بحار الانوار الجزء
37
العلامة المجلسي
[1]
بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة
الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس
الله سره) الجزء السابع والثلاثون مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان الطبعة الثانية
المصححة 1403 ه. 1983 م
[1]
بسم الله الرحمن الرحيم (49) * { باب } *
* (نادر في ذكر مذاهب الذين خالفوا الفرقة المحقة في القول) * * (بالائمة الاثنى
عشر صلوات الله عليهم) * قال الشيخ المفيد قدس الله روحه في كتاب الفصول فيما نقل
عنه السيد المرتضى: الامامية هم القائلون بوجوب الامامة والعصمة ووجوب النص، وإنما
حصل لها هذا الاسم في الاصل لجمعها في المقالة هذه الاصول، فكل من جمعها إمامي، وإن
ضم إليها حقا في المذهب - كان - أم باطلا، ثم إن من شمله هذا الاسم واستحقه لمعناه
قد افترقت كلمتهم في أعيان الائمة وفي فروع ترجع إلى هذه الاصول وغير ذلك فأول من
شذ (1) عن الحق من فرق الامامية الكيسانية وهم أصحاب المختار، وإنما سميت بهذا
الاسم لان المختار كان اسمه أولا الكيسان، وقيل: إنه سمي (2) بهذا الاسم لان أباه
حمله وهو صغير، فوضعه بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام قالوا: فمسح يده على رأسه
وقال: كيس كيس، فلزمه هذا الاسم، وزعمت فرقة منهم أن محمد بن علي استعمل المختار
على العراقين بعد قتل الحسين عليه السلام وأمره بالطلب بثاراته، وسماه كيسان لما
عرف من قيامه ومذهبه، وهذه الحكايات في معنى اسمه في الكيسانية خاصة، وأما نحن فلا
نعرف لم سمي بهذا (3) ولا نتحقق معناه.
(1) أي خالف. (2) في المصدر: انما سمى.
(3) =: وهذه الحكايات في اسمه عن الكيسانية خاصة، فأما نحن فلا نعرف له الا أنه سمى
بهذا.
[2]
وقالت هذه الطائفة بإمامة أبي القاسم محمد
بن أمير المؤمنين عليه السلام ابن خولة الحنفية، وزعموا أنه هو المهدي الذي يملا
الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، وأنه حي لم يمت ولا يموت حتى يظهر بالحق
(1)، وتعلقت في إمامته بقول أمير المؤمنين عليه السلام له يوم البصرة: أنت ابني
حقا، وأنه كان صحاب رايته كما كان أمير المؤمنين عليه السلام صاحب راية رسول الله
صلى الله عليه وآله، وكان ذلك عندهم دليلا (2) على أنه أولى الناس بمقامه، واعتلوا
في أنه المهدي بقول النبي صلى الله عليه وآله: " لن تنقضي، الايام والليالي حتى
يبعث الله تعالى رجلا من أهل بيتي اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، واسم أبيه اسم أبي،
يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا " قالوا: وكان من أسماء أمير المؤمنين
عليه السلام عبد الله بقوله: " أنا عبد الله وأخو رسوله صلى الله عليه وآله وسلم
(3) وأنا الصديق الاكبر لا يقولها بعدي إلا كذاب مفتر " وتعلقوا في حياته أنه إذا
ثبت إمامته بأنه القائم فقد بطل أن يكون الامام غيره، وليس يجوز أن يموت قبل ظهوره
فتخلو الارض من حجة، ولا بد (4) على صحة هذه الاصول من حياته. وهذه الفرقة بأجمعها
تذهب إلى أن محمدا كان الامام بعد الحسن والحسين عليهما السلام وقد حكي عن بعض
الكيسانية أنه كان يقول: إن محمدا كان الامام بعد أمير المؤمنين عليه السلام وبطل
إمامة الحسن والحسين، ويقول: إن الحسن إنما دعا في باطن الدعوة إلى محمد بأمره !
وإن الحسين ظهر بالسيف بإذنه، وإنهما كانا داعيين إليه وأميرين من قبله ! وحكي عن
بعضهم أن محمدا رحمه الله عليه مات وحصلت الامامة من بعده في ولده، وأنها انتقلت من
ولده إلى ولد العباس بن عبد المطلب، وقد حكي أيضا أن منهم من يقول: إن عبد الله بن
محمد حي لم يمت (5) وأنه القائم، وهذه حكاية شاذة، وقيل: إن منهم من يقول: إن محمدا
قد مات وإنه يقوم بعد الموت وهو المهدي،
(1) في المصدر: حتى يظهر الحق. (2) =:
وكان ذلك عندهم الدليل اه. (3) =: وأخو رسول الله. (4) =: فلابد. (5) =: لا يموت.
[3]
وينكر حياته، وهذا أيضا قول شاذ، وجميع ما
حكينا بعد الاول من الاقوال هو حادث ألجأ القوم إليه الاضطرار عند الحيرة وفراقهم
الحق، والاصل المشهور ما حكيناه من قول الجماعة المعروفة بإمامة أبي القاسم بعد
أخويه عليهما السلام والقطع على حياته وأنه القائم، مع أنه لا بقية للكيسانية جملة،
وقد انقرضوا حتى لا يعرف منهم في هذا الزمان أحد إلا ما يحكى ولا يعرف صحته. وكان
من الكيسانية أبو هاشم إسماعيل بن محمد الحميري رحمه الله (1)، وله في مذهبهم أشعار
كثيرة، ثم رجع عن القول بالكيسانية وبرئ منه (2) ودان بالحق، لان أبا عبد الله جعفر
بن محمد عليهما السلام دعاه إلى إمامته وأبان له عن فرض طاعته، فاستجاب له وقال
بنظام الامامة، وفارق ما كان عليه من الضلالة، وله في ذلك أيضا شعر معروف، فمن بعض
قوله في إمامة محمد ومذهب الكيسانية قوله: ألا حي المقيم بشعب رضوى * وأهدله بمنزلة
السلاما (3) أضر بمعشر والوك منها * وسموك الخليفة والاماما وعادوا فيك أهل الارض
طرا * مقامك عندهم سعبين عاما لقد أضحى بمورق شعب رضوى * تراجعه الملائكة الكلاما
وما ذاق ابن خولة طعم موت * ولا وارت له أرض عظاما وإن له بها لمقيل صدق * وأندية
يحدثه الكراما وله أيضا - وقد روى عبد الله بن عطاء بن أبي جعفر الباقر عليه السلام
أنه قال: أنا دفنت عمي محمد بن الحنفية ونفضت يدي من تراب قبره فقال -: نبئت أن ابن
عطاء روى * وربما صرح بالمنكر لما روى أن أبا جعفر * قال ولم يصدق ولم يبرر
(1) في المصدر: الحميرى الشاعر رحمه الله.
(2) =: وتبرأ منه. (3) رضوى - بفتح اوله وسكون ثانية - جبل بين مكة والمدينة قرب
ينبع على مسيرة يوم منها يزعم الكيسانية أن محمد بن الحنفية مقيم به حى يرزق - هدل
الشئ: ارسله إلى اسفل وارخاه. وفى المصدر: وأهله. وفيه بعد هذا البيت: وقل يا ابن
الوصي فدتك نفسي * أطلت بذلك الجبل المقاما
[4]
دفنت عمي ثم غادرته (1) * صفيح لبن وتراب
ثرى ما قاله قط ولو قاله * قلت اتقاء من أبي جعفر وله عند رجوعه إلى الحق (2)
تجعفرت باسم الله والله أكبر * وأيقنت أن الله يعفو ويغفر ودنت بدين غير ما كنت
دانيا * به ونهاني سيد الناس جعفر فقلت له له هبني تهودت برهة * وإلا فديني دين من
يتنصر فلست بغال ما حييت وراجعا (3) * إلى ما عليه كنت أخفي وأضمر ولا قائلا قولا
لكيسان بعدها * وإن عاب جهال مقالي وأكبروا ولكنه عني مضى لسبيله * على أحسن
الحالات يقفى ويؤثر (4) وكان كثير عزة كيسانيا ومات على ذلك، وله في مذهب الكيسانية
قوله: ألا إن الائمة من قريش * ولاة الحق أربعة سواء علي والثلاثة من بنيه * هم
الاسباط ليس بهم خفاء فسبط سبط أيمان وبر * وسبط غيبته كربلاء وسبط لا يذوق الموت
حتى * يقود الخيل يقدمها اللواء يغيب فلا يرى فيهم زمانا * برضوى عنده غيل وماء (6)
قال الشيخ أدام الله عزه: وأنا أعترض على أهل هذه الطائفة مع اختلافها في مذاهبها
بما أدل به على فساد أقوالها بمختصر من القول وإشارة إلى معاني الحجاج دون استيعاب
ذلك وبلوغ الغاية، إذ ليس غرضي القصد لنقض المذاهب الشاذة
(1) غادره: تركه وأخفاه. (2) في المصدر
بعد ذلك: وفراقه الكيسانية. (3) =: وراجع. (4) =: ولكنه من قد مضى لسبيله. (5) هو
كثير بن عبد الرحمان بن الاسود بن عامر الخزاعى، اخباره مع عزة بنت جميل الضمرية
كثيرة حتى انه انتسب إليها واشتهر بهذا الاسم (الاغانى 258). (6) الغيل: الماء
الجارى على وجه الارض وسيأتى له معنى آخر في البيان. وفى المصدر: عسل وماء.
[5]
النظام عن الامامة (1) في هذا الكتاب،
وإنما غرضي حكايتها، فأحببت أن لا اخليها من رسم لمع من الحجج (2) على ما ذكرت
وبالله التوفيق. مما يدل على بطلان قول الكيسانية في إمامة محمد رحمة الله عليه أنه
لو كان على ما زعموا إماما معصوما يجب على الامة طاعته، لوجب النص عليه أو ظهور
العلم الدال على صدقه، إذ العصمة لا تعلم بالحس ولا تدرك من ظاهر الخلقة، وإنما
تعلم بخبر علام الغيوب المطلع على الضمائر (3) أو بدليله سبحانه على ذلك، وفي عدم
النص على محمد من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو من أبيه عليه السلام أو من
أخويه عليهما السلام أيضا (4) دليل على بطلان مقال من ذهب إلى إمامته، وكذلك عدم
الخبر المتواتر بمعجز ظهر عليه عند دعوته إلى إمامته أن لو كان ادعاها (5) برهان
على ما ذكرناه، مع أن محمدا لم يدع قط الامامة لنفسه، ولا دعا أحدا إلى اعتقاد ذلك
فيه، وقد كان سئل عن ظهور المختار وادعائه عليه أنه أمره بالخروج والطلب بثار
الحسين عليه السلام وأنه أمره أن يدعو الناس إلى إمامته، عن ذلك وصحته، فأنكره وقال
لهم: والله ما أمرته بذلك لكني لا ابالي أن يأخذ بثأرنا كل أحد، وما يسوؤني أن يكون
المختار هو الذي يطلب بدمائنا، فاعتمد السائلون له على ذلك - وكانوا كثيرة قد رحلوا
إليه لهذا المعنى بعينه على ما ذكره أهل السير - ورجعوا، فنصر أكثرهم المختار على
الطلب بدم أبي عبد الله الحسين عليه السلام ولم ينصروه على القول بإمامة أبي
القاسم، ومن قرأ الكتب وعرف الآثار وتصفح الاخبار وما جرى عليه أمر المختار لم يخف
عليه هذا الفصل الذي ذكرناه، فكيف يصح القول بإمامة محمد مع ما وصفناه ؟ فأما ما
تعلقوا به فيما ادعوه من إمامته من قول أمير المؤمنين عليه السلام له يوم البصرة
وقد أقدم بالراية: " أنت ابني حقا " فإنه جهل منهم بمعاني الكلام وعجرفة في النظر
(1) في المصدر: الشاذة عن النظام عن
الامامة. (2) =: يبلغ من الحجج. (3) =: المطلع على السرائر. (4) ليست كلمة " ايضا "
في المصدر. (5) كذا في النسخ، وفى المصدر. إذ لو كان ادعاؤها برهانا اه.
[6]
والحجاج، وذلك أن النص لا يعقل من ظاهر
هذا الكلام ولا من فحواه على معقول أهل اللسان، ولا من تأويله على شئ من اللغات،
ولا فصل بين من ادعى أن الامامة تعقل من هذا اللفظ وأن النص بها يستفاد منه وبين من
زعم أن النبوة تعقل منه وتستفاد من معناه، إذ تعريه من الامرين جميعا على حد واحد.
فإن قال منهم قائل: إن أمير المؤمنين عليه السلام لما كان إماما وقال لابنه محمد: "
أنت ابني حقا " دل بذلك (1) على أنه إنما شبهه به في الامامة لا غير وكان (2) هذا
القول منه تنبيها على استخلافه له على حسب ما رتبناه، قيل له: لم زعمت (3) أنه لما
أضافه إلى نفسه وشبهه بها دل على أنه أراد التشبيه له بنفسه في الامامة دون غير هذه
الصفة من صفاته عليه السلام وما أنكرت (4) أنه أراد تشبيهه به في الصورة دون ما
ذكرت ؟ فإن قال: إنه لم يجر في تلك الحال (5) ذكر الصورة ولا ما يقتضي (6) أن يكون
أراد تشبيهه به فيها بالاضافة التي ذكرها، فكيف يجوز حمل كلامه على ذلك ؟ قيل له:
وكذلك لم يجر في تلك الحال للامامة ذكر فيكون إضافته له إلى نفسه (7) بالذكر دليلا
على أنه أراد تشبيهه به فيها (8). على أن لكلامه عليه السلام معنى معقولا لا يذهب
عنه (9) منصف، وذلك أن محمدا لما حمل الراية ثم صبر حتى كشف أهل البصرة فأبان من
شجاعته وبأسه ونجدته ما كان مستورا سر بذلك أمير المؤمنين عليه السلام فأحب أن
يعظمه (10) ويمدحه على فعله فقال له: " أنت ابني حقا " يريد عليه السلام به أنك
أشبهتني في الشجاعة والبأس والنجدة (11)، وقيل
(1) في المصدر: دل ذلك. (2) =: فكان. (3)
=: على حسب ما بيناه، قيل لهم: لم زعمتم اه. (4) أي: لم أنكرت، وكذا فيما سيأتي
(ب). (5) في المصدر: في تلك الحالة. (6) أي ولم يجر في المقام ما يقتضى. وفى
المصدر: ولا يقتضى. (7) في المصدر: فتكون اضافته إلى نفسه. (8) أي في الامامة. (9)
أي لا يعرض عنه. (10) في المصدر: ان يعظمه بذلك. (11) النجدة: الشجاعة. الشدة
والبأس.
[7]
من أشتبه أباه (1) فما ظلم، وقيل: إن من
نعمة الله (2) على العبد أن يشبه أباه ليصح نسبه، فكان الغرض المفهوم من قول أمير
المؤمنين عليه السلام التشبيه لمحمد به في الشجاعة، والشهادة له بطيب المولد،
والقطع على طهارته، والمدحة له بما تضمنه الذكر من إضافته، ولم يجر للامامة ذكر ولا
كان هناك سبب يقتضي حمل الكلام على معناها، ولا تأويله على فائدة يقتضيها، وإذا كان
الامر على ما وصفناه سقطت شبهتهم في هذا الباب. ثم يقال لهم: فإن أمير المؤمنين
عليه السلام قال في ذلك اليوم بعينه في ذلك الموطن نفسه بعد أن قال لمحمد المقال
الذي رويتموه (3) للحسن والحسين عليهما السلام وقد رأى فيهما انكسارا عند مدحه
لمحمد: " وأنتما ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " فإن كان إضافة محمد رحمه
الله إليه بقوله: " أنت ابني حقا " يدل على نصه عليه فإضافة الحسن والحسين إلى رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم يدل على أنه قد نص على نبوتهما ! إذ كان الذي أضافهما
إليه نبيا ورسولا وإماما، فإن لم يجب ذلك بهذه الاضافة لم يجب بتلك ما ادعوه، وهذا
بين لمن تأمله. وأما اعتمادهم على اعطائه الراية يوم البصرة وقياسهم إياه بأمير
المؤمنين عليه السلام عند ما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رايته فإن
فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك وإعطاءه أمير المؤمنين عليه السلام الراية
لا يدل على أنه الخليفة من بعده، ولو دل على ذلك لزم (4) أن يكون كل من حمل الراية
في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منصوصا عليه بالامامة ! وكل صاحب راية
كان لامير المؤمنين عليه السلام مشارا إليه بالخلافة ! وهذا جهل لا يرتكبه عاقل، مع
أنه يلزم هذه الفرقة أن يكون محمد إماما للحسن والحسين عليهما السلام وأن لا تكون
لهما إمامة البتة، لانهما لم يحملا الراية وكانت الراية له دونهما، وهذا قول لا
يذهب إليه إلا من شذ من الكيسانية على ما حكيناه، وقول اولئك ينتقض (5) بالاتفاق
على قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحسن والحسين: " ابناي هذان إمامان قاما
أو قعدا " وبالاتفاق على وصية أمير المؤمنين
(1) في المصدر: وقد قيل: إن من أشبه أباه
اه. (2) =: إن من نعم الله. (3) في المصدر: رسموه. (4) =: لوجب. (5) في (م) و (د)
منتقض. وفى المصدر: منقوض.
[8]
إلى الحسن ووصية الحسن إلى الحسين عليهم
السلام وبقيام الحسن عليه السلام بالامامة بعد أبيه، ودعائه الناس إلى بيعته على
ذلك، وبقيام الحسين عليه السلام من بعده وبيعة الناس له على الامر (1) دون محمد حتى
قتل، من غير رجوع من هذا القول، مع قول رسول الله صلى الله عليه وآله فيهما الدال
على عصمتهما وأنهما لا يدعيان باطلا حيث يقول: " ابناي هذان سيدا شباب أهل الجنة ".
وأما تعلقهم بقول النبي صلى الله عليه وآله: " لن تنقضي الايام والليالي حتى يبعث
الله رجلا من أهل بيتي " إلى آخر الكلام فإن بإزائهم الزيدية يدعون ذلك في محمد بن
عبد الله بن الحسن بن الحسن، وهم أولى به منهم، لان أبا محمد كان اسمه المعروف به
عبد الله، وكان أمير المؤمنين اسمه عليا، وإنما انضاف إلى الله بالعبودية (2)، وإن
كان لاضافته في هذا الموضع معنى يزيد على ما ذكرناه، ليست بنا حاجة إلى الكشف عنه
في حجاج هؤلاء القوم، مع أن الامامية الاثني عشرية أولى به في الحقيقة من الجميع،
لان صاحبهم اسمه اسم رسول الله صلى الله عليه وآله، وكنيته كنيته، وأبوه عبد من
عبيد الله، وهم يقولون بالعصمة وجميع اصول الامامة، ويضمون مع الاخبار الواردة
بالنصوص على الائمة، وينقلون فضائل من تقدم القائم من آبائه عليهم السلام ومعجزاتهم
وعلومهم التي بانوابها من الرعية، ولا يدفعون ضرورة من موت حي، ولا يقدمون على
تضليل معصوم وتكذيب إمام عدل، والكيسانية بالضد (3) مما حكيناه، فلا معتبر بتعلقهم
بظاهر لفظ قد تحدثته الفرق، إذ المعتمد هو الحجة والبرهان ولم يأت القوم بشئ منه
فيكون عذرا لهم فيما صاروا إليه. وأما تعلقهم في حياته بما ادعوه من إمامته وبناؤهم
على ذلك أنه القائم من آل محمد فإنا قد أبطلنا ذلك بما تقدم من مختصر القول فيه،
فسقط بسقوطه وبطلانه، ومما يدل أيضا على فساده تواتر الخبر بنص أبي جعفر الباقر على
ابنه الصادق عليهما السلام بالامامة،
(1) في المصدر: بالامر. (2) في المصدر بعد
ذلك: كما انضاف جميع العباد إلى الله بالعبودية. (3) =: على الضد.
[9]
ونص الصادق على ابنه موسى، (1) ونص موسى
على علي، وبظاهر الخبر عمن ذكرناه بالعلوم الدالة على إمامتهم، والمعجزات المنبئة
عن حقهم (2) وصدقهم، مع الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله بالنص عليهم من حديث
اللوح، وما رواه عبد الله بن مسعود ووصفه سلمان من ذكر أعيانهم وأعدادهم، وقد أجمع
من ذكرناه بأسرهم والائمة من ذريتهم وجميع أهل بيتهم على موت أبي القاسم، وليس يصح
أن يكون اجماع هؤلاء باطلا، ويؤيد ذلك أن الكيسانية في وقتنا هذا لا بقية لهم ولا
يوجد عدد منهم يقطع العذر بنقله، بل لا يوجد أحد منهم يدخل في جملة أهل العلم، بل
لا نجد أحدا منهم جملة، وإنما مع الناس (3) الحكاية عنهم خاصة، ومن كان بهذه
المنزلة لم يجز أن يكون ما اعتمده من طريق الرواية حقا، لانه لو كان كذلك لما بطلت
الحجة عليه بانقراض أهله، وعدم تواترهم، فبان بما وصفناه أن مذهب القوم باطل لم
يحتج الله به على أحد، ولا ألزمه اعتقاده على ما حكيناه. قال الشيخ أدام الله عزه:
ثم لم تزل الامامة على القول بنظام الامامة حتى افترقت كلمتها بعد وفاة أبي عبد
الله جعفر بن محمد عليهما السلام فقال فرقة منها: أن أبا عبد الله حي لم يمت ولا
يموت حتى يظهر فيملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، لانه القائم المهدي
وتعلقوا بحديث رواه رجل يقال له عنبسة بن مصعب عن أبي عبد الله عليه السلام أنه
قال: " إن جاءكم من يخبركم عني بأنه غسلني وكفنني ودفنني فلا تصدقوه " وهذه الفرقة
تسمى الناووسية، وإنما سميت بذلك لان رئيسهم في هذه المقالة رجل من أهل البصرة يقال
له عبد الله بن ناووس. وقالت فرقة اخرى: إن أبا عبد الله عليه السلام توفي ونص على
ابنه إسماعيل بن جعفر، وإنه الامام بعده، وهو القائم المنتظر، وإنما لبس على الناس
في أمره لامر رآه أبوه.
(1) في المصدر: على ابنه الكاظم. (2) =:
عن حقوقهم. (3) =: وانما يقع من الناس.
[10]
وقال فريق منهم: إن إسماعيل قد كان توفي
على الحقيقة في زمن أبيه، غير أنه قبل وفاته نص على ابنه محمد، وكان (1) الامام
بعده، وهؤلاء هم القرامطة وهم المباركية، فنسبهم إلى القرامطة برجل من أهل السواد
يقال له قرمطويه، ونسبهم إلى المباركية برجل يسمى المبارك مولى إسماعيل بن جعفر،
والقرامطة أخلاف المباركية والمباركية سلفهم. وقال فريق من هولاء: إن الذي نص على
محمد بن إسماعيل هو الصادق عليه السلام دون إسماعيل، وكان ذلك الواجب عليه، لانه
أحق بالامر بعد أبيه من غيره، ولان الامامة لا يكون في أخوين بعد الحسن والحسين،
وهؤلاء الفرق الثلاث هم الاسماعيلية، وإنما سموا بذلك لادعائهم إمامة إسماعيل، فأما
علتهم في النص على إسماعيل فهي أن قالوا: كان إسماعيل أكبر ولد جعفر، وليس يجوز أن
ينص على غير الاكبر، قالوا: وقد أجمع من خالفنا على أن أبا عبد الله نص على
إسماعيل، غير أنهم ادعوا أنه بدا لله فيه، وهذا قول لا نقبله منهم. وقالت قرقة
اخرى: إن أبا عبد الله توفي وكان الامام بعده محمد بن جعفر، واعتلوا في ذلك بحديث
تعلقوا به، وهو أن أبا عبد الله على ما زعموا كان في داره جالسا فدخل عليه محمد وهو
صبي صغير، فعدا إليه فكبا (2) في قميصه ووقع لوجهه (3)، فقام إليه أبو عبد الله
فقبله ومسح التراب عن وجهه وضمه إلى صدره وقال: سمعت أبي يقول: إذا ولد لك ولد
يشبهني فسمه باسمي، وهذا الولد شبيهي وشبيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى
سنته (4)، وهذه الفرقة تسمى السبطية (5) لنسبتها إلى رئيس لها كان يقال له: يحيى بن
أبي السبط (6).
(1) في المصدر: فكان. (2) أي انكب. (3) في
المصدر: ووقع لحر وجهه. (4) = بعد ذلك: وشبيه على. (5) =: الشمطية (السمطية خ ل).
(6) =: لنسبتها إلى رجل يقال له يحيى بن ابى السمط وهو رئيسهم.
[11]
وقالت فرقة اخرى: إن الامام بعد أبي عبد
الله ابنه عبد الله بن جعفر، واعتلوا في ذلك بأنه كان أكبر ولد أبي عبد الله، وأن
أبا عبد الله عليه السلام قال: الامامة لا تكون إلا في الاكبر من ولد الامام ! وهذه
الفرقة تسمى الفطحية، وإنما سميت بذلك لان رئيسا لها يقال له عبد الله بن أفطح،
ويقال: إنه كان أفطح الرجلين (1)، ويقال: بل كان أفطح الرأس، ويقال: إن عبد الله
كان هو الافطح. قال الشيخ أدام الله عزه: فأما الناووسية فقد ارتكبت في إنكارها
وفاة أبي عبد الله عليه السلام ضربا من دفع الضرورة وإنكار المشاهدة، لان العلم
بوفاته كالعلم بوفاة أبيه من قبله، ولا فرق بين هذه الفرقة وبين الغلاة الدافعين
لوفاة أمير المؤمنين عليه السلام وبين من أنكر مقتل الحسين عليه السلام ودفع ذلك
وادعى أنه كان مشبها للقوم، فكل شئ جعلوه فصلا بينهم وبين من ذكرناه فهو دليل على
بطلان ما ذهبوا إليه في حياة أبي عبد الله عليه السلام، وأما الخبر الذي تعلقوا به
فهو خبر واحد لا يوجب علما ولا عملا، ولو رواه ألف إنسان وألف ألف لما جاز أن يجعل
ظاهره حجة في دفع الضرورات وارتكاب الجهالات بدفع المشاهدات، على أنه يقال لهم: ما
أنكرتم أن يكون هذا القول إنما صدر من أبي عبد الله عند توجهه إلى العراق ليؤمنهم
من موته في تلك الاحوال، ويعرفهم رجوعه إليهم من العراق، ويحذرهم من قبول أقوال
المرجفين به (2) المؤدية إلى الفساد، ولا يجب أن يكون ذلك مستغرقا لجميع الازمان،
وأن يكون على العموم في كل حال، ويحتمل أن يكون أشار إلى جماعة علم أنهم لا يبقون
بعده وأنه يتأخر عنهم فقال: " من جاءكم من هؤلاء " فقد جاء في بعض الاسانيد " من
جاءكم منكم " وفي بعضها " من جاءكم من أصحابي " وهذا يقتضي الخصوص. وله وجه آخر وهو
أنه عنى بذلك كل الخلق ما سوى الامام القائم من بعده لانه ليس يجوز أن يتولى غسل
الامام وتكفينه ودفنه إلا الامام القائم مقامه عليه السلام إلا أن تدعو ضرورة إلى
غير ذلك، فكأنه أنبأهم بأنه لا ضرورة تمنع القائم من بعده عن
(1) الافطح: العريض. (2) أرجف: خاض في
الاخبار السيئة والفتن قصد أن يهيج الناس.
[12]
تولي أمره بنفسه، وإذا كان الخصوص قد يكون
في كتاب الله عزوجل مع ظاهر القول للعموم وجاز أن يخص القرآن ويصرف عن ظواهره على
مذهب أصحاب العموم بالدلائل فلم لا جاز الانصراف عن ظاهر قول أبي عبد الله عليه
السلام إلى معنى يلائم الصحيح ولا يحمل على وجه يفسد المشاهدات ويسد على العقلاء
باب الضرورات، وهذا كاف في هذا الموضع إن شاء الله، مع أنه لا بقية للناووسية، ولم
يكن في الاصل أيضا كثرة، ولا عرف منهم رجل مشهور بالعلم، ولا قرئ لهم كتاب، وإنما
هي حكاية إن صحت فعن عدد يسير لم يبرز قولهم حتى اضمحل وانتقض، وفي هذا كفاية عن
الاطالة في نقضه. وأما ما اعتلت به الاسماعيلية من أن إسماعيل - رحمه الله - كان
الاكبر وأن النص يجب أن يكون الاكبر فلعمري إن ذلك يجب إذا كان الاكبر باقيا بعد
الوالد، فأما إذا كان المعلوم من حاله أنه يموت في حياته ولا يبقى بعده فليس يجب ما
ادعوه، بل لا معنى للنص عليه، ولو وقع لكان كذبا، لان معنى النص أن المنصوص عليه
خليفة الماضي فيما كان يقوم به، وإذا لم يبق بعده لم يكن خليفة، ويكون (1) النص
حينئذ عليه كذبا لا محالة، وإذا علم الله سبحانه أنه يموت قبل الاول وأمره
باستخلافه كان الامر بذلك عبثا مع كون النص كذبا، لانه لا فائدة فيه ولا غرض صحيح
فبطل ما اعتمدوه في هذا الباب. وأما ما ادعوه من تسليم الجماعة لهم حصول النص عليه
فإنهم ادعوا في ذلك باطلا وتوهموا فاسدا من قبل أنه ليس أحد من أصحابنا يعترف بأن
أبا عبد الله عليه السلام نص على ابنه إسماعيل، ولا روى راو ذلك في شاذ من الاخبار
ولا في معروف منها، وإنما كان الناس في حياة إسماعيل يظنون أن أبا عبد الله ينص
عليه لانه أكبر أولاده، وبما كانوا يرونه من تعظيمه، فلما مات إسماعيل زالت ظنونهم
وعلموا أن الامامة في غيره فتلعق هؤلاء المبطلون بذلك الظن وجعلوه أصلا، وادعوا أنه
قد وقع النص، وليس معهم في ذلك خبر ولا أثر (2) يعرفه أحد من نقلة الشيعة، وإذا كان
(1) المصدر: فيكون. (2) =: أثر ولا خبر.
[13]
معتمدهم على الدعوى المجردة عن البرهان
فقد سقط بما ذكرناه. فأما الرواية عن أبي عبد الله عليه السلام من قوله: " ما بدا
لله في شئ كما بدا له في إسماعيل " فإنها على غير ما توهموه أيضا من البداء في
الامامة، وإنما معناها ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " إن الله
عزوجل كتب القتل على ابني إسماعيل مرتين، فسألته فيه فرقا (1)، فما بدا له في شئ
كما بدا له في إسماعيل " يعني به ما ذكره من القتل الذي كان مكتوبا فصرفه عنه
بمسألة أبي عبد الله عليه السلام فأما الامامة فإنه لا يوصف الله عزوجل بالبداء
فيها (2) وعلى ذلك إجماع فقهاء الامامية، ومعهم فيه أثر عنهم عليهم السلام أنهم
قالوا: " مهما بدا لله في شئ فلا يبدو له في نقل نبي عن نبوته ولا إمام عن إمامته
ولا مؤمن قد أخذ عهده بالايمان عن إيمانه " وإذا كان الامر على ما ذكرناه فقد بطل
أيضا هذا الفصل الذي اعتمدوه وجعلوه دلالة على نص أبي عبد الله عليه السلام على
إسماعيل. فأما من ذهب إلى إمامة محمد بن إسماعيل بنص أبيه عليه فإنه منتقض القول
فاسد الرأي، من قبل أنه إذا لم يثبت لاسماعيل إمامة في حياة أبي عبد الله عليه
السلام لاستحالة وجود إمامين بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في زمان واحد لم
يجز أن يثبت إمامة محمد، لانها تكون حينئذ ثابتة بنص غير إمام، وذلك فاسد في النظر
الصحيح. وأما من زعم بأن أبا عبد الله عليه السلام نص على محمد بن إسماعيل بعد وفاة
أبيه فإنهم لم يتعلقوا في ذلك بأثر، وإنما قالوه قياسا على أصل فاسد، وهو ما ذهبوا
إليه من حصول النص على أبيه إسماعيل (3)، فزعموا أن العدل يوجب بعد موت إسماعيل
النص على ابنه لانه أحق الناس به، وإذا كنا قد بينا عن بطلان قولهم فيما ادعوا من
النص على إسماعيل فقد فسد أصلهم الذي بنوا عليه الكلام، على أنه لو ثبت ما ادعوه من
نص ابي عبد الله على ابنه إسماعيل لما صح قولهم في وجوب النص على محمد ابنه من
بعده، لان الامامة والنصوص ليستا موروثتين على حد ميراث الاموال ولو كانت كذلك
(1) في المصدر: فعفا عن ذلك. (2) =: وأما
الامامة فانه لا يوصف الله عزوجل فيه بالبداء. (3) =: على ابنه إسماعيل. فيكون مرجع
الضمير أبا عبد الله عليه السلام.
[14]
لاشترك فيها ولد الامام، وإذا لم تكن
موروثة وكانت إنما تجب لمن له صفات مخصوصة ومن أوجبت المصلحة إمامته فقد بطل أيضا
هذا المذهب. وأما من ادعى إمامة محمد بن جعفر، عليه ال