النشرة الهاشمية المكتبة الهاشمية الى الصفحة الرئيسية

فهرس الكتاب

الفصل الثاني الفصل الأول الإهداء وتمهيد البحث
الفصل الخامس الفصل الرابع الفصل الثالث

الفصل الخامس
دعاوى ورد

نتناول في هذا الفصل بعض الدّعاوى الّتي أطلقها بعص أنصار ولاية الفقيه العامّة، ثمّ نردّ عليها بما تسمح به الأدلّة والبراهين مفنِّدِين بذلك تلك المزاعم التي امتلأت بها طواميرهم الفقهيّة، وعند التأمّل في أدلّتها لا تجد سوى استحسانات عقليّة وتفريعات عاميّة تتكئ على أقيسة المخالِفِين الّذين نبذوا كلام العترة واعتمدوا القياس والمصالح المرسَلة وسدّ الذرائع وغيرها من المدارك التي لم تبتنِ على أسس الكتاب والسُّنّة الشريفة المتمثّلة بالأخبار الصّادرة عن مشكاة آل البيت عليهم السَّلام، من هنا ظنّ أصحاب هذه الأقيسة ـ ومنهم بعض فقهاء نظريّة ولاية الفقيه العامّة ـ بأنّ كلّ مجتهد وليّ، له أنْ يفعل ما يشاء، فيحلل ما يشاء ويحرّم ما يشاء، لأنّ المجتهد بنظرهم مصيب، لذا اعترف الغزالي بأنه لا يمكن إثبات حجية القياس إلاّ بتصويب كلّ مجتهد، بل إنّ المجتهد وإنْ خالف النصّ فهو مصيب وأنّ الخطأ غير ممكن في حقّه، وتبعهم على ذلك من الشيعة أصحاب نظريّة الولاية حيث صوّروا الفقيه الوليّ كأنه الإمام المهديّ (عليه السلام)، وعنه يأخذ مباشرةً وإليه يردّ الأحكام لكونه نائباً خاصّاً عند الإمام (عليه السلام) حقّاً وحقيقةً، ويلبّسون على البسطاء والسذّج فكرة أنّ الوليّ الفقيه لا يمكن أنْ يخطئ لأنه مسدَّد من قِبَل الإمام المهديّ، ومَن كان مسدَّدأً لا يمكن أنْ يطرق الخطأ مدركاته العقليّة وتصرّفاته الخارجيّة؟!!

الدّعوى الأولى:
إنّ الصيغة التي يمكن استفادتها لصورة الحكم الإسلامي والتي تمنح من خلالها الولاية للهيئة الحاكمة )بعد فرض عدم وجود المنصوص عليه من قِبَل السّماء كرسول الله عند جميع المسلمين والأئمّة المعصومين عليهم السَّلام عند الشيعة( هذه الصيغة هي أحد أمرَين: إمّا الشورى، وإمّا نظام نيابة الفقيه عن الإمام المعصوم(عليه السلام).

وبما أنّ الأوّل باطلٌ لكون الشورى لا تمتلك أي مستند شرعي مطلَقاً، فيثبت الثاني.

ثمّ أيّد صاحب الدّعوى اعتقاده لنظام الحكم في غيبة المعصوم (عليه السلام) بجملة تصوّراتٍ خالطاً فيها الظروف الزمكانية في عصر النص وما بعده إلى يومنا هذا، فلا يمكن ـ بحسب دعواه ـ أنْ تفرض نوعيّة عمليّة الشورى في مجتمع بدء الرّسالة بما يتناسب وفطرته الساذجة وقتئذٍ، هذه النوعيّة لا يمكن أنْ تفرض على كلّ الحالات والشعوب في كلّ حين، لأنّ صلاحية النظم نسبيّة، فما يصلح لقوم قد لا يصلح لغيرهم(1).

والخلاصة: إنّ صاحب هذا الرّأي لم يعطِ قيمة وأهميّة للشورى في عصر الغيبة، ظنّاً منه أنّ مبدأ ولاية الفقيه هو البديل لإقامة الحكم الإسلامي مدّعياً عدم وجود أدلّة على مبدأ الشورى في هيكليّة النظام الإسلامي باعتبار "أنّ كل أنظمة الشورى لا يمكنها أنْ تسعد البشريّة حقاً، ولكنّ هذا لا يعني أنْ لا طريق للإسلام إلى نظام النصّ على القائد، ومنحه الولاية العامّة، أو إعطاء الولاية العامّة لمَن هو ذو مواصفات خاصّة، وبذلك يمكنه أنْ يتدخّل تدخُّلاً مباشراً لإسعاد الإنسانيّة دون أنْ يبتلي بالنقص الّذي ابتلى به نظام الشورى"(2).

وفيه: إنّ هذه الدّعوى تسلب مجموع الأمّة الدّور الأساس عن طريق الشورى في نظام الحكم الإسلامي، وتُلغى دلالة الآيتين اللتين تناولتا علاقة الحاكم بالأمّة وأنه لا بدّ من استشارة الخبراء من أهل الإختصاص وذوي الحجى لانتخاب الرّأي الأصلح، فلو لم تكن الشورى ملاكاً شرعيّاً لنظام الحكم في عصر الغيبة لكان الرّجوع إلى أهل المشورة لغواً وعبثاً يتنـزه عن الأمر به الحكيمُ المتعال.

فانتخاب الرّأي الأصلح من خلال قوله تعالى: (فإذا عزمتَ فتوكّل على الله) يشير إلى المواصفات التي يجب أنْ يتّصف بها الحاكم أو الرئيس أو مَن يريد المشورة ولا دلالة فيها أيضاً على نصب الوالي الفقيه ولا على الخليفة بعد الرّسول، لأنّ النصب والجعل بحاجة إلى دليلٍ آخر منفصل، فغاية ما تدلّ عليه الآيتان الشريفتان أنه على المؤمنين أنْ يتشاوروا في أمورهم الدنيويّة لئلاّ يقعوا في محذور التقاتل والتناحر، وعليهم أنْ يختاروا الرّأي الأصلح لتيسير شؤونهم وتدبير حياتهم الإجتماعيّة والأخلاقيّة والإقتصاديّة وما شابه ذلك، وهذا ما تدلّ عليه الآية (وأمرهم شورى بينهم). فالأمور المتداخلة بين الحاكم والمحكوم والرّئيس والمرؤوس يجب أنْ تكون على أساس الشورى لا التفرّد بالرأي والإستبداد بالرأي، وهذا الإشتراك لا يستلزم أنْ يكون الرّئيس أو الحاكم منصوباً من قِبَل الشارع المقدَّس بواسطة قوله تعالى: (وشاورهم في الأمر) إذ لا ملازمة بين المشاورة وبين تنصيبه حاكماً على الأمّة، بل غاية ما تدلّ عليه الآيتان أنّ على الأفراد والجماعات أنْ يتشاوروا في حال أقدموا على أمور فيها صلاحهم وخير دينهم ودنياهم لئلاّ يستبدّ طرف بآخر، من هنا ورد عن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) قال: "مَن استبدّ برأيه هلك ومَن شاور الرّجال شاركها في عقولها"(3)، فنظام الشورى هو الحلّ الوحيد لحلّ نزاعات الحكم والسلطة، وبهذا النظام أخذت الدّول التي لا تدين بالإسلام فاتخذت المجالس النيابيّة ومجالس الشيوخ وغير ذلك ليتدارسوا كلّ المسائل والمستجدّات التي تطرأ على أنظمة حكمهم لينتخبوا ـ بعد الدراسة والتمحيص ـ القرارات الصائبة التي تصبّ في خانة الخير والصلاح لمجتمعاتهم.

فالآيتان ـ إذن ـ هما في صدد بيان تأسيس الهيكليّة العامّة التي يجب أنْ يتصف بها الأفراد والجماعات والمؤسَّسات والحكومات ولا علاقة لها بتنصيب أهل الحلّ والعقد على سدّة الخلافة، ولا تأسيس سلطة لفئة دون أخرى مهما كان لونها وعرقها، بل ما نراه أنّ الأمر بالمشورة يعارض ويصطدم مع أوامر الفقيه الوالي الّذي استدلّوا على ولايته بقوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم)، وعليه؛ فإذا لم تدلّ آيتا الشورى ـ على القول بالتعميم ـ على شكل النظام فعلامَ إذن تدلّ ؟!!

إنْ قيل: إنّ قوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم) إنما تدلّ على أنّ للفقهاء أنْ يتشاوروا فيما بينهم في مجال السلطة التنفيذيّة لفقهاء الولاية دون سائر الناس، فتكون الآية مقيدة ومخصّصة في دائرة الفقهاء فقط.

قلنا: إنّ تقييدها بفئة خاصّة من الناس وهم الفقهاء خلاف الإطلاق في قوله تعالى: (وأمرهم) حيث فيه شمول لكلِّ أمرٍ صادرٍ من المكلَّفين غير أمر الخلافة، فالضمير في (أمرهم) راجع إلى كلّ المكلَّفين، وحصره بفقهاء الولاية دون سائر الفقهاء وبقيّة الناس خلاف الشمول والإطلاق في الآية لا سيّما وأنّ المشرِّع في مقام البيان.

مضافاً إلى أنّ التخصيص المذكور لا يتكئ على آيةٍ أو روايةٍ بل كل ما في الأمر أنه نخصيص ذوقي، مع أنّ العرف لا يستسيغ بأيّ وجهٍ تخصيص الآية الكريمة وجعلها في دائرة فقهاء الولاية دون غيرهم من الفقهاء وعامّة الناس.

ودعوى: إنّ موضوع مَنْ يُرْجَع إليه في التشاور هم الفقهاء القائلين بالولاية في مجال التنفيذ وملء منطقة الفراغ التي تركتها الشريعة للفقيه، فتكون آية الشورى خاصّة بالفقهاء في مجال التنفيذ وملء الفراغ، مدفوعة: بأمرَيْن:

الأوّل: إنّ الإطلاق أو العموم (حسبما أشرنا) في نسبة الأمور إلى عامّة المؤمنين يقتضي الإطلاق أو العموم في المستشارين، ولا ميزة لفقهاء الولاية على غيرهم، كما إنّ المتعلَّق من هذه الناحية محذوف وهو دليل العموم.

بالإضافة إلى أنّ القدر المتيقّن من ثبوت حقّ التشاور إنما هو الأمّة حيث لها حقّ انتخاب مرشّحيها للحكم، فتكون الآيتان المباركتان دلالةً واضحة على منح الأمّة ذاك الحقّ، فلفظ "الأمر" في "أمرهم" و"في الأمر" يشمل: كلّ ما له علاقة في تيسير شؤون حياة المكلَّفين، والأخذ بأيديهم إلى ما منه الصّلاح والفلاح، وليس فيه دلالة أصلاً على مبدأ الولاية العامّة الّذي أسَّسه المخالفون وتبعهم على ذلك بعض الشيعة السائرين في ركبهم، تلك الولاية التي يستفاد منها الهيمنة والإستبداد من قِبَل فردٍ لا يملك تلكم الخصائص التي هي مواصفات ذاتيّة للمعصوم الوليّ عليه السَّلام.

الثاني: إنّ الأمر بالمشورة يتعارض مع استقلال الفقيه الوالي ـ حسبما يعبّرون ـ لأنّ معنى كونه وليّاً فقيهاً هو أن لا يعارضه أو يزاحمه شيء آخر كالمشورة مع بقيّة الفقهاء أو مع أهل الإختصاص بل إنّ أمر الفقيه الوالي نافذ ـ إنْ تمّتْ إطلاقات أدلّة الولاية التي يقولون بها ـ في كلّ المجالات، سوآء أكان ذلك في مجال التنفيذ وملء الفراغ أم في المجالات الشرعيّة الأخرى المتعلِّقة بالعناوين الأوّلية دون الثانوية أو الإضطراريّة التي يشترك فيها مطلَق الفقيه مع غيره من عامّة المكلَّفين.

إنْ قيل: إنّ إطلاقات أدلّة ولاية الفقيه ـ إنْ تمّت ـ حاكمة على أدلّة الشورى، فتنتفي المعارَضة.

قلنا: لا وجه للحاكميّة لوجود القرينيّة في ذيل قوله تعالى: (فإذا عزمتَ فتوكّل على الله) لأنّ عزمه فرع انتخاب الرّأي الأصلح للأمّة، وكأنّ الأمّة هي المنتخِبة والمختارة لكنْ بواسطة الرّسول الّذي لا رأي له أمام ما ينفع المكلَّفين ويُرشد حالهم، فمصلحة الأمّة حينئذٍ حاكمة على رأي الفقيه الوالي، مع أنّ أدلّة ولاية الوالي الفقيه تأمر بإطاعة أوامره حتى لو كانت على خلاف مصلحة الأمّة، لأنّ الفقيه الوالي ـ بحسب ما يدّعي أصحابها ـ له الحاكميّة على تصرّفات الأمّة بل له الولاية على أنفاسهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم.

فإذا كانت تصرّفات الوالي حاكمة على تصرّفات الأمّة لمصلحة يرتئيها فلا معنى حينئذٍ لأنْ يستشيرهم لينتخب الأصلح ما دام يملك من الأساس القدرة على الإنتخاب، فدعوى حاكميّة الوالي على آيتي الشورى غير تامّة لكون مفادهما حاكميّة الأمّة على رأي الوالي الفقيه فينتفي الترجيح المزعوم.

إنْ قيل: إنّ الشّورى تفرض نفسها في المساحة التي تركتها الشريعة ـ منطقة الفراغ ـ ولم تقضِ فيها بقضاء من الله ورسوله له طبقاً لقوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أنْ يكون لهم الخيرة من أمرهم) (الأحزاب/36).

وحيث إنّ الوالي الفقيه قد عيّن من قِبَل الله تعالى كما هو الحال في عصر الرّسول، فهو قضاء من الله تعالى بأنه رئيس الدّولة الإسلاميّة، ولا مورد فيه للشورى، وهكذا في عصر غيبة الإمام (عليه السلام)، لذا فلا معنى لطرح مسألة القيادة على بساط الشورى وانتخاب جميع الامّة(4).

وبتعبيرٍ آخرٍ: إنّ لفظ "الرّسول" في الآية عام، حيث يشمل الفقيه الوالي، فتصير فتواه قضاء الله ورسوله، فهو رئيس الدّولة، ولا مورد فيه للشورى.

قلنا: إنّ مورد لفظ "رسوله" في الآية خاص برسول الله والأئمّة الأطهار، ولا يمكن تعميمه على غيرهم، للتبادر وصحّة السلب، إذ يصحّ سلب اللفظ عن غير النبي والأئمّة وعند الإطلاق يتبادر من اللفظ مَنْ ذكرنا ولا يتعدّاه إلى غيرهم عرفاً واصطلاحاً، مضافاً إلى أنّ القدر المتيقّن من الرسوليّة هو فئة خاصّة من الناس، فالتخطّي عنه إلى غيره مشكوك، والعمل بالمشكوك من أشكل المشكلات.

الدّعوى الثانية:

وجود ملازمة بين نظام ولاية الفقيه وبين إقامة النظام الإسلامي، بدعوى أنّ الإسلام جاء ليحكم الناس وينظّم أمورهم ولا يتمّ هذا إلاّ بواسطة الدّولة، فعدم وجودها يعني ضياع ثغور المسلمين وانتهاكها، وعليه؛ فإنّ وجود دولة أو حكومة يعتبر ضرورة من ضروريات الحياة(5).
يرد عليه:
بأنه لا ملازمة بين إقامة النظام الإسلامي القائم على أساس العدل بين الناس، وأعطاء الحقوق لذويها، ومنع الظالم ونصرة المظلوم، وبين الإعتقاد بالولاية العامّة للفقيه، إذ يمكن تطبيق العدل دون أنْ يكون الحاكم معتقداً بولاية الفقيه العامّة، وهل تطبيق العدل منحصر بولاية الفقيه أو حكراً على نظام الولاية؟! وإذا كان كذلك فكيف نصوّب أفعال الشيعة قبل ولادة مَن قال بولاية الفقيه العامّة، فهل كانوا ـ أي الشيعة ـ غير عدولٍ لأنهم لم يعتقدوا بولاية الفقيه، إذاً فإنّ المتقدّمِين والمتأخّرِين من فقهاء الإماميّة الّذين لم يعتقدوا بمبدأ الولاية العام لا بدّ أنْ يكونوا من الفسّاق والظالمين لكونهم لا يقولون بولاية الوالي الفقيه؟ مع أنّ مَنْ يقول بولاية الوالي الفقيه يعتقد بعدالة أولئك المتقدِّمِين، بل ويتبرّك بالإستشهاد بأقوالهم فلا بدّ حينئذٍ من القول بعدم وجود ملازمة بين الأمرين.

مضافاً إلى أنّ قيام النظام الإسلامي في بعض أشكاله دون تطبيق الحدود والتعزيرات لا يُخرجه عن الإسلام ما دام القيّمون عليه يحكمون بالمبادئ العامّة لقانون العدالة والمساواة ومنع الإعتداء، أمّا النواحي الأخرى كقانون العقوبات الجزائيّة بتفاصيلها وتفريعاتها الفقهيّة، فليس شرطاً في صحّة قيام نظام إسلامي غير رأسمالي أو إشتراكي وما شابه ذلك، إذ العمل بالضوابط العامّة لقانون العدالة كافٍ في صدق تسمية العدل عليه وهو في الواقع من صميم الإسلام حتى ولو كان القائمون عليه من عبدة الأوثان والنيران، وكلّ نظام يتظاهر بالإسلام ويضع على الأفواه كمّامات بل ويخمد الأنفاس من الأساس، فلا قيمة له، وهو في الواقع نظام دكتاتوري لا علاقة له بالعدل أو الإسلام حتى ولو كان أصحابه من أعاظم الفقهاء وأفاضل العلماء.

وأودّ أنْ أنبّه إلى مسألة مهمّة وهي أنّ إقامة الحدود والتعزيرات في زمن الغيبة ليس على نحو الوجوب على مسلك المشهور، فيمكن إقامتها إذا توفّرت الشروط والظروف الموضوعيّة عند الفقيه، فيمكن لاي فقيه توافرت فيه المواصفات وليس ثمّة موانع تصدّه، أنْ يقيم الحدود والتعزيرات لا على نحو الوجوب بل مستحب له ذلك أو يُباح له على أبعد تقدير، والأقوى ما ذهب إليه المشهور إقامة الحدود في عصر الغيبة مع أنه لا يقول بولاية الفقيه العامّة، فالأمر حينئذٍ يبدو واضحاً بلا حاجة إلى إقامة برهان، وذلك لوضوح أنّ إقامة الحدود فيها مصلحة للعوام (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) وتنبيه للخواص (وليذكر أولوا الألباب) (إبراهيم/52)، (إنّ في ذلك لآية لقومٍ يَذَّكَّرون) (النحل/13).

مضافاً إلى أنّ الأحكام لا تعطّل وليست خاصّة بزمان دون آخر وعدم إجرائها في أزمنة أئمتنا عليهم السَّلام كان نتيجة لموانع من حكام الجور والظالمين.

والحاصل: إنّ إقامة الحدود والتعزيرات إنْ قلنا بوجوب إقامتها في عصر الغيبة ـ كما هو على مسلك القائلين بولاية الفقيه، وبالجواز على مسلك المشهور ـ تدخل في الأمور الحسبيّة التي لا بدّ من تحققها في الخارج وأنّ الله تعالى لا يرضى بتركها، فالفقيه له حقّ التصرّف في ذلك من جهة الحُسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن لا بالمعنى المدَّعى وهو الولاية العامّة، بل بعنوان الوكالة والنيابة العامّة على بعض الموارد التي نقطع بعدم رضا الشارع بتركها وإهمالها، وهي تستلزم نفوذ تصرفاته بنفسه أو بوكيله وانعزال وكيله بموته، وذلك من باب الأخذ بالقدر المتيَقَّن، والقدر المتيقَّن ممّن رضي الشارع المقدَّس بتصرفاته إنما هو الفقيه الجامع للشرائط، فالثابت للفقيه جواز التصرّف دون الولاية.

وبما تقدّم يظهر أنّ مورد الحاجة إلى إذن الفقيه في تلك الأمور الحسبيّة مما لا بدّ منه، لأنّ إقامة الحدود لا تصحّ لكلّ أحد بل هي خاصّة بفئة خاصّة من الناس وهم المجتهدون العدول لكونهم حجج الإمام (عليه السلام) في عصر الغيبة، وهم أدرى الناس بالأحكام والحدود وكيفيّة إجرائها.

فإذا ما كانت إقامة تلكم القضايا من الأمور الحسبيّة المختصّة بالفقيه لا الوالي، فعلام التشويش على فقهاء الإماميّة من قِبَل بعض مؤسّسي ولاية الفقيه وادّعائهم الملازمة بين إقامة الحدود وولاية الفقيه؟!!

وسواء أكانت إقامة الحدود على نحو الوجوب أو الحرمة أم الإباحة التي هي القدر المتيقن منها في عصر الغيبة، فإنّ عدم إقامتها لموانع، لا يُسقط بقيّة المواصفات التي يجب أنْ يتصف بها النظام أو المجتمع الإسلامي ، وعليه فلا ملازمة بين إقامة مجتمعٍ يتصف بالعدل والمساواة وتطبيق الحدود وبين ولاية الفقيه العامّة، فيمكن لفقهاء الشورى أو عدول المؤمنين من إقامة الحدود إدراجاً لها تحت الأمور الحسبيّة لكن بإذن وإشراف المجتهدين العدول.
الدعوى الثالثة:
إنّ الأحكام الإلهيّة سواء الأحكام المربوطة بالماليات أو السياسات أو الحقوق لم تنسخ، بل تبقى إلى يوم القيامة، ونفس بقاء تلك الأحكام يقضي بضرورة حكومة وولاية تضمن حفظ سيادة القانون الإلهي وتتكفل لإجرائه، ولا يمكن إجراء أحكام الله إلاّ بها، لئلاّ يلزم الهرج والمرج، مع أنّ حفظ النظام من الواجبات الأكيدة، واختلال أمور المسلمين من الأمور المبغوضة، ولا يقوم ذا ولا يسدَّ عن هذا إلاّ بوالٍ وحكومة"(6).

وتقريب دليله: إنّه ثمّة ملازمة بين بقاء الأحكام الإلهيّة وتطبيقها وبين ضرورة وجود حكومة وولاية مطلَقة للفقيه، بل لا يمكن إجراء الأحكام إلاّ بالحكومة والولاية وإلاّ يلزم من ذلك الهرج والمرج.

وفيه من الإشكال ما لا يخفى، حيث إنّ وجود ملازمة بين تطبيق الأحكام وبين ضرورة وجود حكومة وولاية تستلزم أنْ يكون بين هذه الأحكام ارتباط على نحو العلية والمعلوليّة، فإذا ذهبت العلّة ذهب المعلول، مع أنّ هذا لم يقل به أحد من فقهاء الإماميّة على الإطلاق، وباطل بالأدلّة العقليّة الفلسفيّة والنقليّة الشرعيّة، إذ يمكن أنْ تُقام الأحكام المربوطة بالماليات أو السياسات والحقوق بنظام إسلامي يتبنّى الشورى في مواقفه الإجرائيّة والتنفيذيّة والشرعيّة والإجتماعيّة وغيرها، فلا ملازمة حينئذٍ بين تطبيق الأحكام الإلهيّة وبين ضرورة وجود حكومة وولاية للفقيه بالمعنى الّذي ذكرته الشبهة، وعلى فرض وجود ملازمة بين الأمرين فلِمَ لم تُطبق الأحكام الإلهيّة بإقامة الحدود والتعزيرات في الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة منذ تأسيسها إلى يومنا هذا؟!! فإذا كانت المصلحة تقتضي أنْ تعطّل الأحكام الإلهيّة سنين متمادية، وبالضبط مذ نشأت الدولة الإسلاميّة في إيران، فمن الطبيعي إذن أنْ لا تكون هناك ملازمة بين إقامة الأحكام وبين قيام دولة إسلاميّة وولاية مطلقة للفقيه، وعليه؛ فإنّ الإشكال واقع على مَن قال بالملازمة حيث إنّ عدم إقامة الأحكام في ظلّ قيام الدّولة الإسلاميّة استلزم الهرج والمرج، فعلامَ التشويش إذن على مَن لم يقل بوجود ملازمة بين الأمرين؟!!

وعلى فرض حصول هرج ومرج من خلال عدم إجراء الأحكام المذكورة، فيمكن رفعها بتطبيق نظام الشورى ـ حسبما ذكرنا آنفاً ـ دون أنْ يكون للفقيه ولاية مطلَقة على كلّ شيء، ولو كانت ثمّة ملازمة لما أجاز مشهور فقهاء الإماميّة تطبيق الأحكام في عصر الغيبة إذا بُسطت يد الفقهاء وأمنوا من الضرر، وقول المشهور لا يقتضي الإعتقاد بالولاية المطلَقة للفقيه.

وتشدُّق البعض بأنّ الشيخ المفيد يقول بثبوت الولاية العامّة لم يكن عن إلمام بما قاله المفيد، إذ إنّ الشيخ المفيد قد صرّح في المقنعة بأنّ إقامة الحدود متوقفة على مَن نصّبه الأئمّة من الأمراء والحكّام في عصر حضورهم، أمّا في حال غياب مولانا الحجّة (عليه السلام) فقد فوّضوا النظر فيه إلى فقهاء الإماميّة مع الإمكان وها هي عبارته التالية: "فأمّا إقامة الحدود: فهو إلى سلطان الإسلام المنصوب من قِبَل الله تعالى، وهم أئمّة الهدى من آل محمّد عليهم السَّلام، ومَن نصبوه لذلك من الأمراء و الحكّام، وقد فوّضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الإمكان. فمَن تمكّن من إقامتها على ولده وعبده، ولم يخف من سلطان الجور إضراراً به على ذلك، فليقمها، ومَن خاف من الظالمين اعتراضاً عليه في إقامتها، أو خاف ضرراً بذلك على نفسه،أو على الدّين، فقد سقط عنه فرضها"(7)، ومعلومٌ أنّ مراده من "النصب" هم المنصوبون بالنصب الخاص لا النصب العام، ولو كانت إقامة الحدود متعيّنة على الفقهاء من باب النصب الخاص لَمَا جاز التفويض إليهم مع الإمكان، إذ مع النصب والجعل لا يصحّ التفويض والإختيار لأنّ الفقهاء في حال تمكنهم من إقامة الحدود لا يصحّ إلقاء التفويض إليهم بل إقامتها حينئذٍ متعيّنة عليهم، فتأمّل.

ودعوى البعض الآخر بأنّ المفيد يقول بالولاية العامّة تمسكاً بظاهر قوله: "ومن تأمر على الناس من أهل الحق بتمكين ظالم له، وكان أميراً من قبله في ظاهر الحال، فإنما هو أمير في الحقيقة من قبل صاحب الأمر الّذي سوّغه ذلك واذن له فيه.."؛ مردودة وذلك لأنّ إقامة الحدود في زمن الغيبة جائز وسائغ، ويشهد له ذيل كلامه فالمؤمن المنصوب من قِبَل الظالم، عليه أن يقيم الحدود فيما لو أمره بإقامتها الظالم، ويكون بذلك مطبقاً لحكم الإمام (عليه السلام)، لأنه في الحقيقة أمير وسلطان على الحدود من قِبَلِهِ (عليه السلام) وليس من قِبَلِ الظالم.

وبما تقدّم معنا سابقاً، يندفع ما قاله بعضٌ محاولاً الإنتصار على خصمه في محاورة تلفزيونيّة بأنّ صاحب الجواهر محمّد حسن النجفي قد صرّح بأنّ عدم القول بالولاية العامّة يعتبر وسوسة، بل إنّ مَن لم يعتقدها من الفقهاء ما ذاق طعم الفقه ولا فهم من قولهم ورموزهم أمراً حسبما صرّح ذلك حقيقةً في جواهره:21/397 باب الجهاد، إلاّ انّ كلامه في ولاية الفقيه على الحدود والتعزيرات لا على كلّ شيء، من هنا حكم النجفي بوجوب إقامة الحدود مع أمن ضرر السلطان على الفقيه أو على غيره من الشيعة ولو بقبول الولاية من قبله وإظهارها عنه ـ حسبما ذكر ذلك في مطاوي كلامه ـ فكلامه مقتصر على الولاية العامّة بالمعنى الأخص التي تشمل الحدود والتعزيرات دون الولاية بالمعنى الأعمّ الّذي أسس بنيانها السيّد الخميني، وجميع الفقهاء قديماً وحديثاً ملتزمون بصحّة إقامة الحدود والتعزيرات لكنهم مختلفون في طبيعة الحكم الّذي يؤدّي إلى تنفيذها، فالمشهور قال بجواز ذلك، والنراقي وصاحب الجواهر وأمثالهما قالوا بالوجوب،وإلصاق صاحب الجواهر صفة الوسوسة بمن لم يعتقد بالولاية العامّة خطأ صريح كان ينبغي أنْ لا يصدر منه، فهو إسائة أدب إلى أساطين فقهاء الإماميّة الّذين لم يعتقدوا بالولاية العامّة وإنْ قالوا بجواز إقامة الحدود والتعزيرات من باب الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وللإطلاقات الواردة في الكتاب الكريم الدالّة على استمراريّة تنفيذ الأحكام الشرعيّة ـ حسبما أشرنا سابقاً ـ لا سيّما مثل قوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب)، وقلنا إنّ المحقق الخوئي رحمه الله لا يقول بالولاية العامّة للفقهاء لكنه يرى ـ كغيره من فقهاء الإماميّة ـ أنّ إجراء الحدود لا بدّ منه في عصر الغيبة ولا تتعطل أحكام الشريعة، بل يرى مشروعيّة الجهاد الإبتدائي في عصر الغيبة إذا توافرت شروطه، مع انّ صاحب الجواهر لا يراه مشروعاً مع اعتقاده بالولاية العامّة.

إذن لا ملازمة بين مَن يقول بوجوب أو جواز إقامة الحدود وبين الولاية للفقيه كما لا ملازمة بين مَن يقول بالجهاد الإبتدائي وبين الولاية أيضاً، فهي أمور نسبيّة يجب ملاحظة متعلقاتها لئلاّ يلتبس الحقّ بالباطل فيخفى على كثيرين.

الدّعوى الرابعة:
إنّ ولاية الفقيه هي نفس ولاية المعصوم، فلا فرق بين ولاية المعصوم وولاية الفقيه العادل من حيث العموم والشمول، أجل، إنّ منـزلة المعصوم أرفع من منـزلة الفقيه، ولكن وظيفتهما واحدة حتى في السلطة والإمارة، وهل هناك فرق بين ولاية المعصوم على الصغار وولاية الفقيه مثلاً؟ "وإذا فرضنا النبي والإمام عليهما السَّلام قيمين على الصغار فإنّ مهمتهما في هذا المجال واحدة كمّاً وكيفاً، لا تختلف عن أيّ فردٍ عادي آخر إذا عُيّن للقيومية على نفس أولئك الصغار، وكذلك قيوميتهما على الأمّة بأسرها من الناحية العمليّة لا تختلف عن قيوميّة أي فقيه عالم عادل في زمن الغيبة(8).

جوابها:
(أوّلاً): كلّ ما أوردناه سابقاً على ولاية الفقيه العامّة نورده هنا على هذه الدّعوى، وهذه الدّعوى هي التي من أجلها قمنا بالنقض على الولاية العامّة، لكونها من مختصّات المعصوم (عليه السلام) التي لا تُعطى أو تُوهَب لأحدٍ على الإطلاق مهما علا شأنه وسمت مكانته، وإلاّ لكان أعطاها أئمتنا إلى بعض أصحابهم، مع أنّ شيئاً من هذا لم يحصل أصلاً، بل الحقَّ أقولُ إنّ هذه الولاية المدّعاة هي نفسها التي ادّعاها وتقمّصها إبن أبي قحافة وعمر وعثمان، من هنا شدّد أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) النكير على أولئك المتقمّصين الّذين اغتصبوها من أصحابها، فكما إنه لا فرق ـ بنظر أتباع ولاية الفقيه ـ بين الإمام المعصوم (عليه السلام) وبين ولاية الفقيه من حيث الشمول والعموم، كذا لا فرق بينه وبين ولاية أبي بكر الّذي تقمّص ولاية أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) إلاّ من حيث أنّ أبا بكر ينكر الخلافة الخاصّة بأمير المؤمنين، لكنّه يدّعي الخلافة عن رسول الله محمّد صلّى الله عليه وآله وسلَّم بخلاف العلماء المدّعين للولاية حيث يعتبرونها امتداداً لولاية الأئمّة عليهم السَّلام لكنّ الجوهر والهدف واحد وهو غصب الخلافة الشرعيّة من أهلها، أعاذنا الله تعالى من شطحات الأوهام وزلاّت اللسان، وغفلة القلب، وسكرة العقل، بحقّ محمّد وآله الطاهرين.

(ثانياً): لا ريب أن ثمّة تفاوتاً في المنـزلة بين المعصوم (عليه السلام) والفقيه، بل لا يمكن قياس أحد من العالمين على المعصومين من عترة آل محمّد عليهم السَّلام، والتفاوت في المنـزلة يستلزم التفاوت في الآثار لا محالة، من هنا كان للمعصوم (عليه السلام) الولاية على الكبير والصغير، فقيهاً أو غير فقيهٍ، ولا ولاية للمجتهد على نفسه وأمواله، فلا يحقّ له أنْ يتلف عضواً من أعضائه أو أنْ يقتل نفسه وما شابه ذلك، فكيف تكون له ولاية على غيره يفعل به ما يشاء بحجّة المصلحة الإسلاميّة العليا، وكأنّ الآخرين خُلقوا له، حياتهم وأموالهم وأعراضهم تحت أمره، فهم عبيد له ولزمرته وحاشيته وأعوانه وأنصاره.

وأمّا المساواة في الولاية على الصغار ـ حسبما أفادته الدّعوى ـ بين المعصوم (عليه السلام) والفقيه كمّاً وكيفاً فلا تستدعي بحالٍ أنْ تكون ولاية المجتهد كولاية المعصوم الّذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم دون استثناء.

مضافاً إلى أنه ليس للفقيه صلاحيّة خارج دائرة الأحكام الفرعيّة أو التصرّف بأموال الناس، لكنّ صلاحيّة المعصوم (عليه السلام) أوسع بكثير من صلاحيات الفقيه بحيث تطال التشريعات والأحكام الإلهيّة والقوانين بل ولاية الأئمّة فوق الولاية الشرعيّة؛ فإنهم أولياء الأمور على مرّ العصور، ومع هذا فإنّ هذه الولاية الشرعيّة المطلَقة لم تقف على حدّ المعصوم (عليه السلام) حتى ألصقها السيّد الخميني إلى نفسه، فصارت ولايته أهمّ من الصّوم والصّلاة والحجّ والزكاة، فها هو يقول:

(إنّ ولاية الفقهاء المطلَقة هي نفس الولاية التي أعطاها الله إلى نبيّه الكريم والأئمّة عليهم السَّلام، وهي من أهمّ الأحكام الإلهيّة، ومقدَّمة على جميع الأحكام الإلهيّة، ولا تتقيّد صلاحياتها في دائرة هذه الأحكام، فالحكومة تعتبر من الأحكام الأوليّة، وهي مقدَّمة على الأحكام الفرعيّة حتى الصّلاة والصّوم والحج، وتستطيع الحكومة أنْ تلغي من جانب واحد الإتفاقات الشرعيّة التي تعقدها مع الأمّة، إذا رأت أنها مخالفة لمصالح الإسلام أو الدّولة،كما تستطيع أنْ تمنع أي أمر عبادي أو غير عبادي يخالف المصالح العامّة، وللحكومات صلاحيات أوسع من ذلك) (9).

"فهو يرى أنّ دائرة صلاحيّات وسلطات الوليّ الفقيه أوسع بكثير مما يراه الفقهاء الآخرون"(10).
وا...إسلاماه!...
إنّ هذه الولاية المطلَقة للسيّد الخميني لم تكن لرسول الله والأئمّة عليهم السَّلام إذ لا يحقّ للرسول والعترة أنْ يغيّروا أحكام الله، ولا يقلبوا الحلال إلى حرام وبالعكس، كما لا يمكنهم أن يجحدوا الأحكام الفرعيّة وما شابه ذلك لقربهم من المولى وعصمتهم ولكونهم مبلِّغِين عن الله تعالى ليس لهم من الأمر شيء قال تعالى:

(يا أيها الرّسول بلِّغ ما أُنـزلَ إليكَ من ربّك..) (المائدة/67).

(يا أيها المدثر قم فأنذر..) (المدثر).

(فذكِّر إنما أنتَ مذكِّر لست عليهم بمصيطر)(الغاشية/21-22).

(الّذين يبلّغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله) (الأحزاب/39).

(إنْ هو إلاّ وحيٌ يوحى..) (النجم/4).

(ليس لكَ من الأمر شيء) (آل عمران/128).

وقوله (عليه السلام): "حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة"(11).

فإذا لم يكن لرسول الله من الأمر شيء، فكيف يكون للخميني أشياء وأشياء؟، أتراه سبحانه وتعالى فوّض دينه إليه وأطلق له العنان في أحكامه عزّ وجلّ يتصرّف فيها حسبما يراه نظره، ولا يفوضه ولا يطلقه إلى رسوله والغرّ الميامين من آله الطاهرين وهم سادة الخلق وقوّاد الرّحمة وسبل النجاة؟!

ولم يكتفِ السيّد المذكور بتلك المقالة الخاطئة حتى جعل حفظ الجمهوريّة الإسلاميّة أهمّ من حفظ كلّ الأنفس حتى نفس صاحب الزمان (عليه السلام) وها هي عبارته:

"إنّ حفظ الجمهوريّة الإسلاميّة أوجب من حفظ الأنفس ولو كانت نفس صاحب الزمان (عليه السلام)".

بل ترقّى أصحاب النظريّة إلى شيء آخر لا يقلّ خطورة عن الأول، فادّعوا أنه لا يمكن بلوغ حبّ الإمام المهديّ دون حبّ الخامنئي، فقال بلال نعيم تحت عنوان "لا يمكن بلوغ حبّ المهديّ دون حبّ الخامنئي": "فليتدبّر كلّ مؤمن أمره، وليلتفت كل طالب للسعادة الأبديّة وكلّ طامح لبلوغ الغايات الرّفيعة، إنّ كلّ ذلك لا يتحقّق إلاّ بالوسيلة وهي اليوم ومع غياب المعصوم الحجّة الفقيه الوالي الّذي يضبط عمليّة السلوك ويوجّهها، بحيث إنّ المؤمن العابد العالم حتى لو أراد أنْ يصل إلى عرفان هو أسمى من عرفان الوالي فليس له طريق سوى هذا الوالي، فحتى لو كان الوالي أسامة والعالِم سلمان الفارسي، فإنّ عرفان سلمان يبقى محفوفاً بخطر الخروج على طاعة أسامة، واليوم كل معرفة غير مرتبطة بولاية الخامنئي هي وساوس، وكلّ رؤىً دون ولايته أضغاث أحلام"(12).

لن أعلّق على هذا لأنّ القلم عندي تكسّر ويدي ترتجف وقلبي يضطرب من هول تلكم العبارات التي تنمّ عن عدم الإيمان بآل محمّد، إنّ تلكم الكلمات المقزِّزة تذكّرني بما قاله معاوية لأهل العراق:"إني والله ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا، إنكم لتفعلون ذلك، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون"(13).(وسيعلم الّذين ظلموا ـ آل محمّد ـ أي منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين).

هوامش الفصل الخامس:
(1) ـ أساس الحكومة الإسلاميّة للحائري:78.
(2) ـ أساس الحكومة الإسلاميّة:78 بتصرّف ببعض العبارات.
(3) ـ نهج البلاغة/قصار الحكم:500 رقم الحكمة161 صبحي الصالح.
(4) ـ أساس الحكومة الإسلاميّة:106 بتصرّف بسيط.
(5) ـ الحكومة الإسلاميّة:48، للخميني.
(6) ـ كتاب البيع:2/461.
(7) ـ المقنعة/المفيد:810.
(8) ـ الحكومة الإسلاميّة:50.
(9) ـ صحيفة النور:20/170.
(10) ـ نظرية الحكم والدّولة:234.
(11) ـ بصائر الدّرجات:3/168 باب13ح7.
(12) ـ بحث في الولاية والمرجعيّة من المنظار التطبيقي:18.
(13) ـ بحار الأنوار:44/49.
الختام

هذا آخر ما أردنا تحريره حول مسألة الولاية العامّة للفقيه بحسب ما أدّى إليه نظري الفاتر وفهمي القاصر...آملاً ومتمنياً على العلماء المحققين المنصفين أنْ ينظروا إلى ما كتبنا بعين الإنصاف والتجرّد عن العصبيّة لأنهم ـ إنْ خرجوا عن جادّة الصواب والحقيقة لا قدّر الله ذلك ـ سيلاقون يومهم الّذي يوعدون، وسأقف ويقفون، وهناك لا ينفع مالٌ ولا بنون إلاّ الإعتقاد الصحيح والعمل الصالح بالذود عن حياض النبيّ والعترة.

كما وآمل أنْ ينظروا إليه بعين الرّضا حتى لو خالف رغباتهم وطموحاتهم، وذلك لأنّ عين الرّضا عن كلّ عيبٍ كليلة، وعين السخط تبدي المساويا.

والبحث بهذه الكيفيّة جاء وافياً بعونه تعالى ولطفه وإنْ كان ثمّة إشكالات عديدة لم أعرضها على طاولة التشريح لضيق الوقت وتراكم الغموم ومداراةً لكثيرٍ من الناس، لأنّ الحقّ بات غريباً عند مَن يحسبون أنفسهم معه ومنه، لكن هيهات ثمّ هيهات لما يوعدون، زخارف كأماني أهل الكتاب! عشش الشيطان في صدورهم ثمّ باض وفرّخ، فصار كلّ الناس ـ إلاّ مَن رحم ربي ـ جنوداً مجنَّدة للشيطان، تسمع له وتطيع، بل وتحارب من أجله ومن أجل حطامٍ زائلٍ لن يدوم، ورجالٍ ارتحلوا وسيرتحل غيرهم إلى مستقرِّ القبور التي هي بيوتنا جميعاً ولن نفرّ من السَّكَن فيها،فهل عملنا ما يوجب أنْ تكون لنا روضة من رياض الجنّة؟ أم أننا حوّلناها إلى جحيم تصلي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقاً؟! نعوذ بالله من شرور نفوسنا وسيئات أعمالنا، ونلتجئ إليه من مضلاّت الفتن والضياع عن الحق، فلا ينفع الحماس لفلانٍ وفلانٍ لأننا سنحاسب على الإنقياد الأعمى لاشخاصٍ ليسوا من أهل العصمة والطهارة لأنّ الطاعة المطلَقة لأهل العصمة والتطهير وهم المنصوص عليهم في الكتاب والسُّنّة، وما دونهم بحاجة إليهم (يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرّسولا وقالوا إنّا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلّونا السبيلا..) (الأحزاب/66ـ67).

وأخيراً أطلب من ربي الّذي عليه معوّلي ، وبآل محمّد توسّلي، وأعوذ به من شرّ الشيطان اللئيم الخبيث المخبِّث، وأحترز به من كلّ جبّارٍ فاجرٍ وسلطان جائر وعدوٍّ قاهر، اللهمّ اجعلني من جندك فإنّ جندك هم الغالبون، واجعلني من حزبك فإنّ حزبك هم المفلحون،واجعلني من أوليائك فإنّ أولياءَك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، اللهمّ أصلح لي ديني فإنه عصمة أمري، وأصلِح لي آخرتي فإنها دار مقرّي وإليها من مجاورة اللئام مفرّي، واجعل الحياة لي زيادةً في كلّ خير، والوفاة راحةً لي من كلّ شرّ، اللهمّ صلّ على محمّد خاتم النبيين وتمام عِدَّة المرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين ووالِ مَن والاهم، وعادِ مَن عاداهم، وانصر مَن نصرهم، واخذلْ مَن خذلهم، والعنْ مَن ظلمهم يا أرحم الراحمين، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنكَ رحمة إنّكَ أنتَ الوهّاب.
اللهمّ صلّ على محمّدٍ وآل محمّد وعجّل فَرَجهم والعن أعداءهم.

3/ذي الحجة/1424هـ. بيروت
محمّد حمّود العاملي

 

النشرة الهاشمية المكتبة الهاشمية الى الصفحة الرئيسية

فهرس الكتاب

الفصل الثاني الفصل الأول الإهداء وتمهيد البحث
الفصل الخامس الفصل الرابع الفصل الثالث