الى اجزاء البحار الى المكتبة الهاشمية الى الصفحة الرئيسية

بحار الانوار الجزء 35

العلامة المجلسي


 

[1]

بحار الانوار الجامعة الدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر العلامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس الله سره) الجزء الخامس والثلاثون مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان كافة الحقوق محفوظة ومسجلة الطبعة الثانية المصححه 1403 ه‍ - 1983 م‍ مؤسسة الوفاء - بيروت - لبنان - صرب: 1457 - هاتف: 386868


 

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي شيد أساس الدين ونور مناهج اليقين بمحمد سيد المرسلين وعلي أمير المؤمنين والابرار من عترتهما الغر الميامين، صلوات الله عليهما وعليهم أبد الآبدين، ولعنة الله على أعدائهم دهر الداهرين، أما بعد فيقول خادم أخبار الائمة الطاهرين، وتراب أقدام شيعة مولى المؤمنين، محمد باقر بن محمد تقي غفر الله لهما بشفاعة مواليهما المنتجبين: هذا هو المجلد التاسع من كتاب بحار الانوار في بيان فضائل سيد الاخيار، وإمام الابرار، وحجة الجبار، وقسيم الجنة و النار (1)، وأشرف الوصيين، ووصي سيد النبيين، ويعسوب المسلمين علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ومناقبه ومعجزاته، ومكارم أخلاقه، وتواريخ أحواله، والآيات النازلة في شأنه، والنصوص عليه صلوات الله وسلامه عليه وعلى أولاده الاطيبين.

 

(1) * أقول: يستعمل (قسيم) في كلام المولدين بمعنى (مقسم) ولذا قال شاعرهم: علي حبه جنه * قسيم النار والجنه وصي المصطفى حقا * إمام الانس والجنه وأما في الاصل فهو بمعنى (مقاسم) قال في الاساس: وهو قسيمي: مقاسمي، وفي حديث علي رضي الله عنه: أنا قسيم النار). يعني أنه يقول للنار هذا الكافر لك وهذا المؤمن لي (ب)

 

[2]

* (باب 1) * * (تاريخ ولادته وحليته وشمائله صلوات الله عليه) * 1 - قب: ابن إسحاق وابن شهاب: أنه كتب حلية أمير المؤمنين عليه السلام عن ثبيت الخادم (1) فأخذها عمرو بن العاص فزم بأنفه وقطعها (2)، وكتب أن أبا تراب كان شديد الادمة، عظيم البطن، حمش الساقين، ونحو ذلك، فلذا وقع الخلاف في حليته. وذكر في كتاب الصفين ونحوه عن جابر وابن الحنفية أنه كان علي عليه السلام رجلا دحداحا ربع القامة، أزج الحاجبين، أدعج العينين أنجل، تميل إلى الشهلة، كأن وجهه القمر ليلة البدر حسنا، وهو إلى السمرة، أصلع، له حفاف من خلفه كأنه إكليل، وكأن عنقه إبريق فضة، وهو أرقب، ضخم البطن، أقرء الظهر، عريض الصدر، محض المتن، شثن الكفين، ضخم الكسور، لا يبين عضده من ساعده: قد أدمجت إدماجا، عبل الذراعين، عريض المنكبين، عظيم المشاشين كمشاش السبع الضاري، له لحية قد زانت صدره، غليظ العضلات، حمش الساقين. قال المغيرة: كان علي عليه السلام على هيئة الاسد، غليظا منه ما استغلظ، دقيقا منه ما استدق. بيان: أحمش الساقين أي دقيقهما، ويقال: حمش الساقين أيضا بالتسكين. والدحداح: القصير السمين، والمراد هنا غير الطويل أو السمين فقط بقرينة ما بعده. والزجج: تقوس في الحاجب مع طول في طرفه وامتداده. والدعج: شدة السواد في العين أو شدة سوادها في شدة بياضها. والنجل: سعة العين. والشهلة - بالضم - أقل من الزرقة في الحدقة وأحسن منه، أو أن تشرب الحدقة حمرة ليست خطوطا كالشكلة، ولعل المراد هنا الثاني.

 

(1) في المصدر: عن ثبيت الخادم على عمره اه‍. (2) في المصدر: فقطعها. ويقال زم بأنفه: إذا شمخ وتكبر.

 

[3]

والصلع: انحسار شعر مقدم الرأس. والحفاف ككتاب: الطرة حول رأس الاصلع. و الاكليل: شبه عصابة تزين بالجوهر. والارقب: الغليظ الرقبة. وقال الجوهري: والقراء: الظهر * وناقة قرواء: طويلة السنام. ويقال: الشديدة الظهر، بينة القرى، ولا يقال: جمل أقرى (1). وقال الفيروز آبادى: المقروري: الطويل الظهر * والمحض: الخالص * ومتنا الظهر: مكتنفا الصلب (2) عن يمين وشمال من عصب ولحم، ولعله كناية عن الاستواء أو عن اندماج الاجزاء بحيث لا يبين فيه المفاصل ويرى قطعة واحدة. وقال الجزري: في صفته: شثن الكفين والقدمين أي أنهما يميلان إلى الغلظ والقصر، وقيل: هو أن يكون في أنامله غلظ بلا قصر، ويحمد ذلك في الرجال لانه أشد لقبضهم، ويذم في النساء (3). وقال الفيروز آبادي: الكسر - ويكسر - الجزء من العضو أو العضو الوافر، أو نصف العظم بما عليه من اللحم، أو عظم ليس عليه كثير لحم، والجمع: أكسار وكسور * والعبل: الضخم من كل شئ (4). وقال الجزري: في صفته: جليل المشاش أي عظيم رؤوس العظام كالمرفقين والكتفين والركبتين * وقال الجوهري: هي رؤوس العظام اللينة التي يمكن مضغها (5). أقول: لعل المراد هنا منتهى عظم العضد من جانب المنكب. والسبع الضاري: هو الذي اعتاد بالصيد لا يصبر عنه. قوله: (ما استغلظ) أي من الاسد أو من الانسان أي كلما كان في غيره غليظا ففيه كان أغلظ، وكذا العكس.

 

(1) الصحاح ج: 6 ص 2460 و 2461. (2) القاموس المحيط ج 4: 378. وص: 343 وص 269 (3) النهاية 2: 204. وفيه: هو الذى في انامله غلظ. (4) القاموس المحيط ج 2: 126 وج 4 ص 11. (5) النهاته ج 4 ص 102. الصحاح: ج 3 ص 1019.

 

[4]

2 - كشف: قال الخطيب أبو المؤيد الخوارزمي (1) عن أبي إسحاق قال: لقد رأيت عليا أبيض الرأس واللحية، ضخم البطن، ربعة من الرجال. وذكر ابن منده أنه كان شديد الادمة، ثقيل العينين عظيمهما، ذا بطن، وهو إلى القصر أقرب، أبيض الرأس واللحية. وزاد محمد بن حبيب البغدادي صاحب المحبر الكبير في صفاته: آدم اللون، حسن الوجه، ضخم الكراديس. واشتهر عليه السلام بالانزع البطين، أما في الصورة فيقال: رجل أنزع: بين النزع، وهو الذي انحسر الشعر عن جانبي جبهته، وموضعه النزعة، وهما النزعتان، ولا يقال لامرأة: نزعاء، ولكن زعراء. والبطين: الكبير البطن. وأما المعنى فان نفسه نزعت [يقال: نزع إلى أهله ينزع نزاعا: اشتاق، ونزع عن الامور نزوعا: انتهى عنها (2)] عن ارتكاب الشهوات فاجتنبها، ونزعت إلى اجتناب السيئات فسد عليها مذهبها (3)، ونزعت إلى اكتساب الطاعات فأدركها حين طلبها، ونزعت إلى استصحاب الحسنات فارتدى بها وتجلببها. وامتلا علما فلقب بالبطين وأظهر بعضها وأبطن بعضها حسبما اقتضاه علمه الذي عرف به الحق اليقين. أما ما ظهر من علومه فأشهر من الصباح، وأسير في الآفاق من سرى الرياح. وأما ما بطن فقد قال: (بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الارشية في الطوى البعيدة (4) ".

 

(1) هو الحافظ أبو المؤيد وأبو محمد موفق بن أبى سعيد اسحاق بن المؤيد المكى الحنفي المعروف بأخطب خوارزم، كان فقيها غريز العلم حافظا طايل الشهرة، محدثا كثير الطرق خطيبا متمكنا في العربية، خبيرا على السيرة والتاريخ، له خطب وشعر مدون، وله تآليف جمة ممتعة. (2) * أقول: ما بين العلامتين اما جملة معترضة واما تعليقة كانت في الهامش فأثبتها النساخ في المتن (ب). (3) في المصدر وفي (ت) فسد عليه مذهبها. وفى (ض) فشد عليها مذهبهما (فسد عليه خ ل). (4) في هامش المصدر و (ك): اندمج: إذا دخل في الشئ واستتر فيه. والارشية: الحبال واحدها رشاء. والطوى: البئر المطوية. وقد نظم بعض الشعراء هذا المعنى فقال: من كان قد عرقته مدية دهره * ومرت له اخلاف سم منقع فليعتصم بعرى الدعاء ويبتهل * بامامه الهادى البطين الانزع نزعت عن الاثام طرا نفسه * ورعا فمن كالا نزع المتورع وحوى العلوم عن النبي وراثة * فهو البطين لكل علم مودع وهو الوسيلة في النجاة إذا لورى * رجفت قلوبهم لهول المجمع

 

[5]

ومما ورد في صفته عليه السلام ما أورده صديقنا العز (1) المحدث، وذلك حين طلب منه السعيد بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل أن يخرج أحاديث صحاحا وشيئا مما ورد في فضائل أمير المؤمنين وصفاته عليه السلام، وكتب على أتوار الشمع (2) الاثني عشر التي حملت إلى مشهده عليه السلام وأنا رأيتها، قال: كان ربعة من الرجال، أدعج العينين، حسن الوجه، كأنه القمر ليلة البدر حسنا، ضخم البطن، عريض المنكبين، شثن الكفين، أغيد، كأن عنقه إبريق فضة، أصلع، كث اللحية، لمنكبه مشاش كمشاش السبع الضاري، لا يبين عضده من ساعده وقد ادمجت إدماجا، إن أمسك بذراع رجل أمسك بنفسه فلم يستطع أن يتنفس شديد الساعد واليد، إذا مشى إلى الحرب هرول، ثبت الجنان، قوي، شجاع، منصور على من لاقاه (3) بيان، ذكر كمال الدين بن طلحة مثل ذلك في كتاب مطالب السؤول (4)، والظاهر أن علي بن عيسى نقل عنه وكذا ذكره صاحب (الفصول المهمة) سوى ما ذكر في تفسير الانزع البطين (5). ورجل ربعة أي مربوع الخلق لا طويل ولا قصير. والكراديس جمع الكردوس، وهو كل عظمين التقيا في مفصل المنكبين والركبتين والوركين. والغيد: النعومة. وكث الشئ أي كثف. 3 - يب: ولد عليه السلام بمكة في البيت الحرام في يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب بعد عام الفيل بثلاثين سنة، وقبض عليه السلام قتيلا بالكوفة ليلة الجمعة لتسع ليال بقين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، وله يومئذ ثلاث وستون سنة. وامه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وهو أول هاشمي ولد في الاسلام من هاشميين، وقبره بالغري من نجف الكوفة (6).

 

(1) يعنى: عز الدين. (2) في هامش (ك): الاتوار جمع تور، وهو اناء من صفر أو حجارة كالاجانة، وكأنه المراد هنا ما ينصب فيه الشمع. (3) كشف الغمة: 23. (4) راجع ج 1: 33. (5) راجع ص 110 و 111. (6) التهذيب 2: 7.

 

[6]

بيان: قوله: (أول هاشمي) ليس بسديد إذا إخوته كانوا كذلك وكانوا أكبر منه كما سيأتي. وقوله (ولد في الاسلام) لا ينفع في ذلك، بل هو أيضا لا يستقيم، إذ لو كان مراده بعد البعثة فولادته عليه السلام كان قبله، ولو كان مراده بعد ولادة الرسول صلى الله عليه واله فإخوته أيضا كذلك، مع أن هذا الاصطلاح غير معهود. والاصوب أن يقول كما قال شيخه المفيد رحمه الله (1). ويمكن أن تحمل الاولية على الاضافية. 4 - كا: ولد عليه السلام بعد عام الفيل بثلاثين سنة، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وهو أول هاشمي ولده هاشم مرتين (2). 5 - كا: الحسين بن محمد، عن محمد بن يحيى الفارسي، عن أبي حنيفة محمد بن يحيى، عن الوليد بن أبان، عن محمد بن عبد الله بن مسكان، عن أبيه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن فاطمة بنت أسد جاءت إلى أبي طالب لتبشره بمولد النبي صلى الله عليه واله فقال أبو طالب: اصبري سبتا [آتيك] ابشرك بمثله (3) إلا النبوة. وقال: السبت ثلاثون سنة، وكان بين رسول الله صلى الله عليه واله وأمير المؤمنين عليه السلام ثلاثون سنة (4). 6 - كا: بعض أصحابنا عمن ذكره، عن ابن محبوب، عن عمر بن أبان الكلبي، عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لما ولد رسول الله صلى الله عليه واله فتح لآمنة بياض فارس وقصور الشام، فجاءت فاطمة بنت أسد ام أمير المؤمنين عليه السلام إلى أبي طالب ضاحكة مستبشرة فأعلمته ما قالت آمنة، فقال لها أبو طالب: وتتعجبين من هذا ؟ إنك تحبلين (5) وتلدين بوصيه ووزيره (6). 7 - مصبا: ذكر ابن عياش أن اليوم الثالث عشر من رجب كان مولد أمير المؤمنين

 

(1) راجع الرواية 13 ص 17 * أقول: بل الصواب أن يقال: (وامه فاطمة بنت اسد بن هاشم بن عبد مناف وهى اول هاشمية ولدت لهاشمي) كما في اكثر المتون التاريخية وسياتى نقله عن شرح النهج في آخر الباب الثالث، نعم يتفرع على ذلك ان اول من ولد بين هاشميين طالب ثم عقيل ثم جعفر ثم على عليه السلام (ب). (2) اصول الكافي 1: 452. (3) في المصدر: اصبري سبتا ابشرك بمثله. (4) اصول الكافي 1: 452 و 453. (5) في (ك): لتحبلين. (6) اصول الكافي 1: 454.

 

[7]

عليه السلام في الكعبة قبل النبوة باثنتي عشرة سنة (1). وروي عن عتاب بن اسيد (2) أنه قال: ولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بمكة في بيت الله الحرام يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب، وللنبي صلى الله عليه واله ثمان وعشرون سنة، قبل النبوة باثنتي عشرة سنة (3). وروى صفوان الجمال عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام قال: ولد أمير المؤمنين عليه السلام في يوم الاحد لسبع خلون من شعبان (4). 8 - قل: روي أن يوم ثالث عشر شهر رجب كان مولد مولانا أبي الحسن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في الكعبة قبل النبوة باثنتي عشرة سنة (5). 9 - أقول: قال الشهيد رحمه الله في الدروس: علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، وأبو طالب وعبد الله أخوان للابوين، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وهو وإخوته أول هاشمي ولد بين هاشميين، ولد يوم الجمعة ثالث عشر شهر رجب، وروي سابع شهر شعبان بعد مولد النبي صلى الله عليه واله بثلاثين سنة، انتهى (6). 10 - أقول: وقد قيل إنه عليه السلام ولد في الثالث والعشرين من شعبان. وقال علي بن محمد المالكي في الفصول المهمة: كان ولدا أبو طالب طالبا ولا عقب له، وعقيلا وجعفرا وعليا، وكل واحد أسن من الآخر بعشر سنين، وأم هانئ - واسمها فاختة - وأمهم جميعا فاطمة بنت أسد، هكذا ذكر موفق بن أحمد الخوارزمي في كتاب المناقب، ولد بمكة

 

(1) المصباح الكبير: 60 ه‍. (2) قال في اسد الغابة (3: 358): عتاب بن اسيد أسلم يوم فتح مكة، واستعمله النبي على مكة بعد الفتح لما سار إلى حنين، وكان عمره حين ولاه نيفا وعشرين سنة، ولم يزل على مكة إلى ان توفى رسول الله صلى الله عليه وآله وأقره أبو بكر إلى ان مات. وقال الواقدي: توفى يوم مات أبو بكر في 13 ه‍. (3) لم نجده في المصباح الكبير ولعله في المصباح الصغير وهو مخطوط. (4) المصباح الكبير: 593. (5) اقبال الاعمال: 655. (6) الدروس.

 

[8]

المشرفة داخل البيت الحرام في يوم الجمعة، الثالث عشر من شهر الله الاصم رجب سنة ثلاثين من عام الفيل قبل الهجرة بثلاث وعشرين سنة - وقيل بخمس وعشرين - وقبل المبعث (1) باثنتي عشرة سنة - وقيل بعشر سنين - ولم يولد في البيت الحرام قبله أحد سواه، وهي فضيلة خصه الله تعالى بها إجلالا له وإعلاء لمرتبته وإظهارا لكرامته (2)، وكان هاشميا من هاشميين، وأول من ولده هاشم مرتين، وكان مولده بعد أن دخل رسول الله صلى الله عليه واله بخديجة بثلاث سنين، وكان عمر رسول الله صلى الله عليه واله يوم ولادة علي ثماني وعشرين سنة، انتهى كلام المالكي (3) 11 - ع، مع، نى: الدقاق عن الاسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن ثابت بن دينار، عن سعيد بن جبير قال: قال يزيد بن قعنب: كنت جالسا مع العباس بن عبد المطلب وفريق من عبد العزى (4) بإزاء بيت الله الحرام إذ أقبلت فاطمة بنت أسد ام أمير المؤمنين عليه السلام وكانت حاملة (5) به لتسعة أشهر، وقد أخذها الطلق، فقالت: رب إني مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب، وإني مصدقة بكلام جدي إبراهيم الخليل، وإنه بنى البيت العتيق، فبحق الذي بنى هذا البيت (6) وبحق المولود الذي في بطني لما يسرت علي ولادتي. قال يزيد بن قعنب: فرأينا البيت وقد انفتح عن ظهره (7) ودخلت فاطمة فيه (8) وغابت عن أبصارنا، والتزق الحائط، فرمنا أن ينفتح لنا قفل الباب فلم ينفتح، فعلمنا أن ذلك أمر من أمر الله عز و

 

(1) في المصدر: البعث. (2) في المصدر: لتكرمته. (3) الفصول المهمة: 12 و 13 (4) في المعاني والبشائر وكشف اليقين: من بنى عبد العزى. وفى العلل: فريق بن عبد العزى وهو مصحف. (5) في الروضة والبشائر وكشف اليقين: وكانت حاملا. (6) في المعاني: فبحق النبي الذى بنى هذا البيت. (7) في المعاني: وقد انفتح من ظهره. (8) ليست كلمة (فيه) في البشائر والعلل.

 

[9]

جل (1)، ثم خرجت بعد الرابع وبيدها أمير المؤمنين عليه السلام ثم قالت: إني فضلت على من تقدمني من النساء لان آسية بنت مزاحم عبدت الله عزوجل سرا في موضع لا يحب (2) أن يعبد الله فيه إلا اضطرارا، وإن مريم بنت عمران هزت النخلة اليابسة بيدها حتى أكلت منها رطبا جنيا، وإني دخلت بيت الله الحرام فأكلت (3) من ثمار الجنة وأرواقها (4)، فلما أردت (5) أن أخرج هتف بي هاتف، يا فاطمة سميه عليا فهو علي، والله العلي الاعلى يقول: إني شققت اسمه من اسمي، وأدبته بأدبي، ووقفته على غامض علمي (6)، وهو الذي يكسر الاصنام في بيتي، وهو الذي يؤذن فوق ظهر بيتي، ويقدسني ويمجدني، فطوبى لمن أحبه وأطاعه، وويل لمن أبغضه وعصاه (7) ضه: عن يزيد بن قعنب مثله (8). بيان: وقفته على ذنبه - على بناء المجرد - أي أطلعته عليه. أقول: روى العلامة رحمه الله في كشف اليقين (9) وكشف الحق (10) هذه الرواية من كتاب بشائر المصطفى (11) عن يزيد بن قعنب مثله، وزاد في آخره: قالت: فولدت عليا و لرسول الله صلى الله عليه واله ثلاثون سنة، وأحبه رسول الله صلى الله عليه واله حبا شديدا، وقال لها: اجعلي مهده بقرب فراشي، وكان رسول الله صلى الله عليه واله يلي (12) أكثر تربيته، وكان يطهر عليا في وقت غسله

 

(1) في العلل: امر من الله تعالى. وفى البشائر: أمر من الله عزوجل. (2) في (ض): لا يجب. (3) في العلل: واكلت. (4) في العلل والبشائر: وأرزاقها وفى (ك) و (ت): واوراقها. (5) في العلل: فلما أن اردت. (6) في الامالى: ووقفته غامض علمي. وفى البشائر: وأو قفته غوامض علمي. (7) علل الشرائع: 56. معاني الاخبار: 62 امالي الصدوق: 80 وفى العلل: ويل لمن عصاه وأبغضه. (8) روضة الواعظين: 67. (9) ص: 6. (10) ص:. (11) ص: 9. (12) في المصدر: يولى على اكثر تربيته.

 

[10]

ويوجره اللبن (1) عند شربه، ويحرك مهده عند نومه، ويناغيه في يقظته، ويحمله على صدره ويقول: هذا أخي ووليي وناصري وصفيي وذخري وكهفي وظهري وظهيري (2) و وصيي، وزوج كريمتي، وأميني على وصيتي، وخليفتي، وكان يحمله دائما ويطوف به جبال مكة وشعابها وأوديتها. 12 - ضه: قال جابر بن عبد الله الانصاري: سألت رسول الله صلى الله عليه واله عن ميلاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: آه آه لقد سألتني عن خير مولود ولد بعدي على سنة المسيح عليه السلام، إن الله تبارك وتعالى خلقني وعليا من نور واحد قبل أن خلق الخلق بخمسمأة ألف عام، فكنا نسبح الله ونقدسه، فلما خلق الله تعالى آدم قذف بنا في صلبه، واستقررت أنا في جنبه الايمن وعلي في الايسر، ثم نقلنا من صلبه في الاصلاب الطاهرات إلى الارحام الطيبة، فلم نزل كذلك حتى أطلعني الله تبارك وتعالى من ظهر طاهر وهو عبد الله بن عبد المطلب فاستودعني خير رحم وهي آمنة، ثم أطلع الله تبارك و تعالى عليا من ظهر طاهر وهو أبو طالب واستودعه خير رحم وهي فاطمة بنت أسد. ثم قال: يا جابر ومن قبل أن وقع علي في بطن امه كان في زمانه رجل عابد راهب يقال له المثرم بن دعيب بن الشيقتام (3)، وكان مذكورا في العبادة، قد عبد الله مأة و تسعين سنة ولم يسأله حاجة، فسأل ربه أن يريه وليا له، فبعث الله تبارك وتعالى بأبي طالب إليه، فلما أن بصربه المثرم قام إليه فقبل رأسه وأجلسه بين يديه، فقال: من أنت يرحمك الله ؟ قال: رجل من تهامة، فقال: من أي تهامة ؟ قال: من مكة، قال ممن ؟ قال من عبد مناف، قال: من أي عبد مناف ؟ قال: من بني هاشم، فوثب إليه الراهب و قبل (4) رأسه ثانيا وقال: الحمد لله الذي أعطاني مسألتي ولم يمتني حتى أراني وليه، ثم قال (5) أبشر يا هذا فإن العلي الاعلى قد ألهمني إلهاما فيه بشارتك، قال أبو طالب:

 

(1) أي يجعله في فيه. (2) ليست كلمة (ظهيري) في المصدر ولا في النسخ المخطوطة. (3) في المصدر: رعيب بن شيقنام. وفى الفضائل: رغيب الشيقبان. (4) في المصدر: فقيل. (5) في المصدر: ثم قال له اه‍.

 

[11]

وما هو ؟ قال: ولد يخرج من صلبك هو ولي الله تبارك اسمه وتعالى ذكره، وهو إمام المتقين ووصي رسول رب العالمين (1)، فإن أدركت ذلك الولد فاقرءه مني السلام وقل له: إن المثرم بقرء عليك السلام (2) وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأنك وصيه حقا، بمحمد يتم النبوة وبك يتم الوصية (3). قال: فبكى أبو طالب وقال له: ما اسم هذا المولود ؟ قال: اسمه علي، فقال أبو طالب إني لا أعلم حقيقة ما تقوله إلا ببرهان بين ودلالة واضحة، قال المثرم: فما تريد أن أسأل الله لك أن يعطيك في مكانك ما يكون دلالة لك ؟ قال أبو طالب: اريد طعاما من الجنة في وقتي هذا، فدعا الراهب بذلك فما استتم دعاؤه حتى اتي بطبق عليه من فاكهة الجنة (4) رطبه وعنبة ورمان، فتناول أبو طالب منه رمانة ونهض فرحا من ساعته حتى رجع إلى منزله فأكلها فتحولت ماء في صلبه، فجامع فاطمة بنت أسد فحملت بعلي عليه السلام وارتجت الارض وزلزلت بهم أياما حتى لقيت قريش من ذلك شدة وفزعوا وقالوا: قوموا بآلهتكم إلى ذروة أبي قبيس حتى نسألهم أن يسكنوا ما نزل بكم وحل بساحتكم، فلما اجتمعوا على ذروة جبل أبي قبيس فجعل يرتج ارتجاجا حتى (5) تد كد كت بهم صم الصخور وتناثرت، وتساقطت الآلهة على وجهها، فلما بصروا بذلك قالوا: لا طاقة لنا بما حل بنا، فصعد أبو طالب الجبل وهو غير مكترث بما هم فيه، فقال: أيها الناس (6) إن الله تبارك وتعالى قد أحدث في هذه الليلة حادثة، وخلق (7) فيها خلقا، إن لم تطيعوه ولم تقروا بولايته وتشهدوا بإمامته لم يسكن ما بكم ولا يكون لكم بتهامة مسكن، فقالوا:

 

(1) في المصدر: ووصى رسول الله. وفى الفضائل، ووصى رسول رب العالمين. وفى (م) و كذا (ح) ووصى رسول الله رب العالمين. (2) في المصدر: يقرؤك السلام. (3) في المصدر: وكذا في الفضائل: (تتم) في الموضعين. (4) في المصدر: من فواكه الجنة. (5) ليست في المصدر كلمة (حتى) (6) في المصدر: يا ايها الناس. (7) في المصدر: خلق.

 

[12]

يا أبا طالب إنا نقول بمقالتك، فبكى أبو طالب ورفع يده إلى الله عزوجل (1) وقال: (إلهي وسيدي أسألك بالمحمدية المحمودة وبالعلوية العالية وبالفاطمية البيضاء إلا تفضلت على تهامة بالرأفة والرحمة) فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة لقد كانت العرب تكتب هذه الكلمات فتدعو بها عند شدائدها في الجاهلية وهي لا تعلمها ولا تعرف حقيقتها. فلما كانت الليلة التي ولد (2) أمير المؤمنين عليه السلام أشرقت السماء بضيائها، وتضاعف نور نجومها، وأبصرت من ذلك قريش عجبا، فهاج (3) بعضها في بعض وقالوا: قد أحدث في السماء حادثة، وخرج أبو طالب وهو (4) يتخلل سكك مكة وأسواقها ويقول: يا أيها الناس تمت حجة الله، وأقبل الناس يسألونه عن علة ما يرونه من إشراق السماء وتضاعف نور النجوم، فقال لهم (5): أبشروا فقد ظهر في هذه الليلة ولي من أولياء الله يكمل الله فيه خصال الخير، ويختم به الوصيين، وهو إمام المتقين، وناصر الدين، وقامع المشركين وغيظ المنافقين، وزين العابدين، ووصي رسول رب العالمين، امام هدى، ونجم على، و مصباح دجى (6)، ومبيد الشرك والشبهات، وهو نفس اليقين ورأس الدين، فلم يزل يكرر هذه الكلمات والالفاظ إلى أن أصبح، فلما أصبح غاب عن قومه أربعين صباحا. قال جابر: فقلت: يا رسول الله (7) إلى أين غاب ؟ قال: إنه مضى يطلب المثرم، كان (8) وقد مات في جبل اللكام، فاكتم يا جابر فإنه من أسرار الله المكنونة (9) وعلومه

 

(1) في المصدر: ورفع إلى الله تعالى يديه. (2) في المصدر: ولد فيها. (3) فماج ظ (ب). (4) ليست في المصدر كلمة (هو). (5) ليست في المصدر كلمة (لهم). (6) كذا في المصدر، وفى نسخ الكتاب (ومفتاح دجى) والظاهر انه مصحف. (7) في (م) و (ح): قال جابر: فقل يا رسول الله. (8) ليست في المصدر كلمة (كان). (9) في المصدر: المكتومة.

 

[13]

المخزونة، إن المثرم (1) كان وصف لابي طالب كهفا في جبل اللكام (2) وقال له: إنك تجدني هناك (3) ؟ يا أو ميتا، فلما مضى أبو طالب إلى ذلك الكهف ودخل إليه وجد المثرم ميتا جسدا ملفوفة مدرعة (4) مسجى بها إلى قبلته، فإذا هناك حيتان: إحداهما بيضاء والاخرى سوداء، وهما يدفعان عنه الاذى، فلما بصرتا بأبي طالب غربتا في الكهف، ودخل أبو طالب إليه فقال: السلام عليك يا ولي الله ورحمة الله وبركاته، فأحيا الله تبارك وتعالى بقدرته المثرم فقام قائما يمسح وجهه وهو يقول: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عليا ولي الله والامام بعد نبي الله). فقال أبو طالب: أبشر فإن عليا فقد طلع إلى الارض، فقال: ما كانت علامة الليلة التي طلع فيها ؟ قال أبو طالب: لما مضى من الليل الثلث أخذت فاطمة (5) ما يأخذ النساء عند الولادة، فقلت لها: ما بالك (6) يا سيدة النساء ؟ قالت: إني أجد وهجا، فقرأت عليها الاسم الذي فيه النجاة فسكنت، فقلت لها: إني أنهض فأتيك بنسوة من صواحبك يعنك (7) على أمرك في هذه الليلة، فقالت (8): رأيك يا با طالب، فلما قمت لذلك إذا أنا بهاتف هتف من زاوية البيت وهو يقول: أمسك يا أبا طالب فإن ولي الله لا تمسه يد نجسة، وإذا أنا بأربع نسوة يدخلن (9) عليها، وعليهن ثياب كهيئة الحرير الابيض، وإذا رائحتهن أطيب من المسك الاذفر، فقلن لها: السلام عليك يا ولية الله، فأجابتهن ثم جلسن بين يديها ومعهن جؤنة (10) من فضة، وأنسنها (11) حتى ولد أمير المؤمنين عليه السلام

 

(1) في المصدر: وأن المثرم. (2) كغراب ورمان يسامت حمأة وشيزر وأفامية ويمتد شمالا إلى صهيون والشفر وبكاس وينتهى عند أنطاكية (القاموس). (3) كذا في المصدر و (ح) وفى سائر نسخ الكتاب (تحمدني هناك) وهو مصحف. (4) في المصدر: ملفوفا في مدرعته. (5) في المصدر: اخذت فاطمة فيها اه‍. (6) في المصدر: مالك. (7) في المصدر: تعينك. (8) في المصدر: قالت. (9) في المصدر: دخلن. (10) الجؤنة - بضم الجيم - سليلة مغشاة ادما تكون مع العطارين. (11) في المصدر: فانسنها.

 

[14]

فلما ولد انتهيت إليه (1) فإذا هو كالشمس الطالعة وقد سجد على الارض وهو يقول: (أشهد أن لا إله إلا الله (2) وأن محمدا رسول الله وأشهد أن عليا وصي محمد رسول الله، وبمحمد يختم الله النبوة وبي يتم الوصية، وأنا أمير المؤمنين). فأخذته واحدة منهن من الارض ووضعته في حجرها، فلما نظر علي في وجهها ناداها بلسان ذلق ذرب: السلام عليك يا اماه، فقالت: وعليك يا بني (3) فقال: ما خبر والدي ؟ قالت: في نعم الله ينقلب، وصحبته يتنعم، فلما سمعت ذلك لما تمالكت (4) أن قلت: يا بني ألست بأبيك ؟ قال: بلى ولكني وإياك من صلب آدم، وهذه امي حواء، فلما سمعت ذلك غطيت رأسي بردائي وألقيت نفسي في زاوية البيت حياء منها، ثم دنت اخرى ومعها جؤنة فأخذت عليا فلما نظر إلى وجهها قال: السلام عليك يا اختي، قالت: وعليك السلام يا أخي، قال: فما خبر عمي ؟ قالت: خير وهو يقرء (5) عليك السلام، فقلت: يا بني أي اخت هذه وأي عم هذا ؟ قال: هذه مريم ابنة (6) عمران وعمي عيسى ابن مريم، وطيبته بطيب كان في الجؤنة، فأخذته اخرى منهن فأدرجته في ثوب كان معها، قال أبو طالب فقلت: لو طهرناه لكان أخف عليه، وذلك أن العرب كانت تطهر أولادها (7)، فقالت: يا أبا طالب إنه ولد طاهرا مطهرا، لا يذيقه حر الحديد في الدنيا إلاعلى يد رجل (8) يبغضه الله ورسوله وملائكته والسموات والارض والبحار (9)، وتشتاق إليه النار، فقلت: من هذا الرجل ؟ فقلن: ابن ملجم المرادي لعنه الله، وهو قاتله في الكوفة سنة ثلاثين من وفاة محمد صلى الله عليه واله،

 

(1) كذا في المصدر وفى نسخ الكتاب: (انتهيت إلينا) وهو مصحف. (2) في المصدر: واشهد أن. (3) في المصدر: وعلي