النشرة الهاشمية المكتبة الهاشمية الى الصفحة الرئيسية

فهرس الكتاب

الفصل الثاني الفصل الأول الإهداء وتمهيد البحث
الفصل الخامس الفصل الرابع الفصل الثالث

الفصل الرابع

الإستدلال على ولاية الفقيه العامّة بالأخبار

وقد استدلّ أصحاب نظريّة ولاية الفقيه العامّة ـ (سواء أكانت الولاية العامّة بالمعنى الأخص أم كانت بالمعنى الأعم) بأخبار عديدة وهي على طوائف، أهمها:
الطائفة الأولى:
حديث العلماء ورثة الأنبياء، وما يقرب منه.
وهذه الطائفة فيها خبران يدلاّن على أنّ العلماء ورثة الأنبياء، وهما خبر أبي البختري وخبر القدّاح، فمن الناحية السنديّة فإنّ الخبرين المذكورين قد رواهما ثلّة من المؤرخين والمحدِّثين أمثال الكليني والمجلسي والحرّ العاملي والصفّار وجمال الدّين الحسن بن زين الدّين الجباعي.

وخبر البحتري ضعيف سنداً لأنّ البحتري كان عامّياً كذّاباً له أحاديث لا يوثق بها(1) وأمّا خبر القدّاح فصحيح سنداً ورجاله معروفون،كما انّ القدّاح ثقة حسبما صرّح به غير واحد. وقد ذكر النراقي رواية البختري وجعلها صحيحة(2) وكذا تبعه معاصرٌ لنا من دون تحقيق بحال البختري الّذي اتفقت كلمات الرجاليين على تضعيفه(3).

رواية البختري:
روى محمّد بن يعقوب الكليني عن محمّد بن يحيى (ثقة) عن أحمد بن محمّد (ثقة) بن محمّد بن عيسى (ثقة)، عن محمّد بن خالد (ثقة) عن أبي البختري (ضعيف) عن مولانا أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إنّ العلماء ورثة الأنبياء، وذاك أنّ الأنبياء لم يورّثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمَن أخَذَ بشيء منها فقد أخذ حظاً وافراً، فانظروا علمكم هذا عمّن تأخذونه؟ فإنّ فينا أهل البيت في كلّ خلقٍ عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطِلين، وتأويل الجاهلين(4).

صحيحة القدّاح:
رواها محمّد بن يعقوب الكليني بطريقين:

(الأوّل): عن محمّد بن الحسن (ثقة) وعليّ بن محمّد (ثقة)، عن سهل بن زياد (قيل بضعفه) ومحمّد بن يحيى (ثقة)، عن أحمد بن محمّد (ثقة)، عن جعفر بن محمّد الأشعري (ثقة) عن عبد الله بن ميمون القدّاح (ثقة).

(الثاني): عن عليّ بن إبراهيم (ثقة) عن أبيه (ثقة) عن حمّاد بن عيسى (ثقة) عن القدّاح (ثقة) عن مولانا أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلَّم: مَن سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة وأنّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً له وإنه يستغفر لطالب العلم مَن في السماء ومَن في الأرض حتى الحوت في البحر، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر، وإنّ العلماء ورثة الأنبياء وإنّ الأنبياء لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورثوا العلم فمَن أخذ منه أخذ بحظ وافر(5).

وأمّا الناحية الدلاليّة، فقد استدلّ أصحاب الولاية العامّة بأنّ مقتضى كون الفقهاء ورثة الأنبياء ـ ومنهم رسول الله وسائر المرسَلين الّذين لهم الولاية العامّة على الخلق ـ انتقال كل ما كان لهم إليهم إلاّ ما ثبت أنه غير ممكن الإنتقال، ولا شبهة في أنّ الولاية قابلة للإنتقال كالسلطنة التي كانت عند أهل الجور موروثة خلفاً عن سلف...وليس المراد بالولاية هي الولاية الكليّة الإلهيّة التي دارت في لسان العرفاء وبعض أهل الفلسفة بل المراد هي الولاية الجعليّة الإعتباريّة كالسلطنة العرفيّة وسائر المناصب العقلائيّة كالخلافة التي جعلها الله تعالى لداوود وفرّع عليها الحكم بالحقّ بين الناس وكنصب رسول الله علياً بأمر الله تعالى خليفة وولياً على الأمّة، ومن الضروري أنّ هذه أمر قابل للإنتقال والتوريث(6). وعليه؛ تكون الولاية بمعنى كونه أولى بالمؤمنين من أنفسهم فيما يرجع إلى الحكومة والإمارة منتقلة إلى الفقهاء.

نلاحظ هنا كيف جعل صاحب الدّعوى الولاية على أموال الناس وأنفسهم من جملة تركة الأنبياء للعلماء، فكما لهم ذلك فللعلماء أيضاً ذلك.

وبعبارة أخرى: إنّ الوارث مَن ينتقل إليه كلّ ما هو للمورِّث ومنه الولاية وأنّ الخليفة بقول مطلَق مَن يقوم مقام مَن استخلفه في كلّ ما هو له، وأنّ تنـزيل شخص منـزلة آخر يقتضي أن يرتب على المنـزل كل ما هو المنـزل عليه.

وبالجملة: فإنّ المستدل بالرواية المذكورة يعتمد على إطلاق الوراثة فتشمل الولاية العامّة وليست نصّاً في وراثة العلم.

يرد عليه:
(1) ـ إنّ الوراثة إنما تكون في أمور قابلة للإنتقال، فما لا يقبل الإنتقال لا يقبل الوراثة كالشجاعة والسخاوة والعدالة وغيرها من الصفات النفسيّة والغريزيّة فإنها لا تقبل الإنتقال ولا توَرَّث بل تلد مع الإنسان، أو توجد رويداً رويداً، ولم نحرز أنّ الولاية من قبيل ما يقبل التوريث، على أنّ الولاية العامّة على القول بثبوتها للفقيه إنما هي مجعولة له من قبل الأئمّة لا منتقلة إليهم بالتوريث فلا يمكن إثباتها للفقهاء بمثل تينك الروايتين المتقدّمتين.

(2) ـ يظهر أنّ المراد من "العلماء ورثة الأنبياء" في الروايتين هو الأئمّة عليهم السَّلام والأوصياء لكونهم هم العلماء بالمعنى الحقيقي، ويشير إلى ذلك صحيحة جميل بن دراج عن مولانا الإمام الصادق (عليه السلام) قال: الناس على ثلاثة: عالِم ومتعلِّم وغثاء، فنحن العلماء، وشيعتنا المتعلمون،وساير الناس غثاء(7).

فتكون رواية جميل حاكمة ومفسِّرةً المراد من كلمة "العلماء" إذ إنّ أهل البيت عليهم السَّلام هم العلماء، وشيعتهم ليسوا علماء حقيقةً بل مجازاً لكونهم متعلمين من العلماء الّذين هم أهل البيت عليهم السَّلام، وإطلاق العلماء على غير الأئمّة من باب التجوز والمشابهة.

والتقييد بـ: "وشيعتنا المتعلّ‍مون" يعتبر ردّاً على مَن قال: "بأنّ تفسير العلماء بالأئمّة عليهم السَّلام هو تفسير لأبرز المصاديق لهذا المفهوم في ذلك العصر حيث إنه في عصرهم ليس غيرُهم أكملَ في العلميّة، وإنْ شئت قلت: إنّ المراد بمثل تلك الأخبار هو بيان الفرد الكامل فلا إشكال في كون غيرهم أيضاً علماء..."(8).

والوجه فيما أشرنا إليه: إنّ التقييد المذكور بـ: "شيعتنا المتعلّمون" ينفي كون الأئمّة أبرز المصاديق في مفهوم "العلماء" إذ لو كان غيرُهم من العلماء حقيقة أو من مصاديق العلماء لما كان جاء الإمام بقيد "شيعتنا المتعلمون" إذ يصبح القيد لغواً لو كان الفقهاء أحد مصاديق قوله (عليه السلام): نحن العلماء".

مضافاً إلى أنّ الحصر بـ: "نحن" دلالة قطعيّة وقرينة صارفة على أنّ الأئمّة هم المصداق الأتمّ لمفهوم "العلماء" دون الفقهاء لأنهم متعلمون من الأئمّة العلماء عليهم السَّلام.

ويمكننا القول أنه في كل رواية يرد فيها ذكر العلماء، فلا بدّ أنْ يكون المراد منها الأئمّة عليهم السَّلام إلاّ إذا جاءت قرينة على الخلاف كما في الرّواية التي سُئل فيها عن الفرق بين علماء هذه الأمّة وعلماء اليهود، وغيرها مما قامت القرينة على المراد بأنّ العلماء هم الفقهاء من الشيعة كما جاء في خبر الإحتجاج في حديث طويل قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام) مَن خير خلق الله بعد أئمّة الهدى ومصابيح الدّجى؟ قال (عليه السلام): العلماء إذا صلحوا، قيل: ومَن شرّ خلق الله بعد إبليس وفرعون ونمرود وبعد المتسمّين بأسمائكم وبعد المتلقّبين بألقابكم، والآخذين لأمكنتكم، والمتأمرين في ممالككم، قال: العلماء إذا فسدوا، هم المظهرون للأباطيل، الكاتمون للحقائق، وفيهم قال الله عزّ وجلّ: (أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلاّ الّذين تابوا..) الآية(9).

وأظهر من ذلك ما ورد من أنّ الأئمّة هم العلماء قوله (عليه السلام): "مجاري الأمور في يد العلماء بالله" فإنّ العلماء بالله ليس غير الأئمّة عليهم السَّلام بل إنّ غير الأئمّة ـ أي الفقهاء ـ هم العلماء مجازاً بالحلال والحرام من الطرق الظاهريّة، وعلى فرض أنّ العلماء بالله مصطلح أو مفهوم يشمل الفقهاء فلا دلالة فيها على المدّعى، إذ المراد من ذلك كون جريان الأمر بيد العلماء من ناحية أنه لولا الفقهاء لتوقف أمر الأئمّة عليهم السَّلام لأنّ أمرهم عبارة عن الحلال والحرام، والفقهاء علماء بالله مجازاً أيضاً لا حقيقة.

وبالجملة فيكون المعنى بأنّ الأئمّة يجرون أوامرهم عبر الفقهاء، فالأئمّة هم القرى المبارَكة، والفقهاء هم القرى الظاهرة حسبما جاء في تفسير قوله تعالى:(وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرىً ظاهرة وقدَّرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين) (سبأ/18)، فعن أبي حمزة الثمالي قال: أتى الحسن البصري أبا جعفر (عليه السلام) فقال: جئتك لأسألك عن أشياء من كتاب الله، فقال له أبو جعفر (عليه السلام): ألست فقيه أهل البصرة؟ قال: قد يقال ذلك، فقال له أبو جعفر (عليه السلام): هل بالبصرة أحد تأخذ عنه؟ قال: لا، قال: فجميع أهل البصرة يأخذون عنك؟ قال: نعم، فقال له أبو جعفر (عليه السلام): سبحان الله لقد تقلدت عظيماً من الأمر، بلغني عنك أمر فما أدري أكذاك أنت أم يكذب عليك؟ قال: ما هو؟ قال: زعموا أنك تقول: إن الله خلق العباد ففوض إليهم أمورهم، قال: فسكت الحسن فقال:أفرأيت من قال له الله في كتابه إنك آمن هل عليه خوف بعد هذا القول منه؟ فقال الحسن: لا، فقال أبو جعفر (عليه السلام): إني أعرض عليك آية وأنهي إليك خطباً ولا أحسبك إلا وقد فسرته على غير وجهه فإن كنت فعلت ذلك فقد هلكت وأهلكت فقال له: ما هو؟ قال: أرأيت حيث يقول: (وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأَيَّاماً آمِنِينَ) يا حسن بلغني أنك أفتيت الناس فقلت هي مكة، فقال أبو جعفر (عليه السلام): فهل يقطع على من حج مكة وهل يخاف أهل مكة وهل تذهب أموالهم فمتى يكونوا آمنين؟ بل فينا ضرب الله الأمثال في القرآن فنحن القرى التي بارك الله فيها وذلك قول الله عز وجل فيمن أقرَّ بفضلنا حيث أمرهم الله أن يأتونا فقال: (وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قرى ظاهرة) والقرى الظاهرة الرسل والنقلة عنا إلى شيعتنا وفقهاء شيعتنا إلى شيعتنا وقوله: (وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ) والسير مثل للعلم (سيروا فيها لَيالِيَ وأَيَّاماً) مثل لما يسير من العلم في الليالي والأيام عنا إليهم في الحلال والحرام والفرائض والأحكام (آمِنِينَ) فيها إذا أخذوا من معدنها الذي أمروا أن يأخذوا منه آمِنِينَ من الشك والضلال والنقلة من الحرام إلى الحلال لأنهم أخذوا العلم ممن وجب لهم بأخذهم إياه عنهم المغفرة لأنهم أهل ميراث العلم من آدم إلى حيث انتهوا ذرية مصطفاة بعضها من بعض فلم ينته الاصطفاء إليكم بل إلينا انتهى ونحن تلك الذرية لا أنت ولا أشباهك يا حسن فلو قلت لك حين ادعيت ما ليس لك وليس إليك يا جاهل أهل البصرة لم أقل فيك إلا ما علمته منك وظهر لي عنك وإياك أن تقول بالتفويض فإن الله جل وعز لم يفوض الأمر إلى خلقه وهناً منه وضعفاً ولا أجبرهم على معاصيه ظلماً والخبر طويل أخذنا منه موضع الحاجة(10).

فالحديث المذكور قرينة صارفة واضحة على أنّ الشيعة من الرسل وفقهاء الشيعة هم القرى الظاهرة التي تسير في ديار الأئمّة بالحلال والحرام.

(3) ـ إنّ ذيل الحديثين قرينة على أنّ المراد من متعلّق الإرث هو الأحاديث والأحكام الشرعيّة بل قرينة واضحة على العلم حيث ورد في خبر القدّاح: "لكن ورّثوا العلم فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر" وحينئذٍ فلا يعمّ الولاية.

إنْ قيل: إنّ مناط الولاية في الأنبياء علمهم بالأحكام وهو متحقق في العلماء.

قلنا:بعد تسليم ذلك لا يجدي إلاّ بعد دعوى القطع بعدم دخالة التفاوت في مقدار العلم وكيفيته وأنى لنا بذلك.

وبعبارة أخرى: إنّ العلم والأفضليّة لا يستدعي الولاية، وذلك لأنّ أغلب أنبياء بني إسرائيل كانوا علماء مبلغين لأحكام الله وقلّ مَنْ كان منهم والياً وسلطاناً كداوود وسليمان.

ولو سلّمنا بأنّ العلم يستدعي الولاية، لكن أيّ علم ذاك الّذي يستلزم الولاية؟ وأيّ ولاية تلك التي تتفرع عن العلم؟ هل المراد بالعلم العلم الناقص الظاهري الموجود عند الفقهاء أو العلم الواقعي الكامل الموجود عند الأنبياء؟ وكذا هل المراد بالولاية تلك المشهورة عند العرف أو تلك التي تقرّب العبد من الباري عزّ وجلّ؟ لا شكّ أنّ المقصود بالولاية هي التي تستبطن قرباً من المولى وليس المراد منها السلطنة والرياسة كما يتوهم أصحاب نظريّة الولاية العامّة للفقيه.

(4) ـ إنّ تينك الروايتين وأمثالهما لم تنظرا إلى جهة توريث الولاية ـ لكونها مما تُورَّث حسبما قلنا وإنما تجعل في بعض موارد الولاية ـ بل هما خارجتان عن جهة توريث الولاية تخصصاً، بل ناظرتان إلى توريث الأحاديث والأخبار، من هنا ظهر ما في الإستدلال بقوله (عليه السلام): "والعلماء أمناء الله في حلاله وحرامه" فإنّ الأمانة والإستيداع منهم لا يقتضي كونهم أولياء من قِبَل الأئمّة في التصرّف بأموال الناس وأنفسهم.

(5) ـ إنّ القضيّة في رواية "العلماء ورثة الأنبياء" ليست مسوقة في مقام البيان بل هي مهملة، والمهملة في قوّة الجزئيّة، والمراد بها توريث العلم فقط، وبعبارة أخرى إنّ مساق هذه الاخبار وغيرها في مقام فضل العلماء وليس في مقام إثبات الولاية لهم على الناس. فمعنى أنّ العلماء ورثة الأنبياء أنهم ورثتهم بالعلم لا بالولاية والسلطنة وذلك لما قلنا سابقاً من وجود قرينة في آخر الحديث تفيد أنّ العلماء ورثة الأنبياء بالعلم لا الولاية والسلطنة، إذ لم يعهد من أكثر الأنبياء كونهم سلاطين وحكّاماً، "فآخر الحديث مبيّن للمراد من الوراثة".

وبتعبيرٍ آخر: إنّ ذيل الحديث ظاهر وصريح في وراثة العلم، وحاصله أنّ ميراث الأنبياء هو العِلْم،والعلماء الآخذون بعلم الأنبياء وارثون لهم، فالرّواية في صدد إخبار عن قضيّةٍ خارجيّةٍ تكوينيةٍ لا قضيّة إنشائيّة تشريعيّة حتى يُدّعى أنها في مقام تأسيس ولاية للفقيه.

ويبدو من الرّواية ايضاً أنها في صدد تأسيس نفي توريث الأنبياء المال لأولادهم ليكون ثمّة مبرّر لأبي بكر في غصبه لأرض فدك الخاصّة بملكيّة مولاتنا الصدّيقة الشهيدة فاطمة سيّدة النساء عليها السَّلام، حيث كذّبها أبو بكر في دعواها للملكيّة، اللهمّ إلاّ أنْ يُدَّعى أنّ العمدة في ميراثهم هي العِلْم لا المال، بمعنى أنّ أكثر ما يورّثه الأنبياء للأبناء هو العِلْم والأخلاق الفاضلة، فلا منافاة حينئذٍ بينه وبين توريثهم للأموال اليسيرة، وبوجود القرينة المتصلة ـ وهي الوراثة في العلوم والمعارف ـ يشكل الحمل على الإنشاء وإثبات جميع شؤون الأنبياء للفقهاء بالجعل والتشريع، مع التأكيد على أنّ ما يشترك فيه جميع الأنبياء هو العِلْم بالمعارف والأحكام، وأمّا الولاية فلا دليل على ثبوتها للجميع لا سيّما في الأنبياء الموجودين في عصر وصقعٍ واحدٍ، ككثير من أنبياء بني إسرائيل.

مضافاً إلى أنه ليس للأنبياء عليهم السَّلام تلك الولاية التشريعيّة المطلَقة، بل هي خاصّة ومنحصرة برسول الله محمّد وعترته الطاهرة طبقاً للمنطوق والمفهوم من قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والّذين آمنوا..)(المائدة/55) حيث حصرت الآيةُ الولايةَ التشريعيّة والتكوينيّة المطلَقة بالرّسول وآله، ولم تُدخِل الأنبياءَ مفهوم الولاية المطلَقة مع أنّ الحكيم المتعال في مقام البيان، فلم يقل (إنما وليكم الله ورسله...) وإنما أشار بلفظ المفرد (رسوله) ولا أنه أتى بقرينة منفصلة أخرى تشير إلى ولايتهم المطلقة، مما يقتضي القول بأنّ الولاية المطلقة حق خاص بالنبي والعترة، فتأمل.

شبهة ودفع:

ذكرتم أنّ المراد من "العلماء" هم الأئمّة عليهم السَّلام أو الأوصياء، لكن عموم لفظ "العلماء" يُخرج اللفظ عن تخصيصه بالأئمّة والأوصياء، بل يدلّ بشموله على مطلق العلماء، بل إنّ بعض الأخبار يأبى حملها على الأئمّة لاشتمال بعضها على أمور لا تناسب جلالة شأنهم مثل قوله (عليه السلام): "ما لم يدخلوا في الدنيا" وكذا التعبير بقوله (عليه السلام) بالفقهاء في حديث لأمير المؤمنين (عليه السلام) لولده محمّد: "تفقّه في الديّن فإنّ الفقهاء ورثة الأنبياء" فإنّ مورده كما ترى "محمّد" وهو ليس بوصيّ، لذا تأبى هذه الرّوايات الحمل على الأوصياء(11).

وبتعبيرٍ آخر: لا يوجد في خبر جميل ما يدلّ على اختصاص العلماء بالأئمّة عليهم السَّلام بل لعلّه يراد به العلماء الكاملون في العلم وإلاّ فيكثر العلماء والفقهاء في الأخبار مع وجود القرائن على عدم إمكان الإنطباق على الأئمّة عليهم السَّلام، مضافاً لقرينة قوله في صحيحة القدّاح وخبر إبي البختري فإنها ظاهرة في عدم إرادة الأئمّة عليهم السَّلام(12).

وفيه:

لا شكّ أنّ بعض الأخبار ـ كالتي ذكرها صاحبا الشبهة ـ آبية عن التخصيص بالأئمّة عليهم السَّلام والأوصياء، وهذا لا غبار عليه لوجود قرينة قطعيّة تدلّ على أنّ المراد من العلماء هم الفقهاء، لكن لو تجرّد اللفظ من القرينة فلا ريب أنه يحمل على الأئمّة عليهم السَّلام حسبما أفدنا سابقاً.

مضافاً إلى أنّ ورود القرينة كافٍ في صرف الإطلاق، فقد قيّدت حقيقةَ وكمالَ العِلْم بالأئمّة عليهم السَّلام، بل المتبادر من وراثة العلماء للأنبياء وراثتهم لهم بما هم أنبياء، وشأن الأنبياء بما هم أنبياء ليس إلاّ الإنباء والتبليغ.

شبهة أخرى ودفع:

مفادها: إنّ الإرث الوارد في الرّواية "العلماء ورثة الأنبياء" مطلَق، فتقييده بالعلم لا وجه له، ومناسبة الحكم تقتضي ثبوت الإرث في جميع المقامات والمنازل ومنها السلطنة والزعامة، وأخذ العلم في العنوان إنما يقتضي كونه سبباً لثبوت تلك المنازل والمقامات المعروفة للعلماء(13).

يرد عليه:

إنّ إطلاقه الأرث على جميع المقامات والمنازل ومنها السلطنة والزعامة بحجّة وجود مناسبة بين الحكم والموضوع، يقتضي أن يرث العلماءُ من الأنبياء المال كما يرثه الأبناء من آبائهم الأنبياء، مع أنه لم يقل به أحد على الإطلاق، وتخصيص الأكثر قبيح، بمعنى أنه إذا أخرجنا وراثة العلماء للمال من الأنبياء، وأخرجنا أيضاً المقامات الرّوحيّة الخاصّة بهم وكذا المعاجز، وكذا العِلْم المطلَق، وأثبتنا فقط وراثة العلماء للأنبياء في مسألة السلطنة والزعامة، هذا يعتبر تخصيصاً للأكثر وهو قبيح حسبما قلنا.

الطائفة الثانية:
حديث الفقهاء أمناء الرّسل.

الطائفة الثانية من الأخبار التي استدلّ بها أتباع الولاية العامّة للفقيه ما ورد عن النوفلي عن السكوني عن مولانا الإمام الصادق (عليه السلام) قال:

قال رسول الله: الفقهاء أمناء الرّسل ما لم يدخلوا في الدّنيا، قيل: يا رسول الله وما دخولهم في الدّنيا؟ قال: أتباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم(14).

الرّواية من الناحية السنديّة لا خدش فيها، إذ هي موثقة على الأرجح، والقدح في السكوني لا يُعَوَّل عليه، لأنّ الإماميّة مجمعةٌ على العمل بما يرويه، وتضعيفه من قِبَل البعض لأجل أنّ العامّة كانوا يقدحون به لروايته عن أئمتنا عليهم السَّلام، كما إنّ تضعيفه من المشهورات التي لا أصل لها على حدّ تعبير العلاّمة المازندراني رحمه الله تعالى، إذن لا إشكال في السّند، ولكنّ الإشكال من ناحية الدّلالة، حيث مفادها بحسب نظر أتباع ولاية الفقيه العامّة هو:

إنّ أهمّ شؤون الرّسل ومنهم رسولنا الأكرم ثلاثة:

بيان الأحكان، وفصل الخصومات وإجراء العدالة الإجتماعيّة بإقامة دولة الحق على أساس أحكام الله وقوانينه العادلة، وليس شأن الرّسل مجرّد بيان أحكام الله فقط، وعلى هذا فالفقيه إذا جُعل أميناً للرسل صار أميناً لهم في جميع شؤونهم العامّة على ما يقتضيه إطلاق اللفظ...ولا يُراد بالأمين (أمناء الرّسل) الإنسان الّذي يعتمد عليه في حفظ مال الغير، بل المراد به ـ بقرينة الحال والمقال ـ مَن يعتمد عليه في حفظ ما كان على النبيّ حفظه وكونه مسؤولاً من الأحكام الشرعيّة والأمور العائدة للرعيّة وإدارة شؤونهم ومصالحهم ورفع الفساد عنهم، وهذا لازمه رجوع أمر الرعيّة إليه وجعل الولاية العامّة له، هذا هو معنى حصون الإسلام الوارد في بعض الرّوايات أيضاً(15).

يرد عليه:

(1) ـ الأمانة تكون في الودايع، والوديعة عند العلماء ليس المال وإنما هي الأحكام الشرعيّة، فتختصّ الرّواية بمقام الفتوى دون إعطاء سائر المناصب الخاصّة بالرّسل ووظائفهم، فإنّ لفظ الأمناء أجنبيٌّ عن مقام إعطاء المنصب.

فمتعلَّق الأمانة هو خصوص الدّين وأحكام الشريعة، حيث إنّ ما جاء به الرّسل من الأحكام ـ وهي القدر المتيقَّن ـ محفوظٌ ومستودع عند الفقهاء العدول فيُرجع إليهم فيه.

وهذا المعنى هو المنصرف إليه من تلك المطلقات التي منها قوله (عليه السلام): (الأمناء على الحلال والحرام).

(2) ـ مضافاً إلى أنّ قرينة قوله (عليه السلام) في ذيل الرّواية: "فاحذروهم على دينكم" دلالة واضحة على أنهم أمناء على الدّين الّذي هو الحلال والحرام.

كما إنّ الحذر على الدّين لا يستلزم الولاية أو لايعمّ الولاية مضافاً إلى أنّ المراد من كونه أميناً على الرعيّة كونه أميناً على الحلال والحرام لا أنه أمين على الرعيّة بمعنى كونه سلطاناً، وكونه أميناً على رعاية مصالحهم من قبل الشارع لا يعني دائماً التصرّف بأموالهم وانفسهم لأنّ ذلك على خلاف الأصل وخلاف مقتضى أدلّة الأحكام.

وبعبارة أخرى: كون العلماء أو الفقهاء أمناء الله عزّ وجلّ في حلاله وحرامه لا يقتضي كونهم أولياء من قِبَل الأئمّة في التصرّف بالأموال والأنفس، فكونهم أمناء الرّسل بنفسه غير كافٍ لتولي منصب الولاية، بل القدر المتيقّن من الأمانة أنْ يكونوا أمناء على الأحكام الشرعيّة والمعارف الربانية وإلاّ فلا ملازَمة بين الأمانة وبين الولاية العامّة. وعليه؛ فالتعمّق في ذيل الرّواية يُظهر أنّ المراد بيان الفقيه الّذي يعتمد عليه في بيان أحكام الله، فالفقيه الملتزم بأحكام الدّين المستقل بالرّأي يكون أميناً يُعتمد عليه في بيان الأحكام، والفقيه الداخل في الدّنيا المتّبع للسلطان يجب الحذر منه في الدّين، فإنّ علماء السوء والمرتزقة المقرَّبين إلى السلاطين يحرّفون كلام الله تعالى ويأولونه على وفق أهواء السلاطين فلا اعتبار لآرائهم وفتاواهم.

والحاصل: إنّ لفظ الأمناء وإنْ كان مطلَقاً ولكنّ احتفافه بما يصلح للقرينية وهي قوله: "فاحذروهم على دينكم" يمنع من انعقاد الإطلاق، أي إطلاق الأمانة على فرض ظهور الإطلاق منها.

ودعوى:"أنه صلّى الله عليه وآله وسلَّم لو قال: "أمنائي" لأمكن ادّعاء كونه إنشاءً لنصب الفقهاء من أمته، لكنه لم يقل ذلك بل قال صلّى الله عليه وآله وسلَّم: "أمناء الرّسل" فظهوره في الإنشاء ضعيف"(16). مدفوعة أيضاً بأنه لا فرق في عدم نصب الفقهاء للولاية العامّة بين أنْ يقول الرّسول: "أمنائي" أو "أمناء الرّسل" لأنّ القدر المتيقن من كون الفقهاء أمناء الرّسول والرّسل في مقام التبليغ ونشر المعارف، والقدر المتيقن يمنع من الأخذ بالإطلاق.

ودعوى: إنّ إطلاق الأمانة من دون ذكر متعلقه يقتضي العموم لكلّ ما على الرّسل حفظه من التلف كحفظ النظام وإدارة الشؤون والمصالح التي تتعلق بالنفوس والأعراض والأموال(17)، فاسدةٌ لأمرين:

الأمر الأوّل: إنّ قوله (عليه السلام) في ذيل الرّواية "فاحذروهم على دينكم" قرينة ـ حسبما قلنا آنفاً ـ على كون المراد من متعلّق الأمانة هو خصوص الدّين والأحكام الشرعيّة فلا يعمّ الولاية.

الأمر الثاني: إطلاق هذا الخبر وغيره من الأخبار مهملٌ من هذه الجهة والناحية ـ أي من ناحية الولاية العامّة ـ وغيرُ مسوق لبيانها، فدعوى أنّ الخبر يشملها يعتبر بلا بيّنة ولا برهان، كما ودعوى أنّ الأصل يقتضي كون الخبر في مقام بيان أمر الولاية العامّة وتقييد بعضها بالحلال والحرام لا يقتضي تقييد جميعها، أيضاً فاسدة لأنّ التمسّك بجهة ما وهي الولاية العامّة وكون الخبر مسوقاً لبيان أمر الولاية العامّة يعتبر منتفياً بوجود القرينة في ذيل الخبر، مع التأكيد على أنّ كونه في مقام بيان أمر الولاية يعتبر خلاف الأصل، وهو عدم كون الخبر في مقام بيان الحكومة والإمارة؛ لأنها أمر زائد لا بدّ فيه من وجود قرينة تدلّ على التقييد بجهة الامارة وهو مفقود في البين، وفي حال الشك في وجوده، الأصل يقتضي عدم وجوده، وذلك لأنّ المتيقّن من الحكومة والسلطنة كونها من مختصات الأئمّة دون الأنبياء، فضلاً عن الفقهاء، فدعوى سحبها إلى ملاك الفقهاء خلاف المتيقن بل خلاف الأصل حسبما أشرنا سابقاً.

(3) ـ ليس من مهام الرّسل ـ كرسل بما هم رُسُل لا بما هم أئمّة وليسوا كُلُّهم أئمّة بل بعضهم ـ تنفيذ الأحكام وإجراء الحدود وهو ما يعبَّر عنه بالسلطة الإجرائيّة أو التنفيذيّة بل إنّ ذلك من مختصّات الإمام بما هو هو، فالرّسول عليه البلاغ وليس عليه التنفيذ (ذكِّر إنما أنتَ مذكِّر لست عليهم بمصيطر..)، (يا أيها الرّسول بلِّغ ما أُنـزلَ إليكَ من ربِّك..)، ومَن أقام الحدود من المرسَلين ليس بعنوان كونه رسولاً بل بعنوان كونه إماماً، فالخلط بين المفهومَين وجعلهما مفهوماً واحداً عند أصحاب ولاية الفقيه حيث جعلوا تنفيذ الأحكام وتطبيقها من مقام الرّسالة والرّسول دون مقام الإمامة والإمام، فاسدٌ لا يبتني على تحقيق دقيق في المفهومَين بحسب ما جاء في النصوص والأخبار.

الطائفة الثالثة:
إنّ أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاؤوا به.
جاء عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أنه قال: "إنّ أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاءوا به ثمّ تلى: (إنّ أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبيّ والّذين آمَنوا) ثمّ قال: إنّ وليّ محمّد مَن أطاع الله وإنْ بعُدت لحمته، وإنّ عدوّ محمّد مَن عصى الله وإنْ قرُبت قرابته(18).

وتقريب الإستدلال بهذه الطائفة أنّ كون العلماء أولى بالأنبياء أو كالأنبياء ـ حسبما جاء في خبر البحار عن العوالي عن النبي قال: علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ـ يقتضي أنْ ينتقل إليهم ويكون كلّ ما كان للأنبياء من الشؤون إلاّ ما ثبت عدم صحّة انتقاله أو عدم انتقاله، وإنْ شئت قلت: المراد انتقال الشؤون العامّة إلى العلماء لا الشؤون الفرديّة، ولا نريد بالولاية في المقام الولاية التكوينية أو الفضائل المعنويّة والكمالات الذاتيّة غير القابلة للإنتقال بل الولاية الإعتباريّة القابلة للإنتقال والتوارث عند العقلاء..فإطلاق الروايات يقتضي انتقال الولاية التي كانت للنبي إلى علماء أمته(19).

يرد عليه:

(1) ـ قلنا سابقاً أننا لم نحرز كون الولاية من قبيل ما تقبل التوريث، بل على القول بثبوت ولاية الفقيه العامّة إنما هي مجعولة له من قِبَل الأئمّة لا منتقلة إلى الفقيه بالتوريث، فلا يمكن إثبات الولاية للفقيه من خلال هذا الخبر وأمثاله.

(2) ـ إنّ معنى أولويّة العلماء بالأنبياء أولويتهم في الأسرار وإعانتهم في إجراء مقاصدهم وإنفاذ القوانين التي بعثوا لأجلها، وذلك أجنبيٌ عن مسألة ولاية التصرّف بالأموال والأنفس، لأنّ مسألة إعانتهم في إجراء مقاصدهم وإنفاذ قوانينهم إنما هو من باب الأمر بالمعروف لا من باب الولاية على الأموال والأنفس، فهذا شيء، وذاك شيء آخر.

وبتعبيرٍ آخر: المراد بالأولويّة هو الأقربيّة بقرينة قوله تعالى:(إنّ أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبيُّ والّذين آمَنوا) وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) تعقيباً على الآية المباركة: "إنّ وليَّ محمّد مَن أطاع الله وإنْ بَعُدَت لُحمتُه، وإنّ عدوَّ محمّد مَن عصى الله وإنْ قَرُبَت قرابته" فقد نصب (عليه السلام) قرينة على أنّ المراد بالأولويّة هنا الأقربيّة الرّوحية وليس معناها الحاكميّة، لأنّ سياق الآية يرفضها، إذ لا يعقل أن تُحمل الأولويّة على الحاكميّة، فيصبح المؤمنون ـ بحسب هذا التفسير ـ حكاماً على إبراهيم الخليل وهو واضح البطلان.

مضافاً إلى أنّ الأولويّة والأجدريّة والأليقيّة أعمّ من إعطاء المنصب فعلاً، بمعنى أنه لو بنى على إعطاء المنصب لأحدٍ منهم أولى بالإعطاء من غيرهم مع أنّ أعلم الناس كُلاًّ بما جاؤوا به هم الأئمّة والأوصياء عليهم السَّلام، فلا يشمل كُلّ عالم بشيء مما جاؤوا به.

بل إنّ الأولويّة بالأنبياء لا تنطبق إلاّ على أوصيائهم، إذ هم الورثة الحقيقيون للأنبياء وليس الفقهاء، بل الفقهاء ورثة بالمعارف والعلوم للأوصياء، لأنّ الفقهاء ليسوا أعلم من الأوصياء بما جاء به الأنبياء، بل الأعلم هم الأوصياء فقط، فالرواية في صدد بيان جملة خبريّة حاكية عن أمر تكويني وهو انتقال العلم إلى الأوصياء، ولو سلّمنا شموله إلى غير الأوصياء، فالمراد حينئذٍ وراثة العلماء للأوصياء والأنبياء في العلوم والمعارف، تماماً كقوله (عليه السلام): "العلماء ورثة الأنبياء"، وليس وراثتهم في الولاية العامّة على الأموال والأنفس.

فالرّواية "أولى الناس بالأنبياء..." مسوقة لبيان أمر تكويني وليست مسوقة لبيان جملة إنشائيّة متضمّنة للجعل والتشريع، بل لسان هذه الرّواية كلسان الرّوايات الدّالّة على فضيلة العلم والعلماء والمتعلِّمين والطالبين للعلم كما يشهد بذلك قوله (عليه السلام) ـ إنْ صحّت نسبته ـ: "إنّ الأنبياء لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورثوا العلم فمن أخذ منه أخذ بحظٍّ وافر" فالوراثة والأولويّة إنما هي في العلوم والمعارف، ومع وجود هذه القرينة المتصلة يشكل الحمل على الإنشاء وإثبات جميع شؤون الأنبياء لهم بالجعل والتشريع.

هذا مضافاً إلى أنّ العِلْم بالأحكام والمعارف هو الجامع المشترك بين جميع الأنبياء، بخلاف الولاية، إذ لا دليل على ثبوتها لجميع الأنبياء بل المتيقن ثبوتها لبعضهم، فدعوى ثبوت الولاية للفقهاء قياساً لها على إثباتها لجميع الأنبياء، فاسدةٌ لكونها خلاف الفرض حسبما أسلفنا.

(3) ـ إنّ الإستدلال بذلك (أي بقوله (عليه السلام): إنّ أولى الناس بالأنبياء أعلمهم...) موقوفٌ على كون الكبرى لذلك أي أنّ كلّ من كان كذلك فله كل ما كان للأنبياء، وهو ممنوع، إذ غاية ما يُستفاد منه أنّ كلّ مَن كان كذلك فهو أفضل من غيره فيكون من جملة ما دلّ على فضيلة العالم، هذا مع أنّ الظاهر من الأعلميّة هو الأعلميّة المطلَقة وبالقياس إلى جميع مَن عداه ولو في خصوص عصره، لا الأعلميّة في الجملة ولو بالنسبة إلى شخصٍ واحدٍ فيختصّ بأوصيائهم، إذ ليس في العلماء مَن يكون أعلم من جميع أهل زمانه، ضرورة وجود الإمام في كلّ عصر، فيكون المراد من أولويّة الأعلم بالأنبياء أولويته بالخلافة عنهم وهي خاصة ـ أي الخلافة ـ بالأوصياء عليهم السَّلام دون الفقهاء. هذا كلّه بناءً على كون النسخة "أعلمهم" وأمّا بناءً على كونها "أعملهم" بتقديم الميم على اللام كما في مجموعة ورّام وحكاه في البحار وقد استصوبه وأخذ به، فهو أجنبيٌ عن محلّ الكلام بالمرّة، فيكون المعنى أنّ أولى الناس بالأنبياء أعملهم بما جاؤوا به، فتكون التبعيّ‍ة في العمل بالجانحة والجارحة.

وبالجملة: فإنّ الرّواية ـ بحسب الظاهر ـ أجنبيّة عن المقام، إذ الأولويّة لا تقتضي الولاية وثبوت ما للمتبوع بأجمعه للتابع.

الطائفة الرّابعة:
حديث العلماء خلفاء.
ومما استُدِلَّ به على نصب الفقهاء ولاةً بالفعل ـ حسبما يدّعون ـ ما رواه الصّدوق مرسَلاً في آخر الفقيه قال: قال أمير المؤمنين: قال رسول الله: "اللهمّ ارحم خلفائي، قيل: يا رسول الله ومَن خلفاؤك؟ قال: الّذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنتي(20).

ورواه أيضاً الحرّ العاملي بإسناده إلى الإمام الرّضا عن آبائه عليهم السَّلام قال: قال رسول الله: اللهمّ ارحم خلفائي ـ ثلاث مرات ـ فقيل له: يا رسول الله ومَن خلفاؤك؟ قال: الّذين يأتون من بعدي يروون عني أحاديثي وسنتي فيعلّمونها الناس من بعدي(21).

ورواه أيضاً في أواخر المعاني للصدوق عن أبيه، عن عليّ بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن الحسين بن يزيد النوفلي عن عليّ بن داود اليعقوبي عن عيسى بن عبد الله بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب عن أبيه عن جدّه عن مولانا أمير المؤمنين عليّ قال: قال رسول الله: اللهمّ ارحم خلفائي، اللهمّ ارحم خلفائي، اللهمّ ارحم خلفائي(22).

وفي البحار عن منية المريد: قال رسول الله: رحم الله خلفائي، فقيل:يا رسول الله ومَن خلفاؤك؟ قال: الّذين يحيون سنتي ويعلّمونها عباد لله(23).

وبنفس اللفظ الأخير بتفاوت يسير رواه صاحب كنـز العمّال عن رسول الله قال: "رحمة الله على خلفائي.."(24).
والحديث المذكور مع أنّ سنده ضعيف إلاّ أنه منجبرٌ بالشهرة.
وتقريب الإستدلال به بدعوى انّ أمّهات شؤون النبيّ الأكرم كانت ثلاثة:
الأوّل: تبليغ آيات الله وأحكامه وإرشاد الناس.
الثاني: فصل الخصومات والقضاء بينهم.
الثالث: الولاية عليهم وتدبير أمورهم.
وإطلاق الخلافة عنه صلّى الله عليه وآله وسلَّم يقتضي العموم لجميع الشؤون الثلاثة لو لم نقل بكون الأخير هو القدر المتيقن، إذ المعهود من لفظ الخلافة عنه في صدر الإسلام كان هو الخلافة عنه في الرّياسة العظمى على الأمّة وتدبير أمورهم، والخلفاء جمع خليفة، وهل يحتمل أحدٌ أنّ المفاد من لفظ الجمع كان يغاير المفاد من المفرد سنخاً؟(25).

يرد عليه:

(1) ـ إنّ الخلافة مقولة بالتشكيك،فقد يكون الخليفة مَن له مرتبة خاصّة من الخلافة في بعض الجهات،وقد يكون خليفةً من جهات متعدّدة أخرى،وقول النبي صلّى الله عليه وآله وسلَّم:"إرحم خلفائي" تفيد العموم في حق كل من هو خليفة في جهة أو في جهات،والّذين يأتون بعده ويروون حديثه يشمل الأئمّة الّذين هم خلفاؤه في كلّ الجهات،أمّا العلماء والرّواة الّذين لا يُعلم حدُّ خلافتهم، فلعلّ خلافتهم مختصّة بنشر الأحكام وإبلاغها ـ وهو الأقوى بحسب القرينة ـ كما يناسبه لفظ يروون حديثي أو هو مع فصل الخصومات،ولا دلالة لهذه العبارة على تعيين مرتبة الخلافة ـ أي الحكومة ـ،نعم لو قال: "زيد خليفتي" وأطلق،اقتضى ذلك الخلافة العامّة وفي كلّ الجهات.

وعليه كان بإمكاننا الإدّعاء بأنّ المراد من "خلفائي" هم الفقهاء إلاّ أنّ ذلك موقوفٌ على ثبوت الإطلاق من حيث متعلق الخلافة وهو ممنوع إذ تمام النظر فيه إلى بيان أنّ الخلفاء هم الرّواة ولا نظر فيه إلى بيان ما فيه الخلافة، فيؤخذ بالقدر المتيقن وهو تبليغ الأحكام ويشهد له ذيل الرّواية كما لا يخفى (أي الّذين يروون حديثي..) فإنّ الظاهر من ذلك أنّ خلافتهم في نقل الرّواية والحديث (يروون حديثي) لا أنّ المراد من الخلافة هو الخلافة في التصرّف في أموال الناس وأنفسهم، فالرّواية خارجة أيضاً عن مقام ولاية الفقيه العامّة ولا دلالة فيها على التصرّف في أموال الناس، وإنْ كان للفقيه ولاية في بعض الموارد كولايته على أموال اليتامى في حال عدم وجود راعٍ لهم وأمثال ذلك، لكنه إنما ثبت له ذلك بأدلّة أخرى، وولايته على أمثال هذه الموارد خاصّة فقط، ولا تجب إطاعته في أوامره الشخصيّة.

والحاصل: ليس في شيء من هذه الرّواية دلالة معتبرة على كون الفقيه ذي ولاية عامّة على الأموال والأنفس، وثبوت ولاية خاصّة في موارد خاصّة إنما ورد بأدلّة أخرى كما لا يخفى.

(2) ـ إنّ إطلاق كلمة خليفة على الفقهاء يقتضي ثبوتَ كلّ ما كان للنبي لهم، والحال أنه ليس كذلك، وإلاّ ـ (أي لو كان كلّ ما كان للنبيّ والعِترة للفقهاء، إلاّ المورد الفلاني والمورد الفلاني..) يلزم التخصيص بالأكثر وهو قبيح صدوره من العقلاء في الخطابات العرفيّة، فكيف يتصوّر صدوره من النبيّ وآله الطاهرين سادة العقلاء وصفوة الخلق؟‍‍‍!!

دعوى وردّ:

ودعوى أنّ مقتضى استخلاف النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلَّم للفقهاء هو جعْلهم بمكانه ومنـزلته وهو يستدعي ثبوت أوامره ونواهيه وزعامته وسلطته للعلماء، فالآثار الشرعيّة تُثْبَت للخليفة إلاّ ما دلّ الدليل على عدمه فلا يلزم على هذا التخصيص بالأكثر(26)، مردودة وذلك لأنّ القول بهذه السّعة في الولاية للفقيه هي أوّل الكلام، إذ كيف نثبت للفقهاء الزّعامة والسَّلطَنة المطلَقة على الأموال والأنفس من داخل الحديث المذكور، في حين قامت القرينة المتصلة من داخل الخبر على تحديد وظائفهم في بيان الحديث والسُّنّة، فالخبر في مقام بيان رواية الحديث والسُّنّة والأحكام الشرعيّة لا الزّعامة الدّينيّة والسَّلطَنة الدنيويّة على أموال الناس وأعراضهم، لا سيّما "وأنّ قوله (عليه السلام): فيعلمونها الناس من بعدي" له ظهورٌ قويٌّ في تحديد الخلافة وأنّ الغرض منها هو الخلافة عنه صلّى الله عليه وآله وسلَّم في التعليم والتبليغ، والإحتفاف بما يصلح للقرينية مانعٌ من انعقاد الإطلاق، فإثبات الخلافة عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلَّم في الولاية والقضاء يحتاج إلى دليل أقوى من ذلك(27).

(3) ـ إنّ الإستشكال بعدم وجود مغايرة بين لفظ الجمع والمفرد سنخاً، مخدوش بورود القرينة الصارفة الظاهرة في مسألة رواية الأحاديث وتعليمها للناس، وأيّ ملازمة بين رواية الأحاديث والولاية على الناس والأموال؟! وعلى فرض عدم وجود مغايرة بين مفادي الجمع والمفرد إلاّ أنّ القرينة الصارفة عن الإطلاق كافية في تقييده برواية الأحاديث وتعليمها للناس.

وهكذا فإنّ القرينة المذكورة تدفع توهّم كون الخلافة أمراً معهوداً في صدر الإسلام لكونها قدراً متيقناً،فإنّ قوله (عليه السلام): "فيعلمونها الناس من بعدي" له ظهورٌ قويٌّ في تحديد الخلافة وأنّ الغرض منها هو الخلافة عنه صلّى الله عليه وآله في التعليم والتبليغ، فإثبات الخلافة عنه (عليه السلام) في الولاية على الأموال والأنفس يحتاج إلى دليلٍ أقوى من ذلك.

(4) ـ ليست الرّواية ظاهرة في مقام إنشاء الخلافة لرواة الأحاديث، بل هي قضيّة خبرية تحكي عن جماعة هم الرّواة لا الحفّاظ لألفاظ الحديث نظير المسجّلات بل المجتهدون الّذين "يتيسر لهم إحراز السُّنّة وعلاج المتعارضين بالموازين التي قُررت في محلها مما ورد عنهم عليهم السَّلام وغير ذلك وتشخيص المخالف للكتاب والسُّنّة عن الموافق لهما، وهذه وظيفة المجتهد المتبحر والمحدّث الفقيه لا ناقل الحديث كائناً مَن كان"(28) فإنّ تشخيص السُّنّة الصارفة عن الأخبار المختلفة أو المحرَّفة،ومعرفة ما هو الحق من الأخبار المتعارضة إنما هو من شؤون أهل الدراية والفقه وأهل التحقيق والمعرفة، كما لا يخفى على علماء الرّجال والدّراية(29).

وبمناسبة الحكم والموضوع يظهر لنا عدم إرادة الرّاوي المحض، إذ لا يناسب جعل منصب خلافة النبي لمن لا شأن له إلاّ حفظ ألفاظ النبيّ بلا دراية لمفاهيمها وتفقّه فيها، وعليه فإنّ قوله "يروون حديثي...فيعلمونها الناس من بعدي" قرينة على إرادة الخلافة في خصوص بيان الرّوايات وتعليم الأحكام.

وبالجملة: فإنّ وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب يمنع من انعقاد الإطلاق، كما إنّ القرائن اللفظيّة المتصلة والمنفصلة أو اللبيّة البيّنة تمنع من انعقاد الإطلاق أيضاً، وعلى كِلاَ الجهتين فإنّ تبليغ الأحكام هو القدر المتيقن، وهو في نفس الوقت قرينة متصلة على تعيين المراد من كون الفقهاء خلفاءاً بعد رسول الله والعترة.

ولكنّ الظاهر أنّ المراد من الخلفاء هم أئمّة الهدى عليهم السَّلام لأنهم الوحيدين الّذين يروون الحديث عن النبيّ بعده، ولو كان المراد بهم "الفقهاء" لَمَا صحّ التعبير بـ "من بعدي" بل من بعد الأئمة، فالّذين من بعده هم الأئمّة وليس الفقهاء، لكون الفقهاء من جملة الناس الّذين يتعلمون من الأئمّة أحاديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلَّم. فتأمّل.

إشكال وحلّ: إن قيل إنّ الترحم على الأئمّة عليهم السَّلام لا يناسب مقام عصمتهم وطهارتهم لأنّ الترحّم طلب مغفرة الذنب، وهم عليهم السَّلام لا ذنب عليهم، فلا يصحّ حمله إلاّ على الفقهاء المحتاجين للرحمة.

قلنا: المتصفح في مقاطيع الأدعية والزيارات وغيرها يرى بوضوح الكثير من عبارات ترحم المعصوم على معصوم مثله، وكذا الطلب من الله أنْ يرحمه، فالترحّم لا يستلزم عدم العصمة تماماً كالإستغفار لا يشير دائماً إلى وجود ذنب، بل قد يطلب الرّحمة والإستغفار مَن لا غضب عليه ولا ذنب نظير ما جرى على الأنبياء والمرسلين والأئمّة الطاهرين، فقد ورد في الأخبار أنهم كانوا يستغفرون ويبكون لكن لا من ذنب وإنما استغفار وبكاء قُربٍ لا معصية.

الطائفة الخامسة:
الفقهاء قادة، والجلوس إليهم عبادة.


من الأخبار التي استدلّوا بها على الولاية العامّة ما أرسله الشيخ المفيد بإسناده إلى الشريف الصالح أبي عبد الله محمّد بن محمّد بن طاهر الموسوي عن إبن عقدة، عن يحيى بن الحسن بن الحسين العلوي، عن إسحاق بن موسى عن أبيه عن جدّه، عن محمّد بن عليّ، عن عليّ بن الحسين، عن الحسين بن عليّ عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلَّم: "المتقون سادة والفقهاء قادة و الجلوس إليهم عبادة"(30).

وقد أرسله الشيخ الطوسي أيضاً إلى أبي عبد الله محمّد بن محمّد بن طاهر الموسوي، وبالرغم من ذلك فالخبر ضعيف لجهالة إسحاق بن موسى على حدّ تعبير العلاّمتين الممقاني والخوئي رحمهما الله تعالى.

وأمّا من ناحية الدلالة فوجه الإستدلال به ظاهر من كلمة "قادة" حيث يُستفاد منها أنّ الفقهاء أولياء الأمور لأنّ ذلك معنى كونهم قادة.

وفيه: أنّ الفقهاء قادة تحتمل أمرَين:

الأوّل: أنهم قادة على الملوك كما ورد أنّ الملوك حكّام على الناس والعلماء حكّام على الملوك، أي قادة على الملوك يصدّرون الأوامر الفقهيّة ويعلّمون الملوك أحكامَ دينهم.

الثاني: أنهم قادة يقودون الناس إلى الخير والصّلاح من خلال ما ينشرون من الأحكام والمعارف، وعلى كِلاَ الإحتمالَين فلا يستلزم كونهم قادة أنْ يكونوا أولياء على أعراض الناس وأموالهم لأنّ إثبات ذلك بحاجة إلى دليل آخر يثبت لهم الولاية.

ويؤيّد ما ذكرنا من الإحتمالين ما ورد عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلَّم أنه قال: يرفع الله ـ بالعِلْم ـ أقواماً فيجعلهم في الخير قادة، يُقتبس آثارهم ويُهتدى بفعالهم وينتهى إلى آرائهم"(31).

ويدلّ على المطلوب مفاهيم الأخبار المستفيضة المبيّنة لصفات العلماء ووجوب الرّجوع إليهم لمعرفة الأحكام الشرعيّة لئلاّ تلتبس عليهم الأمور، فقد جاء في الإحتجاج عن مولانا الإمام الكاظم (عليه السلام) أنه قال: "فقيهٌ واحدٌ يتفقد يتيماً من أيتامنا المنقطعين عن مشاهدتنا بتعليم ما هو محتاج إليه، أشدُّ على إبليس من ألف عابد"(32).

وفي رواية محمّد بن مسلم عنه (عليه السلام) قال: فتعلموا العلم من جملة العلم(33).

ويؤيّد ما قلنا من أنّ المراد من القادة هو قيادتهم في الخير ونشر الأحكام، ما رواه المفيد عن الحارث الهمداني عن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلَّم قال: "الأنبياء قادة والفقهاء سادة"(34)، حيث لم يثبت بأخبارنا أنّ كلّ الأنبياء كانوا أصحاب نفوذ وسلطة بل إنّ هذا المقام كان لبعضهم أمثال إبراهيم الخليل وداوود وسليمان ونبيّنا محمّد صلّى الله عليه وآله وسلَّم وأمير المؤمنين (عليه السلام) بل المتيقَّن أنهم قادة في تبليغ الأحكام وإرشاد الناس إلى مصالحهم ومنافعهم وما يضرّ بحالهم ودينهم ودنياهم.

الطائفة السّادسة:
علماء أمتي أفضل من أنبياء بني إسرائيل.
فقد ورد في هذه الطائفة عدّة أخبار من هذا القبيل ما رواه في جامع الأخبار عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلَّم قال: أفتخر يوم القيامة بعلماء أمتي فأقول: علماء أمتي كسائر الأنبياء قبلي(35).

وفي خبر آخر عن منية المريد أنه تعالى للنبي عيسى: عظِّم العلماء واعرف فضائلهم فإن فضّلتهم على جميع خلقي إلاّ النبيّين والمرسَلين كفضل الشمس على الكواكب وكفضل الآخرة على الدّنيا وكفضلي على كلّ شيء(36).

وفي المروي في المجمع عن النبي قال: فضل العالِم على الناس كفضلي على أدناهم(37).

وفي الفقه الرضوي أنه قال: منـزلة الفقيه في هذا الوقت كمنـزلة الأنبياء في بني إسرائيل"(38).

ووجه الإستدلال بهذه الأخبار أنّ للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلَّم الولاية العامّة، ومقتضى التشبيه مع عدم ذكر وجه الشبه هو ثبوت ما للمشبّه به للمشبّه، خصوصاً الرّواية الأخيرة حيث قد عبّر فيها بالمنـزلة.

والحاصل أنّ مقتضى هذه الرّوايات ثبوت كلّ ما للنبيّ للعالم إلاّ ما أخرجه الدليل.

يرد عليه:

(1) ـ إنّ وجه الشّبه موجود في لسان هذه الأخبار، وهي الفضيلة والزلفى عند الله تعالى، فدعوى عدم ذكر وجه الشبه مصادرة على المطلوب.

وليست الفضيلة والزلفى في الشؤون والمناصب الدنيويّة والتصرّف في الأموال والأنفس، مضافاً إلى أنه لم يثبت في حق أنبياء بني إسرائيل ولاية التصرّف في الأموال والنفوس بل القدر المتيقن من وظيفتهم هو تبليغ الأحكام إلى الأنام، وقلّ مَن كان منهم والياً وسلطاناً كداوود وسليمان.

(2) ـ إنّ سياق هذه الطائفة تستدعي الأفضليّة للعلماء، وأفضليتهم لا تستدعي الولاية، وبمعنى آخر الفضيلة لا تلازم الولاية، ويشهد لهذا ما روي في قوله (عليه السلام): فضل العالِم على العابد كفضلي على سائر الناس أو كفضل القمر على ساير الكواكب وغير ذلك من التعبيرات كقوله (عليه السلام) لمّا سئل من خير خلق الله بعد أئمّة الهدى قال (عليه السلام): العلماء إذا صلحوا(39).

إنْ قيل: إنّ النبوّة الحقيقيّة تقتضي الولاية، إذ الولاية التي هي دخيلة في مرحلة الإيجاد والتكوين لا تكون إلاّ لأفضل الرعيّة، والنبيّ هو أفضل الرّعيّة(40).

وفيه:

(أوّلاً): كونه أفضل الرّعيّة مسلَماً به، لكن من أين نثبت الولاية العامّة لهم؟ كما لا ملازمة بين الأعلميّة وبين الولاية، وعلى فرض ثبوتها لهم فلا يجوز سحبها إلى غيرهم لأنّ ذلك تعدّياً على حقوقهم الخاصّة، ويتساوى الفقهاء بهم من ناحية الولاية الجعليّة الإعتباريّة، إذ لم يقم دليلٌ على إثباتها لغير الأنبياء.

هذا مضافاً إلى أنّ الولاية العامّة للأنبياء ـ على فرض ثبوتها لهم قاطبةً ـ ليست دخيلة ـ كما صوّر صاحب الإشكال ـ في مرحلة الإيجاد التكويني، لأنها تتناول التشريع والتقنين وليس لها دخل في عوالم الإيجاد والتكوين، إذ هما من شأن الولاية التكوينيّة للمعصوم (عليه السلام) التي لا يشاركه فيها أحد على الإطلاق، فالخلط بين الولايتين التكوينيّة والتشريعيّة وجَعْلِ إحداهما مكان الأخرى في التعريف لا يبتني على تفرقة صحيحة بينهما.

(ثانياً): لو سلّمنا أنّ حيثيّة النبوّة تقتضي الولاية العامّة للأنبياء لكنّها حيثيّة ثبوتيّة لا إثباتيّة، وهي خاصّة بهم دون غيرهم ـ حسبما أفدنا ـ فالتعدّي بها إلى غيرهم بحاجة إلى دليل قطعي، وإلاّ عند الشكّ في ثبوتها للفقهاء فإنّ الأصل يقتضي عدم ثبوتها لهم، ولكنّ الظاهر عدم وجود تلازم بين الحيثيتين (حيثيّة النبوّة وحيثيّة الولاية العامّة) لوجود أخبار توضح مهام ووظائف النبيّ والرّسول والإمام، نعم وجود تلازم بين حيثيّة النبوّة والولاية التكوينيّة حقٌّ لا غبار عليه أصلاً.

(ثالثاً): إنّ هذه الطائفة ناظرةٌ إلى وجوب تبعيّة الفقهاء في التبليغ والتنـزيل من هذه الجهة بعد القطع بأنه لم يرد التنـزيل من جميع الجهات، بل في الجهات الظاهرة المنصوصة كما في زيد الأسد إذ هو في شجاعته كالأسد لا في جميع الجهات حتى في أكله الميتة مثلاً، والنكتة في ذلك واضحة، إذ أنبياء بني إسرائيل لم يكن كلهم أنبياء لجميع الناس ورسلاً عامِّين بل كان بعضهم نبيّ بلده، وبعضهم نبيّ محلته...إلخ، نظيرهم في ذلك العلماء، وأنه يجب لكلّ قوم أن يتبع عالمه كما كان الواجب لبني إسرائيل أنْ يتبعوا نبيّهم في التبليغ، ويمكن أنْ يكون التنـزيل في الشرافة والثواب والأجر وأنهم مثلهم في جهة التبليغ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو من جهة أنّ ما يحمله الفقهاء الأتقياء من معارف آل البيت تستلزم تنـزيلهم منـزلة الأنبياء بل أفضل منهم من حيث إنهم يحملون علوم آل محمّد التي هي أشرف المعارف والعلوم، وهذا أمر واضح في تنـزيلهم في الشرف إلى مثل ما عليه الأنبياء من هذه الجهة دون غيرها(41).

(رابعاً): الظاهر أنّ العلماء في الرّواية هم الأئمّة وليس الفقهاء، إذ مهما أُوتي الفقيه من الورع والتقى لا يصل إلى درجة الأفضليّة على النبيّ المعصوم (عليه السلام) إذ كيف يكون غيرُ المعصوم أفضل من المعصوم (عليه السلام) وهو النبي صلّى الله عليه وآله وسلَّم؟ فالصحيح إذن أنّ الأئمّة عليهم السَّلام هم العلماء وهم أفضل من الأنبياء حسبما ورد في الأخبار الصحيحة المؤيِّدة للآيات كالتطهير والبلاغ والإكمال والولاية...ولما ورد في الصحيح عنهم حيث قالوا: نحن العلماء وشيعتنا المتعلّمون وسائر الناس غثاء(42).

فعموم وجه الشبه لمثل الولاية غير معلومٍ بل ممنوع وإلاّ لتساوى الأنبياء بغيرهم، بل الظاهر منه ـ حسبما أشرنا آنفاً ـ خصوص الفضيلة والكرامة للعلماء العارفين، هذا بناءاً على أنّ العلماء تشمل الفقهاء، وإما بناءاً على أنهم هم الأئمّة كما يقتضيه السياق في الرّواية وهو عصمة الأنبياء، وعصمة العلماء الأئمّة، وإلاّ فإنّ الفقهاء ليسوا معصومين حتى يكونوا كالأنبياء أو أفضل منهم.

شبهة وردّ:

إدّعى البعض(43) بأنّ حيثيّة النبوّة تقتضي الولاية العامّة إلاّ إذا قام الدليل على عدم الثبوت بل قد ثبت في محله أنّ الوالي يجب بحكم العقل أنْ يكون أفضل الرعيّة وكذلك النبيّ يلزم فيه أنْ يكون أفضل الرعيّة، وعليه فالنبوّة تقتضي الولاية بل النبوّة هي أظهر آثارها (الفكر الصائب:78) ـ أي آثار الولاية ـ.

وفيه:

(1) ـ إنه خلط بين مفهومَي النبوّة والولاية حيث جعلهما مفهوماً واحداً مشككاً ذا مراتب متعدّدة قوّةً وضعفاً، فجعل النبوّة مساوية للولاية بل أرفع درجة من الولاية العامّة التي هي في الواقع سلطنة إلهيّة لتنفيذ الأحكام الشرعيّة، فالخلط بين المفهومين لا يستلزم مساواتهما في جميع المراتب، إذ لكلِّ مقامٍ آثار خاصّة به لا يمكن تخطّيه إلى غيره، فالنبيّ له آثار خاصّة بمقام النبوّة وهي تلقّي الأحكام دون الأمر بإبلاغها، وإنما الإبلاغ من وظيفة الرّسل المبعوثين إلى الأمم، وكذا مقام الرّسول، له آثار خاصّة بمقامه دون التعدّي والتخطّي إلى مقام الإمامة، فدعوى أنّ النبوّة تستلزم وتقتضي الولاية خلطٌ كما قلنا بل خرط كخرط القتاد.

مضافاً إلى أنّ الآيات والأخبار دلّت وأشارت إلى أنّ مقام تنفيذ الأحكام لا يتمّ إلاّ بواسطة قانون الإمامة أو حيثيّة الإمامة، فالنبيّ ـ بما هو نبيّ ـ وظيفته تلقي الأحكام، والرّسول ـ بما هو رسول ـ وظيفته إبلاغ الأحكام ونشرها وتعريفها إلى الناس والإمام ـ بما هو إمام ـ وظيفته تنفيذ الأحكام وبسطها وإجراء الحدود وتطبيقها، فإبراهيم خليل الرّحمان (عليه السلام) صار إماماً يطبّق الأحكام والدّساتير الإلهيّة بعد أنْ كان رسولاً مبلِّغاً، وإلاّ لو كانت حيثيّة النبوّة هي نفسها حيثيّة الولاية أو أن النبوّة من آثار الولاية لما كان ثمّة حاجة إلى أنْ يُرْفعَ النبيُّ إبراهيم الخليل من مرتبة الرسالة إلى مرتبة الإمامة، لأنّ ذلك تحصيلاً حاصلاً، مضافاً إلى أنّ الإعتقاد بمثل ما جاء به العلاّمة المذكور مِن "أنّ النبوّة تقتضي الولاية" هو نفسه الفهم العامّي لإمامة إبراهيم، حيث يعتقد علماؤهم أنّ مقام إمامة إبراهيم هو نفسه مقام رسالته. (لاحظ الفوائد البهيّة/بحث الإمامة).

(2) ـ دعواه أنّ حيثيّة النبوّة تقتضي الولاية العامّة إلاّ إذا قام الدليل على عدم الثبوت مناهِضَة تماماً لما اشتهر عن أغلب أنبياء بني إسرائيل بأنهم كانوا مبلِّغين لأحكام الله تعالى وقليلٌ منهم مَن كان والياً وسلطاناً كداوود وسليمان حسبما أفدنا مراراً.

وعلى فرض أنّ حيثيّة النبوّة تقتضي الولاية العامّة للأنبياء إلاّ أنّ تعميمها للفقهاء بحاجة إلى دليل لفظي هو مفقودٌ في البَيْن.

الطائفة السابعة:
الفقهاء حصون الإسلام.

وجاء في هذه الطائفة عن الكافي عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن إبن محبوب عن عليّ بن أبي حمزة قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) يقول: إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة وبقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها وأبواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله وثلم في الإسلام ثلمة لا يسدّها شيء، لأنّ المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها(44).

والرّواية من ناحية السّند ضعيفة لوجود عليّ بن أبي حمزة البطائني وهو من أعمدة الواقفيّة، والمشهور بين فقهاء الإماميّة وعلماء الرّجال ضعفه، روى عن الإمام الصادق (عليه السلام) والإمام أبي الحسن موسى (عليه السلام)، وقيل: إنّ سبب وقفه أنه كان عنده ثلاثون ألف دينار للإمام الكاظم فجحدها، فكان ذلك سبب وقفه(45).

وروى أصحابنا أنّ الإمام أبا الحسن الرّضا (عليه السلام) قال بعد موت إبن أبي حمزة: إنه أُقعد في قبره فسُئِل عن الأئمّة عليهم السَّلام فأخبر بأسمائهم حتى انتهى إليَّ، فسُئِل فوقف، فضرب على رأسه ضربة امتلأ قبره ناراً(46).

وكان إبن فضال (وهو أحد الرّواة الأجلاّء عن الأئمّة عليهم السَّلام) يقول: إبن أبي حمزة كذاب ملعون.

ومالَ الطّوسي إلى توثيقه في العدّة مصرِّحاً "بأنّ الطائفة عملت بأخباره وبأنّ له أصلاً" لكنّ كلّ ذلك لا يجدي الرّجل نفعاً، لتظافر الأخبار وتوافق كلمة الأخبار في ذمّه، وكونه له أصل لا يفيد مدحاً أصلاً، مضافاً إلى أنه حتى لو كان له أصل فلا يخرجه هذا عن الجهالة.

فتصريح الشيخ الطوسي بعمل الطائفة بأخباره لا يعتبر ناهضاً بمقاومة التصريحات الواردة بضعفه والأخبار المستفيضة في ذمّه ولعنه، ودعوى بعض الرجاليين بأنّ الرّجل موثوق لتأيده برواية الثقات عنه كصفوان وإبن أبي عمير والبزنطي وإبن محبوب وغيرهم من الأجلاّء، لا تخدش بضعفه إذ لعلّ نقل هؤلاء عنه كان في حال استقامته، فإنّ الوقف حدث بعد شهادة مولانا الإمام الكاظم(عليه السلام).

وأما بيان الرّواية من ناحية الدّلالة، فبتقريب:

إنّ الإسلام ليس مقصوراً على الأحكام العباديّة والمراسيم الشخصيّة فقط، بل له أحكام كثيرة في المعاملات والضرائب الإسلاميّة وكيفيّة تنظيم العائلة وسياسة المدن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد والدّفاع وفصل الخصومات والحدود والقصاص والديّات، وكلّ ذلك مبنيٌّ على وجود فقيه ينجز كلّ هذه الأمور، وهذا بعينه الولاية العامّة للفقيه، وعليه فيكون معنى "الحصن" أنّ الفقهاء كسور المدينة يحفظونها من كيد الأعداء بإقامة الحدود والتعزيرات وما شابه ذلك ولا يعني هذا سوى القول بالولاية العامّة(47).

فغاية الإستدلال بالحديث هو نصب الفقهاء ولاةً على الأمّة الإسلاميّة.

وفيه:

(1) ـ لو سلّمنا بصحّة كلّ ذلك وأنّ للفقيه الولاية على الأمّة وأنّ من وظائفه إقامة الحدود وما شابه ذلك، لكنّ إثبات ذلك ليس من داخل هذا الحديث، لكونه بعيداً عن هذه الجهة أو هذه الحيثيّة، فحصر "الحصن" بإقامة الحدود والتعزيرات وما شابه ذلك بالولاية العامّة للفقيه خلاف المتبادر من كلمة حصن الدالة بعمومها على نشر الأحكان وردّ شبهات الملحدين والمنافقين والمشكِّكين وهو القدر المتيقن من حفظ الإسلام، وأمّا تنفيذ الأحكام في المجتمع وإقامة الحدود..إلخ فهو أمر آخر لا يُعلم كونه مشمولاً للحديث(48).

(2) ـ من أبرز مصاديق "الحصن" هو بيان معارف الإسلام وأحكامه، فهل لأحد أنْ يتصوّر أنّ أئمتنا (الّذين لم يتمكنوا من تنفيذ الأحكام بل كانت مهمتهم مقتصرة على بيان المعارف وتربية الفقهاء والمحدثين) لم يكونوا حصناً للإسلام؟ فالقدر المتيقن من معنى الحصن هو بيان الأحكام والمعارف، وما عداه مشكوك بحاجة إلى دليل.

(3) ـ إنّ مجرّد كون الفقهاء حصوناً لا يدلّ على مسألة الولاية العامّة كما هو واضحٌ، لإمكان كون الحديث ناظراً إلى أنهم حافظون لأحكام الله وحلاله وحرامه، نظير ما ورد في حقّ جمعٍ من أعاظم أصحاب أئمتنا عليهم السَّلام كزرارة وهشام بن الحَكَم ومحمّد بن مسلم وغيرهم، وأنه لولاهم لاندَرَسَتْ أحكام النبوّة.

الطائفة الثامنة:
العلماء حكّام على الملوك.
إستدلّوا بهذه الطائفة والتي منها ما ورد عن مولانا الإمام الصادق (عليه السلام) قال: الملوك حكّام على الناس والعلماء حكّام على الملوك(49)، وفي نصٍّ آخر: "العلماء حكّام على الناس"(50).

وتقريب الإستدلال بها على الولاية العامّة للفقيه هو أنّ المتبادر ـ بحسب الظاهر ـ إلى الأذهان من حكومة العلماء على الملوك والزعماء إنما هو السلطة والزعامة والولاية على الزعماء والحكام ومقتضى كونهم أصحاب سلطة على الزعماء والملوك، أنْ يكون لهم السّلطة على الناس بالأولويّة.

وبعبارة أخرى:فكما انّ للسلاطين والأمراء في نظر العرف العام الزعامة والتدخل في الأمور العامّة من تأديب الجهال والمتمردين من باب السلطنة والولاية، فكذلك العلماء لهم جميع ذلك على جميع الأمّة حتى على حكّامهم العرفيّين.

يرد على هذا الإستدلال:

(1) ـ يصحّ الإستدلال المذكور فيما لو حملنا جملة "العلماء حكّام على الملوك" على الإنشاء لا الإخبار، فيراد بها حينئذٍ كونهم من باب الحكومة والولاية حكّاماً على الملوك والزعماء، لكنّ حملها على الإنشاء باطل لوجهين:

الوجه الأوّل: إنّ الحمل المذكور مجرّد احتمال، وبالإحتمال يبطل الإستدلال، كما إنّ مقتضى الإستدلال المذكور ـ أي حملها على الإنشاء ـ أنْ يكون أمير المؤمنين (عليه السلام) قد جعل منصب الحكومة لجميع العلماء في جميع الأعصار، فلو كان في عصرٍ واحدٍ ألف عالم مثلاً، لا بدّ أنْ يكون الجميع حكّاماً منصوبين، وهذا بعيد بل هو مقطوع الفساد، عدا عن أنّ حصر الحكومة بجماعة من العلماء أو بفردٍ واحد (بناءاً على القول بالوليّ الفقيه المركزي حسبما يُستفاد من كلمات السيّد الخميني) يستلزم ثَلْمَ هذا الشمول والإطلاق في قوله: "العلماء حكّام.." حيث إنه جَمْعٌ محلّى بالألف واللام وهو يفيد العموم فيشمل كلّ العلماء سواء كانوا علماء دين أو علماء من بقيّة الإختصاصات الأخرى، وسواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين، فتقييده ببعض دون آخر بلا دليلٍ معتبرٍ، هو خلاف الإطلاق والشمول.

الوجه الثاني: إنّ قوله (عليه السلام): "الملوك حكّام على الناس" ظاهرٌ في الإخبار قطعاً، وذلك للقرينيّة في داخل الفقرة المذكورة حيث تدلّ على مفروغيّة سلطة الملوك على النّاس خارجاً، ولا أحد ينكر كونهم كذلك، وإلاّ لو كانت الجملة في مقام الإنشاء، لدلّ ذلك على وجوب تنصيب الملوك ـ حتى ولو كانوا فساقاً ـ على الناس، وهو خلاف ما ورد من الآيات والأخبار بذمّهم والوعيد بعقابهم، فلا بدّ من القول ـ إذن ـ من أنّ الجملة المذكورة "الملوك حكّام.." إخباريّة قطعاً لالتحام الفقرة الثانية بها "العلماء حكّام على الناس" لوحدة السياق، فالجملة الثانية "العلماء..." هي إخبار بأنّ العلماء نافذون ومؤثرون في الملوك وفي آرائهم قهراً، إمّا للإيمان بهم أو كونهم مجبورين في الأغلب على الإلتفات إليهم وإلى آرائهم والإحترام لهم لجلب رضى الأمّة وجذبهم، أو لاحتياجهم إلى علمهم في إدارة شؤون الأمّة ورفع حوائجها، ولا سيّما إذا أُريد بالعلم الأعمّ من علم الدين.

(2) ـ إنّ الرّواية المذكورة "العلماء حكّام على الملوك" مسوقة لبيان علوّ شأن العلماء الربانيين وأنّ على الحكّام أنْ يستعينوا بهم على حلّ المشاكل التي تعترضهم، حيث إنّ الملوك مع كمال قدرتهم وسطوتهم خاضعون لمقام علمهم ومطيعون لأوامرهم وتابعون لأفعالهم، فغايته ثبوت الحكم للعلماء ولو في نفوذ قضائهم على الحكّام، وأين ذلك من ثبوت الولاية الكليّة لهم.

وبعبارة أخرى: يُراد من حكومتهم على الملوك هو الحكومة على القلوب والأفئدة لا الحكومة الظاهريّة وإلاّ لم يناسب جعْل حكومتهم على الحكّام، بل لا بدّ أنْ تكون على الناس، فتأمّل.

وعليه فلا مجال للإستدلال بالرّواية على الولاية للفقهاء في المقام.

والإنصاف أنْ يُقال: إنّ المراد من العلماء هم آل البيت عليهم السَّلام لا مطلق العلماء بقرينة ما جاء في الأخبار قوله (عليه السلام): "نحن العلماء وشيعتنا المتعلِّمون وساير الناس غثاء" وهذا نظير قولهم عليهم السَّلام: "مجاري الأمور بيد العلماء" حيث إنّ الظاهر من المجاري جمع مجرى إسم مكان لا مصدر ميمي يعني محالُّ جريان الأمور والأحكام وهي المصالح والمفاسد والمدارك الناشئة والجارية منها الأحكام جريان الماء من النبع، ومن المعلوم أنها بيدهم عليهم السَّلام بمعنى أنه لا يعرفها غيرهم أصلاً(51).

والخلاصة: إنّ الرّواية جملة اخباريّة في صدد بيان علو مقام العلماء العدول حتى لو قهرهم السلاطين، كما إنها في مقام ذمّ السلاطين وبيان سوء حالهم، فالرّواية تكشف عن الآثار المترشحة عن حاكميّة العلماء على السلاطين، مع أنهم ـ أي السلاطين ـ في أغلب الأحيان إنْ لم يكن كلّها ـ طواغيت لئام على المحرومين والمستضعفين لا سيّما العلماء منهم، مع هذا فإنهم بحاجة إليهم، فهم في الواقع حكام على السلاطين وإنْ كانوا بنظر العرف مقهورين ومحكومين، فتدبّر.

الطائفة التاسعة:
السلطان وليّ مَن لا وليّ له.

ورد في خبر نسب إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلَّم أنه قال: السلطان وليّ مَن لا وليّ له(52).

وهذا الخبر مما اشتُهر على الألسن بين الخاصّة والعامّة، وهو من الناحية السنديّة ضعيف لكونه من المراسيل التي لا حجية فيها، وليس له وجود في روايات أصحابنا سوى ما تفرّد به صاحب الإرشاد، فالخبر من مجعولات العامّة لوجوب طاعة السلطان.

وعليه فإنّ الإستدلال بها على الولاية العامّة للفقيه مبنيٌّ على أنّ المراد من السلطان هو الفقيه حيث إنّ له ولاية على كلّ مَن لا وليّ له في زمن الغيبة بمعنى أنّ للفقيه الولاية على المسلمين إذا لم يكن لهم وليٌّ فعلاً يدير شؤونهم ويرجعون إليه في مهمات أمورهم.

فالمراد بالّذي لا وليّ له هو خصوص مَن كان له قابليّة الولاية وشأنية نصب الوليّ له، ولا شكّ أنّ المسلمين في زمن الغيبة لهم القابليّة لأنْ يكون لهم وليٌّ يدير شؤونهم ويدبّر أمورهم(53).

يرد عليه:

(أوّلاً): إنّ المراد بالسلطان هنا هو الإمام (عليه السلام) لا الفقيه، بناءاً على الألف واللام عوضٌ عن المضاف إليه وهو لفظ الجلالة "الله" وكأنّ لسان الخبر يفيد بأنّ: "سلطان الله وليُّ مَن لا وليّ له"، فإسراء الحكم إلى الفقيه يحتاج إلى عموم أدلّة النيابة له لا مطلق مَن تسلّط على الناس.

ودعوى " أنّ ظاهر الخبر هو مَن كان له سلطة، والفقيه في زمن الغيبة له سلطنة بالضرورة على المجانين والسفهاء والصغار ويصدق عليه لفظ السلطان"(54) وليست السلطنة مختصّة بالإمام (عليه السلام) وذلك للإطلاق الظاهر في لفظ "السلطان"، مدفوعة: بأنّ لفظ "السلطان" عند إطلاقه يتبادر منه (السلطان العادل) وهو الإمام (عليه السلام) في مقابل سلطان الجور، وبما أنّ سلطة الثاني محرَّمة للإجماع وضرورة المذهب يثبت حينئذٍ سلطة الأوّل، لذا لا نرى العرف يطلق لفظ "السلطان" على العالم،فلو قال قائل:جاء السلطان، فإنهم يفهمون منه أو يتبادر إليهم من المنطوق (الحاكم والرئيس) في أزمنة الغيبة لا العالِم أو الفقيه؛ فإنّ ذلك يتطلّب قرينة زائدة تصرف المعنى العرفي العام إلى المعنى الخاص.

مضافاً إلى أنّ دعوى وجود سلطة للفقيه في زمن الغيبة على المجانين والسفهاء والصغار يبرّر إطلاق لفظ "السلطان" عليه، مردودة أيضاً لعدم وجود نصوص تدلّ على إطلاق السلطان" على الفقيه لسلطنته على المجانين والسفهاء والصغار، فإنها سلطة مقيَّدة بعدم وجود وليّ أو وصيّ يدير شؤونهم ويرعى مصالحهم، أمّا في حال وجود مَن يرعى مصالحهم فلا دليل يثبت كونه سلطاناً أو وليّاً عليهم، نعم، قامت الأدلّة على خصوص نيابة الفقيه عن الإمام (عليه السلام) على وجه الوكالة لحفظ مصالح هؤلاء ورعاية أمورهم، وعليه فلا حاجة بنا للأخذ بهذه الرّواية العامية التي لم تثبت من طرقنا.

(ثانياً): إنّ الرّواية ضعيفة سنداً وموافِقة للعامّة، ولا حجيّة في الأخبار الضعيفة، كما لا خير في الأخبار العاميّة والرّشد في خلافهم ودعوى انجبارها بعمل الأصحاب لا يصحح العمل بمضمونها بشكل مطلَق بحيث تتعدّى المورد المتيَقَّن من لفظ السلطان العادل على اختصاصه بالمعصوم (عليه السلام) دون غيره من الفقهاء للشّك في كونهم من مصاديق السلطان، فمقتضى الأصل عدم كونهم سلاطين الزمان، نعم هم حكّام على السلاطين والملوك حسبما أشرنا في الطائفة الثامنة، فكونهم حكاماً على الملوك والسلاطين يعتبر قرينة واضحة على أنهم ليسوا بسلاطين.

مضافاً إلى أنّ الشّكّ في عموم نيابة الفقيه يقتضي القول بعدم ثبوتها لعدم تماميّة تلكم الأدلّة التي اعتمدوها لتأسيس الولاية العامّة.

وبعبارة أخرى: إنّ ثبوت الولاية العامّة للفقيه من خلال كونه سلطاناً يحتاج إلى ضمّ أدلّة أخرى على عموم النيابة وهو غير ثابت بدليل معتبَر، لأنّ ما يصلح أنْ يكون دليلاً عليه هو الأخبار المتقدّمة والتي ستأتي، وهي كلُّها لا تخلو من ضعف في دلالتها مع قطع النظر عن السند.

(ثالثاً): إنّ قوله (عليه السلام): "مَن لا وليّ له" في المرسَلة المذكورة ليس مطلَق مَنْ لا وليّ له حتى يشمل المسلمين في زمن الغيبة بحسب الدّعوى المتقدّمة، بل المراد عدم الملكة (أي عدم القابليّة والإستعداد للشخص لأن يتصدّى لأموره بل هو محتاج لمن يتصدّى لأموره) يعني أنّ الفقيه ـ لو سلّمنا بكونه سلطاناً ـ وليُّ مَن مِن شأنه أنْ يكون له وليٌّ بحسب شخصه أو صنفه أو نوعه أو جنسه، فيشمل الصغير الّذي مات أبوه، والمجنون بعد البلوغ، والغائب، والمَدين الّذي يمتنع عن أداء دَينه، والميت الّذي لا وليّ له، والأوقاف العامّة للمسلمين قاطبةً، كُلُّ ذلك بقرينة اللام الدالّة على الإنتفاع بحيث يُستفاد من المرسلة مشروعيّة كلّ شيء فيه مصلحة للشخص دون الولاية عليه بما يضرّه، فليس للفقيه السلطان فعل شيء لا تعود مصلحته إلى الطوائف المذكورة أعلاه، فكونه وليّاً لمَن لا وليَّ له في التصرّف في ماله ونفسه لا يستلزم الولاية العامّة على الأموال والأنفس بشكلٍ مطلَق.

وبالجملة؛ فلا داعي لأنْ نتجشّم عناء البحث في مفاد هذا الخبر بعد وضوح ضعف سنده وكونه عاميّاً، مضافاً إلى عدم ثبوت دلالته على المدَّعى.

والّذي نفهمه من دلالة الحديث المذكور على فرض التسليم بقبوله: أنّ السلطان هو الإمام (عليه السلام) أو مَنْ ينوب عنه كالفقهاء حيث لهم الولاية الخاصّة على وجه الوكالة في غيبة مولانا الإمام الحجّة (عليه السلام) على القاصرين واليتامى والسفهاء إذا لم يكن ثمّة مَن يرعى مصالحهم ويحفظ حقوقهم، وليس في دلالة الحديث ما يشير إلى الولاية العامّة للفقيه على البالغين الرّاشدين ولا على أموالهم وأعراضهم، لأنّ المتبادر من كلمة "لا وليّ له" هو الشخص القاصر الّذي فَقَدَ مَن يرعى مصالحه ويحفظ حقوقه، لا مطلق مَن لا وليّ له حتى يعمّ البالغين من المسلمين قاطبة، فتأمّل.

الطائفة العاشرة:
الفقهاء أمناء الرّسل.

روى الكليني في الكافي عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن مولانا أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلَّم: الفقهاء أمناء الرّسل ما لم يدخلوا في الدّنيا، قيل: يا رسول الله وما دخولهم في الدّنيا؟ قال: اتباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم(55).

وسند الرّواية موثوق به لأرجحيّة وثاقة النوفلي والسكوني، ولعمل الفقهاء بهذا السّند في ابواب مختلفة من الفقه، ودعوى أنّ النوفلي غلا في آخر عمره مردودة إذ لم يُر له رواية تدلّ على هذا على حدّ تعبير النجاشي، وقد أكثر إبراهيم بن هاشم وغيره من النقل عنه، وأمّا السكوني فإنّ المخالفين قدحوا به لروايته عن أئمتنا عليهم السَّلام وكفى بها شهادة على توثيقه.

تقريب الإستدلال بالرّواية هو:

(أوّلاً): إنّ الأمين هو الإنسان الّذي يُعتمد عليه في حفظ مال الغير، ولا إشكال أنه لا يُراد به هذا المعنى هنا، فلا بدّ أنْ يُراد به بقرينة الحال والمقال الإعتماد عليه في حفظ ما كان على النبي حفظه ومسؤولاً عنه من الأحكام الشرعيّة والأمور العائدة للرعيّة وإدارة شؤونهم ومصالحهم ورفع الفساد عنهم، وهذا لازمه رجوع أمر الرّعيّة إليه وجعل الولاية العامّة له(56).

وبتقريرٍ آخر: إنّ أهمّ شؤون الرّسل بيان أحكام الله تعالى، وعليه فإنّ الفقيه إذا جُعل أميناً للرسل صار أميناً لهم في جميع شؤونهم العامّة على ما يقتضيه إطلاق اللفظ(57).

(ثانياً): إنّ إطلاق الأمانة دون ذكر متعلقه يقتضي عموم الولاية للفقيه، ومعنى حفظ العالِم للولاية إعمالها، كما انّ إفسادها ترك العمل بها، ولا نعني من ولاية العلماء إلاّ هذا.
 

ويرد عليه:

(1) ـ إنّ لفظ "الأمناء" أجنبيٌّ عن مقام إعطاء منصب الولاية إذ هي في مقام بيان فضل العلماء الأمناء على الحلال والحرام، مضافاً إلى أنّ ذيل قوله (عليه السلام): "فاحذروهم على دينكم" قرينة على كون المراد من متعلَّق الأمانة هو خصوص الدّين والأحكام الشرعيّة فلا يعمّ الولاية.

فمورد الرّواية هو الفقيه الّذي يُعتمد عليه في بيان الأحكام الإلهيّة، وهذا هو معنى كونه أميناً، فإذا انحرف واتّبع السلاطين كان الحذر منه واجباً، فإنّ علماء السوء يحرّفون كلام الله ويأوّلونه على وفق أهواء السلاطين فلا اعتبار لآرائهم وفتاواهم، أمّا العلماء الأتقياء العرفاء بأمر آل محمّد عليهم السَّلام هم وحدهم الأمناء على الحلال والحرام وعامّة الأحكام الإلهيّة، والأمانة لا تستلزم السلطنة على الأموال والأنفس، بل السلطنة أمر زائد لا بدّ من إثباته من دليل آخر.

وبعبارةٍ أخرى: كونهم أمناء الرّسل بنفسه غير كافٍ، لاحتمال كونهم أمنائهم على الاحكام الشرعيّة والمعارف الإلهيّة، بل ظاهره ذلك وهو القدر المتيقَّن.

(2) ـ لو سلّمنا أنّ لفظ الأمناء مطلَق ولكنّ احتفافه بما يصلح للقرينيّة وهي قوله:"فاحذروهم.." يمنع من انعقاد الإطلاق، مضافاً إلى أنه ـ وحسبما أشرنا سابقاً ـ لم يثبت لنا أنّ الرّسل والأنبياء كانوا كلّهم ولاة وسلاطين، بل القدر المتيَقَّن أنهم كانوا مبلغين لأحكام الله، وقلّ مَنْ كان منهم والياً وسلطاناً كداوود وسليمان عليهم جميعاً السَّلام، فإذا لم يكونوا عليهم السَّلام بهذا المستوى من السلطنة والإمارة فكيف نثبت حينئذٍ للفقهاء تلك الولاية لهم؟! وإذا لم تثبت الولاية العامّة ـ بمعنى السلطنة والإمارة ـ للأعلى وهم الرّسل فكيف تثبت للأدنى وهم الفقهاء؟‍‍!!

(3) ـ قلنا سابقاً أنّ المراد من "العلماء" في هذا الخبر وأمثاله هم الأئمّة عليهم السَّلام لكونهم العلماء بالمعنى الحقيقي، ولقوله (عليه السلام): نحن العلماء وشيعتنا المتعلمون وساير الناس عثاء، فراجع.

وبالجملة؛ إنّ معنى كون الفقهاء أمناء الرّسل أي أنهم أمناء على الحلال والحرام لا أنهم أمناء على الرعيّة بالتصرّف بأموالهم وأنفسهم وأعراضهم، فهذا شيء وراء حفظ الحلال والحرام، فتدبّر.

الطائفة الحادية عشرة:
وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا.
روى الشيخ الصَّدوق في كتاب كمال الدين قال: حدّثنا محمّد بن محمّد بن عصام الكليني، قال: حدّثنا محمّد بن يعقوب الكليني، عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمّد بن عثمان العمري أنْ يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزّمان (عليه السلام): أما ما سألت عنه ـ أرشدك الله وثبتك ـ من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا وبني عمّنا، فاعلم أنه ليس بين الله عزّ وجلّ وبين أحد قرابة، ومَن أنكرني فليس مني وسبيله سبيل إبن نوح (عليه السلام)...إلى أنْ قال: وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله عليهم(58).

وفي غيبة الشيخ الطوسي بسنده إلى جعفر بن محمّد بن قولويه وأبي غالب الرازي وغيرهما عن محمّد بن يعقوب الكليني عن إسحاق بن يعقوب، وفي آخره: "وأنا حجّة الله عليكم.."(59).

والتوقيع الشريف من الناحية السنديّة ضعيف لجهة إسحاق بن يعقوب ـ حيث لم يذكره علماء الرّجال، فهو من المجاهيل، لكنّ الرّواية بمضمونها تدلّ على جلالته وعلوّ رتبته، ولا يضرّ كونه هو الرّاوي للتوقيع بعد اعتناء المشايخ به ورواية جماعة من المشايخ له.

مضافاً إلى اعتماد الكليني عليه في النقل عنه، والخبر وإنْ كان ضعيفاً سنداً إلاّ أنه منجبرٌ بعمل الأصحاب بأكثر فقراته سوى ما ورد في تحليل الخمس في عصر الغيبة فإنّ ذلك معاكس لما عليه المشهور من عدم سقوطه في الغيبة، فسنده صحيح على مسلك المشهور لأخذهم به وعدم إعراضهم عنه لقرائن توجب ذلك، وكلّ خبر أخذ به المشهور هو صحيح ولو كان سنده ضعيفاً، وكلّ ما أعرض عنه المشهور هو ضعيف ولو كان سنده صحيحاً، مضافاً إلى أنّ سند الشيخ الطوسي في الخبر لا بأس به، وإبن عصام الوارد في سلسلة طريق الكليني وإنْ لم يذكره علماء الرّجال بمدح ولكنه من مشايخ الصّدوق وكان الصَّدوق ينقل عنه مترضياً عليه، وهذا يكفي للإعتماد عليه، فالجدال في شخصين:

الأوّل: إبن عصام.
الثاني: إسحاق بن يعقوب.
والأظهر وثاقتهما وذلك لأربعة أمور:


الأوّل: أخذ المشهور بالخبر، مما يرفع من درجة صحّة الحديث.
الثاني: إعتماد الشيخ الصَّدوق على إبن عصام.
الثالث: نقل الكليني عن إسحاق بن يعقوب، وكذا نقل الصّدوق عنه، والثقة لا ينقل إلاّ عن ثقة، ومن البعيد جدّاً أنْ ينقل عن غير الثقة، وإلاّ ـ أي لو نقل ثقة عن غير الثقة بنظره ـ لانتفت وثاقة الثقة من أساسها لأنّ ذلك يستلزم نقل الثقة عن الكذاب تعمداً، وهذا منفيٌّ بحقّ مشايخ الطائفة أمثال الكليني والصَّدوق.
الرّابع: ترحّم الإمام (عليه السلام) على إسحاق بن يعقوب بقوله (عليه السلام): "أرشدكَ الله وثبّتكَ" ثم قوله في آخر الخبر: "السّلام عليكَ يا إسحاق" يرفع من وثاقة المخبر قطعاً.

وأمّا الدّلالة فتدلّ على أمرين مهمَّين:

الأمر الأوّل: توضيح "الحوادث" ويراد بها ما يتفق للناس من المسائل والموضوعات التي لا يعلَمون حكمها، فلا بدّ لهم أنْ يرجعوا فيها إلى رواة الأحاديث المرويّة عن أئمتنا عليهم السَّلام.

الأمر الثاني: توضيح "رواة الحديث" ويراد بهم الفقهاء الّذين يفقهون الحديث، ويعلمون خاصّه وعامّه، ومحكمه ومتشابهه، ويعرِفون صحيحه من سقيمه، والمتَّفَق عليه من مختلفه، الّذين لهم طاقة التفكيك بين الصريح منه والدخيل، وتمييز الأصيل من الزيَّف الموضوع، ولا يراد بـ "رواة الحديث" الّذين يقرأون الكتب ويحفظون ظاهراً من ألفاظه، ولا يفهمون معناه وليس لهم قوّة الإستنباط ولا غيرها من قواعد الترجيح والموازنة، وإنْ زعموا أنهم حملة الحديث ورواة الأحاديث حيث يحفظونها في ذاكرتهم دون أنْ يمتلكوا قوّة الإستنباط، هؤلاء نظير المسجّلات، بداهة أنّ الإمام (عليه السلام) لم يرجع أصحابه إلى الرّوايات بل إلى الرّواة وقال: "إنهم حجّتي" ولم يقل: "رواياتهم حجتي"، ولا معنى لإرجاع الأصحاب إلى حفاظ الألفاظ بلا إدراك لمفاهيمها، فلا محالة يراد بذلك الفقهاء المستنبطين والمستند فِقههم واستنباطِهم إلى روايات العترة الطاهرة، والحاكية لسُنَّة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلَّم في قبال الفتاوى الصادرة عن الأقيسة والإستحسانات وما شابه ذلك.

تقريب الإستدلال بالتوقيع عند مؤسِّسي ولاية الفقيه:

وقد استدلّ أتباع الولاية العامّة على المدَّعى بأنّ إطلاق الرّجوع إلى رواة حديثهم يقتضي الرّجوع إليهم وأخْذ الفتوى وفي فصل الخصومات ورفع المنازعات، وفي تنفيذ الأحكام الشرعيّة وإجرائها وإعمال الولاية حسب اختلاف الحاجات والموارد، وظاهر المقابلة بين حجّيّة نفسه (عليه السلام) وحجيتهم أيضاً تساوي اللفظَين بحسب المفهوم والإنطباق، والإمام المعصوم حجّة عندنا في الإفتاء وفي القضاء وفي إعمال الولاية، ولا يجوز التخلّف عنه في المراحل الثلاث بلا إشكال، فكلّ ما ثبت له من قَبَل الله تعالى من الشؤون الثلاثة يثبت للفقهاء أيضاً من قِبَل الإمام (عليه السلام)(60)، مضافاً إلى أنّ قوله (عليه السلام): "فإنهم حجتي عليكم" حكمٌ مطلَق يسري على الفقهاء ما سرى على الإمام (عليه السلام).

وبعبارة أخرى: إنّ الحجّة يجب إتباعها، فيكون العالِمُ الفقيه واجبَ الإتباع، وهذا يقتضي أنْ يكون له الولاية، وحذف المتعلَّق يفيد العموم لكلّ ما كان للإمام (عليه السلام) الولاية عليه(61).

يرد عليه:

(1) ـ إنّ الظاهر من الحجية هي الحجيّة في الأحكام، وذلك لأنّ معناها لغةً واصطلاحاً هي ما يحتج به على الناس حتى لا يبقى لهم عذرٌ في التقصير بامتثال التكاليف بدعوى عدم علمهم بالتكاليف والإطلاع عليها، والحجيّة بهذا المعنى شيء، وبمعنى الولاية شيءٌ آخر، فلا ملازَمة بين الحجية بكِلاَ معنيَيْها وبين الولاية.

وبتعبيرٍ أخر: إنّ مفهوم الحجية يختصّ بباب التبليغ المختص بالأحكام دون ولاية التصرّف في النفوس والأموال.

مضافاً إلى ذلك فإننا إذا أخذنا بإطلاق مفهوم الحجيّة بدعوى أنّ حذف المتعلَّق دليل العموم فبإمكاننا القول بأنّ قول الفقيه وفعله وتقريره حجّة كالإمام (عليه السلام)، فاي فَرْقٍ حينئذٍ بين الإمام والفقيه ما دام له ما للإمام (عليه السلام)، فيصير الفقيه معصوماً بأقواله وأفعاله مع أنّ أصحاب نظريّة الولاية لا ينسبون العصمة لأنفسهم، فلا بدّ ـ إذن ـ من الإقتصار على الحجّيّة في الأحكام لا في الأفعال بحجّة أنّ له ما للإمام (عليه السلام) من الجعل الإلهي.

إنْ قيل: إنّ إطلاق الحجة على الشخص ظاهرٌ فيما لو كانت على نحو القول والعمل لأنّ كلمة "حجّة" تشمل كلّ المقامات التبليغيّة والإجرائيّة والتنفيذيّة والتشريعيّة المتعلِّقة بالإمام (عليه السلام)، وهي بنفسها للفقيه، نعم لو أطلقت الحجّة على "القول" فقط ـ أي على تبليغ الأحكام باللسان ـ كان ظاهرها الحجية في الأمور التبليغيّة دون الإجرائيّة والتنفيذيّة.

قلنا: إنّ القدر المتيقن من جواب الإمام (عليه السلام) لإسحاق بن يعقوب بمناسبة الحكم والموضوع هو الأحكام الشرعيّة للحوادث بمعنى أنّ السائل أراد الجواب من الإمام المهديّ (عليه السلام) ردّاً على أسئلته عن أمور دينيّة، ولم يرد شيئاً آخر وراء ذلك، فأيّ حاجة للسؤال من الإمام عن الولاية العامّة، وصدر الرّواية يشهد على ذلك حيث إنّ إسحاق سأل عن مسائل أشكلت عليه يريد معرفة حكمها لئلاّ يقع في الحرام، فنفس السؤال عن مسائل أشكلت عليه هو بذاته قرينة صارفة عن الإطلاق المدَّعى، فإنّ رواياتهم عليهم السلام مناشئ ومدارك لاستنباط الأحكام الشرعيّة الكلية، فالأخذ بالإطلاق مع وجود القدر المتيقن وما يصلح للقرينيّة مشكل بل ممنوع.

وبعبارة أخرى: إنّ أجوبة الإمام المهديّ (عليه السلام) على الأسئلة المذكورة في الخبر قرينة صارفة عن الحجيّة غير التبليغيّة بمقتضى الحكم ـ وهو أجوبته (عليه السلام) ـ والموضوع وهو ـ العناوين التي يترتّب عليها الحكم كأسئلة إسحاق بن يعقوب ـ.

(2) ـ الأخذ بإطلاق الحجية تفريعاً على حجية الإمام، يعني جعْل الولاية الفعليّة للفقهاء في عصرٍ واحدٍ باعتبار أنّ لكلّ فقيه حجّة مستقلّة بحسب قوله (عليه السلام): "وإنهم حجتي عليكم" يقتضي التناحر والتنازع وهو خلاف الحكمة من وجود الفقهاء في عصر الغيبة.

إنْ قيل: إنّ فقيهاً واحداً يكون وليّاً على بقيّة الفقهاء الفعليّين وهو ما يسمّى بالوليّ المركزيّ فينتفي التنازع.

قلنا: ثبوت ذلك متفرّع على ثبوت الولاية العامّة للفقهاء، وهو غير ثابت، وعلى فرض ثبوت الولاية العامّة فلا يقتضي ثبوت الولاية المركزيّة على البقيّة لكونها حينئذٍ ترجيحاً بلا مرجِّح وهو قبيح. كما أنّ دعوى الأعلميّة على الترجيح شرطٌ زائدٌ على نفس الولاية المدَّعاة لا بدّ له من دليل لفظي وهو مفقودٌ في البين. مضافاً إلى أنّ ثبوتها فعلاً لفقيه واحد دون بقيّة الفقهاء خلاف فعليّة ولايتهم، فالفصل بين فعليّة فقيه دون البقيّة فصلاً من دون دليل.

(3) ـ من أظهر مصاديق الحجية هو القول بتبليغ الأحكام، من هنا ورد في قوله تعالى:(وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم) (الأنعام/83)، حيث إحتجّ إبراهيم الخليل على قومه بالكلام والمواعظ لا بسلوكه الحسن، فإنّ ذلك واضح من سيرته، وكذا قوله: (وحاجّه قومه قال أتحاجوني في الله) حيث إحتجّوا عليه بالقول، وقوله تعالى: (قل فلله الحجّة البالغة) (الأنعام/149)، حيث إنّ الله تعالى احتجّ على العباد بتبليغ الرسل والسفراء، لذا ما أُرسل نبيٌّ بالصمت وإنما بالكلام، قال تعالى:

(الّذين يبلّغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلاّ الله) (الأحزاب/39).

(لئلاّ يكون للناس على الله حجّة بعد الرُّسل) (النساء/65).

(فذكّر إنما أنتَ مذكّر..) (الغاشية/21).

(يا أيها الرّسول بلِّغ ما أُنـزل إليكَ من ربّك...)(المائدة/67).

فالبلاغ والإنذار والتذكير إنما يكون بالقول وليس بالفعل والسلوك فحسب لا سيّما معرفة الحلال والحرام والعقائد الحقّة ومعرفة المبدأ والمعاد وما شابه ذلك من الأصول الضروريّة فإنّ الكلام فيها أساس المعرفة بل لا يمكن معرفتها بدون التبيين بالقول، فدعوى "إنّ إطلاق الحجّة على الشخص ظاهر في العموم دونما لو أطلقت على القول كان ظاهرها تبليغ الأحكام الإلهيّة" مدفوعة: بأنّ متعلَّق الحجّة في قوله (عليه السلام): "حجتي عليكم" معلوم من ملاحظة الصّدر والذيل في التوقيع الشريف حيث أرجع الإمامُ المهدي روحي لنعليه الفداء و(عليه السلام) السائلَ إلى الفقهاء في معرفة المسائل التي يلتبس على المكلَّفين حكمها، فثمّة قرينة صارفة عن الأخذ بإطلاق الحجيّة مورد النـزاع، لذا فالتفرقة المذكورة أعلاه غير صحيحة لكونها أيضاً تتعارض مع المقدار المتيقن من مفهوم الحجيّة ـ وهو القول ـ في مقام التخاطب، وذلك لأنّ المستشكل يضيّق من مفهوم الحجية التبليغيّة عرفاً ويجعلها أدنى درجةً من الحجيّة الفعليّة، وهو خلاف التبادر واللغة والإصطلاح، فإذا قيل: فلان احتجّ على فلان يتبادر منه الإحتجاج بالقول، وإذا ما كان العكس فإنهم ينصبون قرينة على ذلك كأنْ يُقال: فلان احتجّ على فلان بالفعل كذا، وإذا قرأنا قوله تعالى:(فذكِّر إنما أنتَ مذكِّر..)،(بلِّغ ما أُنـزل إليك من ربّك..) فيتبادر منه التذكير والبلاغ القوليين، ولو كان غير التذكر القولي أفضل من القولي لكان أمر الله عزّ وجلّ أنبياءَه ورسلَه، ولكانوا وفّروا على أنفسهم مشقّة تعب القول ولوازمه الإيجابيّة من المجادلة بالتي هي أحسن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصرة باللسان...إلخ، ولكانوا وفروا على أنفسهم اللوازم السلبيّة المترتبة على الحجية بالقول.

وبالجملة؛ فإنّ الحجة تناسب المبلغيّة في الأحكام، إذ الحجّة ما تكون قاطعةً للعذر ومصحِّحةً للعقاب وذلك إنما يكون في التكليف فإنه المستتبع له كما لا يخفى في الآيات المتقدّمة ونحوها مما ورد بمعنى البرهان الّذي به يحتجّ على الطرف، وبهذا المعنى أيضاً ورد قوله (عليه السلام) إنّ الأرض لا تخلو من حجّة، إذ به تتمّ الحجّة ويهلك مَن هلك عن بيّنة ويحيي من حيّ عن بيّنة، ولذا وصفهم برواة الأحاديث الّذين شأنهم التبليغ فلا يشمل التصرّفات الشخصيّة في الأموال والأنفس أو التصدّي إلى المصالح العامّة كإجراء الحدود وما شاكل ذلك، فإنها خارجةٌ عن مفهوم الحجيّة، فيكون توسّط الفقهاء بين الإمام (عليه السلام) وبين الناس في بيان الأحكام ونشر الحلال والحرام.

فالظاهر من الحجية في التوقيع الشريف هو الإحتجاج بالنسبة إلى كشف الأحكام الكليّة الواقعيّة، وتعليل الإمام المهديّ (عليه السلام) بكونهم حجتي عليكم هو من جهة أنه (عليه السلام) هو المأمور أولاً ببيان أحكام الله تعالى، والفقهاء نوّاب عنه في ذلك.

(4) ـ إنّ المراد بالحوادث التي أرجعها الإمام المهديّ (عليه السلام) إلى الفقهاء ولا تخلو من أمور ثلاثة: إمّا أنْ يُراد بها بيان الأحكام الكليّة للحوادث الواقعيّة، وإمّا فصل الخصومات الجزئيّة والأمور الحسبيّة الجزئيّة التي كان يُرجَع فيها أيضاً إلى القضاة كتعيين الولي للقاصر والممتنع، وإمّا يُراد بها الحوادث الأساسيّة المرتبطة بالدّول كالجهاد وعلاقات الأمم وتدبير أمور البلاد والعباد ونحوها.

فالأمران الأولان لا يرتبطان بأمر الولاية الكبرى بمعنى أنّ الحديث لا يشير إليهما أنهما مطلوبان من جهة الولاية العامّة بل من حيثيّة أخرى وهي تبليغ الأحكام، ولا علاقة للتبليغ بالولاية على الأموال والأنفس، وحسبما أشرنا سابقاً بأنه لا ملازمة بين الحجية والولاية بوجه.

والأمر الثالث لا علاقة له بالتوقيع أصلاً، لأنّ مورد التوقيع هو بيان الأحكام الشرعيّة وهو القدر المتيقَّن ـ حسبما أسلفنا ـ ومعه لا يمكن الأخذ بالإطلاق، فيقتصر على القرينيّة الدالة على ما ذكرنا ولو أراد الإمام (عليه السلام) أمراً آخر فوق الأمرين الأولين لَكَان ذكره صريحاً لا سيّما وأنه في مقام البيان.

والحاصل: فإنّ قوله (عليه السلام) في وسط الحديث "فارجعوا فيها" يعتبر قرينة لفظيّة واضحة على الرّجوع في معرفة الأحكام إلى الفقهاء وليس الرّجوع إليهم في الحوادث ذاتها دون معرفة أحكامها وذلك للعبثيّة في الرّجوع إلى الحوادث بما هي جوادث لعلم الفقهاء بها كغيرهم من المكلفين.

دعوى وردّ:

إدّعى الشيخ الأنصاري رحمه الله بأنّ التوقيع الشريف ليس خاصاً بالمسائل الشرعيّة بل يشمل مقام تنفيذ الأحكام وإجرائها وإعمال الولاية حسب اختلاف الحاجات والموارد، واعتمد لإثبات دعواه على ثلاثة أدلّة:

الدليل الأوّل: إنّ الظاهر وكول نفس الحادثة إليه ليباشر أمرها مباشرةً أو استنابةً لا الرّجوع في حكمها إليه.

الدليل الثاني:
التعليل بكونهم حجتي عليكم وأنا حجّة الله، إنما يناسب الأمور التي يكون المرجع فيها هو الرأي والنظر، فكان هذا منصب ولاة الإمام من قِبَل نفسه، لا أنه واجب من قِبَل الله تعالى على الفقيه بعد غيبة الإمام، وإلاّ كان من المناسب أنْ يقول: إنهم حجج الله عليكم كما وصفهم في مقام آخر بأنهم أمناء الله على الحلال والحرام.

الدليل الثالث: إنّ وجوب الرّجوع في المسائل الشرعيّة إلى العلماء الّذي هو من بديهيات الإسلام من السلف إلى الخلف ممّا لم يكن يخفى على مثل إسحاق بن يعقوب حتى يكتبه في عداد مسائل أشكَلَتْ عليه، بخلاف الرّجوع في المصالح العامّة إلى رأي أحد ونظره، فإنه يحتمل أنْ يكون الإمام (عليه السلام) قد وكّله في غيبته إلى شخص أو أشخاص من تقاته في ذلك الزمان.

والحاصل أنّ الظاهر أنّ لفظ الحوادث ليس مختصّاً بما اشتبه حكمه ولا بالمنازعات.

وبتعبير آخر: إنّ لفظ الحوادث في التوقيع عام يستغرق المقامات الثلاثة: مقام الإفتاء، ومقام القضاء، ومقام إعمال الولاية وتنفيذ الأحكام وإجرائها، بل إنّ الظاهر انه ليس المراد بالحوادث أحكامها وإنما نفس الحوادث، كما إنّ الرّجوع في الأحكام إلى الفقهاء من أصحابهم عليهم السَّلام كان في عصر الغيبة من الواضحات عند الشيعة فيبعد السؤال عنه، بل الواضح عند الشيعة أنّ كون الإمام حجّة الله تعالى عبارة أخرى عن منصبه الإلهي وولايته على الأمّة بجميع شؤون الولاية، لا كونه مرجعاً للأحكام فقط، وعليه فيستفاد من قوله (عليه السلام): "فإنهم حجتي عليكم وأنا حجّة الله" انّ المراد ان ما هو لي من قبل الله تعالى هو لهم من قبلي، ومعلوم أنّ هذا يرجع إلى جعل إلهي له (عليه السلام)، وجعل من قبله للفقهاء(62).

هذا غاية تقريب استدلاله بالتوقيع الشريف، وكُلُّه قابل للمناقشة والإيراد عليه.

! الإيراد على الدليل الأوّل:

(1) ـ إنما يتمّ دليله الأوّل لو كان التعبير بقوله: "فارجعوا" من باب الإفعال ـ إرجاع الحوادث ـ وليس من باب المجرّد كما في قوله (عليه السلام): "فارجعوا فيها" فإنّ الظاهر من الثاني الرّجوع في حكمها إلى الفقهاء كما لا يخفى فتأمّل.

وبتعبيرٍ آخر: إنّ إيكال نفس الحادثة إلى الفقيه فيه منع بل الظاهر الرّجوع في حلّ معاقد الحادثة ورفع إعضالها إلى الفقيه لا إيكال نفس الحادثة ليباشرها، نعم لو كانت العبارة: "وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوها إلى رواة أحاديثنا" كان لما استظهره وجه.

وعليه؛ فإنّ الرّجوع في الحادثة غير إرجاع الحادثة، ومعنى الرّجوع في الحادثة استعلام ما ينبغي الجري عليه في الحادثة، ولئن كان في انطباق العبارة على ذلك خفاءً، فقد أوضحه التعليل فيه "بأنهم حجتي عليكم وأنا حجّة الله" إذ عرفت أنّ مفهوم الحجّة لا يتحقق إلاّ في الأمور التبليغيّة التي يكون الحجّة فيها حاملاً مبلِّغاً لها، لا ما يكون هو المتصرّف فيها بإرادته.

مضافاً إلى أنه لا معنى لإرجاع نفس الحادثة الواقعة إلى الغير لأنه تحصيلٌ للحاصل، لذا يتعيّن المراد بإيكال حكمها إلى رواة الأحاديث الّذين هم الفقهاء، فيكون الفقيه هو المرجع في الأحكام الشرعيّة لا في نفس الحوادث.

(2) ـ من المحتمل قوياً أنْ تكون اللام في "الحوادث" للعهد على الحوادث التي سأل إسحاق عن حكمها، فإفادته للعموم تتبع إرادة العموم منه في السؤال وهي غير معلومة، إذ ليست عبارة السؤال بأيدينا فلعلّها مختصّة ببعض الحوادث بأنْ كان السؤال عن حوادث مخصوصة قد تعرّض لها في السؤال.

وبعبارة أخرى: إنّ حقيقة السؤال من الإمام (عليه السلام) غير معلومة، فلعلّ المراد من الحوادث المعهودة بين الإمام (عليه السلام) والسائل، وعلى فرض عمومها فالمتيقن منها هو الفروع المتجددة والأمور الراجعة إلى الإفتاء لا الأعم.

وبالجملة: فالقدر المتيقن أنْ يكون المراد هو الأمر بتعلّم الأحكام من الفقيه كما يؤيّده بل يدلّ عليه أنه المنساق إلى الأذهان من عنوان الحديث برواة الحديث،وختمه بأنهم حجتي عليكم وأنا حجّة الله تعالى، إذ الظاهر من ذلك أنّ قيامهم مقامه (عليه السلام) إنما هو في الحجية وتوسطهم بينه (عليه السلام) وبين مَن انقطع عن درك فيض حضوره (عليه السلام)، كما انه (عليه السلام) واسطة بينهم وبين الله تعالى، ومن الظاهر أنّ توسّطه (عليه السلام) بين الله وبينهم إنما هو في بيان الأحكام ونشر الحلال والحرام، فليكن إذن توسّطهم بينه (عليه السلام) وبين الناس أيضاً في ذلك، ولو أخذنا برواية الطوسي :وأنا حجّة الله عليكم" فيثبت مدّعانا، إذ إنّ كونه حجّةً على العباد لا يستلزم أنْ يكون للعباد الولاية العامّة كما هي للإمام (عليه السلام).

! الإيراد على الدليل الثاني:

إنّ مفهوم الحجيّة ـ حسبما أشرنا سابقاً ـ إنما يتحقق في الأمور التبليغيّة التي يكون الحجّة فيها حاملاً مبلِّغاً لها لا ما يكون هو المتصرف فيها بإرادته، وأمّا التعبير "بأنهم حجتي عليكم" فوجهه أنّ اعتبار قولهم ثابت بنصب الإمام (عليه السلام) وتعيينه، وإنْ كان هذا النصب أيضاً بأمر الله تعالى،لذا صحّ إطلاق حجّة الله أيضاً، نعم لو كان نفوذ قول الفقيه في زمان الغيبة بأمر الله وجعله من غير توسّط نصب الإمام (عليه السلام) كان إطلا قالحجّة عليه في غير محلّه.

وبعبارة أخرى: إنّ الحجية تناسب تبليغ الأحكام الشرعيّة كما في قوله تعالى: (فلله الحجّة البالغة) وأمّا الولاية فلا ملازمة بينها وبين الحجية، وعدم نسبة حجيتهم إلى الله من جهة أنّ الأئمّة واسطة في ذلك لعدم وصول الحكم من الله إلى العباد بلا واسطة، وأنّ ما يفعلون إنما يفعلونه بحكم الله تعالى، فيكون ما يكون حجّة من قِبَلهم حجّة من قِبَل الله فلا يكون في هذه أيضاً قرينيّة على المدّعى.

! الإيراد على الدليل الثالث:

إنه يكفي في السؤال من الإمام (عليه السلام) إحتمال الإرجاع إلى صنف خاص من العلماء ولذا صدر السؤال عن ذلك من جماعة كعبد العزيز بن المهتدي قال: سألت مولانا الرّضا (عليه السلام): فقلت: إني لا ألقاك في كلّ وقت، فعمّن آخذ معالم ديني؟ فقال (عليه السلام): خذ عن يونس بن عبد الرّحمان. وكعليّ بن المسيّب الهمداني حيث قال للإمام الرّضا (عليه السلام): شقتي بعيدة ولست أصل إليكَ في كلّ وقت فممّن آخذ معالم ديني؟ قال (عليه السلام): من زكريّا بن آدم القمّي المأمون على الدّين والدنيا.

وبذلك يندفع ما قاله الأنصاري بأنّ الرّجوع إلى العلماء في معرفة الأحكام الشرعيّة من البديهيات التي لا تخفى على مثل إسحاق بن يعقوب لأنه وقع مثل ذلك عمّن هو أجلُّ من إسحاق بمراتب، ففي المحكيّ عن أحمد بن إسحاق المعدود من الوكلاء والسفراء قد سأل الإمام أبا الحسن الهادي (عليه السلام) وقال له: مَن أعامل وعمّن آخذ وقول مَنْ أقبل؟ فقال (عليه السلام): العمري ثقتي، فما أدّى إليكَ فعنّي يؤدّي، وما قال لك عني فعنّي يقول فاسمع له وأطع فإنه الثقة المأمون.

وبمثل هذا الخبر ونحوه صار وجوب الرّجوع إلى الرّواة الثقات من بديهيات الإسلام، وحيث وقع السؤال من إسحاق بن يعقوب في زمان الغيبة شَكّل ضابطة كلية، لذا أجاب (عليه السلام) بالرجوع إلى رواة الأحاديث دون شخصٍ خاص من الثقات.

وعليه؛ فإنّ إسحاق بن يعقوب لم يكن ممن لا تخفى عليه مسألة وجوب الرّجوع في المسائل الشرعيّة إلى العلماء، فمن خفي عليه حرمة الفقاع إلى زمن الغيبة، وكذلك خفي عليه قتل سيّد الشهداء وأنّ بني أميّة لعنهم الله قد قتلوه، كيف لا يكون وجوب الرّجوع إلى العلماء عنده في المسائل من البديهيّات بل هو من المشكلات التي يجب أنْ يسأل عنها ليعرف حكمها، من هنا صدّر الإمام المهدي (عليه السلام) كتابه بقوله لإبن يعقوب:"أرشدكَ الله وثبّتك".

فكون إسحاق بن يعقوب ممن لا يخفى عليه أمثال هذه الأمثلة ـ بحسب تصوّر الشيخ الأنصاري ـ لا ينافي سؤاله عن أمرٍ جليٍّ ولذا يسأل مثل زرارة ومحمّد بن مسلم من الإمام (عليه السلام) ما لا يخفى على أحد، هذا مع أنّ سؤاله لا يكون ظاهراً في تكليف المسلمين في الغيبة الكبرى حتى يكون الجواب ظاهراً في عموم الوقائع، بل يسأل عن حالهم في الغيبة الصغرى، فإنّ العمري الّذي بتوسّطه سأل إسحاق بن يعقوب عن حكم الوقايع عن الإمام (عليه السلام) هو محمّد بن عثمان العمري كما يظهر من قوله (عليه السلام) في ذيل الخبر، وأمّا محمّد بن عثمان العمري فرضي الله عنه وعن أبيه من قبل فإنه ثقتي وكتابه كتابي وهو كان سفيراً من قِبَلِهِ (عليه السلام)، فلعلّه يسأل عن المرجع في الفروع المتجدّدة في ذاك العصر لا عن المرجع في الأمور العامّة.

وصفوة القول:

لا ينبغي التأمّل في إجمال التوقيع الشريف وكون الفقهاء حجّة في مجال إنفاذ الرأي، فلا مجال للركون إليه في إثبات الولاية في الأمور العامّة للفقيه، فضلاً عن صلاحيته لإثبات الولاية المطلَقة له، هذا مضافاً إلى أنه مخدوش سنداً حسبما أشرنا، وعلى فرض صحّة صدوره في مقام بيان وظيفة العلماء من الناحية التبليغيّة للأحكام وبيان الأحكام المترتّبة على الحوادث أو المواضيع المتجدِّدَة التي لا بدّ من معرفة حكمها بالرّجوع إلى الفقيه، سوآء كانت هذه الحوادث سياسيّة أو إجتماعيّة وما شاكل ذلك، فلا بدّ حينئذٍ من معرفة الأحكام المترتبة على الأخذ بها وصدورها من المكلَّفين.

الطائفة الثانية عشرة:
مقبولة عمر بن حنظلة.

تدلّ هذه الطائفة على أنّ الفقيه حاكمٌ له ولاية الأمر والفصل، فقد روى الكليني محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن عيسى عن صفوان بن يحيى، عن داود بن الحصين، عن عمر بن حنظلة قال: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِنَا بَيْنَهُمَا مُنَازَعَةٌ فِي دَيْنٍ أَوْ مِيرَاثٍ فَتَحَاكَمَا إِلَى السُّلْطَانِ وإِلَى الْقُضَاةِ أيَحِلُّ ذَلِكَ؟

قَالَ (عليه السلام): مَنْ تَحَاكَمَ إِلَيْهِمْ فِي حَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ فَإِنَّمَا تَحَاكَمَ إِلَى الطَّاغُوتِ ومَا يَحْكُمُ لَهُ فَإِنَّمَا يَأْخُذُ سُحْتاً وإِنْ كَانَ حَقّاً ثَابِتاً لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِحُكْمِ الطَّاغُوتِ وقَدْ أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُكْفَرَ بِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ).

قُلْتُ: فَكَيْفَ يَصْنَعَانِ؟

قَالَ: يَنْظُرَانِ إِلَى مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مِمَّنْ قَدْ رَوَى حَدِيثَنَا ونَظَرَ فِي حَلَالِنَا وحَرَامِنَا وعَرَفَ أَحْكَامَنَا فَلْيَرْضَوْا بِهِ حَكَماً فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ عَلَيْكُمْ حَاكِماً فَإِذَا حَكَمَ بِحُكْمِنَا فَلَمْ يَقْبَلْهُ مِنْهُ فَإِنَّمَا اسْتَخَفَّ بِحُكْمِ اللَّهِ وعَلَيْنَا رَدَّ، والرَّادُّ عَلَيْنَا رادٌّ )الرَّادُّ( عَلَى اللَّهِ، وهُوَ عَلَى حَدِّ الشِّرْكِ بِاللَّهِ.

قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ كُلُّ رَجُلٍ اخْتَارَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِنَا فَرَضِيَا أَنْ يَكُونَا النَّاظِرَيْنِ فِي حَقِّهِمَا واخْتَلَفَا فِيمَا حَكَمَا وكِلَاهُمَا اخْتَلَفَا فِي حَدِيثِكُمْ؟

قَالَ (عليه السلام): الْحُكْمُ مَا حَكَمَ بِهِ أَعْدَلُهُمَا وأَفْقَهُهُمَا وأَصْدَقُهُمَا فِي الْحَدِيثِ وأَوْرَعُهُمَا ولَا يَلْتَفِتْ إِلَى مَا يَحْكُمُ بِهِ الْآخَرُ.

قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّهُمَا عَدْلَانِ مَرْضِيَّانِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا لَا يُفَضَّلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ.

قَالَ: فَقَالَ (عليه السلام): يُنْظَرُ إِلَى مَا كَانَ مِنْ رِوَايَتِهِمْ عَنَّا فِي ذَلِكَ الَّذِي حَكَمَا بِهِ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِكَ فَيُؤْخَذُ بِهِ مِنْ حُكْمِنَا ويُتْرَكُ الشَّاذُّ الَّذِي لَيْسَ بِمَشْهُورٍ عِنْدَ أَصْحَابِكَ فَإِنَّ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ لَا رَيْبَ فِيهِ وإِنَّمَا الْأُمُورُ ثَلَاثَةٌ: أَمْرٌ بَيِّنٌ رُشْدُهُ فَيُتَّبَعُ، وأَمْرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ فَيُجْتَنَبُ، وأَمْرٌ مُشْكِلٌ يُرَدُّ عِلْمُهُ إِلَى اللَّهِ وإِلَى رَسُولِهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وآله وسلَّم: حَلَالٌ بَيِّنٌ، وحَرَامٌ بَيِّنٌ، وشُبُهَاتٌ بَيْنَ ذَلِكَ، فَمَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ نَجَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، ومَنْ أَخَذَ بِالشُّبُهَاتِ ارْتَكَبَ الْمُحَرَّمَاتِ وهَلَكَ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ.

قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الْخَبَرَانِ عَنْكُمَا مَشْهُورَيْنِ قَدْ رَوَاهُمَا الثِّقَاتُ عَنْكُمْ؟

قَالَ (عليه السلام): يُنْظَرُ فَمَا وَافَقَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْكِتَابِ والسُّنَّةِ وخَالَفَ الْعَامَّةَ فَيُؤْخَذُ بِهِ ويُتْرَكُ مَا خَالَفَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْكِتَابِ والسُّنَّةِ ووَافَقَ الْعَامَّةَ.

قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ أرَأَيْتَ إِنْ كَانَ الْفَقِيهَانِ عَرَفَا حُكْمَهُ مِنَ الْكِتَابِ والسُّنَّةِ ووَجَدْنَا أَحَدَ الْخَبَرَيْنِ مُوَافِقاً لِلْعَامَّةِ والْآخَرَ مُخَالِفاً لَهُمْ بِأَيِّ الْخَبَرَيْنِ يُؤْخَذُ؟

قَالَ (عليه السلام): مَا خَالَفَ الْعَامَّةَ فَفِيهِ الرَّشَادُ.

فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ فَإِنْ وَافَقَهُمَا الْخَبَرَانِ جَمِيعاً؟

قَالَ (عليه السلام): يُنْظَرُ إِلَى مَا هُمْ إِلَيْهِ أَمْيَلُ حُكَّامُهُمْ وقُضَاتُهُمْ فَيُتْرَكُ ويُؤْخَذُ بِالْآخَر.

قُلْتُ: فَإِنْ وَافَقَ حُكَّامُهُمُ الْخَبَرَيْنِ جَمِيعاً؟

قَالَ (عليه السلام): إِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَرْجِهْ حَتَّى تَلْقَى إِمَامَكَ فَإِنَّ الْوُقُوفَ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ خَيْرٌ مِنَ الِاقْتِحَامِ فِي الْهَلَكَاتِ(63).

هذه الرّوايات من أهمّ الرّوايات التي اعتمدها أصحاب نظريّة الولاية العامّة، وصحّة الإستدلال بها مبنيٌّ على تماميّة الرّواية دلالةً وسنداً.

فمن الناحية السنديّة الرّواية ضعيفة بـ "محمّد بن عيسى اليقطيني وعمر بن حنظلة" فالأوّل ـ أي محمّد بن عيسى ـ فيه قولان: أحدهما للطوسي وأبي جعفر بن بابويه حيث ضعّفاه، وثانيهما: للنجاشي حيث وثقه.

والثاني ـ أي عمر بن حنظلة ـ فيه قولان أيضاً: أحدهما للشهيد الثاني حيث ذهب في بداية دراية الحديث إلى وثاقة عمر بن حنظلة مستدلاًّ ومعتمداً على أدلّة منها كثرة روايته عن الأئمّة عليهم السَّلام وعمل المشهور برواياته حيث يكشف عملهم عن صحّة رواياته وهي قرينة واضحة على وثاقته، وهو ما إليه نميل لأمرين، الأوّل: لرواية الأجلاّء عنه أمثال زرارة، وعبد الله بن مسكان، وصفوان بن يحيى وأضرابهم، لا سيّما أنّ هؤلاء الأجلاّء ممن أجمع أصحابنا الإماميّة على تصحيح ما يصحّ عنهم وتصديقهم والإقرار لهم بالفقه والجلالة والعلم، وهؤلاء معروفون بأصحاب الإجماع الّذين لا يروون إلاّ عن الثقات وذلك لمزيد احتياطهم ودقتهم في النقل عن الأئمّة الأطهار عليهم السَّلام، وقد روى عن إبن حنظلة أربعةٌ من أصحاب الإجماع هم: زرارة وعبد الله بن بكير وصفوان بن يحيى وعبد الله بن مسكان، فضلاً عن رواية جمع كثير من الثقات والأعاظم عنه، والثاني: لأنّ عمل المشهور بخبرٍ ضعيف يعتبر توثيقاً عملياً للمخبر به، فيثبت به كونه ثقة، فيدخل في موضوع الحجية والوجه في ذلك ـ حسبما أفاد النائيني أعلى الله مقامه ـ هو أنّ الخبر الضعيف المنجبر بعمل المشهور حجّة بمقتضى آية النبأ، إذ مفاده حجية خبر الفاسق مع التبين، وعمل المشهور من التبين، مضافاً إلى أنّ الرّجل لو كان كذّاباً لما عمل المشهور برواياته، ودعوى أنّ عمل المشهور قد يكون لقرينة لا نعلمها، مدفوعة بأنّ نفس العمل برواياته قرينة على صحّة الأخذ بأخباره، وإنْ أبيتَ إلاّ القول بتضعيفه، إلاّ أنّ ضعف السّند مجبورٌ بعمل أصحاب الإجماع على أقلّ تقدير، مضافاً للشواهد الكثيرة المذكورة في محله لو لم تدل على وثاقته فلا أقل من دلالتها على حسنه.

وثانيهما: كون الرّجل مهملاً وضعيفاً على مسلك المشهور إلاّ إنهم عملوا برواياته ـ كما قلنا ـ، وعدّه الشيخ الطوسي من أصحاب الإمام الباقر وأخرى من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام).

وبالجملة:فالرّواية عمل بها المشهور وتلقوها بالقبول حتى أطلقوا عليها مقبولة عمر بن حنظلة.

وتقريب الإستدلال بالرّواية مبنيٌّ على أنّ الظاهر من الحكومة هو الولاية العامّة للفقيه، حيث إنّ الحاكم هو الّذي يحكم بين الناس بالسيف والسّوط، وليس ذلك من شأن القاضي، وقد كان ذلك متعارفٌ في الزمان السابق وإنْ كان قد اتفق الإتحاد في بعض الأزمنة، بل الظاهر من صدرها هو كون القاضي مقابلاً للسلطان وقد قرّر الإمام (عليه السلام) ذلك.

وبتقريبٍ ثانٍ: إنّ ظاهر المقبولة وكذا مشهور أبي خديجة الآتية يعطيان منصب القضاء الّذي يعطيه سلاطين العصر لقضاتهم، ولا ريب أنّ سلاطين ذلك العصر كانوا يعطون لقضاتهم ـ علاوة على ولاية فصل الخصومات ـ الولاية على القُصَّر والأوقاف ونصب القيّم على مال اليتيم والحكم في الهلال...إلخ(64).

وبتقريبٍ ثالثٍ: لا شبهة ولا كلام في أنّ القضاة المنصوبين من قِبَل العامّة والخلفاء يتصدّون لتلك الوظائف والمناصب كما لا يخفى على مَن لاحظ أحوالهم وسبر سيرهم وسلوكهم، ويكشف عن ذلك كشفاً قطعياً صحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع قال: مات رجل من أصحابنا، ولم يوصِ، فرفع أمره إلى قاضي الكوفة، فصيّر عبد الحميد القيم بماله، وكان الرّجل خلّف ورثةً صغاراً ومتاعاً وجواري، فباع عبد الحميد المتاع، فلمّا أراد بيع الجواري ضعف قلبه عن بيعهنّ، إذ لم يكن الميّت صيّر إليه وصيّته، وكان قيامه فيها بأمر القاضي لأنهنّ فروج، قال: فذكرت ذلك لأبي جعفر (عليه السلام) وقلت له: يموت الرّجل من أصحابنا ولا يوصي إلى أحد ويخلف جواري، فيقيم القاضي رجلاً فيبيعهنّ أو قال: يقوم بذلك رجل منا فيضعف قلبه لأنهنّ فروج فما ترى في ذلك؟ قال: فقال: إذا كان القيّم به مثلك أو مثل عبد الحميد فلا بأس به(65).

فصحيحة بزيع صريحة في أنّ القضاة كانوا يتصدّون لنصب القيّم ونحوه من المناصب، فإذا دلّت الرّواية على أنّ المجتهد الجامع للشرائط قد جعل قاضياً في الشريعة المقدَّسة دلتنا بإطلاقها على أنّ الآثار الثابتة للقضاة والحكم بأجمعها مترتبة على الفقيه لأنّ ذلك مقتضى جعل المجتهد قاضياً في مقابل قضاتهم وحكّامهم، لأنّ الغرض من نصبه كذلك ليس إلاّ عدم مراجعتهم إلى قضاة الجور، ورفع احتياجاتهم عن قضاتهم، فلو لم تجعل له الولاية المطلَقة، ولم يكن متمكناً من إعطاء تلك المناصب لم يكن جعل القضاوة له موجباً لرفع احتياجاتهم، ومع احتياجاتهم، واضطرارهم إلى الرّجوع في تلك الأمور إلى قضاة الجور لا معنى لنهيهم عن ذلك.

وبالجملة؛ فإنّ قوله (عليه السلام): "فإني قد جعلته عليكم حاكماً" بدل قوله "قاضياً" حسبما جاء في مشهورة أبي خديجة، كلّ ذلك قرينة على أنّ المقصود هو تعيين المرجع لجميع الأمور المرتبطة بالولاة التي منها القضاء، فيراد بالحاكم مطلق من يرجع إليه في الأمور للبتّ والقرار، فتكون الرّواية دليلاً على نصب الوالي والقاضي معاً، لا بأن يستعمل لفظ الحاكم في المعنيين، بل لأنّ القضاء أيضاً من شؤون الولاة ولذا قد ينصبون القضاة لذلك وقد يتصدّون له بأنفسهم..وعليه؛ فإنّ الولاية من شؤون القضاة، ومع الإلتزام بأنّ المجتهد مخوَّل للقضاء لا بدّ من الإلتزام بثبوت الولاية المطلَقة له وبجواز أنْ يتصدّى لِمَا يرجع إليها في عصر الغيبة(66).

يُلاحظ على ذلك:

(أوّلاً): لا ريب أنّ القضاة لغةً بمعنى الحكم والفصل وإنهاء الخصومة، من هنا يُسمّى القاضي قاضياً لأنه ـ بحكمه ـ ينهي الخصومة ويتمّ أمرها ويفصلها، لذا يُقال(67): قضى بين الخصمَين: حَكَمَ وفَصَلَ، وقضى الأمر له أو عليه: حَكَمَ به له أو عليه وأوجيه وألزمه به، وقضَّى الأمر: أمضاه.

ويؤيّد هذا ما ورد في آيات عديدة تشير إلى أنّ القضاة بمعنى الفصل والإنهاء، منها قوله تعالى: (فاقضِ ما أنتَ قاضٍ) أي أمضِ ما أنتَ ممضٍ، واحكم ما تشاء.

وقوله تعالى: (إنّ ربّكَ يقضي بينهم) أي يحكم ويفصل.

وقوله تعالى: (وقضى ربّك) أي أمر أمراً مقطوعاً به أو حكم بذلك.

وقوله تعالى: (ليقضِ علينا ربّك) أي ليقضِ الموت علينا.

وقوله تعالى:(وقال الشيطان لمّا قضى الامر) أي أحكم وفرغ منه دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.

وقوله تعالى:(يا ليتها كانت القاضية) أي القاطعة لأمري فلم أُبعَث بعدها ولم ألقَ ما لقيتُ. وفي الحديث: "قضى بشاهدٍ ويمين" أي حَكَم بهما، و"القاضي":الحاكم، واستُقضي فلان أي صُيِّرَ قاضياً فالقاضي هو الحاكم بين الخصوم(68).

وصلاحيّة القضاة أشمل من صلاحيّة المفتين المجتهدِين ـ لا المفتِين غير المجتهدِين كما هو ملحوظ في زماننا هذا وهم كُثُر ما شاء الله ـ فالقضاة حكمهم يعتبر ملزِماً على الأفراد المتنازِعين، كالحكم على شخص بثبوت حقّ لشخصٍ آخر، وأمّا المفتون المجتهدون فلا يُعتبر قولهم ملزماً وإنما مجرّد إخبار وإعلام للمكلَّف بالحكم الشرعي.

وعليه؛ فإنّ القاضي هو الحاكم بين الخصوم، أو مَنْ له وظيفة الحكم بين الناس فيختص بباب القضاء، أو مطلقاً فيشمل الفتوى لا سيّما ما ورد في الحسنة أو المقبولة من التعبير بقوله: "فليرضوا به حكماً...إذا حكم بحكمنا" ويؤيّده ما جاء في مشهورة أبي خديجة من التعبير بقوله (عليه السلام): "قد جعلته عليكم قاضياً" وليس في المعنى المتقدّم ظهور بمعنى السلطان أو الأمير كي يكون له ولاية التصرّف في الأمور العامّة فضلاً عن أنْ يكون للفقيه ولاية مطلَقة بالتصرف في الأموال والأنفس،وأمّا كونه وليّاً متمكِّناً من نصب القيّم والمتولي وغيرهما فهو أمرٌ خارجٌ عن مفهوم القضاء كلّيّةً، وصحيحة محمّد بن إسماعيل لا دلالة فيها بوجه على أنّ للفقيه الولاية على نصب القيّم والحكم بثبوت الهلال ونحوه، بل غاية ما تدلّ عليه هو أنّ الشارع المقدَّس نصب الفقيه قاضياً أي جعله كذلك بحيث ينفذ حكمه في المرافعات، وبه يتحقّق الفصل في الخصومات ويتمّ أمر المرافَعات، وأين هذا من الولاية المدَّعاة؟

فالقاضي إنما يترافع عنده المترافعان وينظر إلى شكاواهما ويفصل بينهما بحكمه، وأمّا أنّ له إعطاء تلك المناصب فهو أمرٌ يحتاج إلى دليل آخر ولا دليل عليه، ودعوى الشيخ الأنصاري رحمه الله بأنّ الولاية العامّة أو الحكومة من شؤون القضاء عرفاً، مخدوشة بل ممنوعة، إذ إنّ دعواه معارضة بما يراه العرف أيضاً من تغاير المفهومين (الوالي والقاضي).

ولو سلّمنا أنّ العرف يرى ـ كما ادّعى الأنصاري ـ اتحادهما فإنه عرف المخالفين، ولا خير في أعرافهم ما دامت أخبارنا قد نهت عن الأخذ بها بحسب ما جاء في نفس رواية إبن حنظلة، فالصحيح أنّ القضاء والولاية العامّة أمران متغايران ويتعلّق الجعل بكلٍّ منهما مستقلاًّ، والعرف منذ الأزمنة السابقة كان يصدر منه الحكم، والوالي هو المجري لذلك الحكم، بل يمكن دعوى التبادر هنا للتفرقة بين المصطلَحَيْن، إذ عندما نطلق كلمة "والي" على شخصٍ معينٍّ، يتبادر منها السلطان أو الزعيم أو الحاكم العسكري الّذي ينفذ الأوامر الصادرة إليه، ولا يتبادر منه أنه القاضي الّذي ينهي الخصومة ويفصل بين المتنازعين، بل المنصرف عرفاً من كلمة "قاضي" هو ما ذكرناه من الإتحاد والتلازم بين مفهوم القاضي والحاكم الّذي ينهي الخصومة، فالقاضي والحاكم متّحدان من حيث المعنى، من هنا قال (عليه السلام) كما في مشهورة أبي خديجة: "فإني قد جعلته عليكم قاضياً".

مضافاً إلى دلالة ذيل المقبولة من قوله (عليه السلام): "فإني قد جعلته حاكماً" إذ لو كان القاضي غير الحاكم لم يقل إني قد جعلته حاكماً، مع كون المذكور في صدر الرّواية لفظ "القضاة" فالتفرقة في صدر الرّواية بين السلطان والقاضي يؤيّد ما ذكرنا، وبهذا يندفع ما ادّعاه العلاّمة الأنصاري رحمه الله تعالى من كون القاضي مقابلاً للسلطان، إذ المذكور في صدر الرّواية أنهما تحاكما إلى السلطان أو القاضي، ومن البديهي أنّ السلطان غير القاضي الحاكم، وأنّ المرافعات قد تُرفع إلى القاضي، وقد تُرفع إلى السلطان،ولأجل ذلك ذُكر في صدر الرّواية السلطان والقاضي.

وبتعبيرٍ آخرٍ: دعوى أنّ الحكومة ظاهرة في الولاية العامّة وشاملة بإطلاقها لمنصبي القضاء والولاية، موهونة بما في رواية أبي خديجة من قوله (عليه السلام): "جعلته عليكم قاضياً" فإنّ لفظ القاضي قرينة على إرادة القضاء بمعنى إنهاء الخصومة.

ويمكن القول حسبما أسلفنا أنّ تصدّي قضاة العامّة لكلٍّ من القضاء وما يرجع إلى الولاية العامّة إنما كان بأمرين مختلفين أو بجعلين مستقلَّين، وذلك لكونهما منصبين مستقِلَّين، والخليفة الأموي أو العباسي أو الأعمّ منهما كان يعطي منصب القضاء لشخصٍ، ويعطي منصب الولاية لأشخاصٍ آخرين، وفي بعض الأحيان ومن باب الإتفاق كان يعطي ذلك المنصب أيضاً للقاضي، فيصير القاضي بذلك ذا منصبين مجعولين بجعلين، لا أنّ أحدهما من شؤون الآخر،بحيث يغني جعل أحدهما عن جعل الآخر، ويشهد لِمَا ذكرنا ما كان متعارفاً عليه في عصر الحكومة العثمانيّة البائدة من انفصال منصب القضاء عن الولاية العامّة، إذ لم تكن الولاية من شؤون القضاء، وإلاّ لو كانت من شؤون القضاء لَمَا صحّ أنْ تحتاج إلى جعل بعد جعل القضاء.

(ثانياً): إنّ المقبولة وردت في الشبهات الحكمية دون الموضوعيّة والحال أنّ البحث في المقام إنما هو في الثاني دون الأوّل، فالرّواية على تقدير تماميتها من جميع الجهات دلالةً وسنداً أجنبيّة عن محلّ الكلام.

(ثالثاً): يندر عرفاً من أنْ يكون الوالي قاضياً وحاكماً شرعياً سواء في الأزمنة السابقة أو في زماننا الآن، فإذا قلنا بأنّ المراد بالحاكم في المقبولة هو الوالي أو السلطان، فلا بدّ أنْ تكون الإحالة عليه في النظر بالحلال والحرام أمراً عبثياً بل رجوعاً للجاهل إلى الجاهل، وفيه ما فيه من المفسدة والهرج والمرج، فلا بدّ حينئذٍ من القول بمغايرة القاضي للوالي مفهوماً وتطبيقاً ـ حسبما أشرنا آنفاً ـ وعليه فيكون الحاكم في الرّواية هو القاضي لا الوالي والسلطان.

ويمكن القول أيضاً بأنّ حسنة عمر بن حنظلة ومشهورة أبي خديجة والتوقيع الصادر عن مولانا الإمام الحجّة (عليه السلام) كلها أجنبيّة عن مسألة الولاية ونفوذ تصرّفات الفقيه في الأموال والأنفس، وكذلك أجنبيّة عن مسألة وجوب إطاعته مطلَقاً، فإنّ جعل الفقيه حاكماً وقاضياً أو جعله حجّةً على الناس مؤدّاه هو تعيين الفقيه للمرجعيّة في الخصومات، وللمرجعيّة في الفتوى من غير تعرّض لما سوى ذلك من نفوذ تصرفاته أو وجوب امتثال أوامره الشخصيّة، فالمقبولة والمشهورة صريحتان في القضاء و الفصل ولا وجه للتمسّك بهما على عموم النيابة.

(رابعاً): ليس شيء من المقبولة ظاهر على المدَّعى وذلك لإطلاق الحاكم على القاضي في غير واحد من الأخبار كما يظهر في كتاب القضاء من وسائل الشيعة، وكفى في ذلك تفسير الآية المبارَكة (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكّام) ورد في المكاتبة عن مولانا أبي الحسن الثاني (عليه السلام) قال: "الحكام القضاة ثمّ كتب (عليه السلام) فقال: هو أن يعلم الرّجل أنه ظالم عاص ٍ هو غير معذور في أخذه ذلك الّذي حكم له به إذا كان قد علم أنه ظالم"(69)، بل ذكر اللغويون انّ معنى لفظ الحاكم هو القاضي ومجرّد كون المتعارف في ذلك الزمان إرجاع الأمور العامّة إلى نظر الحاكم لا يقتضي ظهور لفظ الحاكم في ذلك، ولا قرينة على أنّ المراد جعله حاكماً يرجع إليه في تلك الأمور كحكام ذلك العصر،فالمتيقن حينئذٍ هو الرّجوع إلى الفقيه في الفتوى وفصل الخصومة ولو بتوابعه ومن جملتها التصدّي للأمور الحسبيّة.

(خامساً): من البعيد جدّاً أنْ يكون مراد الإمام الصادق (عليه السلام) من الحاكم بقوله: "إني قد جعلته عليكم حاكماً" هو الوالي، لأنّ ذلك يستلزم أنْ يكون جميع الفقهاء في كلّ العصور ولاةً وتنفذ كلمتهم في جميع ما يرجع إلى الولاة من الأمور، وهذا بدوره يوجب الإختلاف والهرج والمرج ونقض الغرض وهو قبيح، إذ من الأغراض الأساسيّة للحكومة هو حفظ النظام وتوحيد الكلمة على الخير والفلاح لا على الباطل والفساد، فاختلاف الولاة النافذين يؤدي غالباً إلى سفك الدماء وهتك الأعراض وتعطيل المصالح العامّة كما هو ملحوظ في بعض مناطق نفوذ المتحزبين من هنا ورد عن أمير المؤمنين عليّ محذراً من هذا بقوله (عليه السلام): "الشركة في الملك تؤدي إلى الإضطراب"(70)، لذا ورد في الأخبار(71) أنه لا يكون إمامان في زمنٍ واحد بل أحدهما ناطق والآخر صامت.

فإذا لم تصح ولاية إمامين معصومين في عصر واحد مع عصمتهما فكيف تصحّ الإمامة والولاية الفعليّة المطلقة للعشرات بل للمئات في عصر واحد على أمّة واحدة؟! ومجرّد اشتراط الأعلميّة في الوالي على القول به لا يكفي في رفع المحذور، لإمكان التساوي في العلم، ولاختلاف أنظار الأمّة وأهل الخبرة في تشخيص الأعلم، كما هو المشاهد خارجاً في أعصارنا.

إذن فإنّ نصب ولاة متعدّدين مستقلين لعصر واحد وصقعٍ واحد إعانة على التنازع والتشاجر، فلا يصحّ من الشارع الحكيم، لذا خاطب الله نبيّه الكريم فقال: (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله) فجعل القرار النهائي لشخص النبيّ فقط، وعليه فإنّ تعدّد الولاة الفعليين لا يخلو من مفاسد عظيمة لا تخفى على الفطن، وهذا بخلاف ما لو قلنا بأنّ المراد من جعله (عليه السلام) الفقهاء في كلّ العصور قضاةً وينفذ قضاؤهم فإنّ ذلك لا يترتب عليه الآثار السلبيّة المترتّبة على القول بكونهم ولاةً فعليين، كما إنّ التعبير بـ "منكم" و"عليكم" في المقبولة يراد به الشيعة الإماميّة الإثنى عشريّة كما يشهد بذلك كلمة "أصحابنا" في كلام السائل، وهذا يقتضي أنْ لا يكون الإمام (عليه السلام) بصدد نصب الوالي، بل كان غرضه رفع مشكلة الشيعة في منازعاتهم وحلّ مشاكلهم وفضّ خلافاتهم، فارجعهم إلى القاضي المنتخب من قِبَل الشيعة بالمواصفات التي حدّدها الأئمّة عليهم السَّلام من الفقاهة والورع والنـزاهة، فليرضوا به حكماً، ولو كان الإمام (عليه السلام) بصدد نصب الوالي لكان المناسب نصبه على جميع الأمّة لا على الشيعة فقط.

وصفوة القول: إنّ المقبولة وكذا مشهورة أبي خديجة الآتية كليهما تدلاّن على نصب القاضي للشيعة الإماميّة لرفع مشاكلهم في الأمور التي كانت ترتبط بالقضاء بعدما حُرّم عليهم الرّجوع إلى قضاة الجور لحلّ نـزاعاتهم، وعليه؛ فلا يصحّ الإستدلال بهما لإثبات الولاية العامّة بالنصب، فإنّ مورد الروايتين هو الرّجوع إلى القاضي ليفصل النـزاعات في حال طُلب منه ذلك، وأين هذا من الولاية العامّة التي تقتضي بدورها أنْ يتدخّل الفقيه الوالي دون أنْ يُطلَب منه التدخل وفضّ النـزاع، فالوالي لا ينتظر المتنازعين ليأتوا ويحلّ مشاكلهم، وإنما يتدخّل مباشرةً في خصوصيّات الرعيّة أو المكلَّفين دون طلب استئذان من أحد، والتعبير بقوله: "ينظران مَن كان منكم.." فيه طلب من المتنازعين ليحكم لهما أو عليهما، وأين هذا من الوالي الّذي يفرض نفسه دون طلب من أحد ليكون الحاكم وصاحب القرار؟

(سادساً): القول بالولاية المطلَقة مبنيٌّ على التمسّك بإطلاق قوله (عليه السلام): "فإنّي جعلته حاكماً" وهذا ما يعبّر عنه بـ "الإطلاق في المحمول"، وهو مشكل، إذ بوجود القدر المتيقن وهو القضاء لا يمكن التمسّك بالإطلاق والشمول في المحمول، نعم، يجري الإطلاق في الموضوع إنْ لم تكن ثمّة قرينة لفظيّة متصلة أو لبيّة بيّنة أو لم يتوفر القدر المتيقَّن وإلاّ فلا إطلاق حتى في الموضوع، فلو قيل: "النار حارّة" بلا ذكر قيد يكون الموضوع طبيعة النار بإطلاقها فتشمل جميع الأفراد، ولا يحكم بكون المحمول جميع مراتب الحرارة وأفرادها، وأما إذا قال: "زيد عالم" فلا يجري الإطلاق في المحمول ولا نحكم بكونه عالماً بكلّ ما يحتمل كونه عالِماً به، وهكذا لو قال: "جعلت الفقيه حاكماً أو قاضياً" فإنّ مورده نصب الفقيه الموالي لهم لا كلّ فقيه، فتثبت له الحاكميّة على نحو الإجمال دون العموم والشّمول.

والحاصل: إنّ المقبولة لا تدلّ على ثبوت الولاية العامّة للفقيه بل موردهامنصب القضاء والفتوى فقط، فالرّواية أجنبيّة عن مسألة الولاية ونفوذ تصرفات الفقيه في الأموال والأنفس، وكذلك أجنبيّة عن مسألة وجوب إطاعته مطلَقاً، فإنّ جعل الفقيه حاكماً أو جعله حجّةً على الناس مؤدّاه هو تعيين الفقيه للمرجعيّة في الخصومات وللمرجعيّة في الفتوى من غير تعرّض لِمَا سوى ذلك من نفوذ تصرفاته أو وجوب امتثال أوامره الشخصيّة.

! إشكالات وردود:
خلال تنقيبي عن الأدلّة التي اعتمدها أتباع ولاية الفقيه العامّة وجَدْتُ بعضَ الإشكالات التي أسسوها لتدعيم فكرتهم، وهي التالي:

الإشكال الأوّل:

إنّ المقبولة دلّت على جعل الحاكم لكونه ـ أي الحاكم ـ في مقابل قضاتهم وحكامهم ومقتضى المقابلة تقتضي أنْ يكون ثابتاً للقاضي ما كان ثابتاً لقضاتهم من الشؤون والوظائف لأنّ الإمام (عليه السلام) في مقام ردع الشيعة عن الذهاب لقضاتهم، فلا بدّ أنْ يكون منصب القاضي لسدّ حاجاتهم المتعلّقة بقضاة الجور.

والحاصل أنّ كلما كان من شؤون قضاة الجور فهو ثابت للفقيه في زمان الغيبة، والظاهر أنّ الولايات الثلاث المذكورة وظيفة قاضي الجور كما هو المشاهد في العصور السابقة، فتكون للفقيه أيضاً.

وبعبارة أخرى إنّ المقابلة المذكورة أوجبت تلازماً عرفياً بين قضاتهم وقضاتنا في مسألة الحكومة، فتكون أدلّة جعل القاضي والحاكم دالّة على ثبوت تلك الولايات بالدلالة الإلتزاميّة العرفيّة نظير دلالة حاتم على الكرم، ويتمّ الكلام في باقي الولايات بعدم القول بالفصل(72).

ويمكن الخدشة في هذه الدعوى بانّ هذه الولايات المشار إليها بزعمهم وإنْ كانت من شؤون القاضي عند العامّة وهذا لا نـزاع فيه، إلاّ أنّ الكلام في وجه ذلك، فإنْ كان من جهة دخولها في مفهوم القضاء، ففيه أنّ مرجعه إلى دعوى أنّ لفظ القاضي ليس كما يظهر من القوم من كونه مشتركاً لفظياً بل هو موضوع لمعنى جامع لشتات جميع ما قيل بوضعه له من المعاني وهو إنهاء الأمر وإيصاله إلى غايته وأمّا إطلاقه على مَن له ولاية فصل الخصومة إنما هو بلحاظ إنهائه الخصومة ولا ملازمة بين هذا اللحاظ ولحاظ الولاية، فمفهوم الولاية شيء، ومفهوم القاضي أو الحاكم شيء آخر.

وإنْ كان من جهة كونها من لوازم مفهوم القضاء وإنهاء أمر الخصومة عقلاً أو عرفاً، ففيه منع واضح للقطع بعدم الملازمة بينهما كذلك.

وإنْ كان من جهة جعل الجاعل وإعطائه هذه الولايات لمن جعل له ولاية القضاء ففيه أيضاً أنه أمر ممكن إلاّ أنه لا بدّ في الحكم بوقوعه في الشرع من دليل يدلّ عليه وهو منتفٍ، ضرورة أنّ دليل نصب القاضي لا يدلّ إلاّ على إعطاء منصب القضاء، وهما أمران غير متلازمين، إذ لا ملازمة بينه وبين ساير المناصب والولايات كي يدلّ عليه بالإلتزام، ومجرّد ثبوت شؤون أُخَر لمن له القضاوة بواسطة جعل سلاطينهم لا يوجب ثبوتها للقاضي المجعول من قِبَل الإمام (عليه السلام)، والمقابلة بين الأمرين إنما تقتضي المساواة بينهما فيما كانت المقابلة فيه لا مطلَقاً وهو في المقام في أحد المتقابلين أي قاضي الجور من جهة القضاوة خاصّةً لا هي بتمام شؤونها، ولا أقلّ من الشكّ وهو كافٍ.

إنْ قيل: إنّ الحكمة في النصب إنما هو رفع احتياج الشيعة إلى قضاة الجور ولا يحصل ذلك إلاّ بنصب القاضي مع إثبات الولايات الثلاث التي كانت ثابتة لقضاة الجور.

قلنا: إنّ الحكمة في النصب حاصلة برفع الإحتياج إليهم من جهة القضاء فقط لعدم احتياجهم إليهم في ساير الجهات والمناصب لثبوتها لكلّ واحد من عدول المؤمنين.

وبعبارة أخرى: يمكن للقاضي أنْ يفصل بين المتنازعين وينهى الخصومة مستعيناً بتطبيق حكمه ببعض المؤمنين إذا استدعى الأمر ذلك، ولا ملازمة بين إنهاء الخصومة وبين ولاية الأمر حسبما أفدنا سابقاً، فتأمّل.

وعليه؛ فإنّ المقبولة في مقام نصب القاضي للشيعة لرفع مشاكلهم في الأمور الدينيّة المرتبطة بالقضاة بعدما حرّم عليهم الإمام (عليه السلام) الرّجوع إلى قضاة الجور، فلا يصحّ الإستدلال بالمقبولة لإثبات الولاية العامّة.

الإشكال الثاني:

لقد ورد في المقبولة التعبير بالطاغوت والإستشهاد بالآية الشريفة حيث أمرتْ بالكفر به، وهذان التعبيران لا يناسبان إرادة خصوص القضاء.

والجواب:

إنّ الرّجوع إلى قضاة الجور والإعتناءِ بهم وبحكمهم هو في الواقع رجوعٌ إلى سلاطين الجور، فإنّ القضاة يومذاك (ولا يزالون إلاّ مَن رحم ربّي) كانوا من أذناب السلاطين ومنصوبين من قِبَلِهِم حتى عصرنا الحاضر، فإنّ الحكومات هي التي تعيّن وتنصّب كلّ مَن تقرّب إليها ودنا منها كما هو ملحوظ في بلاد الإسلام اليوم، فإنّ هؤلاء القضاة قوتهم كانت مستمدّة من قوّة الجهاز الحاكم الّذي عيّنهم ونصّبهم، من هنا كان مورد نـزول الآية إنما هو القضاء التابع للحكومات الجائرة.

الإشكال الثالث:

إدّعى البعض أنّ استعمال حرف الإستعلاء في قوله: "عليكم" يناسب الولاية المطلَقة، ولو كان مورد الرّواية القضاء لكان من المناسب التعبير بقوله: "بينكم".

والجواب:

ليس استعمال حرف الإستعلاء في القضاء غلطاً، إذ في القضاء أيضاً يوجد نحو استيلاء واستعلاء، فإنّ القاضي المنصوب من قِبَل السلطان له علوٌّ وقدرة بقدرة مَن نصبه، والقاضي المنصوب من قِبَل الإمام الصادق (عليه السلام) أيضاً له نحو قدرة معنويّة لوجوب العمل بحكمه والتسليم له، فيصحّ استعمال حرف الإستعلاء على أيّ تقدير.

مضافاً إلى أنّ قوله تعالى: (ودخل المدينة على حين غفلةٍ من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوّه فاستغاثه الّذي من شيعته على الّذي من عدوّه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضلٌّ مبين) (القصص/15) فيه دلالة واضحة على دخول حرف الإستعلاء على مادّة "قضى" التي هي بمعنى الحكم والفصل بقرينة المنازعة بين القبطي والإسرائيلي، فحسم موسى القاضي مادّة النـزاع بالحكم والقضاء بالموت على الظالم المعتدي، فمعنى (فقضى عليه) اي حكم عليه بالقتل وفرغ من أمره، وقد وقع القتل على سبيل تخليص المؤمن من يد مَن أراد ظلمه والبغي عليه ودفع مكروهه عنه. وكذا قوله تعالى: (فلمّا قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلاّ دابّة الأرض...) (سبأ/14) حيث فيه دلالة قطعيّة أيضاً على دخول حرف الإستعلاء على مادّة القضاء والحكم، فمعنى "قضينا عليه الموت" اي حكمنا على سليمان بالموت(73).

إذن فقد دخل حرف الإستعلاء على مورد القضاء بحسب ما جاء في الآيتين الكريمتين بل هو الحرف المناسب للقضاء لحسم مادّة النـزاع، ولا يناسب مجيء غيره محلّه، فتأمّل.

إنْ قيل: إنّ التعبير بـ "عليكم" ييناسب الولاية المطلَقة وليس القضاء، وذلك لقرائن من روايات أخرى تشير إلى المدَّعى كقوله (عليه السلام): " الملوك حكّام على الناس والعلماء حكّام على الملوك".

قلنا:

(أوّلاً): إنّ المراد من العلماء هم الأئمّة الأطهار عليهم السَّلام ـ حسبما أفدنا مراراً ـ، وعلى فرض عموم اللفظ لغير الأئمّة الميامين عليهم السَّلام فلا يراد من الجملة الإنشاء، وإنما الإخبار فيكون المراد أنّ الملوك حكّام على الناس خارجاً كما يُرى، والعلماء حكّام نافذون مؤثرون في الملوك وفي آرائهم قهراً، إمّا للإيمان بهم، أو كونهم مجبورين في الأغلب على الإلتفات إليهم وإلى آرائهم واحترامهم لجلب رضى الأمّة وجذبهم، وإمّا لاحتياج الملوك إلى علوم العلماء في إدارة شؤون الأمّة ورفع حوائجها، لا سيّما إذا أُريد بالعلم الأعمّ من علم الدّين ومن سائر العلوم، فتكون رواية: "العلماء حكّام على الملوك" أجنبيّة عن المقام.

(ثانياً): التعبير بـ: "عليكم" لا دلالة فيه على ما يزعمون من الولاية العامّة، وليس مناطاً أو قاعدةً كليةً لاستنباط دليل على الولاية المطلَقة وإلاّ لاقتضى ذلك انْ تكون أكثر التكاليف الشرعيّة واجبةً على المكلَّفين على نحو الولاية مع أنّ ثمّة تكاليف هي واجبة علينا كما في بعض الأحكام التي دلّت عليها آيات عديدة لم يُستعمل فيها حرف الإستعلاء أمثال قوله تعالى:

(لقد أنـزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون)(الأنبياء/10).

(فالآن باشروهنّ وابتغوا ما كتب الله لكم) (البقرة/187).

(اللاتي لا تؤتونهنّ ما كُتب لهُنَّ..) (النساء/127).

(وكتبنا له في الألواح...) (الأعراف/145).

ويظهر أنّ استعمال حرف الإستعلاء لا يكون ـ في أغلب الحالات ـ إلاّ على نحو القهر في المتعلّق أي على نحو الإستيلاء على النفس التي تحاول عدم الرّضوخ للأمر من دون قوّة تقهرها وتُلزمها، لذا جاء الأمر في بعض الأحكام على نحو الإستعلاء في الأمر كما في آيات الصوم والجهاد كقوله تعالى:

(كُتِبَ عليكم الصيام..) (البقرة/183).

(كُتِبَ عليكم القتال وهو كُرْهٌ لكم..) (البقرة/216).

(قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الّذين كُتب عليهم القتل إلى مضاجعهم) (آل عمران/154).

(وقالوا ربّنا لِمَ كتبتَ علينا القتال) (النساء/77).

(ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلاّ قليلٌ منهم) (النساء/66).

(ثالثاً): القول بأنّ حرف الإستعلاء "عليكم" يفيد الولاية المطلَقة للعلماء على الناس خلاف الوجدان والسيرة، إذ من أين يثبت لنا هؤلاء المدّعون حكومة العلماء المطلقة على أموال الناس ونفوسهم في كلّ العصور، فالتعبير بلفظ الجمع المحلّى باللام "العلماء حكّام.."يفيد عموم سلطة وحاكميّة العلماء على الناس وهو خلف كونهم مقهورين ومحكومين في كلّ زمنٍ وعصرٍ حيث إنّ الثابت هو سلطة الناس على الفقهاء، كلّ ذلك بناءاً على القول بأنّ جملة "العلماء حكّام على الناس" هي للإنشاء، وأمّا بناءاً على أنها للإخبار فواضح أنّ العلماء مؤثرون خارجاً بتبليغهم وسلوكهم الحسن بين الناس.

الإشكال الرّابع:

إنّ التمسّك بإطلاق المتعلّق المحذوف لكلمة "حاكماً" أي "جعلته حاكماً في كلّ شيء" يقتضي القول بالولاية المطلَقة للفقيه.
وفيه:
إطلاق الكلمة إنما يستطيع أنْ يمنحها شموليةً بعد تعيّنها بالمعنى المراد لا أن يعيّن هو الكلمة المحذوفة مع وجود قرينة صارفة.

وبعبارةٍ أخرى: الإطلاق يمنح المحمول "حاكماً" شموليةً إذا لم تكن هناك قرينة صارفة عن المعنى المراد، ومع وجودها لا يمكنه ذلك حسبما أشرنا سابقاً.

ولو قيل لنا: إنّ استفادة الإطلاق إنما هو من نفس حذف المتعلق فيثبت المدَّعى.

قلنا: إنّ حذف المتعلّق إنما يكون قرينة على الإطلاق عند عدم وجود قدر متيقن عند الخطاب، والقدر المتيقن هنا موجود بلحاظ مورد الحديث وهو فصل الخصومة والقضاء.

إنْ قيل: إنّ العموم والشمول ليس من جهة الإطلاق في المحمول وهو قوله (عليه السلام):"حاكماً" وإنما من جهة أنّ لفظ "حاكم" له مفهوم واسع بحسب وضعه وما يُفهَم منه عرفاً، فإنّ العرف واللغة يفهم منه العموم والشمول لكلّ الأمور العامّة التي تحتاج إلى مَن يبتُّ فيها، ويكون قوله الفصل وحكمه العدل.
والجواب:
على فرض أنّ العموم مستفاد من لفظ "حاكم" إلاّ أنّ المقبولة لمّا كانت سؤالاً وجواباً متعرّضة لمسألة المنازعة في الأموال والقضاء فيها، فالقضاء هو القدر المتيقن من الكلام، وهو مانع من الإطلاق للقرينيّة في نفس المقبولة.
مضافاً إلى أنّ العرف يفرّق بين الوالي والقاضي، وكذا اللغة حسبما أشرنا سابقاً.

الطائفة الثالثة عشرة:
مشهورة أبي خديجة.
روى الشيخ بإسناده عن محمّد بن عليّ بن محبوب، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن أبي الجهم، عن أبي خديجة سالم بن مكرّم الجمّال قال:

بعثني أبو عبد الله (عليه السلام) إلى أصحابنا فقال: قل لهم؛ إياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى بينكم في شيء من الأخذ والعطاء أنْ تتحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفسّاق، إجعلوا بينكم رجلاً ممّن قد عرف حلالنا وحرامنا، فإني قد جعلته قاضياً، وإياكم أنْ يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر(74).

وفي نسخة الوسائل(75):"فإني قد جعلته عليكم قاضياً"، بإضافة كلمة: "عليكم".

وسند الحديث صحيح سوى ما وقع الخلاف فيه على سالم بن مكرم أبي خديجة فقد ضعّفه الشيخ الطوسي في الفهرست، لكنّ النجاشي وثقه في رجاله، والأرجح وثاقته لتوثيق النجاشي له لتقديمه وتقدّمه على الطوسي زمناً وخبرةً في علم الرّجال، ولأنّ الطوسي في موضع آخر من كتبه قد وثقه، لذا من المحتمل أنْ يكون تضعيف الطوسي للرجل في بعض المواضع قد وقع سهواً ـ حسبما أفاد المحقق الخوئي (قده) ـ وتبعه على التضعيف سهواً العلاّمة الحلي قدس سره، وبالغضّ عن ذلك، فإنّ المعارضة قد وقعت بين قول النجاشي والطوسي فيقدم قول النجاشي لأنّ قول الطوسي معارض بتوثيقه في موضعٍ آخر من كتبه، ولأنه من المحتمل أن يكون تضعيف الطوسي لسالم بن مكرم لكونه متحداً مع سالم بن أبي سلمة وهو بحسب حاله ضعيف "وحيث إنّ الشيخ أخطأ في ذلك فإنّ سالم بن أبي سلمة رجل آخر غير سالم بن مكرم، فالتضعيف لا يكون راجعاً إلى سالم بن مكرم الّذي ليس بإبن أبي سلمة بل هو نفسه مكنّى بأبي سلمة، فتوثيق النجاشي وإبن قولويه ومدح إبن فضال يبقى بلا معارض"(76)،وعلى كلّ حال فإنّ الرواية قد عمل بها أصحابنا، لذا سميت بالمشهورة.

(وكيف كان): فإنّ الإستدلال بالمشهور نظير ما تقدّم في المقبولة من أنّ الشارع المقدَّس إذا جعل الفقيه الجامع للشرائط قاضياً كقوله (عليه السلام) في المشهورة: "فإني قد جعلته قاضياً" فمقتضى إعطاء منصب القضاوة للفقيه في مورد فضل الخصومات يوجب إعطاء جميع أنحاء الولاية له من نصب القيّم على مال اليتيم والحكم في الهلال وغير ذلك، ويكشف عن ذلك ثبوت هذه الولايات لقضاة الجور ـ بزعمهم الفاسد ـ وكانوا يتصدّون لتلك الوظائف والمناصب، فيفهم من قضيّة المقابلة أنّ ما كان من شؤون قضاة الجور فهو ثابت للفقيه العادل في زمان الغيبة.
والجواب:
ما أوردناه على مقبولة إبن حنظلة يورد على مشهورة أبي خديجة، مضافاً إلى أنها مخدوشة من حيث الدّلالة فإنّ جعل الشارع الفقيه قاضياً إنما يقتضي أنْ يكون له وظيفة القضاة في فصل الخصومة وما يعمّه مثل الأمور الحسبيّة التي لا يترك فيها المجال لغير الفقيه كوصايته على مال اليتامى ورعاية مصالحهم وتولّي الأوقاف التي لا راعي لها وما شابه ذلك.

فغاية ما تدلّ عليه المشهورة هي أنّ الشارع المقدَّس نصب الفقيه قاضياً بحيث ينفذ حكمه في المرافعات وبه يتحقق الفصل في الخصومات ويتمّ أمر المرافعات وبعض الأمور الأخر، ولا دلالة لها على الولاية المطلَقة، ولا ملازمة بين منصب القضاء في مورد فصل الخصومة وبين الولاية المطلَقة، فالقول بالأوّل لا يستلزم القول بالثاني، مضافاً إلى أنّ القاضي غير الوالي عرفاً ووضعاً فإنّ لكلّ منهما وظيفة غير وظيفة الآخر.

فوظيفة القاضي عبارة عن قطع الخصومات وفصل المنازعات، وقد تشمل لما يستتبعه من حبس الممتنع عن أداء الدَّين والحجر عليه في التصرّف وما شاكل ذلك مما هو من شؤون القضاء إذا كان القاضي مبسوط اليد فيما يأمر.

ووظيفة الوالي هي الأمور النوعيّة الرّاجعة إلى تدبير الملك والسياسة وجباية الخراج والزكوات وصرفها في المصالح العامّة من تجهيز الجيوش وإعطاء الحقوق لذويها.

وبعبارة أخرى: إنّ وظيفة الوالي أو السلطان إنما هو نصب القضاة كما يشاهد في هذه الأعصار حيث يتدخّل السلطان في نصب القضاة وعزلهم، ولا خصوصيّة للعلم والتقى في مؤهلات القاضي بمقدار ما يكون المهم هو أنْ ترضى عنه الجهة السياسيّة أو الإقليميّة وما شابه ذلك، أمّا الكفاءة والخبرة والورع والتقى فإنه في خبر كان، وهكذا الحال في كلّ العصور منذ عصور الأئمّة عليهم السَّلام حتى يظهر وليّ الأمر (عليه السلام)، وعليه فإنّ ظهور المشهورة في غير فصل الخصومة محلّ إشكال، فتعميم المورد لغير فصل الخصومة بحاجة إلى دليل وهو مفقودٌ في البَيْن.

وغاية ما تدلّ عليه المشهورة وكذا المقبولة أنّ المجعول للفقيه هو وظيفة القاضي مطلَقاً، ومن المعلوم أنّ الولاية بالمعنى الّذي هو محلّ البحث ليس من وظيفته.

الطائفة الرّابعة عشرة:
في علل احتياج الناس إلى الإمام (عليه السلام).
فقد ورد في هذه الطائفة أخبار علل احتياج الناس إلى الإمام (عليه السلام)، منها ما أورده الشيخ الصدوق رحمه الله في العلل(77) بسنده عن الفضل بن شاذان عن مولانا الإمام أبي الحسن الرّضا (عليه السلام) في علل حاجة الناس إلى الإمام (عليه السلام) حيث قال بعد عدّ جملة من العلل:

منها أن الخلق لما وقفوا على حد محدود وأمروا أن لا يتعدوا تلك الحدود لما فيه من فسادهم لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلا بأن يجعل عليهم فيها أميناً يأخذهم بالوقت عندما أبيح لهم ويمنعهم من التعدي على ما حظر عليهم لأنه لو لم يكن ذلك لكان أحد لا يترك لذته ومنفعته لفساد غيره فجُعل عليهم قيمٌ يمنعهم من الفساد ويقيم فيهم الحدود والأحكام ومنها أنا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملة من الملل بقوا وعاشوا إلا بقيم ورئيس لما لا بد لهم منه في أمر الدين والدنيا فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق مما يعلم أنه لا بد لهم منه ولا قوام لهم إلا به فيقاتلون به عدوهم ويقسمون به فيئهم ويقيمون به جمعتهم وجماعتهم ويمنع ظالمهم من مظلومهم.

ومنها أنه لو لم يجعل لهم إماماً قيماً أميناً حافظاً مستودعاً لدرست الملة وذهب الدين وغيرت السنن والأحكام ولزاد فيه المبتدعون ونقص منه الملحدون وشبهوا ذلك على المسلمين إذ قد وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين مع اختلافهم واختلاف أهوائهم وتشتت حالاتهم فلو لم يجعل فيها قيماً حافظاً لما جاء به الرسول الأول لفسدوا على نحو ما بيناه وغيرت الشرائع والسنن والأحكام والإيمان وكان في ذلك فساد الخلق أجمعين فإن قيل: فلم لا يجوز أن يكون في الأرض إمامان في وقت واحد أو أكثر من ذلك؟ قيل: لعلل منها أن الواحد لا يختلف فعله وتدبيره والاثنين لا يتفق فعلهما وتدبيرهما وذلك إنا لم نجد اثنين إلا مختلفي الهمم والإرادة فإذا كانا اثنين ثم اختلفت هممهما وإرادتهما وكانا كلاهما مفترضي الطاعة لم يكن أحدهما أولى بالطاعة من صاحبه فكان يكون في ذلك اختلاف الخلق والتشاجر والفساد ثم لا يكون أحد مطيعاً لأحدهما إلا وهو عاصٍ للآخر فتعمّ المعصية أهل الأرض ثم لا يكون لهم مع ذلك السبيل إلى الطاعة والإيمان ويكونون أنما أتوا في ذلك من قبل الصانع والذي وضع لهم باب الاختلاف وسبب التشاجر إذ أمرهم باتباع المختلفين.

ومنها أنه لو كانا إمامين لكان لكل من الخصمين أن يدعو إلى غير الذي يدعو إليه الآخر في الحكومة ثم لا يكون أحدهما أولى بأن يتبع صاحبه من الآخر فتبطل الحقوق والأحكام والحدود.

ومنها أنه لا يكون واحد من الحجتين أولى بالنظر والحكم والأمر والنهي من الآخر فإذا كان هذا كذلك وجب عليهم أن يبتدءوا الكلام وليس لأحدهما أن يسبق صاحبه بشي‏ء إذا كانا في الإمامة شرعاً واحداً فإن جاز لأحدهما السكوت جاز للآخر مثل ذلك وإذا جاز لهما السكوت بطلت الحقوق والأحكام وعطلت الحدود وصار الناس كأنهم لا إمام لهم فإن قيل لا يجوز أن يكون الإمام من غير جنس الرسول قيل لعلل.

منها أنه كان الإمام مفترض الطاعة لم يكن بد من دلالة تدل عليه ويتميز بها من غيره وهي القرابة المشهورة والوصية الظاهرة ليعرف من غيره ويهتدى إليه بعينه.

ومنها أنه لو جاز في غير جنس الرسول لكان قد فضل من ليس برسول على الرسول إذ جعل أولاد الرسول أتباعاً لأولاد أعدائه كأبي جهل وابن أبي معيط لأنه قد يجوز بزعمه أنه ينتقل ذلك في أولادهم إذا كانوا مؤمنين فيصير أولاد الرسول تابعين وأولاد أعداء الله وأعداء رسوله متبوعين فكان الرسول أولى بهذه الفضيلة من غيره وأحق.

وتقريب الإستدلال بهذه الرّواية الشريفة على ولاية الفقيه المطلَقة ـ بحسب زعم أتباع الولاية ـ هو أنّ عدّة من الأمور مما لا بد منها هي قوام الملّة ونظم الرعيّة بحيث لولاها لاختلّ النظام وفسدت معيشة الأنام، وكثرت الفتنة وزادت الحيرة، إذ ليست تلك الأمور مما يمكن صدورها من أيّ شخص، بل لا بدّ في إِجرائها من وجود زعيم وقيّم على الأمور، وليس لأحد قيومة على الأمور سوى الفقيه الجامع للشرائط، فتثبت ولايته العامّة على الأمّة قياساً له على رجوع كلّ مجتمع في منازعاته إلى زعيم يرجعون إليه لحلّها وبتّ الأمر فيها، وهذا ما أكّد عليه السيّد الخميني في كتابه الحكومة الإسلاميّة وغيره من الكتب(78).

وفيه: أنّ الرّواية وإنْ كانت واردة في علل احتياج الناس إلى الإمام المنصوب من الله تعالى، لكنه يستفاد منها حكم عام بملاك واحد ومناط جامع، وهو الطبيعة البشريّة كما تقتضي وقوع الإختلاف والتزاحم والجدال والتنازع، كذا تقتضي سلسلة من الأمور في بقاء نظمهم وحفظهم من النفاق والشقاق والتشعب والإفتراق وإلاّ لفسدت عيشتهم وضاقت معيشتهم، ولمّا كانت تلك الأمور مما لا يمكن ولا يصحّ صدورها من أيّ فردٍ، فلا بدّ لهم من زعيم ورئيس وقيّم يكون القدر المتيقّن من الأمّة لتصدي الرياسة والزعامة عليهم لتولي تلك الأمور، وليس شرطاً أنْ يكون هذا القيّم هو الفقيه الجامع للشرائط بل إنّ ذلك موكول إلى الثقات من المؤمنين العدول الّذين يرجعون إلى الفقيه العادل الورع العارف بأمر آل البيت عليهم السَّلام لا كلُّ فقيه ممن لا تنطبق عليه المواصفات المذكورة وما أكثرهم في زماننا هذا، اللهمّ عجّل فَرَجَه وسهِّل مخرجه وأرِحنا من الظلم والظالمين.

وعليه؛ فالقيّم على الأحكام الشرعيّة شيء، والقيّم على تنفيذ القوانين ومنع الفساد بواسطة رئيس أو حاكم شيء آخر، إذ قد يكون الحاكم نصرانياً ويمنع الفساد والظلم والتعدّي، وقد يكون مسلماً إماميّاً لكنه ظالم مستبد متهتّك بل متهكّم على مَن خالفه في آرائه السياسيّة وأفكاره الفقهيّة كما نلحظه اليوم على ساحتنا الشيعيّة، إذ مَن لم يكن معهم هو ضدّهم بنظرهم حتى يعتقد بولاية الفقيه فيعتبر حينئذٍ أخاً لهم في الدّين ولو كان من عبدة الأوثان وقتلة الأنبياء والمرسَلين.

فغاية ما يستفاد من الرّواية وأمثالها هو الولاية على الأمور الحسبيّة أو المصالح النوعيّة المطلوبة شرعاً دون الولاية المطلَقة الكليّة التي خصّ الله بها نبيّه على ما يظهر من دليلها.

وبعبارة أخرى: إنّ للفقيه الولاية على الأمور العامّة بحيث يؤدّي تركها وإهمالها إلى إهمال ما هو مطلوب شرعاً عدم تضييعه وتسليط الظالمين عليه.

وتوهّم جواز التمسّك على إثبات الولاية المطلَقة للفقيه بما ورد من أنّ كلّ معروف صدقة، وأنّ عون الضعيف من أفضل الصّدقة، وأنّ الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ونحوها، مخدوش بكونها أعمّ من المدَّعى وتتعدّى المورد المتنازَع عليه ـ وهو الولاية المطلَقة على الأموال والأنفس ـ مضافاً إلى أنّ تلكم الأخبار المذكورة لا تصلح لتشريع مثل البيع والشراء والتنـزويج ونحوها من التصرّفات الإعتباريّة، إذ الشّكّ في الولاية عليها يستوجب الشّكّ في تحقق عنوان المعروف والعون، ومع الشّكّ في العنوان العام يسقط دليله عن الحجيّة ولا يصلح لإثبات موضوعه.

نعم، إطلاق مثل ذلك يكفي في تشريع التصرّفات الخارجيّة مثل حفظه من التلف والضياع لصدق المعروف عليه قطعاً.

ثمّ إنه إنْ لم نحرز مطلوبيّة مثل الحدود والتعزيرات مطلَقاً في غيبة مولانا الإمام الحجّة (عليه السلام) بل احتملنا كونها مشروطة بصدورها من شخصٍ خاصٍ كبعض مناصب الولاة حيث نحتمل أن ذلك مطلوب منه لا بما هو هو في نفسه، بل المطلوبيّة قد تعلّقت من حيث صدوره من الوالي، إذ لولا صدوره عنه لم يكن مطلوباً، فلا يجوز حينئذٍ أنْ يتصدّاه الحاكم لعدم العلم بمطلوبيّته ومشروعيته كذلك، والاصل عدم المطلوبيّة، ويؤيّد هذا دعوى جماعة كصاحب الإشعشيات ودعائم الإسلام وظاهر ابني زهرة وإدريس إختصاص إقامة الحدود والتعزيرات بالإمام (عليه السلام) أو بمن نصبه لذلك، وهي غير ثابتة، ويظهر أيضاً من المحقق في الشرائع والعلاّمة في مواضع من كتبه التوفيق في ذلك، وهذه الدّعوى لو تمّت على عدم جواز إقامة الحدود إلاّ للإمام أو المنصوب من قبله، هذه الدّعوى معارِضة بما هو معروف ومشهور بين الأصحاب من جواز إقامة الحدود للحاكم الجامع للشرائط لكن لا على وجه الولاية وإنما من باب الوكالة والنيابة وإنْ شئتَ فقل إنها ولاية بالمعنى الخاص لا بالمعنى المدَّعى ـ أي الولاية المطلَقة ـ.

وبتوضيحٍ أكثر: إنّ تطبيق الفقيه للحدود والتعزيرات على نحو ولاية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكون المؤمنين بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، لأنّ إقامتها إنما شُرعت للمصلحة العامّة ودفعاً للفساد وانتشار الفجور، وهذا ليس مختصاً بزمانٍ دون زمان، وأدلّة الحدود كتاباً وسُنّةً مطلقة وغير مقيّدة بزمنٍ دون آخر كجلد الزانية والزاني وقطع يد السارق وما شابه ذلك، ولم يدلّ دليل على أنّ المتصدّي لإقامتها من هو، ومن الضروري أنّ ذلك لم يشرع لكلّ فردٍ من أفراد المسلمين، فإنه يوجب إختلال النظام، ولا يثبت حجر على حجر، بل يستفاد من عدّة روايات أنّه لا يجوز إقامة الحدّ لكلّ أحد، فلا بدّ من الأخذ بالقدر المتيقن والمتيقن هو المجتهد أو الحاكم الشرعي، وإقامته للحدود لا يستلزم القول بولايته العامّة أو المطلقة.

إشكال وحلّ:

إن قيل: إنّ القول بعدم جواز إقامة الحدود في زمن الغيبة يفضي إلى تعطيل الأحكام وارتكاب المحارم وانتشار المفاسد وذلك مبغوضٌ في نظر الشارع، مضافاً إلى أنّ المقتضي لإقامة الحدّ موجود في صورتي حضور الإمام وغيابه، وليست الحكمة عائدة إلى مقيمه قطعاً، فتكون عائدة إلى مستحقه أو إلى النوع من المكلَّفين، وعلى التقديرين لا بدّ من إقامته مطلَقاً.

ولكنه مردود: بأنّ لازم ما ذُكر وجوب إقامة الحدود في كلّ عصر من دون حاجة إلى نصب الإمام (عليه السلام)، فقبل صدور المقبولة ونحوها الدالّة على الولاية حسبما يعتقدون، يُفرض أنْ تكون إقامة الحدود لازمةً من دون حاجة إلى إذن الأئمّة المتقدِّمين على الإمام الصادق (عليه السلام)، بل اللازم أيضاً تصدّي عدول المؤمنين بل فسّاقهم مع عدم التمكن من المجتهدين في عصر الغيبة، وهو كما ترى، فالأظهر أنّ إجراء الحدود ليس كالجهاد للدّعوة إلى الإسلام مخصوصاً بالإمام والمنصوب من قِبَلِه بالخصوص كي لا يجوز لغيره حتى الفقيه، بل يمكن أنْ تُقام الحدود ـ كما هو المشهور ـ لكنْ لا بعنوان أنّ للفقيه ولايةً على الأحكام وإنما من باب الحسبة والنيابة العامّة لئلاّ يكثر المنكر من جرّاء عدم تنفيذ ما جاء من أجله الإسلام قال تعالى:(ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلّكم تتقون) (البقرة/179).

مضافاً إلى أنّ القول بوجود ملازمة بين الولاية العامّة وإقامة الحدود مما لا دليل عليه أصلاً، إذ يمكن للفقيه أنْ يقيم الحدود دون أنْ يكون ولياً منصوباً بالولاية العامّة من قِبَلِهِم بحيث تكون له ولاية على الأموال والأنفس وما شابه ذلك، فدعوى عدم إمكان إقامة الحدود إلاّ بالولاية العامّة دونها خرط القتاد، كما إنّ وجوب إطاعة الفقيه في أوامره الشخصيّة تماماً كالأئمّة عليهم السَّلام مشكل جدّاً لكونه على خلاف القدر المتيقّن من وجوب إطاعتهم في مقام الفتوى والقضاء، بل التوسعة في وجوب الإطاعة إلى ما ذكر يعتبر تعدّياً على مقام الأئمّة المعصومين عليهم السَّلام.

وعلى حدّ تعبير العلاّمة الكبير صاحب الحدائق أعلى الله مقامه الشريف: "إنّ عدّ الحاكم الشرعي في جملة الأولياء كما ذكروا وإنْ كان مسلماً بينهم ومتَّفَقَاً عليه عندهم، إلاّ أنه خالٍ عن الدليل من الأخبار، نعم يمكن تخصيص ذلك بالإمام (عليه السلام) من حيث الولاية العامّة، وأنه أولى الناس من أنفسهم"(79).

والحاكم في غيبة الإمام (عليه السلام) هو مأذون من جهته على الأمور الحسبيّة وما ثبت الدليل عليها كرعايته لأ