الى اجزاء البحار الى المكتبة الهاشمية الى الصفحة الرئيسية

بحار الانوار الجزء 29

العلامة المجلسي


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار


[3]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء التاسع والعشرون تحقيق الشيخ عبد الزهراء العلوي دار الرضا بيروت - لبنان


 

[5]

بسم الله الرحمن الرحيم " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا.. " (1) آل عمران: 99

 

(1) قد وردت روايات مستفيضة في تفسير الآية الكريمة بأهل البيت عليهم السلام وأنهم: حبل الله، انظر مثلا: إسعاف الراغبين: 112، رشفة الصادي: 25 و 270، ينابيع المودة: 118 - 119، العمدة: 150، شواهد التنزيل: 1 / 130، أهل البيت (ع) (توفيق أبو علم): 61 و 62، عن ابن عباس وغيره، وبمضامين متقاربة. وذكر الشيخ النعماني في كتابه الغيبة - الباب الثاني - في ما جاء في تفسير الآية: 39 - 51 جملة من روايات حرية بالملاحظة، وباب 31 من بحار الانوار: 24 / 82 - 85: انهم عليهم السلام حبل الله المتين والعروة الوثقى، وانهم آخذون بحجزة الله، وتفسير العياشي: 1 / 194، ومجمع البيان: 2 / 482 - 488، وكنز الفوائد: 44، 58، 226، ومناقب آل أبي طالب: 2 / 273، و 3 / 170 - 171 و 343، وأمالي الشيخ الطوسي: 171، والعمدة: 35 وغيرها.

 

[7]

ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم * مذاهبهم في أبحر الغي والجهل ركبت على آسم الله في سفن النجا * وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل وأمسكت حبل الله وهو ولاءهم * كما قد أمرنا بالتمسك بالحبل أبو عبد الله الشافعي رشفة الصادي: 25


 

[9]

عن حبيش بن المعتمر، قال: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، كيف أمسيت ؟. قال: أمسيت محبا لمحبنا ومبغضا لمبغضنا، وأمسى محبنا مغتبطا برحمة من الله كان ينتظرها وأمسى عدونا يؤسس بنيانه على شفا جرف هار، فكأن ذلك الشفا قد انهار به في نار جهنم، وكأن أبواب الرحمة قد فتحت لاهلها، فهنيئا لاهل الرحمة رحمتهم، والتعس لاهل النار والنار لهم. يا حبيش ! من سره أن يعلم أمحب لنا أم مبغض فليمتحن قلبه، فإن كان يحب وليا لنا فليس بمبغض لنا، وإن كان يبغض وليا لنا فليس بمحب لنا. إن الله تعالى أخذ الميثاق لمحبينا بمودتنا وكتب في الذكر اسم مبغضنا، نحن النجباء وأفراطنا أفراط الانبياء. بحار الانوار: 27 / 53 - 54 - حديث (6) المجالس: 197


 

[10]

عن أبي محمد العسكري، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لبعض أصحابه ذات يوم: يا عبد الله ! أحبب في الله وأبغض في الله، ووال في الله، وعاد في الله، فإنه لا تنال ولاية الله إلا بذلك، ولا يجد رجل طعم الايمان - وإن كثرت صلاته وصيامه - حتى يكون كذلك، وقد صارت مؤاخاة الناس يومكم هذا أكثرها في الدنيا، عليها يتوادون، وعليها يتباغضون، وذلك لا يعني عنهم من الله شيئا. فقال له: وكيف لي أن أعلم أني قد واليت وعاديت في الله عزوجل. ومن ولي الله عزوجل حتى أو إليه ؟ ومن عدوه حتى أعاديه ؟. فأشار [له] رسول الله صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام فقال: أترى هذا ؟. فقال: بلى. قال: ولي هذا ولي الله، فواله. وعدو هذا عدو الله، فعاده، قال: وال ولي هذا ولو أنه قاتل ابيك وولدك، وعاد عدو هذا ولو أنه أبوك أو ولدك. تفسير العسكري (ع): 18 ومعاني الاخبار: 113 وعيون أخبار الرضا (ع): 161 وعلل الشرائع: 58 وبحار الانوار: 27 / 54 - 55 حديث 8


 

[11]

بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد وبه ثقتي الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، فأخذ بنا إلى المنهاج والدليل الواضح والسبيل الناجح، ووفقنا للدين الحنيف وشريعة سيد المرسلين صلوات الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة الابدية على أعدائهم وظالميهم وغاصبي حقوقهم ومنكري فضائلهم ومناقبهم ومناوئي شيعتهم من الاولين والآخرين.. إلى قيام يوم الدين.. آمين يا رب العالمين. أما بعد: ما عساني أن أقول.. وما تراني أكتب.. وما تخط يميني.. عن بحر اللآلي، ومنبع الانوار (الجامع لدرر أخبار الائمة الاطهار) صلوات الله الملك العلام عليهم، ذاك الذي كان - ولا زال - مرجعا للاعلام، ومصدرا للانام، ومرغما للملاحدة اللئام، كما شاء له مؤلفه القمقام قدس الله روحه الطاهرة، وحشره وإيانا مع الائمة الكرام، عليهم أفضل التحية والسلام. نعم، لا يسعني - وأنى لي - أن أكتب عن كتاب أو كاتب - مع قصور الباع وقلة البضاعة - عن من قل من حاذاه فضلا عمن علاه، مع إجماع الكل


 

[12]

على جلالته وفضله، وإطباقهم على عظمته وعلمه، وهو - بحق - آية من آيات الرحمن في فنون شتى، وقمر في السماء بين النجوم والكواكب، إذ هو العلامة الفهامة، غواص بحار الانوار ببياناته، ومستخرج لآلي الاخبار بتتبعاته، وجامع كنوز الآثار باستقصاءاته، الذي قل له قرين في عصره - فضلا عن من كان قبله أو جاء بعده - إذ أفنى عمره في ترويج الدين وإحياء شريعة سيد المرسلين صلوات الله عليه وعلى آله الطيبين، ودفع أباطيل المبطلين، وزيغ المنحرفين، وجهل الجاهلين، تصنيفا وتأليفا، وأمرا ونهيا، قامعا للمعتدين، ومزيفا للمبدعين، وداحضا للمعاندين، وهاديا للضالين، ومرشدا للغاوين، ورادا للمخالفين من أهل الاهواء والبدع والزيغ والضلال. ولنطوي عن ترجمته صفحا، فما في " الفيض القدسي " لشيخنا النوري، وما رصف في أول المجلد الاول من موسوعته، وما كتبه عنه كل من ترجم له وألف عنه - معاصرا كان أو متأخرا عنه - يغنينا عن التطويل، وإن كان معتقدنا أن ما ذكروه فيه وعنه نزر يسير، وأقل من القليل. * * * * * وبعد كل هذا نعود إلى كتابنا، فقد كان ولا زال - بحق - مصدرا لكل من طلب بابا من أبواب علوم آل محمد صلوات الله عليه وعليهم، ومنبعا لكل من بحث عن الحق والحقيقة، إذ قد استعان به كل من جاء بعده، فكان عيالا عليه، وناهلا منه.. لا لكون أكثر منابع المصنف طاب ثراه تعد من الكتب المعتمدة والاصول المعتبرة - التي لم يتسن إلى يومنا هذا الحصول على بعضها - فحسب.. بل لما فيه من بيانات شافية، وتبويب رائع، وإحاطة واسعة، ومنهجية ممتازة، وهو - من ثم - يشبع الموضوع - إلى حد ما - تحقيقا وتدقيقا، وبيانا وتوضيحا، مع كل ما فيه من برمجة وتنسيق فريد في نوعه. فكل من وعى واطلع يعرف أن (البحار) موسوعة حديثية نادرة، ودرة


 

[13]

فاخرة للامة الاسلامية فضلا عن الطائفة المحقة الشيعية، لما حواه من فنون شتى، وعلوم غزيرة، وفوائد نفيسة، ومطالب فريدة، وغوالى لا يستغني عنها طالب، وتروي كل شارب.. ونعم ما قال شيخنا الطهراني في الذريعة: 3 / 16:.. هو الجامع الذي لم يكتب قبله ولا بعده جامع مثله، لاشتماله - مع جمع الاخبار - على تحقيقات دقيقة، وبيانات وشروح لها غالبا لا توجد في غيره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء... * * * * *.. ولنرجع إلى ما نبغيه من هذه الاسطر فنقول: طبع البحار في خمسة وعشرين مجلدا - كما قرره مصنفه رحمه الله له - ونحن نذكر تفصيل المجلد الثامن - الذي نحن بصدده - كما جاء في أول المجلد الاول منه [28 / 1 - 2] قال:.. وهو مشتمل على ما وقع من الجور والظلم والبغي والعدوان على أئمة الدين وأهل بيت سيد المرسلين بعد وفاته صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، وتوضيح كفر المنافقين والمرتدين الغاصبين للخلافة من أهلها، والنازعين لها من مقرها، وأعوانهم من الملحدين، وبيان كفر الناكثين والقاسطين والمارقين، الذين اقتدوا بمن كان قبلهم من الظالمين، وحاربوا أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى أولاده الطاهرين، وأنكروا حقه - مع وضوحه، على العالمين - وما جرى في تلك الغزوات وما لحقها.. إلى آخره. ونترك سرد أبواب المجلد الثامن ونقتصر على ما جاء في ما نخرجه هنا، وهي: الباب الخامس: باب احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على أبي بكر وغيره في أمر البيعة.


 

[14]

الباب السادس: منازعة أمير المؤمنين عليه السلام والعباس في الميراث. باب (1): نوادر الاحتجاج على أبي بكر.. باب: احتجاج سلمان وأبي بن كعب وغيرهما على القوم. باب: ما كتب أبو بكر إلى جماعة يدعوهم إلى البيعة، وفيه بعض أحوال ابي قحافة. باب: إقرار أبي بكر بفضل أمير المؤمنين عليه السلام وخلافته بعد الغصب. باب: نزول الآيات في أمر فدك وقصصه، وجوامع الاحتجاج فيه، وفيه قصة خالد وعزمه على قتل أمير المؤمنين عليه السلام بأمر المنافقين. باب: العلة التي من أجلها ترك أمير المؤمنين عليه السلام فدك. باب: علة قعوده عليه السلام عن قتال من تأخر عنه من الاولين وقيامه إلى قتال من بغى عليه من الناكثين والقاسطين والمارقين، وعلة إمهال الله من تقدم عليه، وفيه علة قيام من قام من سائر الائمة عليهم السلام وقعود من قعد منهم. باب: العلة التي من أجلها ترك الناس عليا عليه السلام. باب: شكاية أمير المؤمنين عليه السلام عمن تقدمه من الغاصبين. باب: آخر، فيما كتب عليه السلام إلى أصحابه في ذلك تصريحا أو تلويحا. باب: احتجاج الحسين عليه السلام على عمر وهو على المنبر. باب: في ذكر ما كان من حيرة الناس بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وغصب الخلافة وظهور جعل الغاصبين وكفرهم ورجوعهم إلى أمير المؤمنين عليه السلام.

 

(1) هذه الابواب رقمت في طبعتنا هذه.

 

[15]

باب: ما أظهر عمر وأبو بكر من الندامة على غصب الخلافة عند الموت. باب: كفر الثلاثة ونفاقهم وفضائح أعمالهم وقبائح آثارهم وفضل التبري منهم ولعنهم. باب: آخر، فيه ذكر أهل التابوت في النار. باب: تفصيل مطاعن أبي بكر، والاحتجاج بها على المخالفين، بإيراد الاخبار من كتبهم. باب: تفصيل مثالب عمر، والاحتجاج بها على المخالفين بإيراد الاخبار من كتبهم. باب: نسب عمر وولادته ووفاته وبعض نوادر أحواله، وما جرى بينه وبين أمير المؤمنين عليه السلام. باب: نادر. باب: تفصيل مثالب عثمان وبدعه والاحتجاج بها على المخالفين بما رووه في كتبهم وبعض أحواله. باب: الشورى، واحتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على القوم في ذلك اليوم. باب: احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على جماعة من المهاجرين والانصار.. إلى آخره. باب: ما جرى بين أمير المؤمنين عليه السلام وبين عثمان وولاته وأعوانه وبعض أحواله. باب: كيفية قتل عثمان وما احتج عليه القوم في ذلك. باب: تبري أمير المؤمنين عليه السلام من دم عثمان وعدم إنكاره أيضا.. إلى آخره. باب: ما ورد في لعن بني أمية وبني العباس وكفرهم. باب: ما ورد في جميع الغاصبين والمرتدين مجملا.


 

[16]

وقد تعرض لهذه الابواب شيخنا الطهراني في الذريعة: 3 / 19 - 20 أيضا. وقال المصنف طاب ثراه في اخر كلامه السالف:.. مقتصرا في جميع ذلك على نقل الاخبار وتوضيحها، والايماء إلى بعض الحجج من غير تعرض لبسط القول فيها وتنقيحها، وإيراد الشبه وتزييفها وتقبيحها، فإن ذلك مما يكبر به حجم الكتاب، ويورث إعراض الناس عنه وتعريضهم بالاطناب والاسهاب... أقول: هذا هو الذي تعرضنا له من المجلد الثامن من هذه الموسوعة العظيمة في الفتن بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة الخلفاء، وما وقع في أيامهم من الفتوح وغيرها، وكيفية حرب الجمل وصفين والنهروان، وشرح أحوال معاوية في الشام وغاراته ومعاملته مع أهل العراق، وذكر أحوال بعض خواص أمير المؤمنين عليه السلام وأصحابه، وشرح جملة من الاشعار المنسوبة إليه، وشرح بعض كتبه في اثنين وستين بابا، وفي واحد وستين ألف بيت - كما هو المصطلح عندهم - توجد له أكثر من نسخة خطية، منها، ما جاء في مكتبة سبهسالار في طهران - كما جاء في فهرستها: 1 / 239 برقم 5319، نسخت سنة 1109 ه‍ في 243 ورقة، وعندنا منها مصورة، وغيرها. ثم إنه طبع أولا في تبريز سنة 1275 ه‍، ثم جدد طبعه بعد ذلك في طهران سنة 1303 - 1315 ه‍، وأعيد طبع المجلد الثامن على الطبعة الاخيرة - بالاوفست - في قم حدود سنة 1400 ه‍. هذا وقد ترجم هذا المجلد إلى الفارسية المولى محمد نصير بن المولى عبد الله بن المولى محمد تقي المجلسي، والمولى عبد الله هو أخو العلامة شيخنا المصنف طاب ثراهما، وله ترجمة أخرى باسم: مجاري الانهار (في ترجمة المجلد الثامن من البحار) للمولى محمد مهدي بن محمد شفيع الاسترابادي المازندراني المتوفى سنة 1259 ه‍ فرغ منها سنة 1247 ه‍، كما أن له ترجمة أخرى لمترجم


 

[17]

مجهول توجد نسختها في مكتبة السيد الگلپايگاني كما ورد في فهرس المكتبة: 2 / 30 برقم 499. وقد اختصر البحار - ومنه هذا المجلد - أكثر من مرة، منها ما قام به الشيخ حسن الميانجي - وذكره شيخنا في الذريعة: 4 / 423 -، وآخر للميرزا إبراهيم الخوئي - كما في أعيان الشيعة: 7 / 30 -، وثالثة لميرزا محمد صادق الشيرازي، وغيرها. كما وقد استدرك عليه جمع من أعلامنا رضوان الله عليهم، منهم الميرزا محمد بن رجب علي الطهراني العسكري، كتب أولا: مصابيح الانوار في فهرس أبواب البحار، ثم اشتغل باستدراك كل باب باب، ولا ننس سفينة البحار لشيخنا الشيخ عباس القمي، ومستدركاتها للشيخ علي النمازي رحمهما الله.. وغير ذلك. ولسنا بصدد سرد أو جمع لكل ما هناك من تراجم وتعليقات وحواش ومستدركات أو نسخ خطية جاءت لهذه الموسوعة العظيمة ولمجلدنا بالخصوص، وما أوردناه غيض من فيض تعرض لبعضه كل من كتب عن البحار، وجاء جملة منه في مجلة مشكاة: 29، وغيرها. وكان أن خصص لهذا المجلد - في طبعته الجديدة - الاجزاء 28 - 34، ولكن بعد طبع المجلد الثامن والعشرين منه ترك بقية الاجزاء وشرع بطبع المجلد الخامس والثلاثين، مهملين بقية الاجزاء من هذا المجلد، وقد طبع أخيرا الاجزاء الثاني والثلاثون والثالث والثلاثون والرابع والثلاثون بواسطة وزارة الثقافة والارشاد الاسلامي في إيران بتحقيق الحاج الشيخ محمد باقر المحمودي، ولنا عليه عدة ملاحظات ومؤاخذات، مع ما قام فيه من تصرف أو حذف وتغيير و.. فما أجمل قول شيخنا الطهراني في ذريعته: 25 / 356 - 357 - عند حديثه في استدراكاته على طبع دورة البحار على الحروف في 110 مجلد -، قال: بعد إسقاط بعض أقسامه تحت ضغط التيار المتسنن الداعي إلى


 

[18]

الاتحاد من جهة واحدة ! !: ففي الوقت الذي ألفت فيه مئات المصنفات والمقالات - جاوزت الثمانمائة في العصر الحاضر - ضد الشيعة، وما من تهمة وفرية إلا وألصقوها بهم، وما من أكذوبة إلا وقذفوهم بها، وها هي تترى عليها اللكمات والصفعات من كل جانب، ونسبت إليهم عشرات الاتهامات والافتراءات، نجدها قد حكم عليها أن لا تقول كلمتها ولا تنبس ببنت شفة !. نعم، لقد تكالبت أيد مريضة طورا، وبسيطة أخرى، ومجرمة ثالثة.. مع ما كان للسلطة الحاكمة آنذاك من دور قذر، وجور مستمر، ومحاباة للظالمين و.. أن حرمت هذه المجلدات من أن ترى النور، وتظهر إلى الساحة.. إذ تجد دورة البحار - بأجزائها المائة وعشرة ويا للاسف - مبتزة عنها واسطة العقد، مسلوب من صدفها درها وجوهرها. * * * * * ثم إنه من دواعي نشري لهذه الفصول - وهي كثيرة جدا - ما أعتقده وأدين ربي به من أنه سبحانه وتعالى لا يقبل من عباده صرف الاقرار بتوحيده إلا بعد نفي كل إله وصنم يعبد من دونه، وبذا جاءت كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) بل قدم النفي على الاثبات، كما أنه - عز إسمه - لم يقبل صرف الاقرار بنبوة نبينا الخاتم محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا بعد نفي كل مدعي النبوة كمسيلمة وسجاح والاسود العنسي وأشباههم، فكذا لا تقبل الامامة الخاصة لسيدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إلا بعد النفي والجحد والبراءة من كل من نصب نفسه للامة دونه. وبعبارة أخرى، إن التوحيد مركب من جزءين، إيجابي وسلبي، يجمعهما كلمة التوحيد، فمن ادعى الربوبية أو عبد غيره سبحانه استوجب البراءة منه، وكذلك النبوة لا تتم إلا بالقول بأن محمدا صلى الله عليه وآله هو الرسول، ومن


 

[19]

ادعاها غيره استوجب البراءة منه، فكذا القول بالامامة فإنها لا تتم إلا بالقول بأن أمير المؤمنين عليه السلام هو الامام حقا والبراءة ممن ادعاها نظير من ادعى الالوهية والرسالة كاذبا، وبذا يتم الايمان. وكما أن ربنا هو مرسل رسولنا، فهو الذي عين له وصيا وخليفة، ومن لم يقل بذلك فقد خالفنا في أصول ديننا فضلا عن أصول مذهبنا. * * * * * ويحلو لي أن أورد نتفا مما جاء في كتب السابقين مثل ما ذكره السيد المرتضى علم الهدى في كتابه " الفصول المختارة ": 1 / 21 عن قول بعض الشيعة لبعض الناصبة - في محاورته له في فضل آل محمد عليهم السلام -:.. أرأيت لو بعث الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أين ترى كان يحط رحله وثقله ؟، فقال له الناصب: كان يحطه في أهله وولده. فقال له الشيعي: فإني قد حططت هواي حيث يحط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رحله وثقله.. وجاء فيه أيضا [1 / 7 - 9] - وكم له من نظير - وإليك نص كلامه في أكثر من محاورة له طاب رمسه، قال: ومن كلام الشيخ أدام الله عزه في إبطال إمامة أبي بكر من جهة الاجماع: سأله المعروف ب‍: الكتبي، فقال له: ما الدليل على فساد إمامة أبي بكر ؟، فقال له: الادلة على ذلك كثيرة، وأنا أذكر لك منها دليلا يقرب إلى فهمك، وهو أن الامة مجمعة على أن الامام لا يحتاج إلى إمام، وقد أجمعت الامة على أن أبا بكر قال على المنبر: (وليتكم ولست بخيركم فإن استقمت فاتبعوني وإن اعوججت فقوموني)، فاعترف بحاجته إلى رعيته، وفقره إليهم في تدبيره. ولا خلاف بين ذوي العقول أن من احتاج إلى رعيته فهو إلى الامام أحوج، وإذا ثبت حاجة أبي بكر إلى الامام بطلت إمامته بالاجماع المنعقد على أن الامام لا يحتاج إلى


 

[20]

إمام، فلم يدر الكتبي بم يعترض، وكان بالحضرة رجل من المعتزلة يعرف ب‍: عرزالة، فقال: ما أنكرت على من قال لك إن الامة أيضا مجمعة على أن القاضي لا يحتاج إلى قاض، والامير لا يحتاج إلى أمير، فيجب على هذا الاصل أن توجب عصمة الامراء والقضاة أو يخرج عن الاجماع. فقال له الشيخ أدام الله عزه: إن سكوت الاول أحسن من كلامك هذا، وما كنت أظن أنه يذهب عليك الخطأ في هذا الفصل، أو تحمل نفسك عليه مع العلم بوهنه، وذلك أنه لا إجماع فيما ذكرت، بل الاجماع في ضده، لان الامة متفقة على أن القاضي - الذي هو دون الامام - يحتاج إلى قاض هو الامام، والامير من قبل الامام يحتاج إلى أمير هو الامام، وذلك مسقط ما تعلقت به، اللهم إلا أن تكون أشرت بالامير والقاضي إلى نفس الامام فهو كما وصفت غير محتاج إلى قاض يتقدمه أو أمير عليه، وإنما استغنى عن ذلك لعصمته وكماله، فأين موضع إلزامك عافاك الله ؟ ! فلم يأت بشئ. ومن كلام الشيخ أدام الله عزه - أيضا -: سأل رجل من المعتزلة يعرف ب‍: أبي عمرو الشطوي، فقال له: أليس قد أجمعت الامة على أن أبا بكر وعمر كان ظاهر هما الاسلام ؟. فقال له الشيخ: نعم، قد أجمعوا على أنهما قد كانا على ظاهر الاسلام زمانا، فأما أن يكونوا مجمعين على أنهما كانا في سائر أحوالهما على ظاهر الاسلام، فليس في هذا إجماع، للاتفاق على أنهما كانا على الشرك، ولوجود طائفة كثيرة العدد تقول: إنهما كانا بعد إظهار هما الاسلام على ظاهر كفر بجحد النص. وإنه كان يظهر منهما النفاق في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال الشطوي [الشوطي]: قد بطل ما أردت أن أورده على هذا السؤال بما أوردت، وكنت أظن أنك [لا] تطلق القول على ما سألتك. فقال له الشيخ أدام الله عزه: قد سمعت ما عندي، وقد علمت ما الذي أردت، فلم أمكنك منه، ولكني أنا أضطرك إلى الوقوع فيما ظننت أنك


 

[21]

توقع خصمك فيه، أليس الامة مجمعة على أنه من اعترف بالشك في دين الله عزوجل والريب في نبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد اعترف بالكفر وأقر به على نفسه ؟. فقال: بلى. فقال له الشيخ أدام الله عزه: فإن الامة مجمعة [مجتمعة] لا خلاف بينها على أن عمر بن الخطاب قال: ما شككت منذ يوم أسلمت إلا يوم قاضى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله أهل مكة، فإني جئت إليه فقلت له: يا رسول الله ! ألست بنبي ؟ ! فقال: بلى، فقلت: ألسنا بالمؤمنين ؟ ! قال: بلى، فقلت [له]: فعلى م تعطي هذه الدنية من نفسك ؟ ! فقال: إنها ليست بدنية، ولكنها خير لك، فقلت له: أليس قد وعدتنا أن ندخل مكة ؟ ! قال: بلى، قلت: فما بالنا لا ندخلها ؟ !، قال: أو وعدتك أن تدخلها العام ؟ !، قلت: لا، قال: فسندخلها إن شاء الله تعالى، فاعترف بشكه في دين الله ونبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وذكر مواضع شكوكه وبين عن جهاتها، وإذا كان الامر على ما وصفناه فقد حصل الاجماع على كفره بعد إظهار الايمان، واعترافه بموجب ذلك على نفسه، ثم ادعى خصومنا من الناصبة أنه تيقن بعد الشك ورجع إلى الايمان بعد الكفر، فأطرحنا قولهم لعدم البرهان [منهم] عليه واعتمدنا على الاجماع فيما ذكرناه، فلم يأت بشئ أكثر من أن قال: ما كنت أظن أحدا يدعي الاجماع على كفر عمر بن الخطاب حتى الآن. وأورده العلامة المجلسي في بحار الانوار: 10 / 413 - 414. * * * * * ثم إن قضية الوحدة بين المسلمين ما هي إلا مسألة عقلية قبل أن تكون نصية، وفريضة شرعية قبل أن تكون مسؤولية اجتماعية، وهي - على كل حال - لا يمكن التعامي والتغاضي عنها أو غض الطرف عنها بعد قوله سبحانه وتعالى: [وأعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا] (آل عمران: 99) بذا أمر


 

[22]

سبحانه - على أن يكون حبل الله هو علي عليه السلام وولده كما صرحت به نصوص العامة فضلا عن الخاصة، وقد سلفت في ديباجة الكتاب. وتوعد عز اسمه على التهاون بالوحدة وتضييعها بالعذاب العظيم، فقال تعالى: [ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم] (آل عمران: 105). فالوحدة بين المسلمين يجب أن تفهم على أنها قضية رسالية أساسية لا سياسية وقتية، وهي ذات أبعاد متشعبة فرط بها قوم وأفرط آخرون، مع كل ما لها من الاهمية، وفي لزوم حمايتها والحرص عليها، إلا أنه - ويا للاسف - قد خلط بين الوحدة السياسية والدينية، حتى جرأ البعض - ممن لا بصيرة له - فقال بوحدة الاديان بعد أن فرغ من وحدة المذاهب ! !. فليست الوحدة هي كون الباطل حقا ولا الحق باطلا " فما ذا بعد الحق إلا الضلال " و " جاء الحق وزهق الباطل "، بل المنهج التحقيقي والموضوعية العلمية تستدعي الباحث عن الحقيقة أن يفحص ويبحث.. ثم يستنتج من رسالة السماء ما هو واجبه وما تمليه عليه فريضته، لا أنه تحت شعار حفظ الوحدة يهمل كل الفروع والاصول التي يلقاها خلال بحثه وتفتيشه، بل ينسى - ويا للعار - الحقيقة والحق، بل يلتزم الضلالة والباطل متذرعا بهذه اللفظة.. وهذا ما وجدناه عند بعض ممن شاركنا باسم المذهب. إذ البحث العلمي يتوخى دوما الحقائق المجردة عن أية مواقف مسبقة، أو التزامات نسبية، أو شعائر وعادات موروثة، أو أية اعتبارات تصرفه عن مسيره العلمي. فهل - يا ترى - تجنب الفرقة والخلاف والتمسك بالوحدة والوفاق يلزم منه توافق الجميع حتى فيما اختلفوا فيه ؟ !. وهل معنى الوحدة هي حفظ جميع الخلافات وأسبابها ودواعيها وجذورها إلى الابد.. ؟ !.


 

[23]

وهل معنى الوحدة هو مجرد مجاملات وتملق وتزلف بعضنا لبعض.. ؟ !. وهل هذا إلا تجديد للنزاعات الطائفية وتعميق الفرقة وتصحيح الخلاف، وفوق ذلك قتل بعضنا البعض بحجة العمل بما سار عليه رجال السلف.. ؟ !. وهل هذا إلا إبقاء للخلافات وحفظا لجذوره حية طرية فينا ما حيينا، كما هو واقعنا اليوم ؟ !. ولب المقال، إنه متى كان التمسك بأسباب الشقاق والخلاف هو الجامع المحقق لدواعي الانسجام والوحدة.. ؟ !. وحرام علينا استغلال شعار " الوحدة الاسلامية " لقتل روح التفكير الحر والبحث العلمي والتصدي للمسؤولية الشرعية، وتحجير عقولنا، وإماتة الحقائق متذرعين بهذه الذريعة لقتل الموقف القائم عن بصيرة ووعي !. ومسعانا وعقيدتنا ومسؤوليتنا - لو كنا مسلمين - تتلخص في حفظ الدين الحنيف كما أرادته السماء لنا، وقام الدليل بالالتزام بالموقف الحق الثابت الذي لا غبار عليه، وحمايته بالغالي والرخيص، وطرح جميع الافكار على طاولة التشريح والدقة في الدليل، سواء وافق ميول الاشخاص وأهواء هم أم خالفها. وليس معنى هذا - والعياذ بالله - هو الافراط - تحت هذه الذريعة - لتعميق الخلافات المذهبية، وتغذية الروح الطائفية البغيضة. فلو أخذنا بنظر الاعتبار وحدة العقيدة والمبدأ، واتحاد مصادر التشريع، والاتفاق على جملة من فروع الدين، وفوق هذا وحدة المصير والهدف، والعدو المشترك و.. لامكن بها إزاحة الكثير من العقابت التي تحول دون تفاهمنا، وبذا يحفظ المسلم حقوق أخيه المسلم بما بينه الشارع المقدس في مئات النصوص.. من حرمة دمه وماله وعرضه.. هذا عدا ما هناك من أحكام أخلاقية وآداب إسلامية فرضها عليه، كحرمة سبه - وكونه فسوقا -، وقتاله - وكونه كفرا -، وغشه - وعده حراما -، والغدر به - وصيرورته غيلة -، و.. هذا مع ما أمر به الشارع من الوفاء بوعده،


 

[24]

وإفشاء السلام عليه، وعيادة مريضه، وتشييع جنازته، وإكرامه واحترامه و.. بل هما كأعضاء الجسد الواحد يشد بعضه بعضا.. ويجب له ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لها.. * * * * * ثم إنه يلزمنا أن نطل على هذه الموسوعة من خلال عرض أبواب متفرقة تمت بشدة بموضوع بحثنا هذا، غايته أن هذه الاجزاء عدت بعض الروايات وحاولنا استدراك الباقي في خاتمة الكتاب مما جاء في أبواب متفرقة عن القوم، وهنا ندرج بعض العناوين العامة في أبواب متفرقة حول هذا الموضوع. فمثلا، باب: من يجوز أخذ العلم منه ومن لا يجوز، وذم التقليد والنهي عن متابعة غير المعصوم في كل ما يقول، ووجوب التمسك بعروة اتباعهم عليهم السلام وجواز الرجوع إلى رواة الاخبار والفقهاء الصالحين.. [2 / 81 - 105 باب 14]. باب: تأويل المؤمنين والايمان والمسلمين والاسلام بهم وبولايتهم عليهم السلام، والكفار والمشركين والكفر والشرك والجبت والطاغوت واللات والعزى والاصنام بأعدائهم ومخالفيهم [23 / 354 - 393 باب 20]. باب: أنهم (عليهم السلام) الابرار والمتقون والسابقون والمقربون وشيعتهم أصحاب اليمين، وأعداؤهم الفجار والاشرار وأصحاب الشمال [24 / 1 - 9 باب 23]. باب: أنهم (عليهم السلام) السبيل والصراط، وهم وشيعتهم المستقيمون عليها [24 / 9 - 25 باب 24، وباب 25 من أن الاستقامة إنما هي على الولاية]. باب: أن ولايتهم الصدق، وأنهم الصادقون والصديقون والشهداء والصالحون [24 / 30 - 40 باب 26].


 

[25]

باب: أن الحسنة والحسنى الولاية، والسيئة عداوتهم (عليهم السلام) [24 / 41 - 48 باب 28]. باب: أنهم (عليهم السلام) النجوم والع&