الفصل الثالث
الإستدلال على ولاية الفقيه العامّة بالعقل
تقريب الدليل على ولاية الفقيه العامّة
بالعقل هو ما أفاده بعضهم من أنّ نصب الفقيه يعتبر لطفاً إلهياً يجب أنْ يفعله
الباري تماماً كوجوب نصبه للأئمّة المعصومين عليهم السَّلام، مدّعياً بذلك أنّ
العقل يحكم بوجوب نصب الله للإمام لحفظ البلاد وانتظام أمر العباد من حيث الأمور
الدينية والدنيويّة كذلك يحكم بوجوب نصب مَن يقوم مقامه عند غيبته وعدم تمكّن وصول
الملّة إليه وعدم تيسّر مراجعة الناس في شؤونهم لديه ليكون مرجعاً للعباد ورافعاً
للظلم والفساد، إذ لولا النصب لاختلّ نظام العباد واستولى الظلم والفساد، كما يحكم
بوجوب نصب مَن ينوب عنه (عليه السلام) في البلاد النائية والأمصار البعيدة التي
يتعسّر أو يتعذّر مراجعتها في كلّ شؤونها له في زمن حضوره وظهوره...وكما أنّ العقل
حاكم بوجوب أنْ يكون الإمام أفضل الرعيّة معرفة بالأمور الدينيّة وأبصرهم بتدبير
شؤونهم الدنيوية مع تلبسٍ بتقوى وإيمان يمنعانه عن الخروج عن حدوده الدينية ويستكشف
من كون الشخص الّذي هو أفضل زمانه في ذلك أنّه منصوب للإمامة عليهم، كذلك يحكم
العقل بوجوب أنْ يكون الشخص النائب مناب الإمام والقائم مقامه عند غيبته أفضل
الرعيّة بالأمور الدينية...ثمّ قال: إنّ هناك أموراً يريد الشارع إيجادها في الخارج
ولا يمكن وصولها إلاّ بمراجعة الرئيس فلو لم ينصب لنا رئيساً لزم نقض الغرض لفرض
مطلوبية تلك الأمور منا، ويرشد لهذا الدليل العقلي ما عن العلل بسنده عن ابي الفضل
بن شاذان عن مولانا أبي الحسن الرّضا (عليه السلام)..ثمّ ساق الرّواية على مدّعاه
بأنها تدلّ على أنّ نصب الفقيه للولاية لطف لا بدّ منه في عصر الغيبة(1).
يرد عليه:
(1) ـ لو كانت ولاية الفقيه العامّة مما يأمر بها العقل لَمَا قصّر عن الإعتقاد بها
عامّة فقهاء الإماميّة منذ بداية الغيبة الكبرى إلى يومنا هذا؟! ولو كانت ولاية
الفقيه العامّة من الأحكام العقليّة الثابتة لَمَا اختلف على حكمها عامّة الفقهاء ـ
وهم من العقلاء ـ وناقشوا دلالتها.
(2) ـ قياس وجوب نصب الفقيه للولاية على وجوب نصب الإمام بقاعدة اللطف قياس مع
الفارق، إذ إنّ الإمام (عليه السلام) معصوم لا بدّ من وجوده في كلّ عصر بحكم اللطف
الإلهي حيث إنه يبعّد عن المعصية ويقرّب إلى الطاعة ويبيّن الأحكام الواقعيّة ويحفظ
الحدود، بل يمسك السماء أن تقع على الأرض، وبه أينعت الثمار وأورقت الأشجار حسبما
ورد في الزيارات الصريحة بخلاف الفقيه فإنه يختلف بطبيعته عن الإمام، ووظائف الفقيه
الوالي ـ أي القائل بولاية الفقيه العامّة ـ ظاهريّة، إذ هو لا يبيّن الأحكام
الواقعيّة بل قد يصيبها وقد يخطئها، ويمكن للوجود أنْ يستمرّ من دونه، مضافاً إلى
أنّ الأشجار تورق، والثمار تينع بدون الفقيه، وعليه فكيف يُقاس الإمام (عليه
السلام) بالفقيه؟ مع أنّ الإمام (عليه السلام) لا يُقاس به أحد، لا في صفاته ولا في
وظائفه، سبحان مَن خلقه وقدّره، فقياس غيره عليه ظلمٌ لآل محمّد، وسيعلم الّذين
ظلموا أيّ منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين.
(3) ـ ما استدلّ به صاحب الدّعوى، لا يثبت الولاية للفقيه، بل غاية ما يدلّ على أنّ
الفقيه ينوب مناب الإمام في بيان الأحكام الظاهريّة حال غيبته، أمّا أنْ يكون له
ولاية مطلَقة كولاية الإمام (عليه السلام) فهو أوّل الكلام، فما استدلّ به هذا
البعض أخصُّ من المدَّعى.
فالمجعول للفقيه هو الولاية الخاصّة الثابتة في موارد مخصوصة كالرجوع إليه في
الفُتيا وقطع الخصومات، وكلّ مورد قام الدليل على ولاية الفقيه فيه بحيث لو شكّ في
مورد أنّ له الولاية فالأصل يكون عدمها.
والتحقيق: إنّ مسألة الولاية العامّة تدور مدار التردد بين الأقل والأكثر
الإستقلاليين، والمرجع فيه اصالة البرائة، لأنّ الأقل معلوم الوجوب على كلّ تقدير
(وهي الولاية الخاصّة في موارد مخصوصة) ولا رابط بينه وبين الأكثر، فينحل العلم
الإجمالي ويزول أثره من حيث التنجيز والتنفيذ، ويرجع الشك في الزائد على الأقل إلى
الشك في نفس التكليف، والأصل فيه ـ كما قلنا ـ البرائة عقلاً وشرعاً.
وبعبارة أخرى: إنّ الخلاف في مقدار وسعة ولاية الفقيه هي في واقعها تردّد بين الأقل
والأكثر، بين القدر المتيقن والمشكوك، فالأقل معلوم ـ وهو القدر المتيقن ـ والأكثر
وهو الزائد مشكوكٌ، فيرجع الشك إلى اعتبار قيد زائد، فيجري معه أصل البرائة، ويُبنى
على عدم اعتباره بحكم الأصل.
إشكال وحلّ
إنْ قيل: إنّ ما دلّ من الآيات والرّوايات على نفوذ تصرّف البالغين في نفوسهم
وأموالهم وثبوت السلطنة لهم يتعارض مع ولاية الفقيه العامّة حيث إنّ مقتضاها عدم
نفوذ تصرفات هؤلاء بأموالهم وأنفسهم في مقابل أوامر الفقيه، ولا بدّ في حال التعارض
من أن لا يتساقطا لوجود الدليل العقلي المخصِّص لتلك الأدلّة وإلاّ لزم الهرج
والمرج لعدم وجود مَن يقوم بأمور المسلمين على وجه به ينتظم معاشهم ومعادهم في غيبة
الإمام (عليه السلام) ولا يمكن الإتصال به، فيتعيّن الرّجوع إلى الفقيه للإجماع
وضرورة المذهب على عدم الرّجوع لغير الفقيه(2).
يرد على هذه الدّعوى:
(أوّلاً): إنّ تقديم الدليل العقلي المخصِّص لتلك الأدلّة في هذا المقام وذلك
لتعارضه مع الدليل العقلي الآخر وهو عدم صحّة وجواز الإنقياد المطلَق لغير المعصوم
(عليه السلام)، مضافاً إلى أنه من أين يثبت لنا هذا المدّعي أنّ الدليل العقلي
مخصِّص لتلك الأدلّة؟ وهل ثمّة رواية دلّت على أنّ الفقهاء معصومون حتى يأتينا ذاك
المدّعي بالدليل العقلي المخصِّص؟ وعلى فرض أنّ الدليل العقلي مخصِّص فأيّ فرق
حينئذٍ بين الإمام (عليه السلام) والفقيه، بل أيّ حاجة حينئذٍ لوجود الإمام (عليه
السلام)؟!!
إنّ الدليل العقلي إنما يكون مخصِّصاُ إذا لم يتعارض مع دليل آخر أقوى منه، وهنا
ولاية الإمام اقوى من ولاية الفقيه، فلا يصحّ التخصيص المذكور، مضافاً إلى أنّ
تخصيص الدليل العقلي للأدلّة لا بدّ أنْ يقوم على أساس أنّ ولاية المعصوم فوق ولاية
الإنسان على نفسه، بمعنى أنّ ولاية الإنسان على ماله ونفسه نافذة، ولكنْ لو زاحمها
ولاية الإمام (عليه السلام) ـ لا ولاية الفقيه ـ فتكون ولاية الإمام مقدَّمة على
ولاية الإنسان على نفسه وماله، لأنّ العقل يأمر بوجوب إطاعة الإمام ولو أدّى ذلك
إلى عدم نفوذ تصرّف البالغين في نفوسهم وأموالهم.
بالإضافة إلى أنّ الدليل العقلي يكون مخصِّصاً ـ لو قلنا بجواز تخصيصه للأدلّة بغير
المعصوم (عليه السلام) ـ إذا ثبت شرعاً صحّة وجود ولاية للفقيه، وإذا لم يزاحمه
دليلٌ آخر لفظي وعملي، وقد تقدّم معنا أنّ مقتضى الأصل اللفظي والعملي دالٌّ على
عدم ثبوت الولاية لأحد بشيء من الأمور المذكورة، فأيّ مجال بَعدُ لتقديم الدليل
العقلي وجعله مخصِّصاً لتلك الأدلّة حسبما زعم المدّعي؟
وبالجملة: التخصيص العقلي يتمّ في حال عدم وجود أصل لفظي وعملي في البين، ولكنه
موجودٌ حسبما أفدنا سابقاً، ولا يلزم من عدم التخصيص للأدلّة الهرجُ والمرجُ بحسب
ما جاء في الدّعوى، وهل ثمّة هرج لو لم يحكم الفقيه الوالي بلادَ المسلمين؟ وهل
بلدان العالم قاطبةً يملؤها الهرج المرج لأنّ الفقيه لا يحكمها؟ وإذا أدّى عدم
التخصيص إلى ما ذُكر فلماذا لم يُصَب الشيعة بالهرج والمرج قبل أن يأتي المثبتون
للولاية العامّة؟!
علاوةً على ذلك إنّ ما ادّعاه من لزوم الهرج والمرج إنْ لم يكن ثمّة وليٌّ فقيه
يقوم بأمور المسلمين على وجه به ينتظم معاشهم ومعادهم والإمام غائب...إلخ دونه خرط
القتاد وذلك لأننا لم نقرأ ولم نسمع في تاريخنا أنّ الشيعة أصابهم الهرج والمرج منذ
أنْ غاب وليّنا الإمام الحجّة (عليه السلام) إلى يومنا هذا بسبب عدم اعتقادهم
بولاية الفقيه العامّة، بل العكس هو الصحيح أي أنهم لمّا اعتقد بعضهم بولاية الفقيه
العامّة وأسّسوا دولة في الشرق، تُقسِّم الشيعة إلى أحزابٍ وفِرَقٍ، فصار يُقتل
الشيعي تحت عنوان التكليف الشرعي وولاية الفقيه، وكلّ مَن يخالف الحاكم الإيراني
صار بنظرهم زنديقاً يُستباح ماله ودمه وسمعته وكرامته، وفي الوقت نفسه للحاكم
الإيراني التقرب إلى المخالفين وطلب رضاهم بالمال والجاه والسلطان، ويا ليت هذا
الحاكم استمال الوهابيين لكي يرفعوا عدوانهم عن قبور أئمتنا عليهم السَّلام في
البقيع الطاهر في المدينة! مع أنّ حكّامهم لا يطلبون رضا الشيعة بل ينظرون إليهم في
أكثر بلدان المسلمين على أنهم فئة رافضة تنتسب إلى اليهود وتستباح أموالهم ودماؤهم
وأعراضهم كما حصل ويحصل في السعوديّة وفي باكستان وأفغانستان يوم ظهرت الوهابيّة
السلفيّة وحركة إبن لادن والطالبان في هذين البلدين!! إذن القول بعدم الولاية
للفقيه لا يستلزم الهرج بل العكس هو الصحيح. وما استشهد به في رواية علل الشرائع
المفصّلة لعلل الحاجة إلى المعصومين أولي الأمر ثمّ تطبيقه أولي الأمر على الفقهاء،
إنْ هو إلاّ بدعة اخترعها ذاك المدّعي لا يمكن من خلالها قياس الفقيه على المصالح
الخاصّة بالإمام (عليه السلام) والمتعلِّقة به دون غيره، وسحب ما للإمام (عليه
السلام) إلى الفقيه وإلاّ لبطلت فائدة وجود المعصوم ما دام هناك مَن يقوم مقامه
ويحمل نفس الوظائف التي هي من صلب مهام المعصوم (عليه السلام).
(ثانياً): يجب الرّجوع إلى الفقيه في غيبة مولانا الحجّة (عليه السلام) وقد قام
الإجماع عليه، ووجوب الرّجوع إلى مطلَق الفقهاء شيء، ووجوب القول بولاية الفقيه شيء
آخر، والدّعوى المتقدِّمة تخلط بين وجوب الرّجوع إلى الفقيه وبين ولاية الفقيه مما
يعني المصادرة على المطلوب وهو خلف.
هوامش الفصل الثالث:
(1) ـ الفكر الصائب:105.
(2) ـ الفكر الصائب:104.