بحار الانوار الجزء
30
العلامة المجلسي
[1]
بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار
[3]
بحار
الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة
المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس الله سره) الجزء الثلاثون تحقيق الشيخ عبد
الزهراء العلوي دار الرضا بيروت - لبنان
[5]
قال جعفر
بن محمد الصادق عليه السلام...... في حديث: فقال له رجل: يا بن رسول الله ! إني
عاجز ببدني عن نصرتكم ولست أملك إلا البراءة من أعدائكم واللعن [عليهم]، فكيف حالي
؟. فقال الصادق عليه السلام: حدثني أبي عن أبيه عن جده عن رسول الله صلوات الله
عليهم أنه قال: من ضعف عن نصرتنا أهل البيت فلعن في خلواته أعداءنا بلغ الله صوته
جميع الاملاك من الثرى إلى العرش، فكلما لعن هذا الرجل أعداءنا لعنا ساعدوه ولعنوا
من يلعنه ثم ثنوا، فقالوا: اللهم صل على عبدك هذا الذي قد بذل ما في وسعه ولو قدر
على أكثر منه لفعل، فإذا النداء من قبل الله عزوجل: قد أجبت دعاءكم، وسمعت نداءكم،
وصليت على روحه في الارواح، وجعلته عندي من المصطفين الاخيار. بحار الانوار: 27 /
222 - 223 حديث 11 تفسير الامام العسكري (ع): 16 و 17
[6]
عن الصادق
عليه السلام: من خالفكم وإن عبد واجتهد منسوب إلى هذه الآية: * (وجوه يومئذ خاشعة
عاملة ناصبة تصلى نارا حامية) *. تفسير القمي: 723 بحار الانوار: 8 / 356 روضة
الكافي: 160. ثواب الاعمال: 200.
[7]
[16] باب
آخر فيما كتب عليه السلام إلى أصحابه في ذلك تصريحا وتلويحا 1 - قال السيد ابن طاوس
رحمه الله في كتاب كشف المحجة لثمرة المهجة (1): قال محمد بن يعقوب في كتاب
الرسائل: علي بن ابراهيم، بإسناده، قال: كتب أمير المؤمنين عليه السلام كتابا بعد
منصرفه من النهروان وأمر أن يقرأ على الناس، وذلك أن الناس سألوه عن أبي بكر وعمر
وعثمان، فغضب عليه السلام وقال: قد تفرغتم للسؤال عما لا يعنيكم، وهذه مصر قد
انفتحت، وقتل معاوية بن خديج محمد بن أبي بكر، فيا لها من مصيبة ما أعظمها مصيبتي
بمحمد ! فو الله ما كان إلا كبعض بني، سبحان الله ! بينا نحن نرجو أن نغلب القوم
على ما في أيديهم إذ غلبونا على ما في أيدينا، وأنا كاتب لكم كتابا فيه تصريح ما
سألتم إن شاء الله تعالى. فدعا كاتبه عبيد الله بن أبي رافع فقال له: أدخل علي عشرة
من ثقاتي، فقال: سمهم لي يا أمير المؤمنين، فقال: أدخل أصبغ بن نباتة وأبا الطفيل
عامر
(1) كشف
المحجة لثمرة المهجة: 173 - 189 - طبعة النجف - باختلاف يسير. [235 - 269 مركز
النشر].
[8]
ابن واثلة
(1) الكناني، وزر بن حبيش الاسدي، وجويرية (2) بن مسهر العبدي، وخندق (3) بن زهير
الاسدي، وحارثة بن مضرب (4) الهمداني، والحارث بن عبد الله الاعور الهمداني،
ومصابيح (5) النخعي، و (6) علقمة بن قيس، وكميل بن زياد، وعمير بن زرارة، فدخلوا
إليه (7)، فقال لهم: خذوا هذا الكتاب وليقرأه عبيد الله ابن أبي رافع وأنتم شهود كل
يوم جمعة، فإن شغب شاغب عليهم فانصفوه بكتاب الله بينكم وبينه: بسم الله الرحمن
الرحيم: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى شيعته من المؤمنين والمسلمين، فإن الله
يقول: * (وإن من شيعته لابراهيم) * (8) وهو اسم شرفه الله تعالى في الكتاب وأنتم
شيعة النبي محمد صلى الله عليه وآله كما أن من شيعته إبراهيم (9) اسم غير مختص،
وأمر غير مبتدع، وسلام عليكم، والله هو السلام المؤمن أولياءه من العذاب المهين،
الحاكم عليهم بعدله، بعث محمدا صلى الله عليه وآله وأنتم معاشر العرب على شر حال،
يغذوا أحدكم كلبه (10)، ويقتل ولده، ويغير على غيره، فيرجع وقد أغير عليه، تأكلون
العلهز والهبيد (11) والميتة والدم، منيخون (12) على أحجار خشن وأوثان مضلة، تأكلون
الطعام الجشب، وتشربون
(1) في
المصدر: واثلة. (2) في (ك): حويريه. (3) في المصدر: خندف. (4) في (ك): مضراب. (5)
في المصدر: مصباح وهو خلاف الظاهر، فراجع. (6) شطب على الواو في (ك)، وهو الظاهر.
انظر: تنقيح المقال 2 / 259. (7) في كشف المحجة: عليه، بدلا من: إليه. (8) الصافات:
83. (9) في المصدر: كما أن محمدا من شيعة إبراهيم. (10) في (س): كلية، وفي المصدر:
يغدوا أحدكم كلبه. (11) في المصدر: الهبيدة، وسيذكرهما المصنف في بيانه. (12) قال
في القاموس 1 / 272: تنوخ الجمل الناقة: أبركها للفساد، كأناخها فاستناخت، وتنوخت.
= أي يجعلون أنفسهم خاضعين على أحجار خشن وأوثان مضلة، كناية عن عبادتهم للاصنام
والاوثان.
[9]
الماء
الآجن، تسافكون دماءكم، ويسبي بعضكم بعضا، وقد خص الله قريشا بثلاث آيات وعم العرب
بآية، فأما الآيات اللواتي في قريش فهو قوله تعالى: * (واذكروا إذ أنتم قليل
مستضعفون في الارض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات
لعلكم تشكرون) * (1)، والثانية: * (وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات
ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم
وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم
الفاسقون) * (2)، والثالثة: قول قريش لنبي الله صلى الله عليه وآله حين دعاهم إلى
الاسلام والهجرة: * (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا) *، فقال الله تعالى:
* (أو لم نمكن لهم حرما ءامنا يجبى إليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا
يعلمون) * (3)، وأما الآية التي عم بها العرب فهو قوله (4): * (واذكروا نعمت الله
عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من
النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم ءاياته لعلكم تهتدون) * (5)، فيا لها نعمة
ما أعظمها إن لم تخرجوا منها إلى غيرها، ويا لها مصيبة (6) ما أعظمها إن لم تؤمنوا
بها وترغبوا عنها، فمضى نبي الله صلى الله عليه وآله وقد بلغ ما أرسل به، فيا لها
مصيبة خصت الاقربين وعمت المؤمنين لم تصابوا بمثلها ولن تعاينوا بعدها مثلها، فمضى
لسبيله صلى الله عليه وآله وترك كتاب الله وأهل
(1)
لانفال: 26. (2) النور: 55. (3) القصص: 57. (4) في المصدر: قوله تعالى. (5) آل
عمران: 103. (6) في كشف المحجة: من مصيبة.
[10]
بيته
إمامين لا يختلفان، وأخوين لا يتخاذلان، ومجتمعين لا يفترقان، ولقد قبض الله نبيه
(1) صلى الله عليه وآله ولانا أولى بالناس (2) مني بقميصي هذا، وما ألقى في روعي،
ولا عرض في رأيي ان وجه الناس إلى غيره، فلما أبطأوا عني بالولاية لهممهم، وتثبط
(3) الانصار - وهم أنصار الله وكتيبة الاسلام - قالوا: اما إذا لم تسلموها لعلي
فصاحبنا (4) أحق بها من غيري (5)، فو الله ما أدري إلى من أشكو ؟ فإما أن يكون
الانصار ظلمت حقها، وإما أن يكونوا ظلموني حقي، بل حقي المأخوذ وأنا المظلوم. فقال
قائل قريش: إن نبي الله صلى الله عليه وآله قال: الائمة من قريش، فدفعوا الانصار عن
دعوتها ومنعوني حقي منها، فأتاني رهط يعرضون علي النصر، منهم ابنا (6) سعيد،
والمقداد بن الاسود، وأبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، وسلمان الفارسي، والزبير بن
العوام، والبراء بن العازب. فقلت لهم: إن عندي من نبي الله صلى الله عليه وآله عهدا
وله (7) إلي (8) وصية لست أخالف عما أمرني به، فو الله لو خزموني (9) بأنفي لاقررت
لله تعالى سمعا وطاعة، فلما رأيت الناس قد انثالوا على أبي بكر للبيعة أمسكت يدي
وظننت أني أولى وأحق بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله منه ومن غيره، وقد كان نبي
الله أمر أسامة بن زيد على جيش وجعلهما في جيشه، وما زال النبي صلى الله عليه
(1) في
المصدر: محمدا نبيه (ص). (2) جاءت العبارة في المصدر: أولى الناس به.. (3) في (ك):
نبثط، وهو خلاف الظاهر. وفي المصدر: وتثبيط. (4) الكلمة في مطبوع البحار مشوشة، وما
أثبتناه من المصدر، ونسخة بدل في (ك). (5) في المصدر: أحق لها حق غيره. (6) جاء في
المصدر: ابناء، بدلا من: ابنا - بالتثنية -. (7) لا توجد: عهدا وله، في المصدر. (8)
في (س): إليه، بدلا من: إلي. (9) في المصدر: خرموني.. كما مر.
[11]
وآله إلى
أن فاضت نفسه يقول: أنفذوا جيش أسامة (1)، فمضى جيشه إلى الشام حتى انتهوا إلى
اذرعات (2) فلقى جمعا (3) من الروم فهزموهم (4) وغنمهم الله أموالهم، فلما رأيت
راجعة من الناس قد رجعت عن (5) الاسلام تدعو إلى محودين محمد وملة ابراهيم عليهما
السلام خشيت إن أنا لم أنصر الاسلام وأهله أرى فيه ثلما وهدما تك المصيبة علي فيه
أعظم من فوت ولاية أموركم التي إنما هي متاع أيام قلائل ثم تزول وتنقشع كما يزول
وينقشع (6) السحاب، فنهضت مع القوم في تلك الاحداث حتى زهق الباطل وكانت كلمة الله
هي العليا وإن زعم (7) الكافرون. ولقد كان سعد لما رأى الناس يبايعون أبا بكر نادى:
أيها الناس ! إني والله ما أردتها حتى رأيتكم تصرفونها عن علي، ولا أبايعكم حتى
يبايع علي، ولعلي لا أفعل وإن بايع، ثم ركب دابته وأتى حوران (8) وأقام في خان (9)
حتى هلك ولم يبايع. وقام فروة بن عمر الانصاري - وكان يقود مع رسول الله صلى الله
عليه وآله
(1) قوله
عليه السلام: انفذوا جيش أسامة، كرر في المصدر. (2) قال في القاموس 3 / 23: واذرعات
- بكسر الراء وتفتح - بلدة بالشام. وانظر: مراصد الاطلاع 1 / 47، ومعجم البلدان: 1
/ 130 - 131، وغيرهما. قال في المراصد: اذرعات - بالفتح، ثم السكون، وكسر الراء،
وعين مهملة والف وتاء - بلد في طرف الشام، وتجاور أرض البلقاء (3) في المصدر: جيشا،
وهي نسخة بدل في المطبوع من البحار. (4) جاءت نسخة في (ك): فهزمهم. (5) في المصدر:
من، بدلا من: عن. (6) في كشف المحجة: وتتقشع كما يزول ويتقشع.. (7) كذا، ولعله:
رغم. (8) قال في القاموس 2 / 15: حواروان - بفتح الحاء مشددة الواو - بلد،
والحوراء: موضع قرب المدينة، وهو مرفأ سفن مصر، وماء لبني نبهان. وانظر معجم
البلدان 2 / 613، ومراصد الاطلاع 1 / 534. (9) خ. ل: عنان. جاء على مطبوع البحار.
[12]
فرسين
ويصرم ألف وسق من تمر (1) فيتصدق به على المساكين - فنادى: يا معشر قريش ! أخبروني
هل (2) فيكم رجل تحل له الخلافة وفيه ما في علي عليه السلام ؟ !. فقال قيس بن مخزمة
الزهوي (3): ليس فينا من فيه ما في علي عليه السلام. فقال له: صدقت، فهل في علي
عليه السلام ما ليس في أحد منكم ؟. قال: نعم. قال: فما يصدكم عنه ؟. قال: إجماع (4)
الناس على أبي بكر. قال: أما والله لئن أحييتم (5) سنتكم لقد أخطأتم سنة نبيكم، ولو
جعلتموها في أهل بيت نبيكم لاكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم. فولي أبو بكر فقارب
واقتصد فصحبته مناصحا، وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهدا، حتى إذا احتضر، قلت في
نفسي: ليس يعدل بهذا الامر عني، ولولا خاصة بينه وبين عمر وأمر كانا رضياه بينهما،
لظننت أنه لا يعدله عني وقد سمع قول النبي صلى الله عليه وآله لبريدة الاسلمي حين
بعثني وخالد بن الوليد إلى اليمن وقال: إذا افترقتما فكل واحد منكما على حياله،
وإذا اجتمعتما فعلي عليكم جميعا، فأغزنا (6) وأصبنا سبيا فيهم خويلة (7) بنت جعفر
جار الصفا - وإنما سمي جار الصفا من حسنه - فأخذت الحنفية (8) خولة واغتنمها خالد
مني، وبعث بريدة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله محرشا علي، فأخبره بما كان من
اخذي خولة، فقال: يا بريدة ! حظه في الخمس أكثر مما أخذ، إنه وليكم بعدي، سمعها أبو
بكر وعمر، وهذا بريدة حي لم يمت، فهل
(1) في
المصدر: ويصرع الفساد ويشتري تمر.. والصرم - لغة - هو: القطع، كما في القاموس 4 /
139. (2) لا توجد: هل، في (ك). (3) في المصدر: الزهري، وهي نسخة جاءت في (ك). (4)
في كشف المحجة: اجتماع. (5) في المصدر ونسخة مصححة (خ صححه) جاءت على مطبوع البحار:
أصبتم. (6) في المصدر: فغزونا. (7) في كشف المحجة: خولة، وهي نسخة في (س). (8) في
المصدر: الخيفة.
[13]
بعد هذا
مقال لقائل ؟ !. فبايع عمر دون المشورة فكان مرضي السيرة (1) من الناس عندهم، حتى
إذا احتضر قلت في نفسي: ليس يعدل بهذا الامر عني، للذي قد رأى مني في المواطن، وسمع
من الرسول صلى الله عليه وآله، فجعلني سادس ستة وأمر صهيبا أن يصلي بالناس، ودعا
أبا طلحة زيد بن سعد الانصاري فقال له: كن في خمسين رجلا من قومك فاقتل من أبى أن
يرضى من هؤلاء الستة، فالعجب من اختلاف (2) القوم إذ زعموا أن أبي بكر (3) استخلفه
النبي صلى الله عليه وآله، فلو كان هذا حقا لم يخف على الانصار فبايعه الناس على
الشورى، ثم جعلها أبو بكر لعمر برأيه خاصة، ثم جعلها عمر برأيه شورى بين ستة، فهذا
العجب من اختلافهم، والدليل على ما لا أحب أن أذكر قول (4) هؤلاء الرهط الذين قبض
رسول الله صلى الله عليه وآله وهو عنهم راض، فكيف يأمر بقتل قوم رضي الله عنهم
ورسوله ؟ !. إن هذا الامر (5) عجيب، ولم يكونوا لولاية أحد منهم أكره منهم لولايتي
! كانوا يسمعون وأنا أحاج أبا بكر وأنا أقول: يا معشر قريش ! أنا أحق بهذا الامر
منكم، ما كان منكم من يقرأ القرآن، ويعرف السنة، ويدين دين الحق (6)، وإنما حجتي
إني ولي هذا الامر من دون قريش، إن نبي الله صلى الله عليه وآله قال: الولاء لمن
أعتق، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله بعتق (7) الرقاب من النار، وأعتقها من
الرق، فكان للنبي صلى الله عليه وآله ولاء هذه
(1)
الشورة، بدلا من: السيرة، نسخة جاءت في (ك). (2) نسخة في (س): خلاف. (3) كذا في
مطبوع البحار والمصدر، والصحيح: ان أبا بكر. (4) في (س) نسخة: قوله. (5) في (س):
لامر. (6) في المصدر: دين الله الحق. (7) في كشف المحجة: يعتق.
[14]
الامة، وما
لي بعده ما كان له، فما جاز لقريش من فضلها عليها بالنبي صلى الله عليه وآله جاز
لبني هاشم على قريش، وجاز لي على بني هاشم، بقول النبي صلى الله عليه وآله يوم غدير
خم: من كنت مولاه فهذا علي مولاه (1)، إلا أن تدعي قريش فضلها على العرب بغير النبي
صلى الله عليه وآله، فإن شاؤا فليقولوا ذلك، فخشي القوم إن أنا وليت عليهم أن آخد
بأنفاسهم، وأعترض في حلوقهم، ولا يكون لهم في الامر نصيب، فأجمعوا على إجماع رجل
واحد منهم حتى صرفوا الولاية عني إلى عثمان رجاء أن ينالوها ويتداولوها فيما بينهم،
فبينا هم كذلك إذ نادى مناد لا يدرى من هو - وأظنه جنيا - فأسمع أهل المدينة ليلة
بايعوا عثمان فقال: يا ناعي الاسلام قم فانعه * قد مات عرف وبدا منكر ما لقريش لا
علا كعبها * من قدموا اليوم ومن أخروا إن عليا هو أولى به * منه فولوه ولا تنكروا
فكان لهم في ذلك عبرة، ولولا أن العامة قد علمت بذلك لم أذكره، فدعوني إلى بيعة
عثمان فبايعت مستكرها، وصبرت محتسبا، وعلمت أهل القنوت أن يقولوا (2): اللهم لك
أخلصت القلوب وإليك شخصت الابصار، وأنت دعيت بالالسن، وإليك تحوكم في الاعمال فافتح
بيننا وبين قومنا بالحق، اللهم إنا نشكوا إليك غيبة نبينا، وكثرة عدونا، وقلة
عددنا، وهواننا على الناس، وشدة الزمان، ووقوع الفتن بنا، اللهم ففرج ذلك بعدل
تظهره، وسلطان حق تعرفه. فقال عبد الرحمن بن عوف: يا بن أبي طالب ! إنك على هذا
الامر لحريص ؟ !. فقلت: لست عليه حريصا، و (3) إنما أطلب ميراث رسول الله صلى الله
(1) مرت
مصادر الحديث مفصلا، وانظر جملة منها في الغدير 1 / 222 - 240 وغيره. (2) في (س):
أن يقول. (3) لا توجد الواو في المصدر.
[15]
عليه وآله
وحقه، وإن ولاء أمته لي من بعده، وأنتم أحرص عليه مني إذ تحولون بيني وبينه،
وتصرفون (1) وجهي دونه بالسيف، اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم قطعوا رحمي
وأضاعوا (2) أيامي، ودفعوا حقي، وصغروا (3) قدري وعظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي
حقا كنت أولى به منهم، فاستلبونيه. ثم قال: اصبر مغموما أو مت متأسفا، وأيم الله لو
استطاعوا أن يدفعوا قرابتي كما قطعوا سببي فعلوا، ولكنهم لا يجدون إلى ذلك سبيلا،
إنما حقي على هذه الامة كرجل له حق على قوم إلى أجل معلوم، فإن أحسنوا وعجلوا له
حقه قبله حامدا، وإن أخروه إلى أجله أخذه غير حامد، وليس يعاب المرء بتأخير حقه،
إنما يعاب من أخذ ما ليس له، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله عهد إلي عهدا
فقال: يا بن أبي طالب ! لك ولايتي (4) فإن ولوك في عافية ورجعوا عليك (5) بالرضا
فقم بأمرهم، وإن اختلفوا عليك فدعهم وما هم فيه، فإن الله سيجعل لك (6) مخرجا،
فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا معي مساعد إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن الهلاك، ولو كان
(7) بعد رسول الله صلى الله عليه وآله عمي حمزة وأخي جعفر لم أبايع كرها (8)،
ولكنني منيت برجلين حديثي عهد بالاسلام، العباس (9) وعقيل، فضننت بأهل بيتي عن
الهلاك، فأغضيت عيني على القذى، وتجرعت
(1)
تضربون: نسخة في (ك). (2) في نسخة في (ك): وأذاعوا. (3) في (س): وحروا. قال في
القاموس 4 / 316: وحرى - كرمى -: نقص. (4) في المصدر: ولاء أمتي. وهي نسخة في مطبوع
البحار. (5) في كشف المحجة: وأجمعوا عليك. (6) لا توجد: لك، في (س). (7) في المصدر:
ولو كان لي. (8) مكرها: نسخة في (ك). (9) في (ك) نسخة: عباس.
[16]
ريقي على
الشجا، وصبرت على أمر من العلقم، وآلم للقلب من حز (1) الشفار (2). وأما أمر عثمان
فكأنه علم من القرون الاولى * (علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى) * (3)
خذله أهل بدر وقتله أهل مصر، والله ما أمرت ولا نهيت ولو أنني (4) أمرت كنت قاتلا،
ولو أني (5) نهيت كنت ناصرا، وكان الامر لا ينفع فيه العيان ولا يشفي فيه (6)
الخبر، غير أن من نصره لا يستطيع أن يقول خذله (7) من أنا خير منه، ولا يستطيع من
خذله أن يقول نصره من هو خير مني، وأنا جامع أمره: استأثر فأسا الاثرة، وجزعتم
فأسأتم الجزع، والله يحكم بينكم وبينه (8) والله ما يلمزني في دم عثمان ثلمة (9) ما
كنت إلا رجلا من المسلمين المهاجرين في بيتي فلما قتلتموه أتيتموني تبايعوني، فأبيت
عليكم وأبيتم على، فقبضت يدي فبسطتموها، وبسطتها فمددتموها، ثم تداككتم علي تداك
الابل الهيم (10) على حياضها يوم ورودها، حتى ظننت أنكم قاتلي، وأن بعضكم قاتل
لبعض، حتى
في (ك)
نسخة: جز وجاء في حاشيتها: جز الشعر والحشيش جزا وجزة حسنة فهو مجزور، وحزيز: قطعة
قاموس. انظر: القاموس 2 / 168 وفيه: جزيز، بدلا من: حزيز. (2) جاء في حاشية (ك):
شفر العين: حرف الجفن الذي ينبت عليه الهدب، قال ابن قتيبة: والعامة يجعل اشفار
العين الشفر وهو غلط، وإنما الاشفار حروف العين التي ينبت عليه الشعر، والشفر:
الهدب، والجمع أشفار، مثل قفل وأقفال، وشفر كل شي: حرفه. مصباح المنير. انظر
المصباح المنير 1 / 383، وفيه: تجعل، بدلا من يجعل، وينبت عليها الشعر والشعر، بدلا
من: ينبت عليه الشعر والشفر. (3) طه: 52. (4) في مطبوع البحار خ. ل: اني. (5) في
المصدر: انني. (6) في المصدر: منه، وهي نسخة في (ك). (7) في المصدر: هو خذله. (8)
في كشف المحجة: بيننا وبينه. (9) في المصدر: تهمة،، وهي نسخة في (ك). (10) أي
العطاش.
[17]
انقطعت
النعل، وسقط الرداء، ووطئ الضعيف، وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إياي أن حمل إليها
الصغير وهدج (1) إليها الكبير، وتحامل إليها العليل، وحسرت لها الكعاب (2). فقالوا:
بايعنا على ما بويع عليه أبو بكر وعمر، فإنا لا نجد غيرك ولا نرضى إلا بك، فبايعنا
لا نفترق ولا نختلف، فبايعتكم على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله، ودعوت
الناس إلى بيعتي، فمن بايعني طائعا قبلت منه، ومن أبى تركته، فكان أول من بايعني
طلحة والزبير، فقالا: نبايعك على أنا شركاءك في الامر. فقلت: لا، ولكنكما شركائي في
القوة، وعوناي في العجز. فبايعاني على هذا الامر ولو أبيا لم أكرههما كما لم أكره
غير هما، وكان طلحة يرجو اليمن والزبير يرجو العراق، فلما علما أني غير موليهما
استأذناني للعمرة يريدان الغدر، فأتيا عائشة (3) واستخفاها مع كل شئ في نفسها علي،
والنساء نواقص الايمان، نواقص العقول، نواقص الحظوظ، فأما نقصان أيمانهن فقعودهن عن
الصلاة والصيام في أيام حيضهن، وأما نقصان عقولهن فلا شهادة لهن إلا في الدين
وشهادة امرأتين برجل، وأما نقصان حظوظهن فمواريثهن على الانصاف من مواريث الرجال،
وقادهما عبيد الله بن عامر إلى البصرة، وضمن لهما الاموال والرجال، فبينما هما
يقودانها إذ (4) هي تقود هما، فاتخذاها فئة يقتلان دونها (5)، فأي خطيئة أعظم مما
أتيا إخراجهما زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله من بيتها، فكشفا عنها حجابا ستره
الله عليها، وصانا حلائلهما في بيوتهما ولا أنصفا الله ولا رسوله من أنفسها،
(1) قال في
القاموس 1 / 212: الهدجان - محركة - وكغراب: مشية الشيخ، وقد هدج يهدج وهو هداج.
(2) في المصدر: الكعبات. (3) في المصدر: فأتبعا عائشة. (4) في (ك) نسخة: أو، بدلا
من: إذ. (5) دونهما. نسخة في (ك).
[18]
ثلاث خصال
مرجعهما على الناس، قال الله تعالى: * (يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم) *
(1)، وقال: * (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه) * (2) وقال: * (لا يحيق المكر السيئ
إلا بأهله) * (3) فقد بغيا علي، ونكثنا بيعتي، ومكرابي (4)، فمنيت بأطوع الناس في
الناس عائشة بنت أبي بكر، وبأشجع (5) الناس الزبير، وبأخصم الناس طلحة، وأعانهم علي
يعلى بن منبه بأصوع (6) الدنانير، والله لئن استقام أمري لاجعلن ماله فيئا
للمسلمين، ثم أتوا البصرة وأهلها مجتمعون على بيعتي وطاعتي، وبها شيعتي خزان بيت
مال الله ومال المسلمين، فدعوا الناس إلى معصيتي وإلى نقض بيعتي (7)، فمن أطاعهم
أكفروه، ومن عصاهم قتلوه، فناجزهم حكيم بن جبلة فقتلوها (8) في سبعين رجلا من عباد
أهل البصرة ومخبتيهم يسمون: المثفنين، كأن راح أكفهم ثفنات الابل، وأبي أن يبايعهم
يزيد بن الحارث اليشكري، فقال: اتقيا الله ! إن أولكم قادنا إلى الجنة فلا يقودنا
آخركم إلى النار، فلا تكلفونا أن نصدق المدعي ونقضى على الغائب، أما يميني فشغلها
علي بن أبي طالب ببيعتي إياه، وهذه شمالي فارغة فخذاها إن شئتما، فخنق حتى مات،
وقام عبد الله بن حكيم التميمي فقال: يا طلحة ! هل تعرف هذا (9) الكتاب ؟ قال: نعم،
هذا كتابي إليك. قال: هل تدري ما فيه ؟ قال: اقرأه علي، فإذا فيه عيب عثمان ودعاؤه
إلى قتله، فسيره من البصرة، وأخذوا على عاملي عثمان
(1) يونس:
23. (2) الفتح: 10. (3) الفاطر: 43. (4) في المصدر: ومكراني. (5) في (ك) نسخة:
أشجع، وفي نسخة صحيحة: أنجع، وفي نسخة على (س): أفجع. (6) في المصدر: بأصواع. (7)
في المصدر زيادة: وطاعتي. (8) في المصدر: فقتلوه.. وهو الظاهر. (9) في كشف المحجة:
من يعرف هذا..
[19]
ابن حنيف
الانصاري غدرا فمثلوا به كل المثلة، ونتفوا كل شعرة في رأسه ووجهه، وقتلوا شيعتي،
طائفة صبرا، وطائفة غدرا، وطائفة عضوا بأسيافهم حتى لقوا الله، فو الله لو لم
يقتلوا منهم إلا رجلا واحدا لحل لي به دماءهم ودماء ذلك الجيش لرضاهم بقتل من قتل،
دع مع أنهم قد قتلوا أكثر من العدة التي قد دخلوا بها عليهم، وقد أدال الله منهم
(1) فبعدا للقوم الظالمين، فأما طلحة فرماه مروان بسهم فقتله، وأما الزبير فذكرته
قول رسول الله صلى الله عليه وآله: انك تقاتل عليا (ع) وأنت ظالم له (2)، وأما
عائشة فإنها كان نهاها رسول الله صلى الله عليه وآله عن مسيرها فعضت (3) يديها
نادمة على ما كان منها. وقد كان طلحة لما نزل ذا قار (4) قام خطيبا فقال: يا أيها
الناس ! إنا أخطأنا في عثمان خطيئة ما يخرجنا منها إلا الطلب بدمه، وعلي قاتله،
وعليه دمه. وقد نزل دارن (5) مع شكاك اليمن ونصارى ربيعة ومنافقي مضر، فلما بلغني
قوله وقل كان عن الزبير فيه (6)، بعثت اليهما أناشدهما بحق محمد صلى الله عليه وآله
(7) ما أتيتماني وأهل مصر محاصروا عثمان، فقلتما: اذهب بنا إلى هذا الرجل فإنا لا
نستطيع قتله إلا بك، فلما تعلم أنه سير أبا ذر رحمه الله، وفتق عمارا، وآوى الحكم
بن أبي العاص - وقد طرده رسول الله صلى الله
(1) قال في
الصحاح 4 / 1700: وأدالنا الله من عدونا من الدولة، والادالة: الغلبة، يقال: اللهم
أدلني على فلان وانصرني عليه. وفي المصدر: أزال الله منهم. (2) وهي رواية مشهورة من
الطريقين. انظر بعض مصادرها في الغدير 3 / 191 وغيره. (3) في (ك): فغضت، قال في
القاموس 2 / 337: عضضته وعليه - كسمع ومنع - عضا وعضيضا: أمسكته بأسناني أو بلساني.
وقال: بعد صفحة: غض طرفه..: خفضه، واحتمل المكروه. أقول: لا يخفى مناسبة الاول وبعد
الثاني. (4) ذوقار: ماء لبكر.. قاله في مراصد الاطلاع 3 / 1055 - 1056. وانظر: معجم
البلدان 3 / 293 - 295. (5) لم نجد لهذه البلدة في معجم البلدان ومراصد الاطلاع
ذكرا، وليس في الاسماء المقاربة لها ما يناسب المقام، ولعل النون زائدة، فتدبر، أو
لعلها: دارا. (6) في المصدر: قبيح، بدلا من: فيه. (7) في كشف المحجة: بحق محمد
وآله.
[20]
عليه وآله
وأبو بكر وعمر - واستعمل الفاسق على كتاب الله الوليد بن عقبة، وسلط خالد بن عرفطة
العذري (1) على كتاب الله يمزق ويخرق، فقلت: كل هذا قد علمت ولا أرى قتله يومي هذا،
وأوشك سقاءه أن يخرج المخض زبدته، فأقرا بما قلت. وأما قولكما: إنكما تطلبان بدم
عثمان فهذان ابناه عمرو (2) وسعيد فخلوا عنهما يطلبان دم أبيهما، متى كانت أسد وتيم
أولياء بني أمية ؟ ! فانقطعا عند ذلك. فقام عمران بن حصين الخزاعي صاحب رسول الله
صلى الله عليه وآله - وهو الذي جاءت عنه (3) الاحاديث - وقال: يا هذان لا تخرجان
(4) ببيعتكما من طاعة علي، ولا تحملانا على نقض بيعته، فإنا لله رضا، أما وسعتكما
بيوتكما حتى أتيتما بأم المؤمنين ؟ ! فالعجب لاختلافها اياكما، ومسيرها معكما، فكفا
عنا أنفسكما، وارجعا من حيث جئتما، فلسنا عبيد من غلب، ولا أول من سبق، فهما به ثم
كفا عنه، وكانت عائشة قد شكت في مسيرها وتعاظمت (5) القتال، فدعت ء كاتبها عبيد
الله بن كعب النميري فقالت: اكتب، من عائشة بنت أبي بكر إلى علي ابن أبي طالب فقال
هذا أمر لا يجري به القلم، قالت: ولم ؟ ! قال: لان علي بن أبي طالب في الاسلام أول،
وله بذلك البداء في الكتاب. فقالت: اكتب، إلى علي بن ابي طالب من عائشة بنت أبي
بكر، أما بعد: فإني لست أجهل قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا قدمك في
الاسلام، ولا غناك من رسول الله صلى الله عليه وآله، وإنما خرجت مصلحة بين بيني لا
أريد حربك إن كففت عن هذين الرجلين.. في كلام لها كثير، فلم أجبها بحرف، وأخرت
جوابها لقتالها، فلما قضى الله لي الحسني سرت إلى الكوفة واستخلف عبد الله بن عباس
على
(1) في
(ك): الغدري. (2) في (ك) نسخة: عمر - بدون واو. (3) في المصدر: فيه، بدلا من: عنه.
(4) في الكشف المحجة: لا تخرجانا.. وهو الظاهر. (5) في (ك): جائت نسخة هي في
المصدر: تعاضمها.
[21]
البصرة،
فقدمت الكوفة وقد اتسقت (1) لي الوجوه كلها إلا الشام، فأحببت أن أتخذ الحجة، وأقضى
العذر، وأخذت بقول الله تعالى: * (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء) *
(2)، فبعثت جرير بن عبد الله إلى معاوية معذرا إليه، متخذا للحجة عليه، فرد كتابي،
وجهد حقي، ودفع بيعتي، وبعث إلي أن ابعث إلي قتلة عثمان، فبعثت إليه: ما أنت وقتلة
عثمان ؟ ! أولاده أولى به، فادخل أنت وهم في طاعتي ثم خاصموا إلي (3) القوم لاحملكم
وإياهم على كتاب الله، وإلا فهذه خدعة الصبي عن رضاع الملي، فلما يئس من هذا الامر
بعث إلي أن اجعل الشام لي حياتك، فإن حدث بك حادثة عن الموت لم يكن لاحد علي طاعة،
وإنما أراد بذلك أن يخلع طاعتي من عنقه (4) فأبيت عليه. فبعث إلي: إن أهل الحجاز
كانوا الحكام على أهل الشام فلما قتلوا (5) عثمان صار أهل الشام الحكام على أهل
الحجاز، فبعثت إليه: إن كنت صادقا فسم لي رجلا من قريش الشام ت