بحار الانوار الجزء
32
العلامة المجلسي
[1]
بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة
الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس
الله سره " الجزء الثاني والثلاثون
[5]
بسم الله الرحمن الرحيم أبواب ما جرى بعد
قتل عثمان من الفتن والوقايع والحروب وغيرها [الباب الاول] باب بيعة أمير المؤمنين
عليه السلام وما جرى بعدها من نكث الناكثين إلى غزوة الجمل 1 - أقول: قال ابن أبي
الحديد في شرح النهج قال علي عليه السلام للزبير يوم بايعه: إني لخائف أن تغدر بي
فتنكث بيعتي ؟ ! قال: لا تخافن فإن ذلك لا يكون مني أبدا. فقال علي عليه السلام:
فلي الله عليك بذلك راع وكفيل ؟ قال: نعم الله لك علي بذلك راع وكفيل. ولما بويع
عليه السلام كتب إلى معاوية: أما بعد فإن الناس قتلوا عثمان عن غير مشورة مني
وبايعوني عن مشورة منهم وإجتماع فإذا أتاك كتابي فبايع لي وأوفد إلي [في] أشراف أهل
الشام قبلك. فلما قدم رسوله على معاوية وقرأ كتابه بعث رجلا من بني عبس وكتب معه
كتابا إلى الزبير بن العوام وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله الزبير أمير
المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان سلام عليك أما بعد فإني قد بايعت لك أهل الشام
فأجابوا واستوثقوا الحلف فدونك الكوفة والبصرة لا يسبقنك لها ابن أبي طالب فإنه لا
شئ بعد
1 - ذكره ابن أبي الحديد في شرح المختار:
(8) من نهج البلاغة من شرحه: ج 1، ص 230 ط 1 مصر، وفي ط الحديث ببيروت ص 190.
[6]
هذين المصرين وقد بايعت لطلحة بن عبيد
الله من بعدك فأظهرا الطلب بدم عثمان وادعوا الناس إلى ذلك وليكن منكما الجد
والتشمير أظهركما الله وخذل مناوئكما. فما وصل هذا الكتاب إلى الزبير سر به وأعلم
به طلحة وأقرأه إياه فلم يشكا في النصح لهما من قبل معاوية وأجمعا عند ذلك على خلاف
علي. قال: وجاء الزبير وطلحة إلى علي عليه السلام بعد البيعة له بأيام فقالا له: يا
أمير المؤمنين قد رأيت ما كنا فيه من الجفوة في ولاية عثمان كلها وعلمت [أن] رأي
عثمان كان في بني أمية وقد ولاك الله الخلافة من بعده فولنا بعض أعمالك. فقال لهما:
ارضيا بقسم الله لكما حتى أرى رأيي واعلما أني لما أشرك في أمانتي إلا من أرضى
بدينه وأمانته من أصحابي ومن قد عرفت دخيله. فانصرفا عنه وقد دخلهما اليأس
فاستأذناه في العمرة. وروي أنهما طلبا منه أن يوليهما المصرين البصرة والكوفة فقال:
حتى أنظر. ثم لم يولهما فأتياه فاستأذناه للعمرة فقال: " ما العمرة تريدان " فحلفا
له بالله ما الخلاف عليه ولا نكث بيعته يريدان وما رأيهما غير العمرة قال لهما:
فأعيدا البيعة لي ثانيا فأعاداها بأشد ما يكون من الايمان والمواثيق فأذن لهما.
فلما خرجا من عنده قال لمن كان حاضرا: والله لا ترونهما إلا في فئة يقتتلان فيها.
قالوا: يا أمير المؤمنين فمر بردهما عليك قال: ليقضي الله أمرا كان مفعولا. فلما
خرجا إلى مكة لم يلقيا أحدا إلا وقالا له: ليس لعلي في أعناقنا بيعة وإنما بايعناه
مكرهين. فبلغ عليا قولهما فقال: أبعدهما الله وأغرب دارهما أما والله لقد علمت
أنهما سيقتلان أنفسهما أخبث مقتل ويأتيان من وردا عليه بأشأم يوم والله ما العمرة
يريدان ولقد أتياني بوجهي فاجرين ورجعا بوجهي غادرين ناكثين والله لا يلقيانني بعد
اليوم إلا في كتيبة خشناء يقتلان فيها أنفسهما فبعدا لهما وسحقا.
[7]
2 - وقال ابن الاثير في الكامل: لما قتل
عثمان اجتمع أصحاب رسول الله من المهاجرين والانصار وفيهم طلحة والزبير فأتوا عليا
فقالوا له: لا بد للناس من إمام قال: لا حاجة لي في أمركم فمن أخترتم رضيت به
فقالوا: ما نختار غيرك وترددوا إليه مرارا وقالوا له في آخر ذلك: إنا لا نعلم أحدا
أحق به منك لا أقدم سابقة ولا أقرب قرابة من رسول الله. فقال: لا تفعلوا فإني أكون
وزيرا خير من أن أكون أميرا، فقالوا: والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك. قال: ففي
المسجد فإن بيعتي لا يكون خفيا ولا تكون إلا في المسجد. وكان في بيته وقيل في حائط
لبني عمرو بن مبذول فخرج إلى المسجد وعليه إزار وطاق قميص وعمامة خز ونعلاه في يده
متوكئا على قوسه فبايعه الناس. وكان أول من بايعه من الناس طلحة بن عبيدالله فنظر
إليه حبيب بن ذؤيب فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون أول من بدء بالبيعة من الناس يد
شلاء لا يتم هذا الامر. فبايعه الزبير. وقال لهما علي: إن أحببتما أن تبايعا لي،
وإن أحببتما بايعتكما ؟ فقالا: بل نبايعك، وقالا بعد ذلك: إنما صنعنا ذلك خشية على
أنفسنا وعرفنا أنه لا يبايعنا ! ! وهربا إلى مكة بعد قتل عثمان بأربعة أشهر. وبايعه
الناس [بعدما بايعه طلحة والزبير]. وجاؤا بسعد بن أبي وقاص فقال علي: بايع. قال: لا
حتى يبايع الناس والله ما عليك مني بأس. فقال: خلوا سبيله. وجاؤا بابن عمر فقالوا:
بايع. فقال: لا حتى يبايع الناس. قال: ائتني بكفيل. قال: لا أرى كفيلا. قال الاشتر
2 - ومثله ذكره الطبري مسندا مع خصوصيات
أخر في عنوان: " خلافة أمير المؤمنين... وذكر الخبر عن بيعة من بايعه... " في حوادث
سنة: (35) من تاريخه: ج 4 ص 427 ط بيروت. وقريبا منه ذكر أيضا بأسانيد البلاذري في
عنوان: " بيعة علي بن أبي طالب عليه السلام " من كتاب أنساب الاشراف: ج 2 ص 205.
[8]
دعني أضرب عنقه، قال: دعوه أنا كفيله. إنك
ما علمت لسئ الخلق صغيرا وكبيرا. وبايعت الانصار إلا نفرا يسيرا منهم حسان بن ثابت
وكعب بن مالك وسلمة بن مخلد وأبو سعيد الخدري ومحمد بن مسلمة والنعمان بن بشير وزيد
بن ثابت وكعب بن مالك ورافع بن خديج وفضالة بن عبيد وكعب بن عجرة وكانوا عثمانية.
فأما النعمان بن بشير فإنه أخذ أصابع نائلة امرأة عثمان التي قطعت وقميص عثمان الذي
قتل فيه وهرب به فلحق بالشام فكان معاوية يعلق قيص عثمان وفيه الاصابع فإذا رؤا ذلك
أهل الشام ازدادوا غيظا وجدوا في أمرهم. وروي أنهم لما أتوا عليا ليبايعوه قال:
دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمرا له وجوه وله ألوان لا تقوم له القلوب ولا
تثبت عليه العقول (1). فقالوا: ننشدك الله ألا ترى ما نحن فيه ؟ ألا ترى الاسلام ؟
ألا ترى الفتنة ألا تخاف الله. فقال: قد أجبتكم واعلموا أني إن أجبتكم أركب بكم ما
أعلم فإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم إلا أني من أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه. ثم
افترقوا على ذلك واتعدوا الغد. فلما أصبحوا يوم البيعة وهو يوم الجمعة حضر الناس
المسجد وجاء علي عليه السلام فصعد المنبر وقال: أيها الناس عن ملا وإذن إن هذا
أمركم ليس لاحد فيه حق إلا من أمرتم وقد افترقنا بالامس على أمر وكنت كارها لامركم
فأبيتم إلا أن أكون عليكم ألا وإنه ليس لي دونكم إلا مفاتيح ما لكم معي وليس لي أن
آخذ درهما دونكم فإن شئتم قعدت لكم وإلا فلا آخذ على أحد فقالوا: نحن على ما
فارقناك عليه بالامس فقال: اللهم اشهد.
(1) وقريبا منه ورواه السيد الرضي رحمه
الله في المختار: (90) من خطب نهج البلاغة.
[9]
وبويع يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة
سنة خمس وثلاثين من الهجرة وأول خطبه خطبها علي عليه السلام حين استخلف حمد الله
وأثنى عليه ثم قال: إن الله أنزل كتابا هاديا بين فيه الخير والشر فخذوا بالخير
ودعوا الشر، الفرايض [الفرائض] أدوها إلى الله تؤدكم إلى الجنة. إن الله حرم حرمات
غير مجهولة وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها وشد بالاخلاص والتوحيد حقوق المسلمين
فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق [و] لا يحل أذى امرئ مسلم إلا بما
يجب، بادروا أمر العامة وخاصة أحدكم الموت فإن الناس أمامكم وإنما خلفكم الساعة
تحدوكم تخففوا تلحقوا فإنما ينتظر الناس بآخركم اتقوا الله عباد الله في عباده
وبلاده إنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم وأطيعوا الله ولا تعصوه فإذا رأيتم
الخير فخذوه وإذا رأيتم الشر فدعوه (1). 3 - شا: روت الخاصة والعامة عن أمير
المؤمنين صلوات الله عليه وذكر ذلك أبو عبيدة معمر بن المثنى وغيره ممن لا يتهمه
خصوم الشيعة في روايته أن أمير المؤمنين قال في أول خطبة خطبها بعد بيعة الناس له
على أمر وذلك بعد قتل عثمان بن عفان: أما بعد فلا يرعين مرع إلا على نفسه شغل من
الجنة والنار أمامه ساع مجتهد وطالب يرجو ومقصر في النار ثلاثة وإثنان ملك طار
بجناحيه ونبي أخذ الله بيديه لا سادس هلك من ادعى وردى من اقتحم.
(1) ومثله رواه الطبري عن السري عن شعيب،
عن سيف، عن سليمان بن أبي المغيرة، عن علي بن الحسين... ورواه بألفاظ أجود مما
روياه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (165) من باب خطب نهج البلاغة. 3 - رواه
الشيخ المفيد في الفصل: (13) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب
الارشاد، ص 136.
[10]
اليمين والشمال مضلة والوسطى الجادة منهج
عليه باقي الكتاب والسنة وآثار النبوة إن الله تعالى داوي هذه الامة بداوئين السوط
والسيف لا هوادة عند الامام فيهما فاستتروا ببيوتكم وأصلحوا فيما بينكم والتوبة من
ورائكم من أبدى صفحته للحق هلك. قد كانت أمور لم تكونوا عندي فيها معذورين أما إني
لو أشاء أن أقول: لقلت عفا الله عما سلف. سبق الرجلان وقام الثالث كالغراب همته
بطنه ويله [ويحه " خ "] لو قص جناحاه وقطع رأسه كان خيرا له. انظروا فإن أنكرتم
فأنكروا أن عرفتم فبادروا [فآزروا " خ "] حق وباطل ولكل أهل ولئن أمر الباطل
فلقديما فعل ولئن قل الحق فلربما ولعل وقل ما أدبر شئ فأقبل ولئن رجعلت إليكم
أموركم [نفوسكم " خ "] إنكم لسعداء وإني لاخشى أن تكونوا في فترة وما علي إلا
الاجتهاد. ألا وإن أبرار عترتي وأطائب أرومتي أحلم الناس صغارا وأعلم الناس كبارا.
ألا وإنا أهل بيت من علم الله علمنا وبحكم الله حكمنا يقول صادق أخذنا [من قول صادق
سمعنا " خ "]، فان تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا وإن لم تفعلوا. يهلككم الله
بأيدينا. معنا راية الحق من تبعها لحق ومن تأخر عنها غرق ألا وبنا تدرك ترة كل مؤمن
وبنا تخلع ربقة الذل من أعناقكم وبنا فتح الله لا بكم وبنا يختم لا بكم. 4 - أقول:
وفي النهج هكذا: شغل من الجنة والنار أمامه ساع سريع نجا
4 - رواه السيد الرضي بزيادات كثيرة في
المختار (16) من خطب نهج البلاغة.
[11]
وطالب بطئ رجا ومفصر في النار هوى اليمين
والشمال مضلة والطريق الوسطى هي الجادة عليها باقي الكتاب وآثار النبوة ومنها منفذ
السنة وإليها مصير العاقبة هلك من ادعى وخاب من افترى من أبدى صفحته للحق هلك عند
جهلة الناس وكفى بالمرء جهلا ان لا يعرف قدره لا يهلك على التقوى سنخ أصل ولا يظمأ
عليها زرع [حرث " خ "] قوم. فاستتروا ببيوتكم واصلحوا ذات بينكم والتوبة من ورائكم
فلا يحمد حامد الا ربه ولا يلم لائم إلا نفسه. 5 - روى ابن أبي الحديد عن الجاحظ من
كتاب البيان والتبيين عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال: أول خطبة خطبها أمير
المؤمنين علي عليه السلام بالمدينة في خلافته حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي
صلى الله عليه وسلم ثم قال: " ألا لا يرعين ". وساق الخطبة كما مر إلى قوله " وما
علينا إلا الاجتهاد " [ثم] قال: قال الجاحظ: وقال ابو عبيدة: وزاد فيها في رواية
جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام: ألا إن أبرار عترتي. إلى قوله: " وبنا يختم لا
بكم ". قال ابن أبي الحديد: قوله: " لا يرعين " أي لا يبقين [يقال:] أرعيت عليه أي
أبقيت يقول: من أبقى على الناس فإنما أبقى على نفسه. و " الهوادة ": الرفق والصلح
وأصله اللين والسهولة، والتهويد: المشي رويدا، وآزرت زيدا: أعنته، والترة: الوتر،
والربقة: الحبل يجعل في عنق الشاة. وردي: هلك من الردى كقولك: عمى من العمى [وشجي
من الشجى].
5 - رواه الجاحظ في المجلد الثالث من كتاب
البيان والتبيين ص 44 ط مصر، ورويناه عنه حرفيا في المختار: (56) من كتاب نهج
السعادة ج 1، ص 191، ط 2 وله مصادر كثيرة أشرنا إليها في ذيل المختار المشار إليه.
ورواه أيضا عنه حرفيا ابن أبي الحديد في شرح المختار: (16) من نهج البلاغة من شرحه:
ج 1، ص 224 ط بيروت.
[12]
وقوله: " شغل من الجنة والنار أمامه "
يريد به أن من كانت هاتان الداران أمامه لفي شغل عن أمور الدنيا إن كان رشيدا.
وقوله: " ساع مجتهد " إلى قوله: " لا سادس " كلام تقديره المكلفون على خمسة أقسام:
" ساع مجتهد وطالب راجع ومقصر هالك " ثم قال: ثلاثة أي فهو ثلاثة أقسام: وهذا ينظر
إلى قوله تعالى " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم
مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله " [32 / فاطر 35]. ثم ذكر القسمين: الرابع
والخامس فقال: هما ملك طار بجناحيه ونبي أخذ الله بيده. يريد عصمة هذين النوعين من
القبيح ثم قال: " لا سادس " أي لم يبق في المكلفين قسم سادس. وقوله: " هلك من ادعى
" يريد هلك من ادعى وكذب لابد من تقدير ذلك لان الدعوى يعم الصدق والكذب وكأنه
يقول: هلك من ادعى الامامة وردي من اقتحمها وولجها من غير استحقاق لان كلامه في هذه
الخطبة كله كنايات عن الامامة لا عن غيرها. وقوله: " اليمين والشمال [مضلة] " مثال
لان السالك الطريق المنهج اللاحب ناج والعادل عنها يمينا وشمالا معرض للخطر. وقوله
عليه السلام: " كالغراب " يعني في الحرص والجشع، والغراب يقع على الجيفة ويقع على
التمرة وعلى الحبة وفي المثل أشجع من غراب وأحرص من غراب. وقوله: " ويحه لو قص... "
يريد لو كان قتل أو مات قبل أن يتلبس بالخلافة لكان خيرا من أن يعيش ويدخل فيها. ثم
قال لهم: افكروا فيها قد قلت فإن كان منكرا فأنكروه، وإن كان حقا فأعينوا عليه.
وقوله: " استتروا في بيوتكم " نهي لهم عن العصبية والاجتماع والتحزب فقد كان قوم
بعد قتل عثمان تكلموا في قتله من شيعة بني امية بالمدينة.
[13]
وأما قوله: " قد كانت أمور " فمراده أمر
عثمان وتقديمه في الخلافة عليه. ومن الناس من يحمل ذلك على خلافة الشيخين أيضا
ويبعد عندي [أن يكون أراده] لان المدة قد كانت طالت ولم يبق من يعاتبه (1) ولسنا
نمنع من ان يكون في كلامه الكثير من التوجد والتألم لصرف الخلافة بعد وفاة رسول
الله صلى الله عليه وآله عنه، وإنما كلامنا الآن في هذه اللفظات التي في هذه الخطبة
على أن قوله: " سبق الرجلان " والاقتصار على ذلك فيه كفاية في انحرافه عنهما. وأما
قوله: " حق وباطل " إلى آخر الفصل فمعناه كل أمر إما حق وإما باطل ولكل واحد من
هذين أهل وما زال أهل الباطل أكثر من أهل الحق ولئن كان الحق قليلا فربما كثر ولعله
ينتصر أهله ثم قال على سبيل التضجر بنفسه " وقل ما أدبر شئ فأقبل " استبعد عليه
السلام أن تعود دولة قوم بعد زواها عنهم. ثم قال: " ولئن رجعت إليكم أموركم " أي إن
ساعدني الوقت وتمكنت من أن أحكم فيكم بحكم الله تعالى ورسوله وعادت إليكم أيام
شبيهة بأيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسيرة مماثلة لسيرته في أصحابه إنكم
لسعداء ثم قال: " وإني لاخشى أن تكونوا في فترة " الفترة هي الازمنة التي بين
الانبياء إذ: انقطعت الرسل فيها فيقول عليه السلام: إني لاحتى أن لا أتمكن من الحكم
بكتاب الله تعالى فيكم فتكونوا كالامم الذين في ازمنة الفترة لا يرجعون إلى نبي
يشافههم بالشرايع والاحكام وكأنه عليه السلام قد كان يعلم أن الامر سيضطرب عليه
(2).
(1) بل أكثر من مال - مع المائلين - إلى
الشيخين وبايعهما كانوا باقين بعد قتل عثمان، فقول هذا القائل هو القريب لا غير.
(2) علمه عليه السلام بما يعامل الناس معه وبما يؤول إليه أمره هو المستفاد من
محكمات الاخبار.
[14]
ثم قال: " وما علينا إلا الاجتهاد " يقول:
أنا أعمل بما يجب علي من الاجتهاد في القيام بالشريعة وعزل ولاة السوء عن المسلمين
فإن تم ما أريده فذاك وإلا كنت قد أعذرت. وأما التتمة المروية عن جعفر بن محمد
[عليهما السلام] فواضحة الالفاظ وقوله في آخرها: " وبنا يختم لا بكم " إشارة إلى
المهدي عليه السلام الذى يظهر في آخر الزمان من ولد فاطمة عليها السلام. 6 - أقول:
روى ابن ميثم رحمه الله تمام الخطبة هكذا: الحمد لله أحق محمود بالحمد، وأولاه
بالمجد، إلها واحدا صمدا، أقام أركان العرش، فأشرق بضوئه شعاع الشمس، خلق فأتقن،
وأقام فذلت له وطأة المستمكن. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن
محمدا عبده ورسوله، أرسله بالنور الساطع والضياء المنير، أكرم خلق الله حسبا
وأشرفهم نسبا لم يتعلق عليه مسلم ولا معاهد بمظلمة، بل كان يظلم. فأما بعد فإن أول
من بغى على الارض عناق ابنه آدم [و] كان مجلسها من الارض جريبا وكان لها عشرون
اصبعا وكان لها ظفران كالمنجلين فسلط الله عليها أسدا كالفيل وذئبا كالبعير ونسرا
كالحمار وكان ذلك في الخلق الاول فقتلها وقد قتل الله الجبابرة على أحسن أحوالهم
وإن الله أهلك فرعون وهامان وقتل قارون بذنوبهم. ألا وإن بليتكم قد عادت كهيئتها
يوم بعث الله نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة
ولتغربلن غربلة حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم وليسبقن سابقون كانوا قصروا،
وليقصرن سابقون.
6 - رواها رفع الله مقامه في شرح المختار:
(16) من خطب نهج البلاغة: ج 1، ص 297 ط 3.
[15]
كانوا سبقوا، والله ما كتمت وشمة، ولا
كذبت كذبة، ولقد نبئت بهذا اليوم وهذا المقام، ألا وأن الخطايا خيل شمس حمل عليها
أهلها وخلعت لجمها فتقحمت بهم في النار فهم فيها كالحون. ألا وإن التقوى مطايا ذلل
حمل عليها أهلها فسارت بهم تاودا حتى إذا جاؤا ظلا ظليلا فتحت أبوابها وقال لهم
خزنتها: سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين. ألا وقد سبقني إلى هذا الامر من لم أشركه
فيه ومن ليست له منه توبة - إلا بنبي مبعوث ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وآله
وسلم - أشفى منه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم. أيها الناس كتاب الله وسنة
نبيه صلى الله عليه وآله وسلم لا يرعى مرع إلا على نفسه، شغل من الجنة والنار
أمامه. ساع نجا وطالب يرجو ومقصر في النار ولكل أهل. ولئن أمر الباطل فقديما فعل،
ولئن قل الحق لربما ولعل، ولقلما أدبر شئ فأقبل، ولئن رد أمركم عليكم إنكم لسعداء
وما علينا إلا الجهد. قد كانت أمور مضت ملتم فيها ميلة كنتم عندي فيها غير محمودي
الرأي ولو أشاء أن أقول لقلت عفا الله عما سلف. سبق الرجلان وقام الثالث كالغراب
همه بطنه ويله لو قص جناحاه وقطع رأسه كان خيرا له، شغل من الجنة والنار أمامه. ساع
مجتهد وطالب يرجو ومقصر في النار - ثلاثة وإثنان: خمسة ليس فيهم سادس - [و] ملك طار
بجناحيه ونبي أخذ الله بضبعيه، هلك من ادعى وخاب من افترى. اليمين والشمال مضلة
ووسط الطريق المنهج، عليه باقى الكتاب وآثار النبوة.
[16]
الا وإن الله قد جعل أدب هذه الامة بالسوط
والسيف ليس عند إمام فيهم هوادة ! ! فاستتروا ببيوتكم وأصلحوا ذات بينكم والتوبة من
ورائكم من بعدى صفحته للحق هلك. الا وإن كل قطيعة أقطعها عثمان أو مال أخذه من بيت
مال المسلمين فهو مردود عليهم في بيت مالهم ولو وجدته قد تزوج به النساء وفرق في
البلدان فإنه إن لم يسعه الحق فالباطل أضيق عليه أقول قولي هذا وأستغفر الله لي
ولكم. 7 - وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج نقلا عن أبي جعفر الاسكافي قال: لما
أجتمعت الصحابة بعد قتل عثمان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أمر
الامامة أشار أبو الهيثم بن التيهان ورفاعة بن رافع ومالك بن العجلان وأبو أيوب
الانصاري وعمار بن ياسر بعلي عليه السلام وذكروا فضله وسابقته وجهاده وقرابته
فأجابهم الناس إليه فقام كل واحد منهم خطيبا يذكر فضل علي عليه السلام فمنهم من
فضله على أهل عصره خاصة ومنهم من فضله على المسلمين كلهم كافة. ثم بويع وصعد المنبر
في اليوم الثاني من يوم البيعة وهو يوم السبت لاحدى عشرة ليلة بقين من ذي الحجة
فحمد الله وأثنى عليه وذكر محمدا فصلى عليه ثم ذكر نعمة الله على أهل الاسلام ثم
ذكر الدنيا فزهدهم فيها وذكر الآخرة فرغبهم إليها ثم قال: أما بعد فإنه لما قبض
رسول الله صلى الله عليه وآله استخلف الناس أبا بكر ثم استخلف أبو بكر عمر فعمل
بطريقه ثم جعلها شورى بين ستة
7 - رواه ابن أبي الحديد في شرح المختار:
(91) من خطب نهج البلاغة: ج 7 ص 38 ط مصر، وفي ط الحديث بيروت: ج 2 ص 599. ورواه
أيضا باختصار محمد بن عبد الله الاسكافي المتوفى سنة: (240) من كتاب المعيار ؟
والموازنة ص 51 ط 1.
[17]
فأفضى الامر منهم إلى عثمان فعمل ما
أنكرتم وعرفتم ثم حصر وقتل ثم جئتموني فطلبتم إلي وإنما أنا رجل منكم لي ما لكم
وعلي ما عليكم وقد فتح الله الباب بينكم وبين أهل القبلة فأقبلت الفتن كقطع الليل
المظلم ولا يحمل هذا الامر إلا أهل الصبر والبصر والعلم بمواقع الامر وإني حاملكم
على منهج نبيكم صلى الله عليه وآله ومنفذ فيكم ما أمرت به إن إستقتم لي والله
المستعان. ألا إن موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله بعد وفاته كموضعي منه أيام
حياته، فامضوا لما تؤمرون به وقفوا عندما تنهون عنه، ولا تعجلوا في أمر حتى نبينه
لكم فإن لنا عن كل أمر منكر تنكرونه عذرا. ألا وإن الله عالم من فوق سمائه وعرشه
أني كنت كارها للولاية على أمة محمد صلى الله عليه وآله حتى اجتمع رأيكم على ذلك
لاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " أيما وال ولي الامر من بعدي أقيم
على حد الصراط ونشرت الملائكة صحيفته فإن كان عادلا أنجاه الله بعدله وإن كان جائرا
انتقض به الصراط حتى تتزايل مقاصله ثم يهوي إلى النار فيكون أول ما يتقيها به أنفه
وحر وجهه " ولكني لما اجتمع رأيكم لما يسعني ترككم. ثم التفت عليه السلام يمينا
وشمالا فقال: ألا لا يقولن رجال منكم غدا قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار وفجروا
الانهار وركبوا الخيول الفارهة واتخذوا الوصائف الروقة فصار ذلك عليهم عارا وشنارا
إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون فينقمون ذلك
ويستنكرون ويقولون: حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا. ألا وأيما رجل من المهاجرين
والانصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يرى أن الفضل له على من سواه
لصحبته فأن له الفضل النير غدا عند الله وثوابه وأجره على الله. وأيما رجل أستجاب
لله وللرسول فصدق ملتنا ودخل في ديننا واستقبل قبلتنا فقد استوجب حقوق الاسلام
وحدوده. فأنتم عباد الله والمال مال الله يقسم بينكم بالسوية لا فضل فيه لاحد على
[18]
أحد وللمتقين عند الله غدا أحسن الجزاء
وأفضل الثواب لم يجعل الله الدنيا للمتقين أجرا [جزاءا " خ "] ولا ثوابا وما عند
الله خير للابرار. وإذا كان غدا إنشاء الله فاغدوا علينا فأن عندنا مالا نقسمه فيكم
ولا يتخلفن أحد منكم عربي ولا عجمي كان من أهل العطاء أو لم يكن إلا حضر إذا كان
مسلما حرا أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم. ثم نزل. قال أبو جعفر: وكان
هذا أول ما أنكروه من كلامه عليه السلام وأورثهم الضغن عليه وكراهوا عطاءه وقسمه
بالسوية. فلما كان من الغد غدا وغدا الناس لقبض المال فقال لعبيد الله بن أبي رافع
كاتبه: ابدأ بالمهاجرين فنادهم وأعط كل رجل ممن حضر ثلاثة دنانير ثم ثن بالانصار
فافعل معهم مثل ذلك ومن يحضر من الناس كلهم الاحمر والاسود فاصنع به مثل ذلك. فقال
سهل بن حنيف: يا أمير المؤمنين هذا غلامي بالامس وقد اعتقته اليوم. فقال: نعطيه كما
نعطيك فأعطى كل واحد منهما ثلاثة دنانير ولم يفضل أحدا على أحد. وتخلف عن هذا القسم
يومئذ طلحة والزبير وعبد الله بن عمر وسعيد بن العاص ومروان بن الحكم ورجال من قريش
وغيرها. قال: وسمع عبيد الله بن أبي رافع عبد الله بن الزبير يقول لابيه وطلحة
ومروان وسعيدا: ما خفي علينا أمس من كلام علي ما يريد ؟ فقال سعيد بن العاص -
والتفت إلى زيد بن ثابت -: إياك أعني واسمعي يا جارة فقال ابن أبي رافع لسعيد وابن
الزبير: إن الله يقول في كتابه " ولكن أكثرهم للحق كارهون " [43 / الزخرف]. ثم إن
ابن أبي رافع أخبر عليا عليه السلام بذلك فقال: والله إن بقيت وسلمت لهم لاقيمنهم
على المحجة البيضاء والطريق الواضح قاتل الله ابن
[19]
العاص لقد عرف من كلامي ونظري إليه أمس
أني أريده وأصحابه ممن هلك فيمن هلك. قال: فبينا الناس في المسجد بعد الصبح إذ طلع
الزبير وطلحة فجلسا ناحية عن علي عليه السلام ثم طلع مروان وسعيد وعبد الله بن
الزبير فجلسوا إليهما ثم جاء قوم من قريش فانضموا إليهم فتحدثوا نجيا ساعة ثم قام
الوليد بن عقبة فجاء إلى علي عليه السلام فقال: يا أبا الحسن إنك قد وترتنا جميعا
أما أنا فقتلت أبي يوم بدر صبرا وخذلت أخي يوم الدار بالامس وأما سعيد فقتلت أباه
يوم بدر في الحرب وكان ثور قريش وأما مروان فسخفت أباه عند عثمان إذ ضمه إليه ونحن
إخوتك ونظراؤك من بني عبد مناف ونحن نبايعك اليوم على أن تضع عنا ما أصبناه من
المال في أيام عثمان وأن تقتل قتلته وإنا إن خفناك تركتنا والتحقنا بالشام. فقال
عليه السلام: أما ما ذكرتم من وتري إياكم فالحق وتركم. وأما وضعي عنكم ما أصبتم
فليس لي أن أضع حق الله عنكم ولا عن غيركم. وأما قتلي قتلة عثمان فلو لزمني قلتهم
اليوم لقتلتهم أمس ولكن لكم علي إن خفتموني أن أؤمنكم وإن خفتكم أن أسيركم. فقام
الوليد إلى أصحابه فحدثهم وافترقوا على إظهار العداوة وإشاعة الخلاف. فلما ظهر ذلك
من أمرهم قال عمار بن ياسر لاصحابه: قوموا بنا إلى هؤلاء النفر من إخوانكم فإنه قد
بلغنا عنهم ورأينا منهم ما نكره من الخلاف والطعن على إمامهم وقد دخل أهل الجفاء
بينهم وبين الزبير والاعسر العاق يعني طلحة. فقام أبو الهيثم وعمار وأبو أيوب وسهل
بن حنيف وجماعة معهم فدخلوا على علي عليه السلام فقالوا: يا أمير المؤمنين انظر في
أمرك وعاتب قومك هذا الحى من قريش فإنهم قد نقضوا عهدك وأخلفوا وعدك وقد دعونا في
السر إلى
[20]
رفضك هداك الله لرشدك، وذاك لانهم كرهوا
الاسوة، وفقدوا الاثرة، ولما آسيت بينهم وبين الاعاجم أنكروا واستشاروا عدوك وعظموه
وأظهروا الطلب بدم عثمان فرقة للجماعة وتألفا لاهل الضلالة فرأيك. فخرج علي عليه
السلام فدخل المسجد وصعد المنبر مرتديا بطاق مؤتزرا ببرد قطري متقلدا سيفا متوكئا
على قوس فقال: أما بعد فإنا نحمد الله ربنا وإلهنا وولينا وولي النعم علينا الذي
أصبحت نعمه علينا ظاهرة وباطنة امتنانا منه بغير حول منا ولا قوة ليبلونا أنشكر أم
نكفر، فمن شكر زاده ومن كفر عذبه، فأفضل الناس عند الله منزلة وأقربهم من الله
وسيلة أطوعهم لامره