النشرة الهاشمية المكتبة الهاشمية الى الصفحة الرئيسية

 

الفصل الأول الإهداء والمقدمة فهرس الكتاب
الفصل الرابع الفصل الثالث الفصل الثاني

الفصل الثالث
 الإستدلال على مشروعيّة التطبـير

 لا ريب أنّ البكاء على الإمام المظلوم الشهيد (عليه السلام) _ وحسبما أفدنا سابقاً _ من أهمّ ما وعد عليه الله بالثواب بمقتضى النصوص المتواترة الدّالّة على استحباب البكاء والتباكي والإبكاء، بل إنّ هذه الأمور من أهمّ الشعائر الإلهيّة التي حثّ عليها الباري (عزّ وجل) وهي عبادة لله لكونها تقرُّباً إليه عبر وسيلته الكبرى شهيد الحقّ الإمام الحسين بن عليّ (عليهما السلام)، وكلُّ فِعْلٍ يترشّح من هذه الشعيرة كضرب السّلاسل وجرح الرّؤوس _ التطبير _ والعجيج والضّجيج وقرح العيون بل والموت غصّةً وحرقةً على الإمام المظلوم (عليه السلام)، كلُّ ذلك داخل ضمن تعظيم الشعائر ويُثاب المرء المسلم عليها باتفاق فقهاء الأمّة بلا منازع سوى ما صدر من بعض أدعياء العِلْم حيث شكّكوا بتلكم الأمور لا سيّما ضرب الرّؤوس والنّدب واللطم؛ فإنّ ذلك _ بحسب ما ادّعوا _ منافٍ لحضارة الإسلام، بل ليس شيء من ذلك داخلاً في تعظيم الشعائر.
ولا ريب أنّ التطبير أحدُ مصاديق تعظيم الشعائر الحسينيّة بل صار ملازماً للشعائر الحسينيّة في أكثر البلدان الشيعيّة.
وهنا أودّ البحث في أمورٍ ثلاثةٍ:
الأمر الأوّل: ماهيّة الشعيرة لغةً واصطلاحاً.
الأمر الثاني: الأدلّة على مشروعيّة التطبير وما شابه ذلك.
الأمر الثالث: دعاوى المحرِّمين للتطبير وتفنيدها.
الأمر الأوّل
ماهيّة الشعيرة لغةً واصطلاحاً
 
الشعائر لغةً جمع شعيرة، ومنها اشتُقَّت الأفعال: شَعَرَ يَشْعُرُ أَشْعَرَ، والشعيرة منها أيضاً: الشّعر، الشعور، الشِّعار، والشعرى ومشعوراً ومشعوراء والشِعر والشاعر والمشاعر والمِشْعَر.
ولكلّ مفردة من هذه المفردات عدّةُ معانٍ، ويجمعها معنىً واحدٍ تقريباً هو الإعلام والشعور والإحساس(1).
يُقال: شَعَرَ به: عَلِمَ أو أحسّ به، وشعر له: فطن، وليت شِعري فلاناً ما صنع: أي ليتني شعرتُ وعلمْتُ بما صنع.
والشِّعار: ما ولي شَعر جسد الإنسان دون ما سواه من الثياب، وفي المثل: هم الشعار دون الدثار، يصفهم بالمودّة والقرب، فالشعار في المثل المذكور هو البطانة والخاصّة، والدّثار هم الناس، ومن معاني الدثار: الثوب الّذي فوق الشعار، ومن الشعار: العلامة في الحرب وغيرها، وشعار العساكر: العلامة التي ينصبونها ليعرفَ الرّجلُ بها رفيقَه، قيل إنّ شعار أصحاب النبيّ كان في الغزو: يا منصور أمِت أمت! وهو تفاؤل بالنصر بعد الأمر بالإماتة، وشعار القوم علامتهم في السّفر، وأشعر القوم في سفرهم: جعلوا لأنفسهم شعاراً، والإشعار: الإعلام، والشعار العلامة، قال الأزهري: ولا أدري مشاعر الحجّ إلاّ من هذا لأنها علامات له، وأشعر البَدَنَة: أعلمها وهو أنْ يشقّ جلدها أو يطعنها في أسنمتها في أحد الجانبين بمبضع، والبدنة هي الهدي إلى بيت الله الحرام، تقول: أشعرتُ هذه البَدَنَة لله نُسْكاً أي جعلتها شعيرة تُهدى، وإشعارها أنْ يوجئَ أصل سنامها بسكين، فيسيل الدّمُ على جنبها، ويُعْرَف أنها بدنة هدي(2).
وأُشْعِرَ الرّجلُ: أُصيبَ بحجرٍ على رأسه فسال دمه، وتقول العرب للملوك إذا قُتلوا: أُشعروا، وكانوا في الجاهليّة يقولون: ديّة المُشْعِرة ألف بعير، يريدون ديّة الملوك.
فالإشعار هو الإدماء بطعنٍ أو رميٍ أو وجئٍ بحديدة، قال أحدهم:
عليها ولمّا يبلغا كُلَّ جُهدها وقد أشعراها في أظَلّ ومَدْمَعِ
وأشعراها: أدمياها وطعناها، أنشد أبو عبيدة:
نقتِّلُهُم جيلاً فجيلاً، تراهم شعائرَ قُربانٍ بها يُتَقَرَّبُ
والشعيرة: البَدَنَة المُهداة، سُمِّيَتْ بذلك لأنّه يؤثر فيها بالعلامات، وشعار الحجّ: مناسكه وعلاماته وآثاره وأعماله.
والشعيرة أيضاً كلّ ما جُعِلَ عَلَماً لطاعة الله (عزّ وجل) كالوقوف والطواف والسعي والرّمي والذّبح وغير ذلك، ومنه الحديث إنّ جبرائيل أتى النبيّ فقال: مُر أمّتك أنْ يرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعائر الحج، ومن الشعيرة المشْعَر وهو المعْلَم والمُتَعَبَّد، والمشاعر: المعابد التي ندب الله إليها وأمر بالقيام عليها، ومنه سمي المشعر الحرام لأنّه مَعْلَم للعبادة وموضع، قال تعالى: (فاذكروا الله عند المشعر الحرام) وهو المزدلفة.
وفي التنـزيل قوله تعالى: (يا أيها الّذين آمَنوا لا تُحلُّوا شعائر الله) قال الفراء: كانت العرب عامّة لا يرون الصفا والمروة في الشعائر ولا يطوفون بينهما فأنزل الله تعالى: (لا تحلّوا شعائر الله) أي لا تستحلّوا ترك ذلك، وقيل شعائر: مناسك الحجّ، وقال الزجاج في شعائر الله: يعني بها جميع متعبدات الله التي أشعرها الله أي جعلها إعلاماً لنا، وقيل شعائر لكلّ عِلمٍ مما تُعُبِّدَ به لأنّ قولهم شعرتُ به: علِمتُهُ، فلهذا سميت الأعلام التي هي متعبدات الله تعالى شعائر(3).
يتلخّص ممّا سبق: أنّ الإشعار والشعيرة هما الإدماء والعلامة أو المَعْلَم اللذان أمر الله تعالى بالقيام بهما وندب إليهما، فإذا ما كان الشعار والشعيرة هما الإدماء والعلامة والمَعْلَم، فَلِمَ لا يكون التطبير والندب واللدم مَعلَماً وعلامةً على مظلوميّة الإمام الحسين وأصحابه المنتجبين، فكما أنّ التلبية والوقوف على عرفة ورمي الجمار معلماً من معالم الحج، وكما أنّ البكاء شعيرةً وعلامةً تدلّ على الحزن العميق على فَقْدِ عزيزٍ لا سيّما إمامنا الحسين (عليه السلام)، فلِمَ لا يكون التطبير واللدم أيضاً من المعالم والشعائر التي تدلّ على مظلوميّة الإمام (عليه السلام) وعلامةً على الحزن والأسى على الإمام المظلوم (عليه السلام)؟!!
الصحيح أنّ التطبير من الشعائر الإلهيّة الدالّة على الإمام الحسين (عليه السلام) والحزن عليه والإنتقام له والإنحياز إليه، بل إنّ عاشوراء من الأيام التي أمر الله تعالى بالتذكير بها بواسطة البكاء وبكلّ وسيلة توصل إلى ذلك كالتطبير والضرب بالسلاسل وما شابه ذلك، فقد ورد في الأخبار المستفيضة أنهم (عليهم السلام) بكوا حتى أقرح البكاءُ جفونهم، وصاحب الزّمان (عليه السلام) يبكي بدل الدموع دماً، فهو _ روحي فداه _ قد أجاز لنفسه إدماء العين بل وتمنّى لنفسه الموت في ذلك بقوله (عليه السلام): "يا جدّاه فلئن أخّرتني الدّهور وعاقني عن نصرتك المقدور ولم أكن لمَن حاربكَ محارباً، ولمَن نصب لك العداوة مناصباً فلأندبنّك صباحاً ومساءً ولأبكينّ عليكَ بدل الدّموع دماً حسرةً عليكَ وتأسّفاً على ما دهاك حتى أموتَ بلوعة المصاب وغصّة الإكتئاب.."(4).
ومعلومٌ أنّ إقراح العين وسكب الدم بدل الدمع هو أشدّ من ضرب الصّدر بالسلاسل وإدماء الرّأس وما شابه، لخطورة العين على باقي الأعضاء؛ لأنّ العين هي الحارسة للأعضاء من أنْ ينالها أذىً أو مكروه، بل إنّ تمنّي الموت بسبب لوعة المصاب واضحٌ على حلية ما دونه أو أقلَّ منه ضرراً، بل قد ورد في ثلاث روايات إجازةُ الإمامِ الصادق (عليه السلام) الهلاك في قضيّة الإمام الحسين (عليه السلام):
الأولى: سأل سائلٌ الإمام الصادق (عليه السلام): يابن رسول الله إنّ بيننا وبين قبر جدّك الحسين (عليه السلام) لبحراً وربّما انكفأت بنا السفينة في البحر؟ فقال (عليه السلام): لا بأس فإنها إنْ انكفأت، إنكفأت في الجنّة(5).
الثانية: عن أبي سعيد القاضي قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) في غرفة وعنده مرازم، فسمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: مَن أتى قبر الحسين ماشياً كتب الله له بكلّ قدمٍ يرفعها ويضعها عتق رقبة من ولد إسماعيل، ومَن أتاه في سفينة فكفأت بهم سفينتهم نادى منادٍ من السماء طبتم وطابت لكم الجنّة(6).
 الثالثة: عن محمّد بن عاصم عن عبد الله النجار قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): تزورون الحسين (عليه السلام) وتركبون السفن؟ فقلت: نعم، قال (عليه السلام): أمَا علِمْتَ أنها إذا انكفت بكم نوديتم: ألا طبتم وطابت لكم الجنّة(7).
فقد أجاز الإمام الصادق (عليه السلام) ركوب سفينة لتوصل راكبَها إلى زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) ولكنها قد تنكفئ به فتؤدّي إلى هلاكه، ومع هذا فإنها إنْ انكفأت فسوف تنكفئ إلى الجنة، مما يقتضي القول انّ كل وسيلة تؤدّي إلى الإتصال بالإمام الحسين (عليه السلام) _ حتى وإنْ لم تكن مضمونة السّلامة _ فإنّ صاحبها لو مات فإنه ينقلب إلى الجنة، وما ذلك إلاّ لأنّ الزائر يُحيي شعيرةً من شعائر الله تعالى إذ إنّ الإمام الحسين شعيرة عظمى من الشعائر الإلهيّة، فهو أهمُّ من شعائر الحج ومناسكه إذ لولاه لَمَا بقي حجٌّ ولا أيُّ أمرٍ عباديٍّ، من هنا ورد في المتضافر عن أئمتنا (عليهم السلام) قالوا: بُني الدّين على خمسٍ: الصّلاة، الصّوم، الحجّ، الزّكاة، والولاية وما نودي بشيء أعظم مما نودي بالولاية.
فولاية آل البيت (عليهم السلام) أعظم التكاليف عند الله (عزّ وجل)؛ لأنّ الولاية هي الطريق الوحيد لمعرفة تلكم التكاليف والواجبات "لولانا ما عُرِفَ الله، لولانا ما وُحِّدَ الله" فأئمّة آل البيت هم الشعائر الإلهيّة، وبقيّة الفروض والواجبات من مصاديق الشعائر ولا يمكن قَصْرُ الشعائر على الواجبات المنصوص عليها في الكتاب الكريم (ما آتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم).
فالشعيرة هي في الأصل لإعلام الطاعة والإرتباط بالله تعالى، ولا شكّ أنّ الشعائر الحسينيّة بكلّ لوازمها دون استثناء تنبّه وترشد إلى الإرتباط بسفن النجاة من آل محمّد، خصوصاً الإمام الحسين (عليه السلام) صاحب السفينة السريعة على حدّ تعبير الإمام الصادق (عليه السلام): "كلّنا سفن نجاة إلاّ أن ّ سفينة الإمام الحسين (عليه السلام) أسرع".
فالمراسم الحسينيّة من الضرب بالسلاسل والتطبير وما شابه ذلك من تذكّر بمصائب الإمام الحسين (عليه السلام)، فهي لا محالة تذكّرُنا بشخصه الكريم، لذا ينطبق على هذه الشعائر عنوانان قرآنيان هما:
قوله تعالى: (ذلك ومَن يعظّم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) (الحج/32).
وقوله تعالى: (وذكِّرْهم بايام الله إنّ في ذلك لآياتٍ لكلّ جبّارٍ شكور) (إبراهيم/5).
فمصائب الإمام الحسين (عليه السلام) هي شعائر الله تعالى نعظّمها بالبكاء واللطم واللدم والضرب والصراخ والضجيج والعجيج _ حسبما ورد في دعاء الندبة _ كلّ ذلك داخل في مفهوم تعظيم الشعائر، بل نفسها هذه الشعائر هي حرمات الله تعالى كما في الآية 30 من سورة الحج: (ذلك ومَن يعظّم حرمات الله فهو خير له عند ربّه) بقرينة ما جاء في الآيات من تعظيم البيت العتيق بالطواف حوله والصّلاة وذكر الله تعالى في أيامٍ معلوماتٍ، مضافاً إلى أنّ الحُرْمَة هي ما لا يجوز انتهاكها ويجب على العباد رعايتها، فقوله تعالى: (ومَن يعظّم حرمات الله فهو خيرٌ له) ندبٌ إلى تعظيم حرمات الله وهي الأمور التي نهى عنها وضرب دونها حدوداً منع عن تعدّيها واقتراف ما وراءَها، وتعظيمها الكفّ عن التجاوز إليها(8).
ولا ريب أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه من حرمات الله (عزّ وجل) لكونهم خرجوا لإحياء دين الله، فهم المصداق الأكمل للحرمات الإلهيّة التي لا يجوز التعدّي عليها بل يجب تعظيمها؛ لأنّ تعظيمها تعظيم لله تعالى وإحياءٌ لدينه، والتعدّي عليها تعدٍّ على الله وهو عين انتهاك حرمته، من هنا ورد في زيارة الإمام الحسين (عليه السلام): "لعن الله أمّةً استحلّتْ منك المحارم وانتهكتْ فيكَ حرمة الإسلام.."(9) وقد انتُهِكَت حرمة الإسلام أيضاً بقتل المولى العبد الصالح العباس بن أمير المؤمنين عليّ (عليهما السلام) فقد اشار المعصوم (عليه السلام) إلى ذلك بقوله: "ولعن الله أمّةً استحلَّتْ منكَ المحارم وانتهكتْ في قتلكَ حرمة الإسلام فنِعمَ الأخ الصابر المجاهد المحامي والأخ الدافع عن أخيه المجيب إلى طاعة ربّه الرّاغب فيما زهد فيه غيره من الثواب الجزيل والثناء الجميل فألحقكَ الله بدرجة آبآئك في دار النعيم إنه جميدٌ مجيد"(10).
إذن لقد انتُهِكَت حرمة الإسلام بقتل المولى الإمام الحسين (عليه السلام) والعبد الصالح المولى العباس بن عليّ (عليه السلام)، والقاتل لهما ظالمٌ كافر قد تعدّى حدود الله ولم يراعِ حرماته المقدَّسة، (ومَن يتعدّ حدود الله فأولئك هم الظالمون) (البقرة/229) (ومَن يعص الله ورسوله ويتعدّ حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذابٌ مُهين) (النساء/14) (وتلك حدود الله وللكافرين عذابٌ أليم) (المجادلة/4)!!!
وعليه فإنّ الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه هم المصداق الأكبر لثلاثة مفاهيم أشار إليها القرآن الكريم:
المفهوم الأوّل: الحرمات.
المفهوم الثاني: الشعائر.
المفهوم الثالث: الأيام.
أمّا الأوّلان فواضحان مما سبق، وأما أنهم "الأيام" فلأنّ الطاعة من أيام الله تعالى، وأيام الله من آلائه ونعمه حسبما ورد عن مولانا الإمام الصادق (عليه السلام) قال: قوله تعالى: (وذكّرهم بأيام الله) أي: بآلاءِ الله يعني نعمه(11). ولا شكّ أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) ومَن معه هم الآلآء والنعم الإلهيّة التي تفضَّلَ بها على عامّة الناس.
وورد أيضاً عن مثنى الحناط قال: سمعتُ أبا جعفرٍ (عليه السلام) يقول: أيام الله: يوم يقوم القائم ويوم الكرّة ويوم القيامة(12).
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري أنّ النبيّ قال: أيّام الله نعماؤه، وبلائه ببلائه(13).
وفي خبر عليّ بن إبراهيم قال: أيام الله ثلاثة: يوم القائم ويوم الموت، ويوم القيامة(14).
فإذا كان يوم القائم (عليه السلام) ويوم الموت...إلخ من ايام الله تعالى فلا شكّ حينئذٍ _ من باب تنقيح المناط _ أنْ يكون يوم الإمام الحسين في طف كربلاء من أيام الله تعالى قطعاً وبطريق الأولويّة أيضاً لأنّ يوم الإمام الحسين (عليه السلام) من أعظم أيام الله تعالى، بل لولا الإمام الحسين (عليه السلام) لَمَا كان هناك أيّام أُخَر لله تعالى، هو _ روحي فداه _ الوحيد والمتفرِّد في عالَم التكوين برفع صوت الحقّ بتلك الكيفيّة العظيمة والرّزيّة الكبرى حيث إنّ ما لاقاه من المصائب والمحن والرّزايا لم يلقه نبيٌّ أو رسولٌ أو إمام على الإطلاق، من هنا قال الإمام المظلوم الحسن المجتبى (عليه السلام) مخاطِباً أخاه الإمام الحسين (عليه السلام): "لا يوم كيومكَ يا أبا عبد الله" نعم لا يوم كيومه بالرّزايا والمحن والمصائب، فهو _ فديته بنفسي وعيالي _ وترٌ موتور أحدٌ لا شريك له، لم يسبقه سابق ولن يلحقه لاحقٌ، فمَن كان بهذه الصفة الربانيّة والهيئة الصمدانيّة، والرّوح العلويّة، والنفس الفاطميّة، والهيبة الحسنيّة، والثورة المهدويّة، كيف لا يكون من أيام الله تعالى؟ بل هو _ والله _ من أعظم تلك الأيّام وأفضلها عند الله تعالى، فقد جاء في المستفيض عن مولانا الإمام الهادي (عليه السلام) وقد سأله صقر بن أبي دلف الكرخي أحد موالي الإمام (عليه السلام) قال: قلت:سيّدي حديث يروى عن النبيّ لا أعرف معناه، قال: وما هو؟ فقلت: قوله صلّى الله عليه وآله وسلَّم: "لا تعادوا الأيام فتعاديكم" ما معناه؟ فقال (عليه السلام): نعم، الأيام نحن ما قامت السماواتُ والأرضُ، فالسبتُ إسم رسول الله، والأحد كنايةٌ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) والإثنين الحسن والحسين، والثلثاء عليُّ بن الحسين ومحمّد بن عليّ وجعفر بن محمّد، والأربعاء موسى بن جعفر وعليّ بن موسى ومحمّد بن عليّ وأنا، والخميس إبني الحسن بن عليّ، والجمعة إبن إبني، وإليه تُجمع عصابة الحق وهو الذي يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، فهذه معنى الأيام، فلا تعادوهم في الدّنيا فيعادوكم في الآخرة، ثمّ قال (عليه السلام): ودِّعْ واخرُج، فلا آمَنُ عليكَ(15).
  فالتذكير بأيام الله (عزّ وجل) لا يتمّ إلاّ بواسطة إحياء أمرهم (عليهم السلام) بتعظيمها، لذا ورد عن أئمتنا (عليهم السلام) أخبار كثيرة تحثّ على إحياء أمرهم لا سيّما ما يتناول فجيعة كربلاء وما جرى على السّبط الشهيد فيها، فقد ورد عن إبن فضّال عن أبيه قال: قال الإمام الرّضا (عليه السلام): مَن تذكّر مصابنا فبكى وأبكى لم تبكِ عينُه يوم تبكي العيون، ومَن جلس مجلساً يُحيَى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب(16).
وعن أحمد بن إسحاق عن بكر بن محمّد عن المولى أبي عبد الله جعفر بن محمّد (عليهما السلام) قال بكر: سمعتُهُ يقول لخثيمة: يا خثيمة أقْرِأ موالينا السَّلام، وأوصهم بتقوى الله العظيم (عزّ وجل)، وأنْ يشهد إحياؤهم جنائز موتاهم، وأنْ يتلاقوا في بيوتهم فإنّ لقياهم حياةُ أمرنا، قال: ثمّ رفع يده (عليه السلام) فقال: رَحِمَ اللهُ امرءاً أحيا أمرنا(17).
وعن جميل بن درّاج، عن معتب مولى أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول لداود بن سرحان: يا داود أبلِغْ مواليَّ عنّي السَّلام وأنّي أقول: رحم الله عبداً إجتمع مع آخر فتذاكر أمرنا فإنّ ثالثهما مَلَك يستغفر لهما، وما اجتمع اثنان على ذِكْرِنَا إلاّ باهى الله تعا لى بهما الملائكة، فإذا اجتمعتم فاشتغلوا بالذكر؛ فإنّ في اجتماعكم ومذاكرتكم إحياؤنا، وخير الناس من بعدنا مَن ذكر أمرنا ودعا إلى ذكرنا(18).
فإحياء أمرهم يتمّ بكلّ ما يقرّب إلى ذواتهم الشريفة ويذكّر بمصائبهم التي لم يطق حملها نبيٌّ أو رسولٌ، والشعائر الحسينيّة بكلّ مصاديقها داخلة في مفهوم التذكير وإحياءِ الأمر، فلا يُصغى للشبهات التي تُثار حول أكثر المصاديق وهل انها من شعائر الله أو من مصاديق أيام الله التي لا بدّ من التذكير بها أو ليست منها؛ فإنها لا تعدو كونها نفثات شيطانيّة تريد إبعادَ الناس عمّا يقرّبهم من آل البيت (عليهم السلام)، كغيرها من الشبهات التي وقعت في الفترة الأخيرة على بعض الضروريّات الثابتة في عقيدتنا.
وزبدة المخض: إنّ مراسم عاشوراء من أهمّ مصاديق الشعائر الإلهيّة بل ومن أعظم أيام الله أثراً في إحياء الدّين وحفظه من الإندثار، وكذا تلعب _ أي المراسم _ دوراً مهماً في حفظ جهود الأنبياء والمرسَلين، بل وتحافظ على إنهاض أمرهم الّذي أُمِروا بإحيائه والتذكير به.
والتطبير واللطم وضرب الأكتاف بالسّلاسل، قد جاء على سبيل التعظيم والإحياء وليس وراءَه غايةٌ أخرى حسبما يتوهّم المشكّكون، وعليه فيكونُ الأمرُ بهذه الصّفة محبوباً لله (عزّ وجل) ولا يشترط في حليّة التطبير والضرب بالسّلاسل وما شابه ذلك التفجّع بالمصاب وحرقة الأفئدة بتلك الرّزيّة بل يكفي فيها الظهور على تلك الصفة وهي بنفسها تعظيم للشعائر وحرمات الله وإحياء للأمر، وكلّ ذلك يعتبر محبوباً لله (عزّ وجل)، وكلّ محبوب عبادة يثاب عليها المؤمن، بل يمكن القول إنه لا يشترط الإخلاص في إظهارها، ويشهد لِمَا قلنا ما ورد في الأخبار المتظافرة الدالة على استحباب التباكي وإنْ لم يقدر على البكاء، ومعلوم أنّ التباكي يختلف عن البكاء، إذ هو تظاهرٌ بالبكاء، وقد يكون التظاهر دون نيّة الإخلاص وهو خلاف الإخلاص، ومع هذا؛ فإنّ الثواب كما إنه يترتب على نفس البكاء حقيقةً، كذا يترتب على التظاهر بالبكاء أيضاً لكونه مشجِّعاً على التفجُّع والتفاعل النوعي مع المصيبة، بل المطلوب نفس التظاهر بالحزن والأسى، وبقيّة الواصفات عرضيّة، وكذلك الحال في المراسم الحسينيّة؛ فإنّ الثواب حاصلٌ لمقيم المراسم الحسينيّة بكافّة مصاديقها، لكون الثواب على نفس فِعْلِ هذه الأمور التي هي مصداقٌ بارزٌ لمفهوم تعظيم الشعا ئر والحرمات وإحياءِ الأمر.
دعوى وردّ:
إنّ وجود مرائين ومنحرفين في مسيرات التطبير يؤثر سلباً على الشعائر الحسينيّة مما يُدخلها في دائرة المحرَّمات الشرعيّة، فلا بدّ من إزالتها دفعاً للمحذور المتقدِّم.
يرد عليها:
(أوّلاً): ليست بعض الشعائر الحسينيّة _ كالتطبير مثلاً _ من الأمور التوقيفيّة التي يشترط في صحتها نيّة القربة لله تعالى بل هي من الأمور التَّوَصليّة التي يكفي فيها تحقّق الفعل الخارجي دون أنْ تكونَ نيّةُ القربة دخيلةً في تحققه إثباتاً، نظير ذلك الحجامة والفصد فإنهما مطلوبان من أجل خروج الدم دفعاً للمرض، ولا يشترط فيهما الإخلاص لله بل لو أخرج المحتجم الدم مرائياً تحقق المطلوب، ومن هذا القبيل أيضاً مسألة التباكي بحيث يتظاهر المؤمن بالبكاء لكونه غير قادرٍ عليه، والتظاهر _ حسبما قلنا سابقاً _ خلاف الإخلاص في البكاء، ومع هذا فقد وردت الرّخصة به.
(ثانياً): على فرض كون بعض المراسم الحسينيّة من المسائل العباديّة التي يشترط فيها نيّة الإخلاص لله تعالى كالصلاة والصوم وبقيّة العبادات المنصوصة لكنها _ أي المراسم المذكورة _ لا تَحْرُم بطروء عنوانٍ محَرَّم عليها كالرياء وما شابه ذلك، بخلاف العبادات المنصوصة فإنها تبطل بطروء عنوانٍ محَرَّمٍ عليها كالرّياء؛ فإنه مبطل للصلاة والصّوم وبقيّة العبادات حيث ورد النص عليه _ أي الرّياء _ في العبادات الخاصّة دون غيره من العناوين كالعجب، ودون العبادات التي نصّ الشارع المقدَّس على بطلانها بضميمة الرياء، فقياس الرياء في التطبير والمسيرات الحسينيّة على العبادات المنصوصة هو قياس مع الفراق، من حيث إنّ الأولى لا تبطل بطروء الرياء عليها، بخلاف الثانية لورود النص بذلك، فالتعدي عنه لغيره يعتبر قياساً محرَّماً بالإتفاق.
(ثالثاً): إنّ وجود مرائين أو منحرفين في مسيرات عاشوراء لا يجوِّز إلغاء الشعائر من أساسها وإلاّ لساقنا الأمر إلى إلغاء كثير من العبادات المنصوصة _ كالصوم والصلاة وغيرها مما يشترط فيه نيّة القربى _ لو أتى بها الإنسان بنيّة الرياء والتظاهر بالعبادة، فهل تُمنَع تلك الواجبات؛ لأنّ بعضهم يرائي فيها؟!
لا أظنُّ فقيهاً يقول بذلك، فطروء العناوين غير الشرعيّة على الأمور العباديّة لا يُخرجها عن ماهيتها، ولا يستلزم ذلك حرمتها من الأساس.
(رابعاً): على فرض وجود أفراد مرائين في صفوف المطبِّرِين والمواكب الحسينيّة فلا يستلزم أنْ يكون كلّ المطَبِّرِين مرائين، بل لا يجوز نعتُهُم بذلك؛ لأنّ الوجدانَ والإثباتَ الخارجيّ يكذّب الدعوى المذكورة؛ لأنّ أغلب المطبرين وأصحاب المواكب هم أهل تقوى وورع، ووجود بعض المرائين _ على فرض وجوده _ لا يمكن تعميم الحكم على الجميع لكونه رجماً بالغيب بل ظنّاً وإنّ الظنّ لا يُغني من الحقّ شيئاً.
مضافاً إلى أنّه يجدر بأصحاب الدعوى أنْ يستروا على أولئك المرائين المتسترين في المواكب الحسينيّة؛ لأنّ فضْحَهم حرامٌ لكونه من الغيبة التي نهى عنها المولى (عزّ وجل)؛ ولأنّ حَمْلَ فِعْلِ المسلم على الصحّة من صُلٍبِ أحكامنا الدينيّة.
(خامساً): ليس من وظيفة الفقيه بيان الجزئيات بل عليه أنْ يبيّن الكليات وليس له أنْ يفتّش عن نوايا الناس، وهل صاحب الدّعوى استقرأ نفوس كلِّ المطبِّرِين وأصحاب المواكب الحسينيّة في جميع الأقطار حتى حكم على بعضهم بالرياء والفسق؟!!
وعلى فرض وجود مرائين ومنحرفِين بل وفسّاق مارقين في المسيرات الحسينيّة المقدَّسة؛ فإنّ ذلك لا يسوقنا إلى الدّعوة إلى إلغاء الشعائر برُمَّتِها؛ لأنه يقتضي إلغاءَ كثيرٍ من المراسم العباديّة التي أمرت بها الشريعة لمجرّد أنّ جماعةً يراؤون في بعضها فيتظاهرون بالعبادة والتقى، وهل نمنع الحجَّ لأنّ بعضهم يرائي فيه؟! وهل نمنع الصوم والصلاة لأجل ذلك أيضاً؟! كلاّ،..بل علينا أن نُخْلِصَ النوايا وندعو الناس إلى ذلك لا سيّما إحياء الشعائر حيث إنّ الإخلاص في إتيانها هو الغاية المنشودة التي من أجلها شُرِّعَت المواكب الحسينيّة كغيرها من الشعائر الإلهيّة، فكلما كان أصحابُها ذوي نوايا حسنة طاهرة كلّما ترقّوا في مدارج الكمال الحسيني الّذي شاء الله تعالى أنْ يكون معراجاً للسالكين إليه تعالى.
وبالجملة؛ فإنّ استلزام الشعائر للفساد أحياناً _ على فرض وقوعه _ لا يوجب تحريمها مطلَقاً وأبداً، ولو أنّ كلّ راجح يستلزم محرَّماً أو يقع فيه محرَّم تركناه لبطلت الشريعة وقوِّضَتْ دعائم الدّين، فترَتُّب بعضِ الآثار السلبيّة على المواكب الحسينيّة لا يستوجب حرمةَ الخروج الرّاجح؛ فإنّ حرمة الشيء لا توجب حرمة ما يقع فيه، ومَن تغنّى في القرآن لا يُقال له إنّ قراءة القرآن حرام بل التغني بالقرآن حرام، فليس الخروج حراماً بل الحرام هو الآثار السلبيّة الحاصلة عمداً في المواكب الحسينيّة أينما كانت.
 
*****
 
 
 
الأمر الثاني
الأدلّة على مشروعيّة التطبير
التطبير على وزن تفعيل وهو جرح الرّؤوس بالقامات والسيوف يوم العاشر من محرّم الحرام، وهو إسم مصدر، منه اشتقّ الفعل "طبَرَ" أي قفز واختبأ واختفى، ووقعوا في طَبَار أي داهية، والطُّبَّار: ضربٌ من التين الأحمر، والطَّبَرُ: نوع قديم من السّلاح يشبه الفأس، يقال إنّ الطَّبَر فارسيّة وهي نوع من السّلاح(19).
فالتطبير بحسب الإستقراء فيه ثلاثة أوصاف: السّلاح والحمرة والمصيبة "الدّاهية".
وهذه الأوصاف مجتمعةً لا تحصل إلاّ في الحروب حيث تُشال فيها الرّؤوس على الأسنّة و الرّماح، فيصاب ذووها بالمصائب والكرب والحزن، لذا أُطلِقَ هذا اللفظ بالخصوص على مراسم عاشوراء وعلى وجه التأكيد في اليوم العاشر منه حيت تستعمل الأسنّة والرّماح والقامات والصنوج والطبول والأبواق في مواكب مهيبة تجللها رايات حمراء، يلبس أصحابها الأكفان يتقدّمهم مشاعل حمراء فينفخون بالأبواق ويقرعون الطبول والصنوج بقوّة وعنف ويهتفون من صميم أفئدتهم: "حسين...حيدر.." بطور حربيٍّ يزلزل الأرضَ، فتشعِرُّ لها الجلودُ وتذِّكرُكَ تلك اللحظات المرعبة بلحظات اليوم العاشر من محرَّم عندما تكاتف الأعداءُ الكفارُ على الإمام الحسين (عليه السلام) وذريته وإخوته وأصحابه الميامين.
إنّ مواكب التطبير في عاشوراء شعارُها الدم، فلا ترى إلاّ رؤوساً مخضوبة بدماء ممزوجة بدموع تتحادر بلا استئذان اسفاً وحزناً على الإمام المظلوم (عليه السلام)، فأصحابها وإنْ كانوا لم يدركوا نصرة الإمام (عليه السلام) إلاّ إنهم وطّنوا أنفسهم على نصرة مبادئه وشعاراته الخالدة، فتَرَكَ التطبيرُ في قلب كلِّ مطَبِّرٍ ثورةً على الباطل، وعِبْرَةً وعظاتٍ في عقله لا تُمْسَحُ مهما عَصَفَ بها الدّهر وتصببتْ عليها بحار الظلم والخطيئة.
ومواكب التطبير هي الأقدر على إعادة ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) إلى الحياة؛ لأنّ فيها كلّ ما في الحرب: الطبول، والصنوج، والأبواق، والسيوف التي تقطر دماً، والرّؤوس المخضَّبة والأكفان الحمراء، والهيْجَةُ التي يُحْدِثُها مواكبُ التطبير لا يُحْدِثُها أيُّ خطيبٍ ولا موكبُ تمثيل، فمواكبُ التطبير غنيّةٌ بالواقعيّة بسبب الرّؤوس المخضَّبةِ التي بمجرّد أنْ يشاهدها المرءُ تطْفَرُ الدّمعة من عينه فتركّز الثورة في الأعماق دون تركيبِ مقدّماتٍ للإقناعِ والإعتقادِ.
 
 
 
*****
 
 
 
 
الأدلّة على م