بحار الانوار الجزء
39
العلامة المجلسي
[1]
بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة
الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس
الله سره " الجزء التاسع والثلاثون مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان كافة الحقوق محفوظة
ومسجلة الطبعة الثانية المصححة 1403 ه - 1983 م مؤسسة الوفاء - بيروت - لبنان - ص
ب: 1457 - هاتف: 386868
[1]
بسم الله الرحمن الرحيم (70) (باب) * (ما
ظهر من فضله صلوات الله عليه يوم الخندق) * 1 - يف: روى أبو هلال العسكري في كتاب
الاوائل قال: أول من قال: " جعلت فداك " علي عليه السلام، لما دعا عمرو بن عبدود
إلى البراز يوم الخندق ولم يجبه أحد قال علي عليه السلام: جعلت فداك يارسول الله
أتأذن لي ؟ قال: إنه عمرو بن عبدود قال: وأنا علي بن أبي طالب، فخرج إليه فقتله،
واخذ الناس منه. ومن غير كتاب الاوائل أن النبي صلى الله عليه وآله لما أذن لعلي
عليه السلام في لقاء عمرو بن عبدود وخرج إليه قال النبي صلى الله عليه وآله: برز
الايمان كله إلى الكفر كله (1). ومن كتاب صدر الائمة عندهم موفق بن أحمد المكي أخطب
خوارزم بإسناده أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن
عبدود أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة (2). أقول: روى ابن شيروية في الفردوس عن
معاوية بن حيدة عن النبي صلى الله عليه وآله مثله، وفيه: من عمل أمتي. وروى صاحب
كتاب الاربعين عن الاربعين عن إسحاق ابن بشير القرشي عن وهب بن الحكم عن أبيه عن
جده عن النبي صلى الله عليه وآله مثله. وقال العلامة في شرحه على التجريد: قال
حذيفة: لما دعا عمرو إلى المبارزة أحجم
(1) في المصدر: إلى الشرك كله. (2)
الطرائف: 16، وفيه: أفضل من عبادة امتى.
[2]
المسلمون (1) كافة ماخلا عليا، فإنه برز
إليه، فقتله الله على يديه، والذي نفس حذيفة بيده لعمله في ذلك اليوم أعظم أجرا من
عمل أصحاب محمد إلى يوم القيامة، و كان الفتح في ذلك اليوم على يد علي عليه السلام
وقال النبي صلى الله عليه وآله: " لضربة علي خير من عبادة الثقلين " وذكره القوشجي
أيضا في شرحه من غير تفاوت. وروى الشيخ أمين الدين الطبرسي في مجمع البيان عند سياق
هذه القصة برواية محمد بن إسحاق فجز علي عليه السلام رأسه وأقبل نحو رسول الله صلى
الله عليه وآله ووجهه يتهلل (2)، قال حذيفة فقال النبي صلى الله عليه وآله: ابشر يا
علي فلو وزن اليوم عملك بعمل أمة محمد صلى الله عليه وآله لرجح عملك بعملهم، وذلك
أنه لم يبق بيت من بيوت المشركين إلا وقد دخله وهن بقتل عمرو، ولم يبق بيت من بيوت
المسلمين إلا وقد دخله عز بقتل عمرو. وروى السيد أبو محمد الحسيني عن الحاكم أبي
القاسم الحسكاني بإسناده عن سفيان الثوري عن زبيد الشامي عن مرة عن عبد الله بن
مسعود قال: وكان يقرأ " وكفى الله المؤمنين القتال " بعلي (3). أقول: وقال السيد بن
طاوس في كتاب سعد السعود: قول النبي صلى الله عليه وآله: " لضربة علي لعمرو بن
عبدود أفضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة " رواه (4) موفق ابن أحمد المكي أخطب خطباء
خوارزم في كتاب المناقب وأبو هلال العسكري في كتاب الاوائل (5). وقال ابن أبي
الحديد: في شرح نهج البلاغة: فأما الجراحة التي جرحها يوم الخندق إلى عمرو بن عبدود
فإنها أجل من أن يقال جليلة، وأعظم من أن يقال عظيمة وماهي إلا كما قال شيخنا أبو
الهذيل وقد سأله سائل: أيما أعظم منزلة عند الله علي أم أبو بكر ؟ فقال: يا ابن أخي
والله لمبارزة علي عمروا يوم الخندق يعدل
(1) احجم عن الشئ: كف أو نكص هيبة. (2) أي
يتلالا. (3) مجمع البيان 8: 343. (4) في المصدر: وقد روى ذلك منهم اه. (5) سعد
السعود: 139.
[3]
أعمال المهاجرين والانصار وطاعاتهم كلها،
وتربى عليها فضلا عن أبي بكر وحده. وقد روي عن حذيفة بن اليمان ما يناسب هذا بل ما
هو أبلغ منه: روى قيس بن الربيع عن أبي هارون العبدي عن ربيعة بن مالك السعدي قال:
أتيت حذيفة بن اليمان فقلت: يا أبا عبد الله إن الناس ليتحدثون عن علي بن أبي طالب
ومناقبه فيقول لهم أهل البصيرة: إنكم لتفرطون في تقريظ هذا الرجل، فهل أنت محدثي
بحديث عنه أذكره للناس ؟ فقال: يا ربيعة وما الذي تسألني عن علي عليه السلام وما
الذي أحدثك به عنه ؟ والذي نفس حذيفة بيده لو وضع جميع أعمال أمة محمد في كفة
الميزان منذ بعث الله تعالى محمدا إلى يوم الناس هذا ووضع عمل واحد من أعمال علي في
الكفة الاخرى لرجح على أعمالهم كلها، فقال ربيعة: هذا المدح الذي لا يقام له ولا
يعقد ولا يحمل، إني لاظنه إسرافا يا أبا عبد الله ! فقال حذيفة: يالكع (1) وكيف لا
يحمل ؟ وأين كان المسلمون يوم الخندق وقد عبر إليهم عمرو وأصحابه فملكهم الهلع (2)
و الجزع، ودعا إلى المبارزة فأحجموا عنه، حتى برز إليه علي عليه السلام فقتله،
والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجرا من أعمال أمة محمد إلى هذا اليوم
وإلى أن تقوم القيامة. وجاء في الحديث المرفوع أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال
ذلك اليوم حين برز إليه: برز الايمان كله إلى الشرك كله. وقال أبو بكر بن عياش: لقد
ضرب علي بن أبي طالب عليه السلام ضربة ما كان في الاسلام أيمن منها: ضربته عمروا
يوم الخندق، ولقد ضرب علي ضربة ما كان أشأم منها (3) يعني ضربة ابن ملجم لعنه الله.
وفي الحديث المرفوع أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما بارز علي عمروا ما زال
رافعا يديه مقمحا رأسه قبل السماء داعيا ربه قائلا: اللهم إنك أخذت مني عبيدة يوم
بدر وحمزة يوم احد فاحفظ علي اليوم عليا " رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين ".
(1) اللكع: اللئيم. الاحمق. (2) الهلع:
الجبن عند اللقاء. (3) في المصدر: ماكان في الاسلام أشأم منها.
[4]
وقال جابر بن عبد الله الانصاري: والله ما
شبهت يوم الاحزاب قتل علي عمروا وتخاذل المشركين بعده إلا بما قصه تعالى قصة (1)
داود وجالوت في قوله: " فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت (2) " وروى عمر بن عزهر
(3) عن عمرو بن عبيد عن الحسن أن عليا عليه السلام لما قتل عمروا جز رأسه وحمله
فالقاه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله فقام أبو بكر وعمر فقبلا رأسه ووجه
رسول الله صلى الله عليه وآله يهلل فقال: هذا النصر - أو قال: هذا أول النصر - وفي
الحديث المرفوع أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يوم قتل عمرو: ذهب ريحهم ولا
يغزوننا بعد اليوم ونحن نغزوهم إن شاء الله. وينبغي أن يذكر ملخص هذه القصة من
مغازي الواقدي وابن إسحاق، قالا: خرج عمرو بن عبدود يوم الخندق وقد كان شهد بدرا
فارتث جريحا، ولم يشهدأ حدا، فحضر الخندق شاهرا نفسه معلما مدلا بشجاعته وبأسه،
وخرج معه ضرار بن الخطاب الفهري وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب ونوفل بن عبد
الله بن المغيرة المخزوميون، فطافوا بخيولهم على الخندق إصعادا وانحدارا يطلبون
موضعا ضيقا يعبرونه، حتى وقفوا على أضيق موضع فيه فأكرهوا خيلهم (4) على العبور
فعبرت، وصاروا مع المسلمين على أرض واحدة ورسول الله عليه السلام جالس وأصحابه قيام
على رأسه، فتقدم عمرو بن عبدود فدعا إلى البراز مرارا، فلم يقم إليه أحد، فلما أكثر
قام علي عليه السلام فقال: أنا ابارزه يا رسول الله، فأمر (5) بالجلوس وأعاد عمرو
النداء والناس سكوت على رؤوسهم الطير، (6) فقال عمرو: أيها الناس إنكم تزعمون أن
قتلاكم في الجنة وقتلانا في النار، أفما يحب أحدكم أن يقدم على الجنة أو يقدم عدوا
له إلى النار ؟ فلم يقم إليه أحد، فقام علي عليه السلام دفعة
(1) في المصدر: إلا بما قصه الله تعالى من
قصة داود. (2) سورة البقرة: 251. (3) كذا في النسخ، وفى المصدر: وروى عمرو بن أزهر.
(4) في المصدر: خيولهم. (5) في المصدر: فأمره. (6) في المصدر: كأن على رؤوسهم
الطير.
[5]
ثانية وقال: أنا له يا رسول الله، فأمره
بالجلوس، فجال عمرو بفرسه مقبلا ومدبرا إذ جاءت (1) عظماء الاحزاب فوقفت من وراء
الخندق ومدت أعناقها تنظر، فلما رأى عمرو أن أحدا لا يجيبه قال: ولقد بححت من
النداء بجمعهم هل من مبارز * ووقفت إذ جبن الشجاع موقف القرن المناجز (2) إني كذلك
لم أزل متسرعا قبل الهزاهز (3) * إن الشجاعة في الفتى والجود من خير الغرائز فقام
علي عليه السلام فقال: يا رسول الله ائذن لي في مبارزته، فقال: ادن، فدنا فقلده
سيفه وعممه بعمامته وقال: امض لشأنك، فلما انصرف قال: اللهم أعنه عليه فلما قرب منه
قال له مجيبا إياه من شعره: لا تعجلن فقد أتاك مجيب صوتك غير عاجز * ذو نية وبصيرة
يرجو بذاك نجاة فائز إني لآمل أن اقيم عليك نائحة الجنائز * من ضربة فوهاء يبقى
ذكرها عند الهزاهز (4) فقال عمرو: من أنت ؟ - وكان عمرو شيخا كبيرا قد جاوز
الثمانين وكان نديم أبي طالب في الجاهلية - فانتسب علي عليه السلام له وقال: أنا
ابن أبي طالب، فقال: أجل، لقد كان أبوك نديما لي وصديقا، فارجع فإني لا احب أن
أقتلك - كان شيخنا أبو الخير مصدق بن شبيب النحوي يقول: إذا مررنا في القراءة عليه
بهذا الموضع: والله ما أمره بالرجوع إبقاءا عليه بل خوفا منه ! فقد عرف قتلاه ببدر
واحد وعلم أنه إن ناهضه قتله، فاستحبيا ؟ أن يظهر الفشل فاظهر الابقاء والارعاء
وإنه لكاذب فيها - قالوا: فقال له علي عليه السلام: لكني احب أن أقتلك: فقال يا ابن
أخي
(1) في المصدر: وجاءت. (2) المناجز:
المبارز. (3) الهزائز: الحروب والشدائد. (4) الفوه - محركة -: سعة الفم.
[6]
إني لاكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك
فارجع ورائك خيرا لك (1)، فقال علي عليه السلام: إن قريشا يتحدث عنك أنك قلت: لا
يدعوني أحد إلى ثلاث الا اجيب (2) ولو إلى واحدة منها، قال: أجل، قال: فإني أدعوك
إلى الاسلام، قال: دع هذه، قال: فإنني ؟ أدعوك إلى أن ترجع بمن يتبعك من قريش إلى
مكة، قال: إذا تتحدث نساء قريش عني أن غلاما خدعني ! قال: فإني أدعوك إلى البراز
راجلا، فحمي عمرو (3) وقال: ماكنت أظن أحدا من العرب يرومها مني، ثم نزل فعقر فرسه
- وقيل. ضرب وجهه ففر - وتجاولا، فثارت لهما غبرة وارتهما عن العيون إلى أن سمع
الناس التكبير عاليا من تحت الغبرة، فعلموا أن عليا قتله وانجلت الغبرة عنهما وعلي
راكب صدره يجز رأسه، وفر أصحابه ليعبروا الخندق فظفرت بهم خيلهم إلا نوفل بن عبد
الله، فإنه قصر فرسه فوقع في الخندق، فرماه المسلمون بالحجارة، فقال: يا معشر الناس
أكرموا من هذه (4)، فنزل إليه علي عليه السلام فقتله، وأدرك الزبير هبيرة بن أبي
وهب فضربه فقطع قربوسه (5) وسقطت درع كان حملها من ورائه، فأخذه الزبير، وألقى
عكرمة رمحه، وناوش (6) عمر بن الخطاب ضرار بن عمرو (7): فحمل عليه ضرار حتى إذا وجد
عمر مس الرمح رفعه عنه وقال: إنها لنعمة مشكورة فاحفظها يا ابن الخطاب، إني كنت
آليت أن لا يمتلئ يداي (8) من قتل قرشي فأقتله، فانصرف ضرار راجعا إلى أصحابه، وقد
كان جرى له معه
(1) في المصدر: خير لك. (2) في المصدر:
إلا أجبت. (3) حمى من الشئ: أنف أن يفعله. (4) كذا في (ك)، وفى غيره من النسخ: اكرم
من هذا. وفى المصدر: فقال: يا معاشر الناس قتلة أكرم من هذه: (5) في المصدر: فقطع
ثفر فرسه. وهو السير الذى في مؤخر السرج. (6) ناوش فلانا: تناوله ليأخذ برأسه
ولحيته. (7) كذا في النسخ والمصدر، وهو سهو، فان ضرار كان ابن الخطاب وأخا عمر، وقد
أمر رسول الله صلى الله عليه وآله عمر بن الخطاب أن يبارز ضرار بن الخطاب، راجع
المجلد السادس من طبعة أمين الضرب باب غزوة الاحزاب. (8) في المصدر: أن لاتمكننى
يداى.
[7]
مثل هذه في يوم احد، وقد ذكرناها، ذكر
القصتين (1) معا محمد بن عمرو الواقدي في كتاب المغازي (2). توضيح: التقريظ: مدح
الحي ووصفه. وارتث فلان على بناء المجهول: حمل من المعركة جريحا. وقد مر مرارا أن
كون الطير على رؤسهم كناية عن سكونهم وعدم تحركهم للخوف، فان الطير لا يقع إلا على
شئ ساكن. ثم اعلم أن تفصيل القصة وشرحها وسائر ما يتعلق بها مذكورة في كتاب النبوة،
وإنما ذكرنا ههنا قليلا منها لمناسبتها لابواب المناقب، ولا يخفى على أحد أن من كان
عمل من أعماله معادلا لاعمال الثقلين إلى يوم القيامة وبضربة منه تشيد أركان الدين
لا ينبغي أن يكون رعية لمن امتن عليه ضرار فأعتقه وأمثاله من المنافقين. 71. (باب)
* (ما ظهر من فضله صلوات الله عليه في غزوة خيبر) * 1 - يف: روى أحمد بن حنبل في
مسنده من أكثر من ثلاثة عشر طريقا فمنها عن عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبي يقول:
حاضرنا (3) خيبر فأخذ اللواء أبو بكر فانصرف ولم يفتح له، ثم أخذها من الغد عمر
فرجع ولم يفتح له، ثم أخذها عثمان ولم يفتح له، وأصاب الناس يومئذ شدة وجهد، فقال
رسول الله صلى الله عليه وآله، إني دافع الراية غدا إلى رجل يحبه الله ورسوله ويحب
الله ورسوله، لا يرجع حتى يفتح الله له، وبتناطيبة أنفسنا أن نفتح غدا، ثم قام
قائما ودعا باللواء والناس على مصافهم ودعا عليا عليه السلام وهو أرمد، فتفل في
عينه ودفع إليه اللواء وفتح له (4). ورواه البخاري في صحيحه في أواخر الجزء الثالث
منه عن سلمة بن الاكوع
(1) في المصدر: وقد ذكر هاتين القصتين
اه. (2) شرح النهج 4: 462 - 464. (3) في المصدر: حضرنا. (4) في المصدر: وفتح الله
له.
[8]
ورواه أيضا البخاري في الجزء المذكور عن
سهل، ورواه أيضا البخاري في الجزء الرابع في رابع كراس من النسخة المنقول منها،
ورواه أيضا في الجزء الرابع في ثلثه الاخير من صحيحه في مناقب أمير المؤمنين علي بن
أبي طالب عليه السلام، ورواه البخاري في الجزء الخامس من صحيحه في رابع كراس من
أوله من النسخة المنقولة منها. ورواه مسلم أيضا (1) في صحيحه في أواخر كراس من
الجزء المذكور من النسخة المشار إليها. فمن رواية البخاري ومسلم في صحيحهما من بعض
طرقهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال في يوم الخيبر (2): " لاعطين هذه
الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله " قال: فبات
الناس يدوكون (3) ليلتهم أيهم يعطاها، فلما، أصبح الناس غدوا إلى رسول الله صلى
الله عليه وآله كلهم يرجون (4) أن يعطاها فقال: أين علي بن أبي طالب ؟ فقالوا: هو
يارسول الله يشتكي عينيه، قال: فارسلوا إليه فاتي به فبصق رسول الله صلى الله عليه
وآله في عينه ودعا له، فبرئ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي عليه
السلام: يارسول الله اقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ فقال: انفذ على رسلك (5) حتى تنزل
بساحتهم، ثم ادعهم إلى الاسلام فأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله
لان يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن تكون لك حمر النعم. ورووه في الجمع بين
الصحاح الستة من جزء الثالث في غزوة خيبر من صحيح الترمذي، ورواه في الجمع بين
الصحيحين للحميدي في مسند سهل بن سعد وفي مسند سعد بن أبي وقاص وفي مسند أبي هريرة
وفي مسند سلمة بن الاكوع ورواه الفقيه
(1) في المصدر: ورواه مسلم في صحيحه في
الجزء الرابع في نصف الكراس الاول من النسخة المنقول منها، ورواه مسلم أيضا اه.
(2) في المصدر: قال يوم خيبر. (3) سيأتي معناه في البيان. وفى غير (ك) من النسخ
وكذا المصدر: يذكرون. (4) في المصدر: كلهم يرجو. (5) أي على التمهل والتؤدة.
[9]
الشافعي ابن المغازلي أيضا من طرق جماعة،
فمن روايات الشافعي ابن المغازلي في كتاب المناقب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة
قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله أبا بكر إلى خيبر فلم يفتح له، ثم بعث عمر
فلم يفتح له، فقال: لاعطين الراية غدا رجلا كرارا غير فرار يحب الله ورسوله ويحبه
الله ورسوله، فدعا علي بن أبي طالب عليه السلام وهو أرمد العين، فتفل في عينيه ففتح
عينيه كأنه لم يرمد قط، فقال: خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك، فخرج
يهرول وأنا خلف أثره حتى ركز رايته (1) في أصلهم تحت الحصن، فأطلع رجل يهودي من رأس
الحصن فقال: من أنت ؟ قال: علي بن أبي طالب، فالتفت إلى أصحابه فقال: غلبتم والذي
أنزل التوراة على موسى، قال: فما رجع حتى فتح الله عليه. ورواه علماء التاريخ مثل
محمد بن يحيى الازدي وابن جرير الطبري والواقدي ومحمد بن إسحاق وأبي بكر البيهقي في
دلائل النبوة وأبي نعيم في كتاب حلية الاولياء والاشنهي في الاعتقاد عن عبد الله بن
عمروسهل بن سعد وسلمة بن الاكوع وأبي سعيد الخدري وجابر الانصاري أن النبي صلى الله
عليه وآله بعث أبا بكر برايته مع المهاجرين، هي رايته البيضاء (2) فعاد يؤنب قومه
ويؤنبونه (3)، ثم بعث عمر من بعده فرجع يجبن أصحابه ويجبنونه حتى ساء ذلك النبي صلى
الله عليه وآله فقال: لاعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله
(4) كرارا غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله على يديه، فأعطاها عليا ففتح على يديه
(5). ورواه الثعلبي في تفسير قوله تعالى: " ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا
عزيزا (6) " وذلك في فتح خيبر قال: حاصر رسول الله صلى الله عليه وآله أهل خيبر حتى
(1) ركز الرمح ونحوه: غرزه وأثبته في
الارض. (2) في المصدر: وهى راية بيضاء. (3) أنبه: عنفه ولامه. (4) في المصدر: يحب
الله ورسوله ويحبه اله ورسوله. (5) في المصدر: حتى فتح الله على يده. (6) سورة
الفتح: 2 - 3.
[10]
أصابتنا مخمصة شديدة، وأن رسول الله صلى
الله عليه وآله أعطى اللواء عمر بن الخطاب ونهض من نهض معه من الناس، فلقوا أهل
خيبر فانكشف عمر وأصحابه ورجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يجبنه أصحابه
ويجبنهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قد أخذته إلشقيقة فلم يخرج إلى الناس،
فأخذ أبو بكر راية رسول الله صلى الله عليه وآله ثم نهض فقاتل، ثم رجع فأخذها عمر
فقاتل، ثم رجع، فاخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: أنا والله لاعطين
الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يأخذها عنوة، وليس ثم علي، فلما
كان الغد تطاول إليها أبو بكر وعمر ورجال من قريش رجاء كل واحد منهم أن يكون هو
صاحب ذلك فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله سلمة بن الاكوع إلى علي عليه السلام
فجاءه على بعين ؟ له حتى أناخ قريبا من رسول الله صلى الله عليه وآله وهو أرمد قد
عصب عينيه بشقة برد قطري، قال سلمة: فجئت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه
وآله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: مالك ؟ قال: رمدت، قال: ادن مني، فدنا منه
فتفل في عينيه، فما شكا وجعها بعد حتى مضى لسبيله، ثم أعطاه الراية فنهض بالراية.
ثم ذكر الثعلبي صورة حال الحرب بين علي وبين مرحب، وكان على رأس مرحب مغفر مصفر
وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه، ثم قال: فاختلفا ضربتين، فبدره علي عليه السلام
بضربة فقد الحجر والمغفر وفلق رأسه حتى أخذ السيف في الاضراس، وأخذ المدينة وكان
الفتح على يده. قال السيد: ورأيت في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه في الموضع الذي
تقدمت الاشارة إليه وهو في أواخر كراس من الجزء الرابع زيادة وهي أن عمر بن الخطاب
قال: ما أحببت الامارة إلا يومئذ، فتشاوقت لها (1) رجاء أن ادعى لها، فدعا رسول
الله صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب عليه السلام فأعطاه الراية (2) وقال: امش
ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك، قال: فسار علي شيئا ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ: يا رسول
الله على ماذا اقاتل ؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا
(1) كذا في النسخ والمصدر، وسيأتى في
البيان توضيحه. (2) في المصدر: فأعطاه إياها. (*)
[11]
رسول الله، فإن فعلوا فقد منعوا منك
دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله، انتهى كلام السيد (1). أقول: وروى ابن
الاثير في جامع الاصول من صحيح الترمذي عن البراء إن رسول الله صلى الله عليه وآله
بعث إلى اليمن جيشين وأمر على أحدهما عليا وعلى الآخر خالدا، فقال: إذا كان القتال
فعلي، قال: فافتح علي حصنا فأخذ منه جارية، قال: فكتب معي خالد إلى رسول الله صلى
الله عليه وآله بخبره، قال: فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وآله وقرأ
الكتاب رأيته يتغير لونه، فقال: ما ترى في رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ؟
فقلت: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله وإنما أنا رسول، فسكت. وروي أيضا من
الترمذي عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن الله تبارك وتعالى
أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم، قيل: يارسول الله سمهم لنا، قال: علي منهم -
يقول ذلك ثلاثا - وأبو ذر والمقداد وسلمان، أمرني بحبهم وأخبرني أنه يحبهم. وروى من
صحيحي مسلم والترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول
يوم خيبر: لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، فتطاولنا (2)
فقال: أدعوا لي عليا، فاتي به أرمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه
(3). وروى من الصحيحين عن سلمة بن الاكوع قال: كان علي عليه السلام قد تخلف عن
النبي صلى الله عليه وآله في خيبر وكان رمدا، فقال: أنا أتخلف عن رسول الله صلى
الله عليه وآله فخرج علي فلحق النبي صلى الله عليه وآله فلما كان مساء الليلة التي
فتحها الله في صباحها قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لاعطين الراية - أو ليأخذن
الراية غدا رجل يحبه الله ورسوله - أو قال:
(1) الطرائف: 14 - 16. (2) في تيسير
الوصول: قال: فتطاول الناس لها. (3) أخرج هذه الرواية في تيسير الوصول 3: 237.
[12]
يحب الله ورسوله - يفتح الله على يديه،
فإذا نحن بعلي وما نرجوه، فقالوا: هذا علي ففتح الله عليه. وروى أيضا من الصحيحين
عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال يوم خيبر: لاعطين الراية غدا
رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، قال: فبات الناس
يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله كلهم يرجو أن
يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب ؟ فقيل: هو يارسول الله يشتكي عينيه، قال:
فأرسلوا إليه، فأتي به فبصق في عينه ودعا له فبرئ حتى كان كأن لم يكن به وجع،
فأعطاه الراية، فقال علي عليه السلام: يارسول الله اقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ قال:
انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الاسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق
الله عزوجل فيه، فوالله لان يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم. وروى من
الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال يوم خيبر: لاعطين هذه
الراية رجلا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه، قال عمر بن الخطاب: ما احببت
الامارة إلا يومئذ، قال: فتساورت لها رجاء أن ادعى لها، قال: فدعا رسول الله صلى
الله عليه وآله علي بن أبي طالب عليه السلام فأعطاه إياها وقال: امش ولا تلتفت حتى
يفتح الله عليك، قال: فسار علي شيئا ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ برسول الله صلى الله
عليه وآله: على ماذا اقاتل الناس ؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن
محمدا رسول الله فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم
على الله (1). وروى ابن شيرويه في الفردوس عن سهل بن سعد قال: قال النبي صلى الله
عليه وآله: لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله لا يرجع حتى
يفتح عليه - يعني علي بن أبي طالب (2). [بيان: قال في النهاية: في حديث خيبر: "
لاعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله يفتح الله على يديه "،
فبات الناس يدوكون تلك الليلة
(1 و 2) مخطوط.
[13]
أي يخوضون ويموجون فيمن يدفعها إليه،
يقال: وقع الناس في دوكة ودوكة أي في خوض واختلاط (1). وقال: القطري: - أي بالكسر -
ضرب من البرود فيه حمرة ولها أعلام فيها بعض الخشونة، وقيل: هي حلل جياد تحمل من
قبل البحرين. وقال الازهري: في أعراض البحرين قرية يقال لها " قطر " وأحسب الثياب
القطرية نسبت إليها، فكسر والقاف للنسبة وخففوا. (2) وكأن المراد بالمصفر المذهب.
وفي القاموس: اشتاف: تطاول ونظر، وتشوف إلى الخبر تطلع، ومن السطح: تطاول ونظر
وأشرف. (3) وبالراء معناه قريب من ذلك، والاظهر " فتساورت " قال في النهاية: في
الحديث " فتساورت لها أي رفعت لها شخصي. (4) والتطاول أيضا قريب منه أي كل منهم يمد
عنقه ليراه النبي صلى الله عليه وآله رجاء أن يعطاها. (5)] 2 - مد: بالاسناد إلى
عبد الله بن أحمد، عن أبيه، عن وكيع، عن ابن ليلى، (6) عن المنهال بن عمرو، عن عبد
الرحمن بن أبي ليلى قال: كان أبي يسمر مع علي عليه السلام وكان علي عليه السلام
يلبس ثياب الصيف في الشتاء وثياب الشتاء في الصيف، فقيل له: لو سألته عن هذا فسأله
عن هذا (7) فقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وآله بعث إلي وأنا أرمد يوم خيبر
فقلت: يارسول الله إني أرمد، فتفل في عيني وقال: " اللهم اذهب عنه الحر والقر " فما
وجدت حرا ولا بردا، قال: وقال: لابعثن رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله ليس
بفرار، قال فتشوف لها الناس فبعث عليا عليه السلام (8).
(1) النهاية 2: 35. (2) النهاية 3: 262.
(3) القاموس المحيط 3: 160. (4) النهاية 2: 191. (5) هذا البيان من مختصات (ك) فقط.
(6) في المصدر: عن ابن ابى ليلى. (7) في المصدر: فسألته عن هذا. (8) العمدة: 68.
[14]
أقول: روى ابن بطريق ما مر من الاخبار من
مسند أحمد بن حنبل باثني عشر طريقا آخر عن أبي سعيد الخدري وسعيد بن المسيب وبريدة
وأبي هريرة وسهل بن سعد وأبي ليلى وسعد بن أبي وقاص، ومن صحيح مسلم (1) بستة طرق عن
سلمة بن الاكوع وسهل بن سعد، ومن صحيح مسلم بستة طرق عن عمر بن الخطاب وابن عباس
وأبي هريرة وسهل بن سعد وسلمة بن الاكوع، ومن مناقب ابن المغازلي باثني عشر طريقا
عن سلمة وأبي موسى الاشعري وعمران بن حصين وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وسعد وبريدة
وعامر بن سعد، ومن الجمع بين الصحاح الستة مما رواه من صحيح الترمذي بسندين عن سلمة
وسعد، ومن تفسير الثعلبي مثل ما مر، وساق الحديث إلى أن قال: ثم أعطاه الراية فنهض
بالراية وعليه حلة أرجوانية حمراء قد أخرج كميها، فأتى مدينة خيبر، فخرج مرحب صاحب
الحصن وعليه مغفر مصفر (2) وحجر قد ثقبه مثل البيضة ووضعه على رأسه، وهو يرتجز
ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب * شاك السلاح بطل مجرب أطعن أحيانا وحينا أضرب * إذ
الحروب أقبلت تلهب كان حماي كالحمى لاتقرب فبرز إليه علي صلوات الله عليه فقال: أنا
الذي سمتني امي حيدرة * كليث غابات شديد القسورة أكيلكم بالسيف كيل السندرة فاختلفا
ضربتين فبدره علي عليه السلام بضربة فقد الحجر والمغفر وفلق رأسه حتى أخذ السيف في
الاضراس، وأخذ المدينة وكان الفتح على يديه، ثم قال ابن بطريق: قال أبو محمد عبد
الله بن مسلم: سألت بعض آل أبي طالب عن قوله: " أنا الذي سمتني أمي حيدرة " فذكر أن
أم علي عليه السلام كانت فاطمه بنت أسد ولدت عليا عليه السلام و