النشرة الهاشمية المكتبة الهاشمية الى الصفحة الرئيسية

فهرس الكتاب

الفصل الثاني الفصل الأول الإهداء وتمهيد البحث
الفصل الخامس الفصل الرابع الفصل الثالث

الفصل الأوّل
الإستدلال على ولايَةِ الفَقِيه العَامّة بالكِتَاب

إستدلّ أصحاب نظريّة ولاية الفقيه العامّة على مدّعاهم بآيات من الكتاب المجيد؛ منـها:
الآية الأولى:
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمَنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم) (النساء/59).
تقريب الإستدلال من وجوه:
الوجه الأوّل: إدّعى أصحاب النظريّة المذكورة بأنّ الآية أمَرَتْ بطاعة أولي الأمر، ومصطلح: "أولي الأمر" عامٌ وليس خاصّاً بأناس معيَّنين؛ لأنّ الأخبار وإنْ فسَّرَتْ "أولي الأمر" بأئمّة آل البيت عليهم السَّلام [إلاّ إنـه لا يجوز التفسير الحصري المصداقي، إنطلاقاً من قاعدة: "المورد لا يخصِّص الوارد"،...إضافةً إلى أنّ أسلوب "الجري" المعتَمَد لدى العديد من المفسِّرين لا سيّما مفسِّري الإماميّة، يثبت وجود مصاديق متعدِّدة وغير محصورة لأولي الأمر، كما إنّ المراد من أولي الامر هم أصحاب الحلّ والعقد لدى بعض مفسِّري السُّنّة، وانطلاقاً من اقتضاء التناسب بين الحكم والموضوع في الآية؛ فإنّ المراد من أولي الأمر في عصر الغيبة هم الفقهاء العدول الواجدون لشروط الإمامة والقيادة، ويجب ـ حسب الآية ـ إطاعتهم بشكلٍ مطلَق، ولا يجوز عصيان أوامرهم](1).

يرد عليه:

(1) ـ إنّ تطبيق المدَّعِي فِقرة "أولي الأمر" في الآية المبارَكة على القاعدة الأصوليّة "المورد لا يخصِّص الوارد" لا يترك حينئذٍ فضيلة ولا كرامة لآل محمّد صلّى الله عليه وآله وسلَّم، إذ لو أخذ بعموم تلك القاعدة وطبقناها على الآيات الخاصّة بآل محمّد عليهم السَّلام، لانتفت الفضيلة والكرامة والخصوصيّة عن أولئك الأطهار الأخيار، وفي ذلك مَحْقٌ لفضائلهم ومعاجزهم وكراماتهم، وللخصائص الذاتيّة التي حباهم بها المولى.

(2) ـ إنّ القاعدة المذكورة تتعلّق بالأحكام العامّة دون الخصائص والفضائل وإلاّ لألغينا الخصوصيّة عن آل البيت عليهم السَّلام في آية التطهير وآية الولاية، وآيتي الإكمال والبلاغ وغيرهم من الآيات، مع أنّ أحداً من فقهاء الإماميّة لم يلتزم بشمولها لغير آل البيت عليهم السَّلام، ففي القرآن الكريم خطابات لفئاتٍ معهودة، صَدَرَتْ على نحو القضيّة الخارجيّة؛ فإنـها لا تَعُمُّ بلفظها غيرَ مَن نـزلَتْ بحقّهم وإنْ كان قد تعمّ بملاكها إذا كان قد أُحْرِزَ يقيناً، كلّ ذلك في غير الخصائص، أمّا في خصائص آل البيت فلا يمكن إحراز أنّ ملاكها أعمّ مما نـزلت الآية بحقهم.

وهناك بعض الآيات في غير خصائص الأئمّة، لا يمكن أنْ نعمِّم لفظها لغير مَنْ نـزلَتْ بحقّهم، فقوله تعالى: (الّذين استجابوا لله والرّسول من بعد ما أصابهم القرحُ للذين أحسنوا منـهم واتقوا أجرٌ عظيم، الّذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونِعْمَ الوكيل) (آل عمران/172 ـ 173).

الشاهد في قوله تعالى: (قال لهم الناس) إشارة إلى أناس معهودين أو فردٍ معهود، والمقصود من (الناس) الّذين جمعوا لهم، هم أصحاب أبي سفيان، وعليه فالآية نـزلَتْ في جماعة خاصّة فلا يمكن تعميم لفظها إلى غير مَنْ نـزلَتْ بحقهم الآية وهم نعيم بن مسعود الأشجعي الّذي أشاع الخبر، وأبو سفيان الّذي جمع على المؤمنين الرّجال والعتاد لقتالهم، وأمّا تعميم الدّلالة بحيث يأتي أفراد آخرون يلقون الرّعب في قلوب المؤمنين فهو أمرٌ راجع إلى بطون القرآن الكريم، مضافاً إلى أنّ كلّ الناس في كل زمن يلقون الرّعب في قلوب المؤمنين، بل إنّ كثيراً من الكفار الّذين لا يدينون بالإسلام قد تكون معاملتهم للمسلمين أفضل من معاملة المسلمين لبعضهم البعض.

إنْ قيل: لِمَ لا يكون من بطون آية الإطاعة في القرآن الكريم هو إطاعة الفقهاء؟

قلنا: لأنّ دلالتها واضحة على عصمة أولي الأمر المنصوص عليهم بالأخبار، وقد قامت الضرورة والإجماع على عدم عصمة الفقهاء فلا تدخل في مفهوم بطون القرآن، وكذا ثمّة أيات أُخر لا يمكن تعميم لفظها على غير مورد نزولها منها قوله تعالى: (إنّ الّذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون، ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذابٌ عظيم) (البقرة/6ـ7).

والمراد من خطاب الّذين كفروا هم الّذين كانوا على عهده صلّى الله عليه وآله وسلَّم وعاندوا واصرّوا على اللجاج بعد وضوح الحق وسطوع البرهان، وليس مطلَق الكفار على مرّ الزمان لاستلزامه اللغويّة في الإنذار.

قال العلاّمة الطباطبائي (قده): "ولا يبعد أنْ يكون المراد هم الكفار من صناديد قريش وكبراء مكّة الّذين عاندوا في أمر الدين ولم يألوا جهداً في ذلك، إذ لا يمكن استطراد هذا التعبير في حقّ جميع الكفار وإلاّ لانسدّ باب الهداية، فالأشبه أنْ يكون المراد من "الذين كفروا" هاهنا وفي سائر الموارد من كلامه تعالى هم كفار مكّة في أوّل البعثة إلاّ أنْ تقوم قرينة على خلافه...نظير ما سيأتي أنّ المراد من قوله: (الّذين آمَنوا) فيما أطلق في القرآن من غير قرينة على إرادة الإطلاق، هم السابقون الأولون من المؤمنين، خُصُّوا بهذا الخطاب تشريفاً"(2).

وهكذا قال رحمه الله في تفسير سورة (الكافرون): هؤلاء قوم معهودون لا كلّ كافر، ويدلّ عليه أمره صلّى الله عليه وآله وسلَّم أنْ يخاطبهم ببراءته من دينـهم وامتناعهم من دينـه.

(3) ـ دعواه التناسب بين الحكم والموضوع في الآية يقتضي أنْ يكون المراد من (أولي الأمر) هو الفقهاء مخدوشة ومغشوشة، إذ الموضوع فيها منحصر ومتعيِّن بالأئمّة المعصومين، فتعميم الموضوع على الفقهاء هو أصل الخلاف ومصادَرة بالمطلوب، بل هو أعم من المدَّعى، إذ المدَّعى هو خصوص أولي الأمر، والشمول إلى غير الأئمّة بحاجة إلى دليل لفظي وقرينةٍ قطعيّة تُعيِّن ذلك وهي مفقودة هنا.

ولنا إيرادات قيّمة ومهمّة على استدلال العامّة بالآية الشريفة على إطاعة الفقهاء والأمراء والحكّام فلتراجع.

الوجه الثاني:

تقريب الإستدلال على ولاية الفقيه العامّة بتقرير آخر مفاده:

إنّ عموم الخطاب في الآية المبارَكة لكلّ الأزمان حتى زماننا، كزمان نـزول الآية وليّاً للأمر وإلاّ أصبح العموم فيها لغواً وليس في زماننا هذا غير الفقيه الجامع للشرائط يصلح أنْ يكون وليّاً للأمر لأنـه الّذي له الأهليّة لرجوع الناس إليه في أمورهم المعادية والمعاشيّة لا سيّما الأمور المتجدّدة الحادثة...مضافاً إلى ما في التوقيع الشريف من قوله (عليه السلام): وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا.

فإنـه يدلّ على أنّ الفقهاء ولاة الأمر في هذا العصر، فإذا ضممنا ذلك إلى الآية الشريفة يشكَّل حينئذٍ صغرى وهو التوقيع، وكبرى وهي الآية، فتكون نتيجة هذا القياس وجوب إطاعة الفقهاء في هذا العصر، وهو ملازم لولايتهم بل لدى الحقيقة لا يقصد من البحث عن الولاية لهم إلاّ إثبات وجوب إطاعتهم، وبعبارة أخرى: إنّ التوقيع الشريف يثبت وجوب الرّجوع للفقهاء في هذا العصر والآية الكريمة تثبت وجوب الإطاعة لولاة الأمر، فلا بدّ أنْ يكون الفقهاء ولاة الأمر وإلاّ لَمَا وَجَبَ الرّجوع إليهم(3).

يرد عليه:

(1) ـ دعواه عموم الخطاب في الآية لكلّ الأزمنة وإلاّ لكان العموم لغواً خلاف ما ورد في الأخبار من أنـها خاصّة بأئمّة آل البيت عليهم السَّلام، فقد جاء في صحيحة الحسين بن أبي العلاء، قال: ذكرتُ لأبي عبد الله (عليه السلام) قولنا في الأوصياء أنّ طاعتهم مفترَضَة، فقال (عليه السلام): نعم، هم الّذين قال الله تعال:(أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم)(4).

وفي الكافي بسند معتبر عن مولانا الإمام أبي جعفر (عليه السلام) قال في تفسير قوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم) إيانا عنى خاصّة، أمر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا(5).

وبسندٍ صحيح عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه عزّ وجلّ: (أطيعوا اللّه وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم) فقال: نزلت في عليّ بن أبي طالبٍ والحسن والحسين عليهم السّلام، فقلت له: إنّ النّاس يقولون فما له لم يسمّ عليّاً وأهل بيته عليه السّلام في كتاب اللّه عزّ وجلّ؟ قال: فقال: قولوا لهم: إنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وآله وسلّم نزلت عليه الصّلاة ولم يسمّ اللّه لهم ثلاثاً ولا أربعاً حتّى كان رسول اللّه صلّى الله عليه وآله وسلّم هو الّذي فسّر ذلك لهم ونزلت عليه الزّكاة ولم يسمّ لهم من كلّ أربعين درهماً درهم حتّى كان رسول اللّه صلّى الله عليه وآله وسلّم هو الّذي فسّر ذلك لهم ونزل الحجّ فلم يقل لهم طوفوا أسبوعاً حتّى كان رسول اللّه صلّى الله عليه وآله وسلّم هو الّذي فسّر ذلك لهم ونزلت (أطيعوا اللّه وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم) ونزلت في عليٍّ والحسن والحسين فقال رسول اللّه صلّى الله عليه وآله وسلّم في عليٍّ: من كنت مولاه فعليّ مولاه، وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: أوصيكم بكتاب اللّه وأهل بيتي فإنّي سألت اللّه عزّ وجلّ أن لا يفرّق بينهما حتّى يوردهما عليّ الحوض فأعطاني ذلك، وقال: لا تعلّموهم فهم أعلم منكم، وقال: إنّهم لن يخرجوكم من باب هدًى ولن يدخلوكم في باب ضلالةٍ فلو سكت رسول اللّه صلّى الله عليه وآله وسلّم فلم يبيّن من أهل بيته لادّعاها آل فلانٍ وآل فلانٍ ولكنّ اللّه عزّ وجلّ أنزله في كتابه تصديقاً لنبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) فكان عليّ والحسن والحسين وفاطمة عليه السّلام فأدخلهم رسول اللّه صلّى الله عليه وآله وسلّم تحت الكساء في بيت أمّ سلمة ثمّ قال: اللّهمّ إنّ لكلّ نبيٍّ أهلًا وثقلًا وهؤلاء أهل بيتي وثقلي فقالت أمّ سلمة ألست من أهلك؟ فقال: إنّك إلى خيرٍ ولكنّ هؤلاء أهلي وثقلي فلمّا قبض رسول اللّه صلّى الله عليه وآله وسلّم كان عليّ أولى النّاس بالنّاس لكثرة ما بلّغ فيه رسول اللّه صلّى الله عليه وآله وسلّم وإقامته للنّاس وأخذه بيده فلمّا مضى عليّ لم يكن يستطيع عليّ ولم يكن ليفعل أن يدخل محمّد بن عليٍّ ولا العبّاس بن عليٍّ ولا واحداً من ولده إذاً لقال الحسن والحسين إنّ اللّه تبارك وتعالى أنزل فينا كما أنزل فيك فأمر بطاعتنا كما أمر بطاعتك وبلّغ فينا رسول اللّه صلّى الله عليه وآله وسلّم كما بلّغ فيك وأذهب عنّا الرّجس كما أذهبه عنك فلمّا مضى عليّ عليه السّلام كان الحسن عليه السّلام أولى بها لكبره فلمّا توفّي لم يستطع أن يدخل ولده ولم يكن ليفعل ذلك واللّه عزّ وجلّ يقول وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعضٍ في كتاب اللّه فيجعلها في ولده إذاً لقال الحسين أمر اللّه بطاعتي كما أمر بطاعتك وطاعة أبيك وبلّغ فيّ رسول اللّه صلّى الله عليه وآله وسلّم كما بلّغ فيك وفي أبيك وأذهب اللّه عنّي الرّجس كما أذهب عنك وعن أبيك فلمّا صارت إلى الحسين عليه السّلام لم يكن أحد من أهل بيته يستطيع أن يدّعي عليه كما كان هو يدّعي على أخيه وعلى أبيه لو أرادا أن يصرفا الأمر عنه ولم يكونا ليفعلا ثمّ صارت حين أفضت إلى الحسين عليه السّلام فجرى تأويل هذه الآية وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعضٍ في كتاب اللّه ثمّ صارت من بعد الحسين لعليّ بن الحسين ثمّ صارت من بعد عليّ بن الحسين إلى محمّد بن عليٍّ عليه السّلام وقال الرّجس هو الشّكّ واللّه لا نشكّ في ربّنا أبداً(6).

والأخبار في هذا الصدد متواترة فلتُراجع الأخبار المفسّرة لآية إطاعة أولي الأمر الّذين هم خصوص آل محمّد عليهم السَّلام(7).

وعليه؛فالآية تفيد الإطاعة المطلقة بحيث تشمل الأمور الشخصيّة والموضوعات الخارجيّة حتى الخاصّة منها، عدا عن شمولها للأحكام، مما يقتضي عصمة المأمور بإطاعتهم، وهو غيرُ ثابتٍ لغير المعصوم بإجماع الأمّة، فيتعيّن حينئذٍ وجوب إطاعة آل البيت مطلَقاً في كلّ حالاتهم وأزمانهم، وهذا دليل عصمتهم وطهارتهم، لا يشاركهم في ذلك أحدٌ من افراد الأمّة قطعاً، وليس في الآية إشارة إلى وجوب إطاعة الفقيه في الأحكام الشرعيّة أيضاً لأنّ لسان الإطاعة في الآية هو بيان الواقع بما هو هو لا بما أنه قد يصيبه أو يخطئُه، ومعلوم أنّ الفقيه الوالي وغير الوالي لا يصيب الواقع دائماً ولعلّه لا يعكس بآرائه عن الواقع في أغلب الأحيان، إذن فكيف تجب إطاعته مطلقاً وهل الأمر بالإطاعة سوى أمراً بإطاعة الخطأ؟!

إنْ قيل: إنّ الأمر بإطاعة الخطأ غير المتعمد مغفور بالآية.

قلنا: ليس في الآية ما يشير إلى الأمر بإطاعة الخطأ حتى يكون مغفوراً بل العكس هو الصحيح، فإنّ الآية أمرت باتباع الصواب دائماً حيث يدور مع أولي الأمر الّذين تجب إطاعتهم مطلقاً مما يستلزم أنْ يكون وليُّ الأمر معصوماً، وأين هذا من الفقيه الوالي؟!!

ولو فرضنا جدلاً أننا لم نستفد من الآية الشريفة ما ذكرناه آنفاً، وعمدنا إلى ادّعاء إفادتها بأنّ عنوان وليّ الأمر مفهوم مطاط يصدق على غير المعصوم، فإنّ هذا الإدعاء تتوقف صحتُهُ وإمكانُ الإلتزام به على مساعدة ما ورد من أخبار عن ائمتنا عليهم السَّلام، فإن كان هذا الإدّعاء موافقاً لما ورد في تفسير الآية فيأخذ به وإلاّ فلا، وحيث تقدّم معنا أنّ الأخبار معارضة لهذا الإدّعاء فلن يكون منا حينئذٍ إلاّ رفضه لكونه على خلاف ما ثبت عنهم عليهم السَّلام.

فالآية إذن مختصّة بآل محمّد، فمن أين جاء العموم الّذي ادّعاه الكاتب المذكور؟‍! والقَدَر الميَقَّن أنّ أولي الأمر هم آل محمّد، والقَدَر المتيقن في مقام التخاطب يمنع من الأخذ بالإطلاق.

(2) ـ كلّ ما أوردناه على التقريب الأول، نورده هنا على صاحب هذا التقريب، مع إضافة أنّ مفاد الآية العصمة المطلَقة لأولي الأمر، ولا أحد يدّعي أنّ الفقهاء معصومون ـ حتى الكاتب نفسه لا يدّعي العصمة للفقهاء ـ فالثابت للإمام (عليه السلام) بنصّ الآية إطلاقاً وشمولاً، ليس ثابتاً لغير المعصوم (عليه السلام) بإجماع المسلمين، فلا يكون الفقيه ممّن يشمله الوصف في الآية بما له خصوصيّة الإطاعة في كلّ شيء، فإذا لم يشمل الوصفُ الفقيهَ فكيف يُدَّعى العموم في أولي الأمر؟!

(3) ـ لقد خلط المقرّر بين الصغرى والكبرى من حيث المادّة والصّورةـ فقاس الفقهاء على الأئمّة المعصومين، من حيث إنّ الصغرى هو التوقيع والكبرى هي الآية، فالتوقيع يقول لنا: ارجعوا إلى الفقهاء في الحوادث الواقعة، والكبرى تقول لنا: أطيعوا أولي الأمر،فجعل الكبرى عين الصغرى، مع أنّ الكبرى مختصّة بآل محمّد لدلالة الآية على وجوب إطاعتهم المطلَقة التي تستلزم العصمة المطلَقة، فالكبرى وهي الآية تشير إلى الإطاعة المطلَقة لأولي الأمر مما يستلزم وجوب عصمتهم حسبما أفدنا آنفاً، وأين هذا من إطاعة الفقيه التي لا أعتقد أنّ المقرّر يدّعيها للفقهاء، بمعنى أنـه لا يعتقد بوجوب عصمة الفقهاء، وعليه فكيف يثبت الإطاعة المطلَقة للفقهاء مع أنّ الآية ليست في مورد بيان إطاعة الفقهاء بل هي في مقام بيان إطاعة الأئمّة المطلَقة، فالموضوع مختلف فالفقهاء شيء، والأئمّة شيء آخر، فالخلط بين الموضوعين من مادّة القياس وصورته واقع لا محالة.

(4) ـ لو كان المراد من "أولي الأمر" الفقهاء في جميع الأعصار لاستلزم ذلك أنْ يكونوا كلّهم حكاماً منصوبين على الناس وهو في غاية البطلان، ويستلزم التنازع والتقاتل والفتنة بين الفقهاء أنفسهم أو أتباعهم وهو قبيح لا يمكن تشريعه وصدوره من الحكيم المتعال.

مضافاً إلى أنّ وجوب إطاعة كلّ الفقهاء لكونهم ولاةً عسرٌ صعب مستصعب بل يكاد يكون مستحيلاً، إذ كيف يمكن إرضاء هذا الكمّ الهائل من الفقهاء وهم أنفسهم لا يرضون عن بعضهم البعض؟! وقهرهم على قبول ولاية واحدٍ منهم والتسليم إليه خلاف العدل، وخلاف الإطلاف في الآية على فرض التسليم بأنّ مفهوم أولي الأمر يشمل الفقهاء بعد آل البيت عليهم السَّلام.

الوجه الثالث:

تقريب الإستدلال به: إنّ أولي الأمر هم آل البيت وهو القدر المتيقَّن ولكن من الممكن أنْ يكون الحصر إضافيّاً بالنسبة إلى حكّام الجور، فاقتضى الأمر أنْ يكون آل البيت هم المصداق الأبرز لأولي الأمر، قال صاحب التقريب بالعبارة الآتية:

[لا إشكال عندنا في أنّ الأئمّة الإثني عشر هم المستحقون للإمامة بعد النبي بالنص والأفضليّة، وهم القدر المتيقن من أولي الأمر في الآية والمصاديق البارزة لهذا العنوان، وكان على الأمّة بيعتهم وإطاعتهم، ولكن من المحتمل أنْ يكون الحصر في الأخبار المشار إليها حصراً إضافياً بالنسبة إلى حكام الجور المتصدّين للحكومة في أعصار الأئمّة، فأرادوا عليهم السَّلام بيان أنّ الحق لهم وأنّ هؤلاء المتصدّين ليسوا أهلاً لهذا الأمر..إلى أنْ قال: ومضامين القرآن الكريم لا تتقيّد بموارد النـزول والمصاديق الخاصّة، والجري والتطبيق في بعض الرّوايات على بعض الموارد لا يمنع من التمسّك بالإطلاق والعموم](8).

وقال في موضع آخر(9):

[المحتملات في "أولي الأمر ثلاثة" في الآية الشريفة ثلاثة"

1 ـ أنْ يُراد بهم الأمراء والحكّام مطلَقاً كيف ما كانوا.

2 ـ أنْ يُراد بهم خصوص الأئمّة الإثني عشر المعصومين كما دلّ عليه ظاهر بعض الأخبار المرويّة عنـهم عليهم السَّلام.

3 ـ أنْ يُقال: إنّ المراد بهم بمناسبة الحكم والموضوع مَن له حقّ الأمر والحكم شرعاً، فمن ثبت له هذا الحقّ وجب قهراً إطاعته في ذلك وإلاّ لصار جعل الحقّ له لغواً، وحقّ الأمر شرعاً لا ينحصر في المعصوم، بل يثبت لكلّ مَن كانت حكومته مشروعة بالنصب أو بالإنتخاب الممضي شرعاً ولكن في حدود حكومته..

يرد عليه:

1 ـ إنّ القول بحصر أولي الأمر بشخص الأئمّة عليهم السَّلام على نحو الحصر الإضافي يلغي دور الأئمّة عليهم السَّلام في حال انعدم حكّام الجور وخَلَتْ الأرض من الظالمين عند ظهور مولانا الإمام الحجّة المهديّ عَجَّلَ الله تعالى فَرَجَه الشريف، مع أنّ دورهم عليهم السّلام أشمل وأعمّ من مسألة دفع الظلم والجور وعليه؛ فلا يكون الحصر إضافياً في مقابل حكّام الجور، بل إنّ من مهام وظائفهم هو الهداية التشريعيّة العامّة والخاصّة،وكذا الهداية التكوينيّة لعامّة المخلوقات، فلا يصحّ حينئذٍ إدّعاء أنّ حصر الولاية بهم في مقابل أمراء الجور، وذلك لأنّ آدم (عليه السلام) كان خليفةً وولياً للأمر مع أنه لم يكن في مقابله أمراء جور لتكون خلافته في مقابل خلافة الجائرين، مضافاً إلى أنّ إمامة موالينا الإمامين الحسن والحسين قائمة سوآء أكان ثمّة جائرون أم لا لقول الرّسول الأكرم بحقهما: هما إمامان قاما أو قعدا، وكذا إمامة مولانا الحجّة المنتظر (عليه السلام)، وينسحب الدّور إلى أشخاص الأنبياء، فهل يا ترى يعتقد صاحب الدّعوى بأنّ نبوات الأنبياء كانت إضافيّة من أجل إبطال جور الجائرين، فإذا كان الأمر كذلك، إذاً فماذا يقول عن نبوّة يحيى حيث آتاه الحكم صبياً، وآتى الخضر (عليه السلام) من لدنه عِلْماً حضورياً؟!!

2 ـ القول بالحصر الإضافي إنما يتمّ في حال قامت القرينة اللفظيّة علىذلك، وإلاّ فعند عدم وجود قرينة تدلّ على الحصر الإضافي؛ فإنّ الأصل هو الإطلاق والشمول في إمامتهم، والحصر الإضافي بمثابة المعنى المجازي لا يصحّ الأخذ به إلاّ إذا قامت قرينة واضحة تصرفه عن المعنى الحقيقي، فإذا تجرّد اللفظ من القرينة؛ فإنّ الأصل فيه هو كونـه حقيقيّاً حتى تأتي القرينة وتصرفه إلى المعنى المجازي، وهنا هكذا؛ فإنّ الأصل في أولي الأمر هو أهل البيت وأنّ طاعتهم مطلَقة وحقيقيّة وليست في مقابل حكام الجور حتى يكون الحصر إضافياً حسبما أفاد المنتظري.

3 ـ إحالة المنتظري القول بالحصر الإضافي إلى الإحتمال (حيث قال: لكن من المحتمل أنْ يكون الحصر في الأخبار المشار إليها حصراً إضافياً..) يشعر بالضعف، وأنّ فهمه لأخبار ولاة الأمر يعتبر فهماً تبرعياً استحسانياً موافقاً لأخبار العامّة الّذين فسّروا ولاة الأمر في الآية بالأمراء والحكّام والعلماء. ولا خير فيما وافق حكّام العامّة وقضاتهم.

ودعواه بأنّ مضامين القرآن الكريم لا تتقيّد بموارد النـزول والمصاديق الخاصّة والجري والتطبيق في بعض الرّوايات على بعض الموارد لا يمنع من التمسّك بالإطلاق والعموم، دونـها خرط القتاد؛ إذ إنّ هذا الإستظهار المعوجّ يلغي ـ حسبماء أفدنا سابقاً ـ خصوصيّة الكرامة والفضيلة لآل البيت ولا يُبقي من آيات الخصائص أثراً في قاموس الخصائص النفسيّة والرّوحيّة لآل البيت عليهم السَّلام، وهل يتصوّر عاقل أنْ يعتقد بإلغاء خصوصيّة التطهير لآل البيت بدعوى أنّ الآية لا تتقيّد بموارد النـزول،وأنّ أهل البيت عليهم السَّلام هم مصداق الوحيد دون سواهم من العالَمين؟! وهل يعتقد متفقِّه عدا عن فقيه من فقهاء الإماميّة ومتعلّميها أنّ آية البلاغ التي نـزلَتْ في غدير خم بشخص مولانا أمير المؤمنين عليّ المرتضى (عليه السلام) لا يمكن تقييدها بشخصه بل يمكن أنْ تشمل غيره أيضاً؟! فإذا لم يكن الحق منحصراً شرعاً بالمعصوم ـ بحسب دعوى المنتظري ـ بل تثبت لكل مَن كانت حكومته مشروعة بالنصب والإنتخاب الممضى شرعاً، فعلام الإستنكار على العامّة الّذين يعتقدون بانحصار الحق في أبي بكر بعد شهادة النبيّ؟!! كما ان من ثبت له الحق وجب قهراً إطاعته يقتضي تبرير ما فعله أبو بكر وعمر حيث اقتحما دار أمير المؤمنين (عليه السلام) واعتدوا على مولاتنا بضعة النبي فاطمة عليها السَّلام بدعوى أنّ لهم الحقّ في ذلك ليأخذوا البيعة لأبي بكر!!

إنّ دعوى المنتظري المزبورة ليست أوّل قارورة كسرها بحقّ أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، فله سابقة في ذلك عندما نفى أنْ تكون فدك حقّاً حصرياً بالصدّيقة الشهيدة بدعوى أنّ النبيّ استودعها عند ابنته الصدّيقة ليستعين بها أمير المؤمنين (عليه السلام) حال استلامه الخلافة.

فيظهر أنّ المدّعي المذكور لديه عقدة نفسيّة من الحقّ المطلَق للأئمّة الطاهرين، لذا فإنّ كلّ شيء لديه بالقياس إلى آل البيت نسبيٌّ وحصريٌّ إضافي أو غير حصري بهم.

إنّ أصحاب هذه الدّعوات التي تحطّ من منازل آل البيت بعيدون جدّاً عن معارف أهل البيت،وإن أصبغ عليهم أتباعهم ألقاباً هي في الأساس للمعصوم لكنهم تقمّصوها كما تقمّصها إبن أبي قحافة على حدّ تعبير مولى الثقلين أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) في الخطبة الشقشقيّة!!!

لا أظنّ انّ المنتظري وأمثاله ممّن قالوا بمقالته قد تذوقوا حِسَّ الفقاهة التي أمَرَ بها أئمّة آل البيت عليهم السَّلام في عصر الغيبة، بل هو اجتهاد في مقابل النص، نهت الشريعة عن العمل به، وأوعدت عليه بأليم العذاب لكونه تحكيماً للذوق والإستحسان العقليَّين مقابل قضاء الله ورسوله وأوليائه عليهم السَّلام.

شبهة وحلّ:

مفاد الشبهة: ما المانع من أنْ نأخذ بمفهوم أولي الأمر ونطبّقه على الفقهاء العدول، فتجب إطاعتهم فيما يقولون إذا كان صحيحاً، وتحرم إطاعتهم فيما لو أمروا بمعصية.

وبتقريرٍ آخر: بما أنّ الرّسول صلّى الله عليه وآله وسلَّم في الآية معصومٌ لوجود حجج من جهة العقل والنقل دلّت على ذلك دون أولي الأمر ظاهراً، أمكَنَ أنْ يكون أولوا الأمر أناساً لا تجب فيهم العصمة، ولا تتوقف الآية على عصمة أولي الأمر حتى يستقيم معناها.

بيان ذلك: إنّ الّذي تقرره الآية حكم مجعول لمصلحة الأمّة، يُحفَظ به مجتمع المسلمين من تسرب الخلاف والتشتت فيهم وشقّ عصاهم فلا يزيد على الولاية المعهودة بين الأمم والمجتمعات، تعطي للواحد من الإنسان إفتراض الطاعة ونفوذ الكلمة، وهم يعلمون أنه ربما يعصي وربما يغلط في حكمه، لكن إذا علم بمخالفته القانون في حكمه لا يُطاع فيه، وينبه فيما أخطأ، وفيما يحتمل خطأه ينفذ حكمه وإنْ كان مخطئاً في الواقع ولا يبالي بخطأه؛ فإنّ مصلحة حفظ وحدة المجتمع والتحرز من تشتت الكلمة مصلحة يتدارك بها أمثال هذه الأغلاط والإشتباهات.

وهذا حال أولي الأمر الواقع في الآية في افتراض طاعتهم، فرض الله طاعتهم على المؤمنين، فإنْ أمَروا بما يخالف الكتاب والسُّنّة فلا يجوز ذلك منهم ولا يبعد حكمهم لقول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلَّم: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، وقد روى هذا المعنى الفريقان وبه يقيّد إطلاق الآية وأمّا الخطأ والغلط فإنْ عُلِمَ به رُدَّ إلى الحق وهو حكم الكتاب والسنّة، وإن احتمل خطأه نفذ فيه حكمه كما فيما عُلم عدم خطأه، ولا بأس بوجوب القبول وافتراض الطاعة فيما خالف الواقعَ هذا النوع (أي هذا النوع من الخطأ مغفور لأنّ صاحبه لم يتعمّد الخطأ وليس بإمكانه الوصول إلى الواقع)؛ لأنّ مصلحة حفظ الوحدة في الأمّة وبقاء السؤدد والإبهة تتدارك بها هذه المخالفة، ويعود إلى مثل ما تقرّر في أصول الفقه من حجّيّة الطرق الظاهريّة مع بقاء الأحكام الواقعيّة على حالها، وعند مخالفة مؤداها للواقع تتدارك المفسدة اللازمة بمصلحة الطريق.

وبالجملة طاعة أولي الأمر مفترضة وإنْ كانوا غير معصومين يجوز عليهم الفسق والخطأ فإنْ فسقوا فلا طاعة لهم، وإنْ أخطأوا رُدّوا إلى الكتاب والسُّنّة إنْ علم منهم ذلك، ونفذ حكمهم فيما لم يُعلم ذلك، ولا بأس بإنفاذ ما يخالف حكم الله في الواقع دون الظاهر رعايةً لمصلحة الإسلام والمسلمين، وحفظاً لوحدة الكلمة.

والجواب:

1 ـ إنّ الإطاعة المأمور بها في قوله تعالى: (وأطيعوا الرّسول) إطاعة مطلَقة غير مشروطة بشرط، ولا مقيَّدة بقيد، وهذه الإطاعة المطلَقة تفيد أنّ الرّسول لا يأمر بشيء ولا ينهى عن شيء يخالف حكمَ الله في الواقعة وإلاّ كان فرض طاعته تناقضاً منه تعالى ولا يتمّ ذلك إلاّ بعصمةٍ فيه صلّى الله عليه وآله وسلَّم.

وهذا الكلام بعينه جارٍ في أولي الأمر لأنّ طاعتهما واحدة ـ أي إطاعة الرّسول وإطاعة أولي الأمر ـ بحكم التلاحم الموجود بين الرّسول وأولي الأمر، وذُكر لهما معاً طاعة واحدة (وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر) فكما أنه لا يجوز على الرّسول أنْ يأمر بمعصية أو يغلط في حكم، كذا لا يجوز على أولي الأمر شيء من ذلك، فالآية في صدد بيان أنّ الرّسول وأولي الأمر لا يمكن أنْ يخطأوا أو يغلطوا، ففرض أنّ خطأهم معفوٌّ عنه خلاف الإطلاق في الآية حيث ينفي عنهم جميع أنحاء الإشتباهات والأغلاط والأخطاء، فهم معصومون من جميع ذلك، فدعوى أنّ أولي الأمر هم الفقهاء خلاف الفرض في الآية؛ لأنّ موضوع أولي الأمر في الآية هم آل البيت وليس الفقهاء، فدعوى دخول الفقهاء في أولي الأمر يستلزم نسف الأخبار التي دلَّتْ على أنّ آل البيت هم المخصوصون بالآية دون سواهم، مضافاً إلى نسف الإطلاق بالطاعة الّذي يستلزم العصمة، ولا عصمة عند الفقهاء.

2 ـ لا معنى لتقييد الإطلاق في الآية بالحديث المذكور "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" ما دام موضوع الإطلاق منصرفاً عن الفقهاء حسبما أفدنا سابقاً، نعم لو كان موضوع أولي الأمر شاملاً لغير آل البيت لَكَان بالإمكان القول بتقييده بالحديث المذكور، إلاّ أنّ القرينة الواضحة في الآية (وهي الإطاعة المطلَقة الدالّة على العصمة) منَعَتْ من انصراف الإطلاق إلى غيرهم، ومنعت من تقييد الطاعة بحالة عدم تعمّد الخطأ والغلط.

فالآية تدلّ على افتراض طاعة أولي الأمر هؤلاء، ولم تقيّدها الآية بقيد ولا شرط، وليس في الآيات القرآنيّة الأخرى ما يقيّد آية الإطاعة في مدلولها حتى يعود معنى قوله: (وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم) إلى مثل قولنا: "وأطيعوا أولي الأمر منكم فيما لم يأمروا بمعصية أو لم تعلَموا بخطأهم، فإنْ أمَروكم بمعصية فلا طاعة عليكم، وإنْ عَلِمْتُم خطأهم فقوّموهم بالرّدّ إلى الكتاب والسُّنّة" فالله سبحانه لم يقيّد لنا آية الإطاعة بآيات أخرى مع أنه عزّ اسمه أبان ما هو أوضح من هذا القيد فيما هو دون هذه الطاعة المفترضة كقوله في الوالدين: (ووصينا الإنسان بوالديه حُسْناً وإنْ جاهداكَ لتشركَ بي ما ليس لكَ به عِلمٌ فلا تطعهما) (العنكبوت/8) فما باله لم يُظهر شيئاً من هذه القيود في آيةٍ تشتمل على أُس أساس الدّين، وإليها تنتهي عامّة أعراق السعادة الإنسانيّة؟!.

على أنّ الآية جُمع فيها بين الرّسول وأولي الأمر، وذُكر لهما معاً طاعة واحدة فقال: وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم، ولا يجوز على الرّسول أنْ يأمر بمعصية أو يغلط في حكم، فلو جاز شيء من ذلك على أولي الأمر لم يسع إلاّ أنْ يذكر القيد الوارد عليهم فلا مناص من أخذ الآية مطلَقة من غير أيّ تقييد، ولازمه اعتبار العصمة في جانب أولي الأمر كما اعتبره في جانب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلَّم من غير فرق.

إنْ قيل: إنّ قوله تعالى في ذيل الآية: (وأولي الأمر منكم) دلالة على عدم اشتراط صحّة العصمة في أولي الأمر.

قلنا: إنّ القيد بقوله: (منكم) ظرفاً مستقراً بمعنى أطيعوا أولي الأمر القاطنين معكم وهم في الأصل منكم لا من غيركم، وهذا نظير قوله تعالى: (هو الّذي بعث في الأميّين رسولاً منهم) وقوله في دعوة النبي إبراهيم (عليه السلام): (ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم)، (رسلاً منكم يقصّون عليكم آياتي) فالرّسل كالنبي محمّد وإبراهيم وموسى وعيسى...إلخ؛ هم من نفس أقوامهم، عاشوا معهم وترعرعوا بين ظهرانيهم، فكونهم رسلاً كانوا بين قومهم لا يمنع من ظهور العصمة فيهم وكونهم مفترضي الطاعة عند أقوامهم.

فالتقييد بـ "منكم" لا يسلب أولي الأمر العصمة منهم بعدما كان الرّسول معصوماً مع أنه من قومه، وبعث من الأميين الّذين لم يلتزموا شريعة ولم يعتقدوا بدين، فكون الرّسول صلّى الله عليه وآله وسلَّم منهم أيضاً لا يخرجه ذلك عن العصمة اللازمة له، وكذا أولي الأمر بلا تفاوت. وبهذا يندفع ما ذكره بعضهم من أنّ تقييد أولي الأمر بقوله (منكم) يدلّ على أنّ الواحد منهم إنسان عادي مثلنا وهم منّا ونحن مؤمنون، من غير مزية عصمة إلهيّة.


إشكال وحلّ
مفاد الإشكال

إنه يحتمل أنْ يكون المراد بـ (أولي الأمر) هم الجمع من حيث هو جمعٌ أي الهيئة الحاصلة من عدّة معدودة كلّ واحد منهم من أولي الأمر، وهو أنْ يكون كلّ واحد منهم صاحب نفوذ في الناس وذا تأثير في أمورهم كالعلماء وأولياء الدّولة أو أهل الحل والعقد كما أشار إلى ذلك العامّة...

والجواب:

إذا كان أهل الحلّ والعقد معصومين كعصمة الأنبياء والأولياء بحيث يعتبر كلّ واحد منهم معصوماً بالعصمة الذاتيّة، يمكن حينئذٍ القول بأنّ الآية تفيد هذا المعنى، مع أنه لا ينطبق إلاّ على آل البيت عليهم السَّلام، والآية دلّت كما عَرَفنا سابقاً على عصمة أولي الأمر، ولا أحد من أهل الحلّ والعقد بمعصوم باتفاق المسلمين.

إنْ قيل: إنّ عصمة هذه الهيئة الإجتماعيّة ليست وصفاً لأفرادها ولا لنفس الهيئة بل حقيقتها أنّ الله يصون هذه الهيئة أنْ تأمر بمعصية أو ترى رأياً فتخطئ فيه، كما إنّ الخبر المتواتر مصون عن الكذب، ومع ذلك ليست هذه العصمة بوصف لكلّ واحدٍ من المخبرين ولا للهيئة الإجتماعيّة بل حقيقته أنّ العادة جارية على امتناع الكذب فيه، وبعبارة أخرى هو تعالى يصون الخبر الّذي هذا شأنه عن وقوع الخطأ فيه وتسرّب الكذب عليه، فيكون رأي المولى مما لا يقع فيه الخطأ البتّة وإنْ لم يكن آحادُهم ولا هيئتهم متصفة بصفة زائدة بل هو كالخبر المتواتر مصون عن الكذب والخطأ، وليكن هذا معنى العصمة في أولي الأمر ويشهد لهذا قوله صلّى الله عليه وآله وسلَّم: " لا تجتمع أمتي على خطأ".

قلنا: إنّ الرّواية أجنبيّة عن المورد، فإنها إنْ صحّت فإنما تنفي اجتماع الأمّة على خطأ، ولا تنفي اجتماع أهل الحلّ والعقد منهم على خطأ، وللأمّة معنىً، ولأهل الحلّ والعقد معنىً آخر، فالرّواية تنفي الإجتماع على خطأ، لكنها لا تنفي الخطأ عن اجتماع الأمّة على حدّ تعبير العلاّمة الطباطبائي.

ويعود معنى الرّواية إلى أنّ الخطأ في مسألة من المسائل لا يستوعب الأمّة بل يكون دائماً فيهم مَن هو على الحقّ، إمّا كلّهم أو بعضهم ولو معصوم واحد، فيوافق ما دلّ من الآيات والرّوايات على أنّ دين الإسلام وملّة الحق لا يرتفع من الأرض بل هو باقٍ إلى يوم القيامة، قال تعالى: (فإنْ كَفَرَ بها هؤلاء فقد وكّلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين) (وجعلها كلمةً باقيةً في عقبه) (إنّا نحن نـزلنا الذّكر وإنّا له لحافظون) إلى غير ذلك من الآيات.

وليس يختصّ هذا بأمّة النبي محمّد صلّى الله عليه وآله وسلَّم بل الصحيح من الرّوايات تدلّ على خلافه، وهي الرّوايات الواردة من طرقٍ شتى عن النبيّ الدّالّة على افتراق اليهود على إحدى وسبعين فرقة والنصارى على اثنين وسبعين فرقة، والمسلمين على ثلاث وسبعين فرقة كلّهم في النار إلاّ واحدة.

فالرّواية أجنبيّة عن مورد النـزاع؛ لأنّ الكلام والنـزاع إنما هو في معنى عصمة أهل الحلّ والعقد من الأمّة لو كانوا ـ أي أهل الحلّ والعقد ـ هم المراد بقوله:(وأولي الأمر منكم).

شبهة وحلّ:

فسّر الشيخ المنتظري أولي الأمر بأنهم الّذين تجب طاعتهم في الأمور الإجتماعيّة والسياسيّة والقضائيّة، وليس المراد إطاعتهم في مقام بيان أحكام الله تعالى، لأنها ليست أمراً آخر وراء إطاعة الله، وأوامرهم عليهم السَّلام في هذا المجال إرشاديّة محضة نظير أوامر الفقيه في هذا المجال(10)، فيكون المقصود بالأمر في الآية ـ على الظاهر ـ هو الحكومة وإدارة شؤون الأمّة، ثمّ طبق المنتظري مفهوم الأمر على بعض الرّوايات خالطاً الحابل بالنابل، حيث اشار من خلال العرض الروائي على أنّ لفظ الأمر يُراد به الإمارة، والحكومة بشعبها المختلفة، ثمّ أردف بقوله: إنّ هذا المعنى ـ الّذي طبّقه من الأخبار على آية أولي الأمر ـ هو المتبادر من قوله تعالى: (وشاورهم في الأمر) (وأمرهم شورى بينهم) وعلى هذا فيكون معنى (أولي الأمر) هم الرّجال المتصدّون لأمر الحكومة وإدارة الشؤون العامّة بشعبها المختلفة...

والجواب:

(1) ـ إنّ قياس طاعة الفقهاء على طاعة الأئمّة عليهم السَّلام في الأوامر الشخصيّة والعرفيّة وغيرها يُعتبر قياساً مع الفارق، وهو أنّ طاعة الأئمّة واجبة بحكم عصمتهم المدلول عليها في الإطاعة المطلَقة، وأين هذه العصمة في الفقهاء حتى نسحب تلك الإطاعة المطلَقة للأئمّة عليهم السَّلام ونلصقها بالفقهاء؟

(2) ـ تفسير لفظ الأمر في قوله تعالى: (أولي الأمر) بالحكومة وإدارة شؤون الأمّة يستلزم تقييد لفظ (الأمر) المحذوف المتعلق الدّالّ على عموم الأمر في بيان أحكام الله وغير ذلك، فحصر الأمر وتقييده بشيء دون بقيّة الأشياء يُعتبر فصلاً من دون دليلٍ لفظيٍّ أو لبيٍّ قطعيٍّ، وهو خرقٌ للإجماع.

مضافاً إلى أنه لو سلّمنا أنّ المراد من لفظ (الأمر) هو الحكومة وإدارة شؤون الأمّة؛ فإنّ ذلك مخصوص بأئمّة آل البيت عليهم السَّلام فإنه يجب إطاعتهم في هذه الأمور فيما لو أقاموا تلك الحكومة، ولكنه احتمال ضعيف، إذ لو كان المراد من (الأمر) هو ما ذكره المنتظري فلِمَ لم يكن الرّسول من أولي الأمر مع أنّه كان صاحب حكومة وأدار دولة آنذاك،فتفسير(أولي الأمر) بأصحاب الحكومات والدّول وتطبيقه على الأئمّة والفقهاء من بعدهم دون رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلَّم، يُعتبر تفسيراً غريباً لم نسمع مفسراً أو فقيهاً إماميّاً اعتقد به سوى أصحاب نظريّة الولاية، اللهمّ إلاّ أنْ يُقصَد بالحكومة القيمين عليها وهم الأمراء والحكّام وهو نفس التفسير الّذي يعتقده المخالفون بـ "أولي الأمر".

(3) ـ وأمّا الأخبار التي استدلّ بها المنتظري على دعواه، فهي على طائفتين: طائفة ذُكر فيها الأمرُ وحُذف المتعلّقُ، وطائفة بقي المتعلّق على حاله مذكوراً ومثبتاً.

ففي الطائفة الأولى دلالة واضحة على أنّ الخلافة الإلهيّة متعلّقة ومنحصرة بهم صلوات الله عليهم، ولا تتعدّى إلى غيرهم من الرّواة والمحدّثين وذلك لأنّ الأخبار الدّالّة عليها مجرَّدَة من القرينة التي تصرف الخلافة إلى أمرٍ آخر متعلِّق بالأمور الرّاجعة إلى المكلَّفين، وأمّا الأخبار الدّالّة على الأمور الرّاجعة إلى المكلَّفين فإنها تكون عادةً مضافة إليهم.

من هنا؛ فإنّ الامر في قوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم)، (وشاورهم في الأمر) في الآية الثانية وإنْ كان مطلَقاً إلاّ أنه قُيِّدَ بالأمر الرّاجع إليهم في الآية الأولى، وهذه الأمور الرّاجعة إليهم لا تختصّ بالحكومة وإدارة شؤون البلاد كما ادّعى المنتظري، بل تشمل كلّ مناحي الحياة بدءاً من حفر الخندق في عهد الرّسول وانتهاءاً بوجوب عدل الحكّام بين الرّعيّة وعدم استبدادهم بالرّاي.

شبهة أخرى:

إدّعى بعض فقهاء تبريز: [بأنه لا ملازمة بين ولاية النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلَّم والأئمّة عليهم السَّلام وبين وجوب إطاعتهم، مستدلاً على ذلك بأنّ إطاعة الأمّ واجبة على الولد ومع ذلك لا ولاية لها عليه، وكذا يجب على الولد الكبير إطاعة الوالد ولم يلتزم أحدٌ بولايته عليه].

يرد عليه:

(1) ـ إنّ دعوى الفصل بين الطاعة والولاية يستلزم فصلَ الشيء عن نفسه إذ إنّ الطاعة من لوازم الولاية، إذ لا يمكن أنْ يفرض الله على العباد طاعتهم للإمام (عليه السلام) ولا يكون للإمام الولاية عليهم، فهل يرضى صاحب الدّعوى بالقول بأنّ الله تجب طاعته ولكن لا ولاية له على العباد؟ إنْ كان يعتقد بهذا فهو فسقٌ وحَمَقٌ يتنـزه عن القول به متفقه عدا عن فقيه، إذ كيف تجب طاعة الله والرّسول وأولي الأمر وفي نفس الوقت لا تكون لهم الولاية على المطيعين؟ وهل هذا إلاّ من قبيل القول بأنّ الإثنين زوجٌ ولكنَّه ليس من الأعداد؟؟؟

هذا مضافاً إلى أنّ وجوب الطاعة المطلَقة بقوله: (أطيعوا) يستلزم الولاية المطلَقة، فهل يمكن تصوّر أنّ لله عزّ وجلّ الإطاعة بقوله:(أطيعوا الله)ولا تستلزم تلك الإطاعة الولاية له عزّ وجل؟!!

(2) ـ إنّ عدم وجود ولاية للأمّ على الولد مع وجوب إطاعته لها، وكذا عدم وجود ولاية للأب على الولد عند بلوغه سنّ الرّشد، مبنيٌّ على الأصل الأوّلي من عدم ثبوت ولاية لأحد على أحد إلاّ ما دلّ الدّليل عليه، فالأصل عدم وجود ولاية للأمّ على الولد، والأصل عدم وجود ولاية للأب على الولد عند الرّشد، أمّا أئمتنا عليهم السَّلام فإنّ ولايتهم أصليّة ومما خَرَجَتْ بدليل، بخلاف الأمّ فإنّ عدم وجود ولاية لها على الولد هي ضمن الأصل الأولي حسبما أفدنا.

وبالنسبة لوجوب إطاعة الولد للأب دون وجود ولاية عليه هو محلّ تأمّل، إذ كيف لا يكون للأب ولاية على إبنه مع أنه بإمكان الأب أنْ يحلّ يمين ولده مع كون الولد متزوجاً وله أولاد، فلولا وجود ولاية للأب على الولد حتى بعد بلوغه سنّ الرّشد لما صحّ أنْ يحلّ يمين ابنه.

إنْ قيل: إنّ قدرة الأب على حلّ يمين ولده ذكراً كان أو أنثى وكذا قدرة الزّوج على حلّ يمين زوجته إنما ورد بنصٍّ شرعي، فهو إذن مرتكز على وجود ذاك النص فلا يمكن من دون النص الحكم بجواز حلّ اليمين.

قلنا: إنّ إظهار النص عن قدرة الأب على حلّ اليمين وكشفه عن ذلك فيه دلالة على وجود ولاية للأب والزوج على الولد والزوجة، فيكون النص كاشفاً عن وجود تلازم بين طاعة الولد للأب والزوجة للزوج وبين وجود ولاية للأب على الولد، وللزوج على الزوجة دون العكس.

شبهة وحلّ:

مفاد الشبهة: إنّ تفسير أولي الأمر بالمعصومين في الأخبار من باب بيان المصداق في عصر النص، نظير ما ذكر في تفسير أهل الذكر بالأئمّة عليهم السَّلام في قوله تعالى: (...فسألوا أهل الذكر إنْ كنتم لا تعلَمون)(11).

وفيه: إنّ قياس آية الذكر (ودعوى شمولها للفقهاء) على آية الإطاعة قياس مع الفارق، إذ آية الإطاعة تشير إلى عصمة أولي الأمر دون آية الذكر، كما إنّ آية الإطاعة لا يمكن تطبيقها على الفقهاء لاختصاصها بالأئمّة حسبما ورد في الأخبار.

الآية الثانية:

قوله تعالى: (وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردّوه إلى الرّسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الّذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلاّ قليلاً) (النساء/83).

تقريب الإستدلال:

ورد في هذه الآية ـ حسب دعوى البعض ـ إرجاع الأمور المتصلة بالأمن والحرب (وهما من أخطر الأمور الرّاجعة إلى الدّولة) إلى أولي الأمر، معللاً ذلك بالأمر المعرفي وهو العلم بالإستنباط لدى أولي الأمر، وعليه، فما يحفظ الناس عن متابعة طريق الشيطان (وهو الضلال الصريح) الرّجوع في الأمور الخطيرة كالأمن والخوف إلى الفقهاء القادرين على استخراج الحكم وعلى استبيان الأمور(12). إنتهى كلامه.

وبالجملة؛ فإنّ المدّعي علّل الإرجاع في أمور الأمن والحرب إلى أولي الأمر مفسراً أولي الأمر بالفقهاء، وحاصراً لمفهوم الأمن والخوف بأمور الحرب والسلم وهما ـ بنظره ـ من لوازم القيادة والدّولة.

يرد عليه:

(1) ـ إنّ مفهوم الأمن والخوف واسع، وله مصاديق متعدّدة، فحصرهما في شؤون السلم والحرب ولوازم الدولة، يعتبر حصراً من دون دليل، وترجيحاً بلا مرجّح، إذ إنّ تضييق ذاك المفهوم الواسع بقضايا الأمن والحرب في قيادة الحكومات والدّول هو إبطال لبقيّة المعاني الواردة في مفهوم الأمن والخوف، مضافاً إلى أنّ إرجاعه أمور الأمن والحرب إلى الفقهاء المجتهدين الّذين يستنبطون الأحكام المتعلقة بالأمن والخوف من المسلمات التي لا يختلف عليها اثنان، وعليه فتكون الآية في مقام بيان الرّجوع إلى الفقهاء في بيان الأحكام لا تأسيس ولاية عامّة للفقيه، فما قرّره أخصّ من المدّعى.

(2) ـ إنّ المراد من الإستنباط هو استخراج القول من حال الإبهام إلى مرحلة التمييز والمعرفة، وعليه فإنّ الإستنباط وصفٌ للرسول وأولي الأمر وهم آل البيت، فيكون المعنى أنهم يحققون الأمر فيحصلون على الحق والصدق، وأن يكون وصفاً لهؤلاء الرّادّين فإنهم يعلمون حق الأمر وصدقه بإنباء الرّسول وأولي الأمر لهم، كما إنّ المراد من أولي الأمر في الآية هم أنفسهم الّذين ذكرتهم الآية المتقدّمة في سورة النساء/59: (أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم)(13).

وقد دلّ على ما ذكرنا الأخبار الواردة عن أهل بيت العصمة عليهم السَّلام ففي حديث أبي حمزة الثمالي عن مولانا الإمام أبي جعفر بن محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام) قال: مَن وَضَعَ ولاية الله وأهل استنباط عِلْم الله في غير أهل الصفوة من بيوتات الأنبياء فقد خالف أمر الله عزّ وجلّ وجعل الجهال ولاة أمر الله والمتكلفين بغير هدى، وزعموا أنهم أهل استنباط عِلْمِ الله، فقد كَذَبوا على الله وأزاغوا عن وصيّة الله وطاعته، فلم يضَعوا فضل الله حيث وضعه الله تبارك وتعالى فضلّوا وأضلّوا أتباعهم فلا يكون لهم يوم القيامة حجّة،وقال أيضاً بعد أن قرأ: (فإنْ يكفر بها هؤلاء فقد وكّلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين) فإن يكفر بها أمتك فقد وكلنا أهلَ بيتك بالإيمان الّذي أرسلتك به فلا يكفرون بها أبداً، ولا أضيع الإيمان الّذي أرسلتك به وجعلتُ أهلَ بيتكَ بعدك عَلَماً على أمّتكَ وولاةً من بعدِكَ، واستنباط علمي الّذي ليس فيه كذب ولا إثم ولا زور ولا بطر ولا رياء(14).

وفي حديث آخر عن مولانا الإمام الرّضا (عليه السلام) قال: (ولو ردّوه إلى الرّسول وإلى أولي الأمر منهم لَعَلِمَه الّذين يستنبطونه منهم) يعني آل محمّد وهم الّذين يستنبطون منهم القرآن ويعرفون الحلال والحرام، وهم الحجّة لله على خلقه(15).

مضافاً إلى أنّ عصمة أولي الأمر طبقاً لعطفها على الرّسول، ـ وهم المذكورون في آية الإطاعة ـ تنفي أنْ يكون المقصود بأولي الأمر العلماء والأمراء، من هنا قال العلاّمة الطباطبائي:

[وأمّا القول بأنّ أولي الأمر هم العلماء فعدم مناسبته للآية أظهر، إذ العلماء ـ وهم المحدثون والفقهاء والقرّاء والمتكلمون في أصول الدين ـ إنما خبرتهم في الفقه والحديث ونحو ذلك، ومورد قوله: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف) هي الأخبار التي لها أعراق سياسيّة ترتبط بأطراف شتّى ربّما أفضى قبولها أو ردّها أو الإهمال فيها من المفاسد الحيويّة والمضار الإجتماعيّة إلى ما يمكن أنْ لا يستصلح بأيّ مصلح آخر، أو يبطل مساعي أمّة في طريق سعادتها، أو يذهب بسؤددهم ويضرب بالذل والمسكنة والقتل والأسر عليهم، وأي خبرة للعلماء من حيث إنهم محدثون أو فقهاء أو قرّاء أو نحوهم في هذه القضايا حتى يأمر الله سبحانه بإرجاعها وردّها إليهم؟ واي رجاء في حلّ أمثال هذه المشكلات بأيديهم؟](16).

شبهة وحلّ:

إدّعى المنتظري أنّ المراد من أولي الأمر مَنْ تثبت لهم الحكومة بالنصب والإنتخاب فقال:

[إنّ المراد بهم بمناسبة الحكم والموضوع مَن له حقّ الأمر والحكم شرعاً، فمَن ثبت له هذا الحق وَجَبَ قهراً إطاعته في ذلك وإلاّ لصار جعل الحق له لغواً، وحقّ الأمر شرعاً لا ينحصر في المعصوم، بل يثبت لكلّ مَن كانت حكومة مشروعة بالنصب أو بالإنتخاب المحض شرعاً، ولكن في حكومته. فالحكام المنصوبون من قِبَل النبي أو أمير المؤمنين كان لهم حقّ الأمر في حدود حكومتهم وفيما يرتبط بها، ولا محالة وَجَبَ على مَن كان تحت حكومتهم أنْ يطيعوهم في هذا السنخ من الأوامر، وأمّا ما يكون معصية لله تعالى فلا يجوز إطاعتهم فيه، كما لا يكوت لهم حقّ الأمر به، بل ليس لهم الأمر في الأمور المباحة غير المرتبطة بشؤون الحكومة أيضاً.

ثمّ استشهد برواية عن إبن عبّاس في قوله:(وأولي الأمر منكم) يعني أهل الفقه والدّين وأهل طاعة الله الّذين يعلّمون الناس معاني دينهم ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر..وعن مجاهد قال: هم الفقهاء والعلماء..](17).

يرد عليه:

(1) ـ إنّ الموضوع وهو أولي الأمر يُراد به ائمّة آل البيت عليهم السَّلام بقرينة الأخبار القطعيّة التي فسّرت أولي الأمر بأنهم أهل البيت. مضافاً إلى أنّ الحكم وهو وجوب الإطاعة (أطيعوا الرّسول وأولي الأمر) يفيد الإطاعة المطلَقة مما يستلزم عصمتهم ـ حسبما ذكرنا سابقاً ـ وأين هذا من الفقهاء؟، ولا أحد يدّعي أنّ الفقهاء معصومون، فعلى أيّ أساس ادّعى المنتظري بأنّ أولي الأمر هم مَن لهم حقّ الأمر والحكم شرعاً بمناسبة الحكم والموضوع مع أنّ الحكم ـ حسبما قلنا ـ يدلّ على وجوب الإطاعة لوجوب العصمة، والموضوع هو الأئمّة وليس الفقهاء؟! فالأمر مخصوص بآل محمّد عليهم السَّلام، فمن أين جاء الشمول الّذي ادّعاه المنتظري؟!

(2) ـ ما استشهد به المذكور [ بأنّ للحكّام المنصوبين من قِبَل النبيّ وأمير المؤمنين عليهما السَّلام حقّ الأمر في حدود حكومتهم، وفي الأمور المباحة دون المعاص]، قابلاً للخدشة فيه ولا قيمة له، وذلك لأنّ وجوب إطاعة المنصوبين من قِبَل الرّسول والأئمّة من باب أنهم وكلاء عن النبي والأئمّة لا يجوز مخالفتهم لكونها مخالفة للأئمة الموكلين،وليس من باب أنهم ولاة أمر من قِبَلهم عليهم السَّلام، فالمنصوبون من جهة الأئمّة عليهم السَّلام في الواقع وكلاءٌ وإنْ أُطلِقَ على هؤلاء أنهم ولاة تسامحاً، فإطلاق لفظ ولاة الأمور على الحكّام المنصوبين لا يستلزم أنْ يكون لهم كلّ ما للأئمّة عليهم السَّلام، ولا يستلزم أنْ يكونوا بمنـزلة الأئمّة من الناحية التشريعيّة.

مضافاً إلى أنّ إطلاق اللفظ عليهم ليس بواسطة آية الإطاعة لأنها أجنبيّة عن المقام جملةً وتفصيلاً، وإنما لأنّ أحد مصاديق لفظ "وليّ" هو القائم بأمر البلاد والمتسلط عليها، ولأنّ ثمّة قرينة في خبر إبن عباس تدلّ على أنّ أولي الأمر هم أهل الفقه والدين يعلّمون الناس معالم دينهم. وفي الخبر ـ لو سلّمنا بصحّة صدوره ـ دلالة على حصر وظائف العلماء بالتعليم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وليس فيه اي إشارة إلى حكومة العلماء وولايتهم على الأموال والأنفس، فتأمّل.

وتجدر الإشارة إلى أنّ أولي الأمر هم أنفسهم أولوا العِلْم الّذين وَرَدَ ذكرهم بقوله تعالى: (شهد الله أنْ لا إله إلاّ هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط).

الآية الثالثة: قوله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) (التوبة/71).

وتقريبها:هو أنه لا يُعقل أنْ يكون كلُّ مؤمنٍ وليّاً على كلّ مؤمن وإلاّ لزم أنْ يكون كلّ واحد من المؤمنين وليّاً ومولّى عليه، هذا مضافاً إلى أنّ ذلك يُذهب الإستفادة من جعل الولاية فلا بدّ حينئذٍ من إرادة ولاية المؤمن الّذي يصلح للمرجعيّة والزّعامة عليهم ولا يكون ذلك إلاّ الفقيه العادل الجامع للشرائط(18).

وبتوضيحٍ آخر: لا يُعقل أنْ يكون كلُّ مؤمنٍ زعيماً على المؤمن الآخر، فلا بدّ حينئذٍ لجماعة من المؤمنين أنْ يكونوا القيّمين على كلّ بقيّة المؤمنين، وهو ما عبّر عنه صاحب الدّعوى بالفقيه العادل.

يرد عليه:

(1) ـ قطعاً لا يراد من الولاية في الآية الشريفة بأنْ يكون كلُّ مؤمنٍ زعيماً على المؤمن الآخر وإلاّ لَكَثُرَتْ القيادات والزّعامات وفي ذلك مفسدة عظيمة لا يمكن جبرها، فلا بدّ أنْ يكون معنى "الوليّ" في الآية هو المحبّ والناصر حتى يلتئم المعنى دون أنْ يترتّب على تفسير الآية محاذير لا يمكن الفرار منها كما فعل صاحب التقريب حيث حصر الولاية بحاكمية الفقهاء العدول دفعاً للمحذور المتقدّم، مع أن للفظ "الولي" عدّة معانٍ، منها: الحب والنصرة، وهما الأوفق بتفسير الآية، وبهما جاءت الأخبار عن العترة الطاهرة، فعجباً لصاحب التقريب كيف يلتزم بمعنى أجنبي عما يلائم سياق الآية والأخبار المفسرة لها؟!!

(2) ـ ظاهر التعبير هو الولاية بمعنى الحبّ والنصرة والتي مقتضاها الرّأفة والرّحمة كما هو مقتضى نسبتها لعموم المؤمنين دون تمييز أو تخصيص، فعليهم أن ينصروا بعضهم بعضاً، إذ لو كان المراد منها الرئاسة والزعامة لكان التعبير بغير ما ذُكِر.

فالأية ـ حسبما جاء في تفسيرها عن أئمّة أهل البيت عليهم السَّلام ـ في صدد بيان نصرة المؤمن لأخيه المؤمن، فكلّ واحد من المؤمنين عليه أنْ ينصر أخاه ويواليه، ومن مصاديق الموالاة والنصرة أنّ المرأة تهيئ أسباب السفر لزوجها إذا خرج، وتحفظ غيبة زوجها، وهم يدٌ واحدة على مَنْ سواهم(19)، وذلك بقرينة قوله: (يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصّلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله)، فثمّة إتفاق بين مفسري الخاصّة والعامّة على تفسير الآية بالنصرة، إذ إنّ من صفات المؤمنين أنهم موصوفون بصفات الخير وأعمال البرّ على الضدّ من صفات المنافقين، فالمؤمنون صفاتهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الصّلاة وإيتاء الزّكاة، أمّا المنافقون فصفاتهم أنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم ـ أي لا يؤدون الزّكاة والصدقات ـ ويشهد لِمَا قلنا، التأمّل بالمقارنة بين الآيات من الفريقين في نفس سورة التوبة، ففي الآية67 يقول تعالى واصفاً المنافقين: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إنّ المنافقين هم الفاسقون) ثمّ في المقابل يمدح المؤمنين ويعدّد صفاتهم بقوله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصّلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إنّ الله عزيز حكيم) فيلزم على كلّ واحد من المؤمنين نصرة صاحبه وأنْ يواليه بحيث يردّ عنه الضّيْم، ويبعده عن الحرام.

ويؤكّد ما أشرنا إليه آنفاً ما جاء في الأخبار لا سيّما في صحيحة صفوان الجمّال قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): بأبي أنت وأمي المرأة المسلمة قد عرفتني بعملي وعرفتها بإسلامها وحبها إياكم وولايتها لكم وليس لها محرم،فقال: إذا جاءَتك المرأة المسلمة فاحملها، فإنّ المؤمن محرم المؤمنة وتلا هذه الآية: (المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)(20).

يشير هذا الخبر إلى وجوب مساعدة ونصرة المؤمن لأخيه المؤمن بماله ولسانه، لأنّ ذلك من أبرز مصاديق الولاية لبعضهما البعض.

(3) ـ إنّ ظاهر الولاية في الآية إنما هو من جهة الإيمان وذلك لأخذه في العنوان، ولا ريب أنّ الولاية من جهة الإيمان لا تقتضي إلاّ الرّأفة والإحسان، والمقصود في المقام هو إثبات الولاية من جهة الحكومة والزعامة، والحال أنّ الآية لا تثبت ذلك.

إنْ قيل: إنّ المقصود هو إثبات الولاية من أي جهة كانت سواء كانت من جهة الإيمان أو من جهة الفقاهة أو غير ذلك، وإذا كانت الآية تثبت الولاية المطلَقة من دون تقييدها بشيء كان من آثارها الحكومة والرّأفة والإحسان.

قلنا: إنّ دعوى إثبات الولاية المطلقة من الآية هو أوّل الكلام، إذ من أين نثبت وجود ولاية مطلَقة للمؤمنين على بعضهم البعض، فهذا خلاف الأصل الأوّلي الّذي ذكرناه سابقاً من أنه لا ولاية لأحد على أحد إلاّ ما أثبته الدّليل، ولم يثبت بالدليل أنّ للإنسان ولاية مطلَقة على نفسه يفعل بها كيفما شاء، فبطريق أولى ليس للفقهاء ولاية على الآخرين.

هوامش الفصل الأوّل:
(1) ـ نظرية الحكم والإدارة:219.
(2) ـ تفسير الميزان:1/50.
(3) ـ الفكر الصائب:59 ـ 60.
(4) ـ تفسير نور الثقلين:1/501ح341.
(5) ـ أصول الكافي:1/276ح1.
(6) ـ أصول الكافي:1/286ح1.
(7) ـ تفسير نور الثقلين:1/497 ـ 508.
(8) ـ دراسات في ولاية الفقيه:1/66 ـ 67.
(9) ـ دراسات في ولاية الفقيه:1/68.
(10) ـ دراسات في ولاية الفقيه:1/64.
(11) ـ الفكر الصائب:60.
(12) ـ نظريات الحكم والدّولة:219.
(13) ـ تفسير الميزان:5/22.
(14) ـ تفسير نور الثقلين:1/522ح428.
(15) ـ تفسير نور الثقلين:1/523ح429.
(16) ـ تفسير الميزان:5/23.
(17) ـ دراسات في ولاية الفقيه:1/68 ـ 69.
(18) ـ الفكر الصائب:61.
(19) ـ مجمع البيان:5/64 للطبرسي.
(20) ـ تفسير البرهان:2/144ح2.

 

النشرة الهاشمية المكتبة الهاشمية الى الصفحة الرئيسية

فهرس الكتاب

الفصل الثاني الفصل الأول الإهداء وتمهيد البحث
الفصل الخامس الفصل الرابع الفصل الثالث