليه وآله وقال: يا رسول الله هل لك في أبي يزيد مشدودة يداه إلى عنقه بنسعة (4) ؟ فقال: انطلق بنا إليه. قوت القلوب: قيل لعلي بن أبي طالب عليه السلام: إنك خالفت فلانا في كذا، فقال: خيرنا أتبعنا لهذا الدين (5). وقصد علي عليه السلام دار أم هانئ متقنعا بالحديد يوم الفتح، وقد بلغه أنها آوت الحارث بن هشام وقيس بن السائب وناسا من بني مخزوم، فنادى: أخرجوا من آويتم، فيجعلون يذرقون (6) كما يذرق الحبارى خوفا منه، فخرجت إليه أم هانئ وهي لا تعرفه، فقالت: يا عبد الله أنا أم هانئ بنت عم رسول الله صلى الله عليه وآله واخت أمير المؤمنين، انصرف عن داري، فقال عليه السلام: أخرجوهم، فقالت: والله لاشكونك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فنزع المغفر عن رأسه فعرفته، فجاءت تشتد حتى التزمته، فقالت: فديتك حلفت لاشكونك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال لها: اذهبي فبري

 

(1) أي حصل له ألم ووجع لاجل الحد وفي المصدر: فأقيم. (2) سورة المائدة: 8. (3) مناقب آل ابى طالب 1: 340 و 341. (4) النسع: سير أو حبل عريض طويل تشد به الرحال. والقطعة منه " النسعة ". (5) مناقب آل ابى طالب 1: 340. (6) في المصدر: فجعلوا يذرقون. وذرق الطائر: رمى بسلحه.

 

[11]

قسمك فإنه بأعلى الوادي، فأتت رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لها: إنما جئت يا أم هانئ تشكين عليا فإنه أخاف أعداء الله وأعداء رسوله، شكر الله لعلي سعيه، وأجرت من أجارت أم هانئ لمكانها من علي بن أبي طالب عليه السلام (1). 101 (باب) * (عبادته وخوفه عليه السلام) * 1 - لى: عبد الله بن النضر التميمي، عن جعفر بن محمد المكي، عن عبد الله ابن إسحاق المدائني، عن محمد بن زياد، عن مغيرة، عن سفيان، عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير قال: كنا جلوسا في مجلس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فتذاكرنا أعمال أهل بدر وبيعة الرضوان، فقال أبو الدرداء: يا قوم ألا اخبركم بأقل القوم مالا وأكثرهم ورعا وأشدهم اجتهادا في العبادة ؟ قالوا: من ؟ قال: أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام، قال: فوالله إن كان في جماعة أهل المجلس إلا معرض عنه بوجهه ثم انتدب له رجل من الانصار فقال له: يا عويمر لقد تكلمت بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها، فقال أبو الدرداء: يا قوم إني قائل ما رأيت وليقل كل قوم منكم ما رأوا، شهدت علي بن أبي طالب بشويحطات النجار، وقد اعتزل عن مواليه واختفى ممن يليه واستتر بمغيلات النخل، فافتقدته وبعد على مكانه، فقلت: لحق بمنزله، فإذا أنا بصوت حزين ونغمة شجي وهو يقول: " إلهي كم من موقبة حلمت عن مقابلتها بنقمتك (2)، وكم من جريرة تكرمت عن كشفها بكرمك، إلهي إن طال في عصيانك عمري وعظم في الصحف ذنبي فما أنا مؤمل غير غفر انك، ولا أنا براج غير رضوانك " فشغلني الصوت واقتفيت الاثر، فإذا هو علي بن أبي طالب عليه السلام

 

(1) مناقب آل ابى طالب 1: 638. (2) في المصدر: كم من موقبة حملت عنى فقابلتها بنعمتك.

 

[12]

بعينه، فاستترت له وأخملت الحركة، فركع ركعات في جوف الليل الغابر، ثم فرغ إلى الدعاء والبكاء والبث والشكوى، فكان مما به الله ناجاه أن قال: " إلهي أفكر في عفوك فتهون علي خطيئتي، ثم أذكر العظيم من أخذك فتعظم علي بليتي " ثم قال: " آه إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها وأنت محصيها، فتقول: خذوه، فياله من مأخوذ لا تنجيه عشريته، ولا تنفعه قبيلته، يرحمه الملا إذا أذن فيه بالنداء " ثم قال: " آه من نار تنضج الاكباد والكلى (1)، آه من نار نزاعة للشوى، آه من غمرة من ملهبات (2) لظى ". قال: ثم أنعم (3) في البكاء فلم أسمع له حسا ولا حركة، فقلت: غلب عليه النوم لطول السهر، اوقظه لصلاة الفجر، قال أبو الدرداء: فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة، فحركته فلم يتحرك، وزويته فلم ينزو، فقلت: " إنا لله وإنا إليه راجعون " مات والله علي بن أبي طالب قال: فأتيت منزله مبادرا أنعاه إليهم، فقالت فاطمة عليها السلام: يا أبا الدرداء ماكان من شأنه ومن قصته ؟ فأخبرتها الخبر، فقالت: هي والله يا أبا الدرداء الغشية التي تأخذه من خشية الله، ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه فأفاق، ونظر إلي وأنا أبكي، فقال: مما بكاؤك يا أبا الدرداء ؟ فقلت: مما أراه تنزله بنفسك، فقال: يا أبا الدرداء فكيف ولو رأيتني ودعي بي إلى الحساب وأيقن أهل الجرائم بالعذاب. واحتوشتني ملائكة غلاظ وزبانية فظاظ، فوقفت بين يدي الملك الجبار، قد أسلمني الاحباء ورحمني أهل الدنيا، لكنت أشد رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية، فقال أبو الدرداء: فوالله ما رأيت ذلك لاحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله (4). بيان: انتدب له أي أجابه والشوحط: شجر يتخذ منه القسي، والغيلة

 

(1) جمع الكلية. (2) في المصدر: من لهبات خ ل. (3) أنعم الرجل: أفضل وزاد. وفي المصدر: انغمر. (4) أمالى الصدوق: 48 و 49.

 

[13]

بالكسر: الشجر الكثير الملتف والمغيال: الشجرة الملتفة الافنان الوارقة الظلال وقد أغيل الشجر وتغيل واستغيل، وفي بعض النسخ " ببعيلات النخل " جمع بعيل مصغر البعل، وهو كل نخل وشجر لا يسقى، والذكر من النخل، والغابر: الماضي والباقي. ضد. 2 - ما: المفيد، عن الجعابي، عن ابن عقدة، عن جعفر بن محمد بن مروان عن أبيه، عن إبراهيم بن الحكم، عن الحارث بن حصيرة، عن عمران بن الحصين قال: كنت أنا وعمر بن الخطاب جالسين عند النبي صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام جالس إلى جنبه، إذا قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله " أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الارضءإله مع الله قليلا ما تذكرون (1) " قال: فانتفض علي عليه السلام انتفاض العصفور، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: ما شأنك تجزع ؟ فقال: ومالي لا أجزع والله يقول: إنه يجعلنا خلفاء الارض، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: لا تجزع والله لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق (2). 3 - لى: سمع رجل من التابعين أنس بن مالك يقول: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب عليه السلام " أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه " (3) قال الرجل: فأتيت عليا لانظر إلى عبادته، فأشهد بالله لقد أتيته وقت المغرب فوجدته يصلي بأصحابه المغرب، فلما فرغ منها جلس في التعقيب إلى أن قام إلى عشاء الآخرة، ثم دخل منزله فدخلت معه، فوجدته طول الليل يصلي ويقرأ القرآن إلى أن طلع الفجر، ثم جدد وضوءة وخرج إلى المسجد وصلى بالناس صلاة الفجر، ثم جلس في التعقيب إلى أن طلعت الشمس، ثم قصده الناس فجعل يختصم إليه رجلان، فإذا فرغا قاما واختصم آخران، إلى أن قام إلى صلاة الظهر، قال: فجدد لصلاة الظهر وضوء ثم صلى بأصحابه الظهر، ثم قعد في

 

(1) سورة النمل: 62. (2) أمالى الطوسى: 47. (3) سورة الزمر: 9.

 

[14]

التعقيب إلى أن صلى بهم العصر، ثم أتاه الناس، فجعل يقوم رجلان ويقعد آخران يقضي بينهم ويفتيهم إلى أن غابت الشمس، فخرجت وأنا أقول: أشهد بالله أن هذه الآية نزلت فيه (1). 4 نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الاحرار (2). أقول: قال ابن ميثم: أي لانه مستحق للعبادة. وقال عليه السلام في موضع آخر: إلهي ما عبدتك خوفا من عقابك ولا طمعا في ثوابك، ولكن وجدتك أهل للعبادة فعبدتك. 5 - قب: ابن بطة في الابانة وأبو بكر بن عياش في الامالي، عن أبي داود عن السبيعي، عن عمران بن حصين قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وعلي إلى جنبه، إذ قرأ النبي صلى الله عليه وآله هذه الآية " أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الارض (3) " قال: فارتعد علي عليه السلام فضرب النبي صلى الله عليه وآله على كتفيه وقال: مالك يا علي قال: قرأت يا رسول الله هذه الآية فخشيت أن أبتلي بها، فأصابني ما رأيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق إلى يوم القيامة (4). 6 - لى: ابن المتوكل، عن محمد بن العطار، عن ابن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن يونس بن ظبيان، عن سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباتة قال: دخل ضرار بن ضمرة النهشلي على معاوية بن أبي سفيان فقال له: صف لي عليا، قال: أو تعفيني، فقال: لابل صفه لي، قال ضرار: رحم الله عليا

 

(1) أمالى الصدوق: 169 و 170. (2) نهج البلاغة (عبده ط مصر) 2: 192. (3) سورة النمل: 62. (4) مناقب آل ابى طالب 1: 309. (*)

 

[15]

كان والله فينا كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، ويقربنا إذا زرناه لا يغلق له دوننا باب، ولا يحجبنا عنه حاجب، ونحن والله مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه لهيبته. ولا نبتديه لعظمته، فإذا تبسم فمن مثل اللؤلؤ المنظوم، فقال معاوية: زدني في صفته، فقال ضرار: رحم الله عليا كان والله طويل السهاد (1) قليل الرقاد، يتلو كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار، ويجود لله بمهجته، ويبوء إليه بعبرته، لا تغلق له الستور، ولا يدخر عنا البدور، ولا يستلين الاتكاء ولا يستخشن الجفاء ولو رأيته إذ مثل في محرابه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه وهو قابض على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين وهو يقول: يا دنيا أبي تعرضت (2) أم إلي تشوقت هيهات هيهات لا حاجة لي فيك أبنتك ثلاثا لا رجعة لي عليك، ثم يقول: واه واه لبعد السفر وقلة الزاد وخشونة الطريق، قال: فبكى معاوية وقال: حسبك يا ضرار، كذلك والله