النشرة الهاشمية المكتبة الهاشمية الى الصفحة الرئيسية

فهرس الكتاب

الفصل الثاني الفصل الأول الإهداء وتمهيد البحث
الفصل الخامس الفصل الرابع الفصل الثالث

الفصل الثاني

الإستدلال على ولاية الفقيه بالإجماع

والإجماع من الأدلّة التي استدلّ بها أصحاب ولاية الفقيه العامّة على مدّعاهم.
(والإجماع المدّعى على قسمين: المنقول والمحصّل.

أمّا المنقول فقد ادّعى بعضٌ بأنّ الكثير من الفقهاء نقلوا الإجماع على ثبوت الولاية العامّة للفقيه الجامع للشرائط، ففي البلغة أنّ حكاية الإجماع على ذلك فوق حدّ الإحصاء، وهكذا في العوائد للنراقي رحمه الله حيث ذكر بأنّ كثيراً من الأصحاب نصّوا على الإجماع بحيث يظهر منهم كونه من المسلمات،وأمّا المحصّل "فيمكن استفادته من فتاوى الفقهاء بثبوت الولاية للفقيه في عدّة مواقع معلّلين ذلك بثبوت عموم الولاية للفقيه كما في وجوب دفع ما بقي من الزكاة في يد إبن السبيل بعد وصوله إلى بلده للفقيه، وفي وجوب دفع الزكاة ابتداءاً أو بعد الطلب إليه، وولايته على مال الإمام وميراث من لا وارث له وولايته في إجراء الحدود إلخ...فإنّ هؤلاء الفقهاء يقولون بثبوت ولاية الفقيه في هذه الموارد وليس كلّها أو جلُّها دليلٌ بخصوصه بل من جهة عموم ولاية الفقيه وهو كاشف قطعي عن الإتفاق على ثبوت الولاية العامّة للفقيه"(1).

يرد عليه:

(1) ـ إنّ دعوى الإجماع على ولاية الفقيه بالإجماع المنقول والمحصّل هي في واقعها دعوى بحاجة إلى دليل وبرهان، إذ من أين يثبت لنا هؤلاء الناقلون للإجماع أنّ إجماعهم ونقلهم حجّة علينا ما دام نقلهم للإجماع مجرّد دعوى ادّعوها، نطالبهم لإثباتها بالدليل.

مضافاً إلى أنّ دعوى الإجماع المتقدّمة هي كغيرها من الدعاوى التي ادُّعي فيها الإجماع في مسائل اشتُهر فيها الخلاف وليس عليها إجماع، وبعضهم يدّعي الإجماع على فتوى ثمّ يرجع عنها، وفوق ذلك ينقل بعضُ الفقهاء الإجماع على مسألة لم يتعرّض لها أحدٌ سواه، وسرّ هذا الإضطراب والتدافع هو أنّ الفقيه يعتقد أنّ هذا الأصل ـ مثلاً ـ محلّ وفاق بين الفقهاء، ثمّ يستخرج منه فرعاً من الفروع ويدّعي الإجماع عليه لا لشيء إلاّ لأنه هو قد استخرج بنظره واجتهاده هذا الفرع أصالةً عن نفسه، ونيابةً عن الفقهاء حيث ينبغي أنْ يفعلوا ذلك، وكلّ ما ينبغي أنْ يكون فهو كائن بالفعل في رؤيته ومنطقه ومعالجته الأصول والقواعد.

(2) ـ مَن قال إنّ الإجماع بنفسه حجّة يُستدلّ به، فالإجماع المنقول أو المحصّل بحدّ ذاته ظن وإنّ الظنّ لا يغني من الحق شيئاً، كما إنّ الإجماع ليس بحجّة منفردة ولا دليلاً مستقلاً، وإنما هو مجرد أداة تكشف عن وجود دليلٍ متينٍ وقويمٍ كآية من كتاب أو رواية من سنّة النبي تنطق بالحكم المجمع عليه ـ وبهذا تكون أدلّة الفقه في واقعها ثلاثة لا أربعة حيث يكون الإجماع أحد الرّواة عن الكتاب والسنة وليس نظيراً ومثيلاً لهما.

فعند الشيعة الأدلّة في واقعها ثلاثة لا أربعة، والإجماع حاكٍ وراوٍ لحكم من أحكام الآيات والروايات من السنة، وأنكروا أشدّ الإنكار أنْ يكون الإجماع دليلاً قائماً بنفسه، قال النائيني: "ليس الإجماع دليلاً برأسه في مقابل الأدلّة الثلاثة: الكتاب ـ والسنة والعقل).

فالإجماع لا قيمة له عند الإماميّة ما لم يكشف عن قول المعصوم (عليه السلام)، فإذا كَشَفَ على نحو القطع عن قوله (عليه السلام) فالحجّة في الحقيقة هي للمنكشف لا للكاشف، فيدخل حينئذٍ في السنّة ولا يكون دليلاً مستقلاً في مقابلها.

قال المحقق في كتابه المعتبر بعد أنْ أناط حجية الإجماع بدخول المعصوم: "فو خلا المائةُ من فقهائنا من قوله (عليه السلام) لما كان حجّة، ولو حصل في اثنين كان قولهما حجّة".

وقال السيّد المرتضى على ما نُقل عنه: "إذا كان علّة كون الإجماع حجّة كون الإمام فيهم، فكلّ جماعة كثرت أو قلّتْ كان الإمام في أقوالها فإجماعها حجّة"(2).

وعليه فإذا لم يكن الإجماع بنفسه حجّة إلاّ إذا كَشَفَ عن قول المعصوم (عليه السلام) فكيف يدّعي هؤلاء الحجيّة للمنقول وهو أحد أقسام الإجماع؟!

(3) ـ دعوى ثبوت الإجماع بكلا قسميه على ثبوت ولاية الفقيه العامّة مخالفة صريحة لكثير من فقهاء الإماميّة الّذين لا يعتقدون بولاية الفقيه العامّة، كما إنّ دعوى الإجماع المحصّل في بعض الموارد التي استشهد بها ذاك البعض مخالفة أيضاً لكثير من الفقهاء الّذين خالفوا في تلك الموارد.

(4) ـ دعوى الإجماع على ثبوت الولاية بحجّة وجوب دفع ما بقي منها من الزكاة في يد إبن السبيل مخالفة لمشهور الفقهاء القائلين بعدم وجوب دفع الزّكاة إلى الفقيه الجامع للشرائط، فإذا كان أصل دفع الزكاة للفقيه ليس واجباً، فدفع المتبقي من سهم إبن السبيل كذلك بطريقٍ أولى، اللهمّ إلاّ أنْ يكون وجوب الدّفع إلى الفقيه متعيناً في حال تعذّر الرّدّ إلى المالك أو وكيله، فإنْ تعذّر، صرفه بنفسه إلى مستحقّ الزّكاة ناوياً به عن المالك.

مضافاً إلى أنّ دفع ما تبقّى من الزّكاة إلى الفقيه هو من الموارد الحسبيّة التي تحتاج إلى إذن الفقيه لكونه وليّ مَن لا وليّ له في عصر غيبة مولانا الإمام المهديّ (عليه السلام) فتجري ـ فيه كأمثاله من الموارد ـ أصالة الإشتغال، ويتوقف التصرّف بالمال على إذن الفقيه لأنّه مال الغير ولا يسوغ التصرّف فيه إلاّ بإذنه بالشروط المتقدّمة، لا سيّما في حال الشك ببرائة الذمّة في إعطائها لغير الفقيه، كما إنّ إبن السبيل ليست له ولاية على ما بقي من السهم المذكور، وإنما يملك من الزّكاة قدر كفايته اللائقة بحاله إلى أنْ يصل إلى بلده، فيصرف بمقدار الضرورة، وما عداها هو فضل لا بدّ من إرجاعه إلى مالكه أو الفقيه حال التعذّر حسب رأي المشهور من فقهاء الإماميّة.

دعوى وردّ: فقد ادّعى النراقي(3) أنّ للفقيه الولاية كالإمام (عليه السلام) إلاّ ما أخرجه الدليل من إجماع أو نص أو غيرهما، ثمّ استدلّ على ذلك بالإجماع حيث نصّ كثير من الأصحاب على الولاية بل هو من المسلّمات لا سيّما ما ورد في الأخبار من أنّ الفقيه وارث الأنبياء وأمين الرّسل وخليفة الرّسول وحصن الإسلام...

يرد عليه: إنّ هذه الدّعوى مخدوشة بما عرفت من أنّ المشهور من فقهاء الإماميّة لا يقولون بالولاية العامّة للفقيه، فكيف يكون ثمّة إجماع إذن؟!!

مضافاً إلى أنه ما الدّليل على ثبوت الملازمة بين ولاية الأئمّة وولاية الفقيه؟ فمن أين أثبت النراقي هذه الدّعوى؟ فلِمَ لا يكون العكس هو الصحيح أي أنه ليس للفقيه ولاية إلاّ بمقدار ما دلّ الدليل عليه وهو القدر المتيقن من الأدلّة. مضافاً إلى ما ورد في الأخبار من أنه وارث الأنبياء وما شابه ذلك فلا يدلّ على الولاية العامّة بل غاية ما فيه أنه وارثهم في مقام بيان تبليغ الأحكام وليس له ما لهم من الأحكام والوظائف والخصائص

هوامش الفصل الثاني:
(1) ـ الفكر الصائب:100.
(2) ـ أصول المظفر:2/105.
(3) ـ عوائد الأيام للنراقي:2/93.

 

النشرة الهاشمية المكتبة الهاشمية الى الصفحة الرئيسية

فهرس الكتاب

الفصل الثاني الفصل الأول الإهداء وتمهيد البحث
الفصل الخامس الفصل الرابع الفصل الثالث