النشرة الهاشمية المكتبة الهاشمية الى الصفحة الرئيسية

 

الفصل الأول الإهداء والمقدمة فهرس الكتاب
الفصل الرابع الفصل الثالث الفصل الثاني

الفصل الأوّل

عرض الأخبار الدالة على البكاء والمناشئ المحفِّزة له
ونبحث فيه حول أمرين مهمين:

الأمر الأول: عرض الأخبار الدالة على حصول البكاء من أعاظم الأنبياء والمرسلين على

الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) .

الأمر الثاني: فلسفة البكاء ووجوه الحُسن فيه.

أمّا الأمر الأوّل : فقد دلّت الأخبار التي بلغت حدّ التواتر بمرات على أنّ كلّ خلق الله تعالى قد بكاه بعد شهادته (عليه السلام)، وهذا أمر مسلّم به من الناحية التاريخيّة،كما قد بكاه قبل موته (عليه السلام) ثلّة من خلق الله تعالى هم الملائكة والأنبياء.
نستعرض قسماً من هذه الأخبار توثيقاً لمسألة البكاء على مولانا الإمام الحسين (عليه السلام) دفعأً للتصوّرات الخاطئة والتشكيكات الصّادرة من جهات لها خلفيّات عاميّة،من هذه الأخبار ما أورده الفقيه المؤرّخ أبو القاسم جعفر بن قولويه القمّي في أبواب من كتابه كامل الزيارات.

 
الرواية الأولى

عن محمّد بن جعفر الرزاز القرشي الكوفي، قال: حدّثني محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمّد بن سنان، عن سعيد ابن يسار أو غيره، قال:سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:
لما ان هبط جبرائيل (عليه السلام) على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بقتل الحسين (عليه السلام) أخذ بيد علي فخلا به مليّاً من النهار،فغلبتهما العبرة فلم يتفرقا حتّى هبط عليهما جبرائيل (عليه السلام) _ أو قال: رسول رب العالمين _ فقال لهما:ربكما يقرؤكما السلام ويقول:قد عزمت عليكما لما صبرتما، قال:فصبراً(2)

الرواية الثانية

حدثني أبي، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى،عن الحسن بن علي الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي سلمة سالم بن مكرم، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:
لما حملت فاطمة بالحسين جاء جبرائيل (عليه السلام) إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: إنّ فاطمة ستلد ولداً تقتله أمتك من بعدك، فلما حملت فاطمة بالحسين كرهـت حمله وحيـن وضعته كرهت وضعه، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): هل رأيتم في الدنيا أمّاً تلد غلاماً فتكرهه،ولكنها كرهته لأنّها علمت أنه سيُقتل، قال: وفيه نزلت هذه الآية (ووصينا الإنسان بوالديه حسناً حملته أمُّه كُرهاً ووضعتـه كُرهاً وحملـه وفصالـه ثلاثـون شهـراً) (الأحقاف/15)(3)

الرواية الثالثة

حدثني أبي رحمه الله، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن حماد،عن أخيه أحمد بن حماد،عن محمّد بن عبد الله،عن ابيه،قال: سمعت أبا عبد الله (صلّى الله عليه وآله) يقول:
أتى جبرائيل (عليه السلام) إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال له: السلام عليك يا محمّد ألا أبشرك بغلام تقتله أمتك من بعدك، فقال:لا حاجة لي فيه، قال:فانقض إلى السماء ثم عاد إليه الثانية فقال له مثل ذلك، فقال: لا حاجة لي فيه، فانعرج إلى السماء ثمّ انقض إليه الثالثة فقال مثل ذلك،فقـال: لا حاجة لي فيه، فقال:ان ربك جاعل الوصيه في عقبه،فقال: نعم،ثمّ قام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فدخل على فاطمة (عليها السلام) فقال لها:ان جبرائيل(عليه السلام) أتاني فبشرني بغلام تقتله أمتي من بعدي،فقالت: لا حاجة لي فيه، فقال لها: ان ربي جاعل الوصية في عقبه، فقالت: نعم اذن، قال: فانزل الله تعالى عند ذلك هذه الآية:(حَمَلَتْهُ أُمُّهً كُرْهَاً وَوَضعَتْهُ كُرْهَاً) لموضع إعلام جبرائيـل إياها بقتله، فحملته كرهاً بأنه مقتول، ووضعته كرهاً لأنّه مقتول(4)

الرواية الرابعة

وحدثني محمّد بن جعفر الرزاز،قال:حدثني محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب،عن محمّد بن عمرو بن سعيد الزيّات، قال: حدثني رجل من أصحابنا،عن أبي عبد الله(عليه السلام):
إن جبرائيل نزل على محمّد (صلّى الله عليه وآله) فقال: يا محمّد إن الله يقرأ عليك السَّلام ويبشرك بمولود يولد من فاطمة (عليها السلام) تقتله أمتك من بعدك، فقال: يا جبرائيل وعلى ربي السلام لا حاجة لي في مولود تقتله امتي من بعدي،قال:فعرج جبرائيل (عليه السلام) إلى السماء، ثم هبط فقال له مثل ذلك، فقال: يا جبرائيل وعلى ربّي السلام لا حاجة لي في مولود تقتله أمتي من بعدي. فعرج جبرائيل إلى السماء ثم هبط فقال له:يا محمد ان ربك يقرؤك السلام ويبشرك أنه جاعل في ذريته الإمامـة والولايـة والوصية، فقال:قد رضيت.
ثم أرسل إلى فاطمة (عليها السلام)ان الله يبشّرني بمولود يولد منك تقتله امتي من بعدي،فارسلت إليه ان لا حاجة لي في مولود يولد مني تقتله امتك من بعدك،فارسل اليها إنّ الله جاعل في ذريته الإمامة والولاية والوصية،فارسلت اليه أني قد رضيت، " فحملته كرهاً ووضعته كرهاً وحمله وفصاله ثلاثون شهراً حتّى اذا بلغ اشدّه وبلغ أربعين سنة، قال: رب اوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديّ وأن اعمل صالحاً ترضاه واصلح لي في ذريتي"، فلو أنه قال: اصلح لي ذريتي، لكانـت ذريته كلهم أئمة.
ولم يرضع الحسين من فاطمة ولا من انثى لكنه كان يؤتى به النبي (صلّى الله عليه وآله) فيضع ابهامه [إصبعه:خ ل] في فيه فيمص منهـا ما يكفيه اليومين والثلاثة، فنبت لحم الحسين (عليه السلام) مـن لحم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ودمه من دمه، ولم يولد مولود لستة أشهر إلاّ عيسى بن مريم والحسين بن علي(عليه السلام)(5)

ملاحظة هامة

لا يخفى على الخبير في أخبار آل محمّد ((عليهم السلام)) أن هذه النصوص مستفيضة وهي بحسب مـا اصطلح عليه الرجاليون حجة لا يجوز ردّها، إلاّ إذا اصطدمنا بمدلولها _ كغيرها من الاخبار المتعارضة التي قد لا يتفق بعضها مع البعض الآخر _ ففي هذه الحال لا بد من علاجها،ويتمّ ذلك عبر أمور:
إمّا بطرحهـا هي ومخالفهـا، وإمّا بترجيح إحداهـا على الأخرى، وإمّا بالأخذ بتلكم الروايات المتخالفة معاً.
أما الأمر الأول فلا يجوز طرح كل هذه الأخبار لاستلزامه طرح أخبارهم الصادرة عنهم وهي مخالفة قطعية لما صدر منهم، وأما الأمر الثاني فلا يصح أيضاً إذ إن الترجيح بلا مرجح قبيح، ضرورة ان ترجيح إحدى الطائفتين على الأخرى لا بد أن يكون بميزان وأمرٍ راجحٍ؛ فإن تمّ ففيه الرشاد وإلاّ فلا يصح .
أمّا الأمر الثالث يجب العمل به في حال كان التخالف بين مُثْبِت ونافٍ، أما في حال كان بين مثبتات،فلا يصح بل لا يجوز الطرح ما دمنا قادرين على الجمع بتأويلٍ أو بردّ العام إلى الخاص وما شابـه ذلك من وجـوه الجمع المقرّرة بحسب الأصـول الترجيحيّة.
وفي هذه الحال يجب العمل بالأمر الثالث دون الأولين وذلك لأنّ الأمر الأول يستلزم طرح أخبار الطائفتين معاً وهو بدوره يقتضي طرحَ أخبارهم (عليهم السلام) المنجَّز بعضهـا في حقنـا، وردها منهيٌ عنه كتاباً وسُنَّةً.
وأمّا الأمر الثاني وهو ترجيح إحدى الطائفتين على الأخرى إنّما يصح في حال كان الترجيح بدليل معتبر أو قرينة تعيّن المطلوب،وفي مقامنا هنا، فإنّ تقديم الأخبار الدّالة على عدم جهلهم أوفر حظّاً من التي تنسب إليهم الجهل _ كالأخبار التي سقنا قسماً منها _ فتلك مقدّمة على هذه ،مضافاً إلى أنّ هذه الأخبار مخالِفة للإطلاقات القرآنيّة _ لا سيّما آية التطهير _ الدّالة على طهارتهم من الرجس،والجهل من أبرز مصاديق الرجس.
كل هذا مشروط بعدم القدرة على تأويل الطائفة النافية والمتعارضة مـع الأخبار المثبتة أو بالعكس، ولكننا قادرون على تأويلها بما يتناسب والمقررات الشرعيّة فيجب المصير إلى الأمر الثالث وهو المطلوب .

التأويل الصحيح

نظرة بدوية إلى الأخبار المتقدمة تحتم علينا طرحها، وذلك للأمور التالية:
 (الأول): إن ذاك الخبر يُثْبِت رفض النبيّ وابنته الصّدّيقة لقضاء الله وحكمه وهو خلاف التسليم والعصمة اللّذين يتصفان بهما.
(الثاني): عدم معرفتهما بما سيجري على الإمام الحسين(عليه السلام) حتى جاء جبرائيل وأخبرهما، فيصبح جبرائيل أعلم منهمـا، وقد قامـت الآيات والأخبار على أعلميتهما مـن الملائكة أجمعين ومنهم جبرائيل (عليه السلام) .
(الثالث): تكذيب ما ورد عنهما وعن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وولديهما والذرية من صلب الإمام الحسين (عليه السلام) من كونهم أول خلق الله كانوا يسبِّحون ويهلِّلون ويكبِّرون ويعلِّمون الملائكة كيفية العروج،فردّهما لمولود سيُقتل يُعتبر تكذيباً لتلكم النصوص الصريحة القطعية المتواترة.
مضافاً إلى أنّ وجود الإمام الحسين (عليه السلام) مع الصدّيقة الطاهرة فاطمة (عليها السلام) في العوالم الأولى يستلزم معرفة الصدّيقة فاطمة (عليها السلام) بولدها الإمام الحسين (عليه السلام) قبل ولادته الجسمانيّة في الأرض، وهذه المعرفة المدلول عليها بالخبر المتواتر تتعارض مع ذاك الخبر المستفيض الدال على عدم معرفتها بوجود ولدٍ لها هو الإمام الحسين، وعند التعارض لا بدّ من تقديم الأخبار المتظافرة بل المتواترة الدالة على كونهم (عليهم السلام) أنواراً حول عرش الله (عزّ وجل) يعلّمون الملائكة كيفيّة السير إليه تعالى.
هذه القرائن الثلاث تأخذ بأعناقنا لولا وجود قرينة في ضمن هذه الأخبار تصرف تلكم القرائن عن النظر البدوي الّذي يستدعي طرح ذلك الخبر.
وهذه القرينة هي:وجوب ايجاده لأجل الإمامة والولاية وخروج الأئمة من صلبه، فلولا الإمامة والأئمة لا حاجة لهما فيه، فيكون وجوده واجباً بشرط شيء وهو الذرية والامامة، وعدم الحاجة فيه بشرط لا أي بشرط عدم الذرية والولاية، فيكون النفي على نحو عدم وجود المشروط، والقبول والتسليم على نحو الشرط اللازم المتحقق بوجود المشروط، فلولا المشروط لا يمكن ايجاد الشرط وتحققه. وبعبارة فنية أخرى: قولهما " لا حاجة لي فيه" على نحو السالبة بانتفاء الموضوع،أي لا حاجة لنا فيه إنْ لم تكن له ذرية صالحة للإمامة، لكنّ الإمامة لازمة له ولعقبه، إذاً لا بدّ من وجوده والتسليم به، من هنا ورد في الخبر الثالث والرابع قوله (صلّى الله عليه وآله) لمّا قال له جبرائيل: إن ربّك جاعل الوصية في عقبه،فقال: نعم، وكذا قالت السيّدة المعظَّمة فاطمة (عليها السلام): نعم قد رضيت.
وهذا ما أشار إليه أيضاً مولانا الإمام الصادق (عليه السلام) في خبر عبد الرحمان بن كثير الهاشمي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن جبرائيل قال له (صلّى الله عليه وآله):
"إنه يكون فيه وفي ولده الامامة والوراثة والخزانة" وقوله (صلّى الله عليه وآله) لإبنته الصدِّيقة الطاهرة:"لا بد من أن يكون ويكون فيه الإمامة والوراثة والخزانة فقالت له:"رضيت عن الله"(6)

 دفع وهم

ورد في تلكم الأخبار أنّ الصديقة الطاهرة (عليه السلام) حملته كرهاً ووضعته كرهاً طبقاً لما ورد بقوله تعالى : "وحملته أمّه كرهاً ووضعته كرهاً" فتكون الآية الشريفة مؤكِّدة لتلكم الأخبار الدالّة على كراهـة ولادة سيّدة النساء له (عليه السلام) لعلمها أنه سيُقتل، فعلمها بشهادته يكون سبباً وعلّةً تامّة لكراهة ولادته.
لكنّه تصوّر خاطىء بل غير جائز في حق مولاتنا الطاهرة لكون كراهتها لولادته بسبب ما سوف يترتب عليه من القتل وهي _ أي الكراهة _ خلاف التسليم لقضاء الله تعالى، وعدم التسليم رجس نزّهها (عزّ وجل) عنه بنصّ آية التطهير فيحرم الأخذ بظاهر هذا القول اللهم إلاّ إذا قلنا أنها كرهت ما سيلحقه من الأعداء مـن الظلم وهضم الحقـوق، فيكـون هناك تقديـر مضاف :أي كرهت الظلم الذي سيلحقه.
قد يُدَّعى: إنّ معنى (حملته كرهاً) أي حزناً عليه... لكنّه مردود لكون هذا التفسير على خلاف ما جاء في الأخبار الدالة على أنها (عليها السلام) لم تقبل به...ثمّ قَبِلَت به لمّا أعلمها أبوها (صلّى الله عليه وآله) بأنّ الوصاية والوراثة ستكونان من صلب إبنها الإمام (عليه السلام).
إن قيل: ان هذه الأخبار لا دلالة فيها على حصول البكاء باستثناء الخبر الأوّل، فكيف تستدلون بها على جواز البكاء عليه _ فديته بنفسي _؟
قلنا: صحيح ما أفاده الاشكال، حيث إنّ كراهتها لولادته تمنع من البكاء عليه، لكنّ أخباراً أخرى من سنخ تلكم الأخبار أوردها إبن قولويه في نفس الباب من كتاب كامل الزيارات وقد دلَّتْ على بكاء سيّدة نساء العالَمين (عليها السلام) على إبنها (عليه السلام) وهي حاملٌ به، لا سيّما ما جاء في صحيحة عبد الله بن بكير عن بعض أصحابنا عن مولانا الإمام الصادق (عليه السلام) قال: دخلت فاطمة على رسول الله وعيناه تدمع، فسألته _ وسؤالها لا من جهل بل تجاهل لتعليم الآخرين _ ما لك؟ فقال:
إن جبرائيل أخبرني _ ولا ملازمة بين إخبار جبرائيل ونسبة الجهل إلى رسول الله _ ان امتي تقتل حسيناً،فجزعت وشقّ عليها،فأخبرها بمن يملك من ولدها ،فطابت نفسها وسكنت(7)

الرواية الخامسة

عن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد،عن سعد بن عبد الله،عن محمّد بن عيسى،عن صفوان بن يحيى، عن الحسين بن أبي غندر،عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)،قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام):
زارنا رسول الله (عليه السلام) وقد أهدت لنا أم أيمن لبناً وزبداً وتمراً، فقدمنا منه، فأكل ثم قام إلى زاوية البيت، فصلى ركعات، فلما كان في آخر سجوده بكى بكاء شديداً، فلم يسأله أحد منّا إجلالاً وإعظاماً له، فقام الحسين (عليه السلام) وقعد في حجره، فقال: يا أبه لقد دخلت بيتنا فما سررنا بشيء كسرورنا بدخولك ثم بكيت بكاء غمّنا، فما أبكاك؟، فقال (صلّى الله عليه وآله):يا بني أتاني جبرائيل (عليه السلام) آنفاً فأخبرني انكم قتلى وأنّ مصارعكم شتى.
فقال: يا أبه فما لمن يزور قبورنا على تشتّتها؟، فقال: يا بني أولئك طوائف من أمّتي يزورونكم فيلتمسون بذلك البركة، وحقيق عليّ ان اتيهم يوم القيامة حتّى أخلّصهم من أهوال الساعة ومن ذنوبهم، ويسكنهم الله الجنّة(8).


الرواية السادسة

حدثني محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد،قال: حدثني محمد بن أبي القاسم ماجيلويه، عن محمّد بن علي القرشي، عن  عبيد بن يحيى الثوري،عن محمد بن الحسين بن علي بن الحسين،عن أبيه،عن جده، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام)،قال:
زارنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ذات يوم فقدمنا إليه طعاماً واهدت إلينا أمّ أيمن صحفة من تمر وقعباً من لبن وزبد،فقدمنا اليه،فأكل منه،فلما فرغ قمت وسكبت على يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ماء، فلما غسل يديه مسح وجهه ولحيته ببلة يديه، ثم قام إلى المسجد في جانب البيت وصلّى وخرّ ساجداً فبكى وأطال البكاء، ثم رفع رأسه، فما اجترى منّا أهل البيت أحد يسأله عن شيء.
فقام الحسين (عليه السلام) يدرج حتّى صعد على فخذي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فأخذ برأسه ووضع ذقنه على رأس رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ثم قال: يا أبه ما يبكيك؟، فقال له: يا بني إني نظرت اليكم اليوم فسررت بكـم سروراً لم أُسَرَّ مثله قط، فهبـط إليّ جبرائيل فأخبرني أنكم قتلى وان مصارعكم شتّى، فحمدت الله على ذلك وسألت لكم الخيرة.
فقال له: يا ابه فمن يزور قبورنا ويتعاهدها على تشتتها،قال: طوائف من أمتي يريدون بذلك برّي وصلتي، أتعاهدهم في الموقف وأخذ بأعضادهم فانجيهم من أهواله وشدائده(9)

ملاحظة هامّة

مفهوم التعاهد لقبورهم الشريفة ذو مصاديـق متعدّدة منها: أنْ يحافظ المؤمن على زيارتها من بعيد أو قريب، ومنها: الحفاظ عليها من طروء النجاسة فيها فلا يدخلها متنجس الثوب والبدن والفؤاد إلاّ للتوبة، ومنها: الدفاع عنها واحترامها بتشييدها ورفع مناراتها، ولـو سألنا أنفسنا نحـن الشيعة هل دافعنا عن تلكم المشاهد الشريفة والعتبات المنيفة في بقيعنا الحزين مع ما نملك من قدرات وطاقات مادية ومعنويّة وجمعيات ومؤسَّسات وأحزاب وتنظيمات ووو... هل رفعنا عنها الضيم والهتك الّذي أصابها منذ نشـأت الدولة الوهابيّة في الحجـاز؟!! وهل أنّ المطالبة باسترداد جزء يسير من أرض فلسطين أو قرى شبعا أهم وأولى من تكرار المناشدة وصيحات الإستنكار على تلك العصابة في صحراء الحجاز؟ وهل إنفاق ملايين الدولارات من أجل تحرير قرية أو مدينة من رجس صدّام حسين في جنوب إيران أهم وأوجب من استنكار بسيط أو اعتراض كبير في محفل دولي على تلك الجماعة التي لا تعرف قيمة للمقدَّسات وعالَم المُثُل؟!! ولتكن قبور أئمتنا (عليهم السلام) كمثل ضريح الجندي المجهول الّذي توضع عليه الزهور وتقف عليه الرجال بتواضع وخشوع، فلا قبورهم محترمة ولا ثمّة مَن يطالب باحترامها ومساواتها بضريح الجندي المجهول، فاين الشيعة إذن؟ وإلى أين هم صائرون؟ اللهمّ عجِّلْ فَرَجَه وأهْلِك أعداءه .

الرواية السابعة

حدثني أبي، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر،عن عبد الكريم بن نصر،عن عبد الكريم ابن عمرو،عن المعلى بن خنيس، قال: كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أصبح صباحاً فرأته فاطمة باكياً حزيناً، فقالت: ما لك يا رسول الله، فأبى أن يخبرها، فقالت: لا آكل ولا أشرب حتّى تخبرني، فقال: إن جبرائيل (عليه السلام) أتاني بالتربة التي يقتل عليها غلام لم يحمل بـه بعد، ولم تكـن يحمل الحسين (عليه السلام) وهذه تربته(10).


الرواية الثامنة

حدثني أبي رحمه الله، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، عن محمد بن سنان، عن أبي سعيد القماط،عن ابن أبي يعفور،عن أبي عبد الله (عليه السلام)،قال: بينما رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في منـزل فاطمة (عليها السلام) والحسين في حجره إذ بكى وخرّ ساجداً ثم قال: يا فاطمة يا بنت محمد ان العلي الأعلى تراءى لي في بيتك هذا في ساعتي هذه في أحسن صورة وأهيا هيئة،وقال لي : يا محمد أتحب الحسين (عليه السلام)، فقلت: نعم قرة عيني وريحانتي وثمرة فؤادي وجلدة ما بين عيني، فقال لي: يا محمد _ ووضع يده على رأس الحسين (عليه السلام) _ بورك من مولود عليه بركاتي وصلواتي ورحمتي ورضواني، لعنتي وسخطي وعذابي وخزيي ونكالي على من قتله وناصبه وناواه ونازعه،أما أنّه سيد الشهداء من الأولين والآخرين في الدنيا والآخرة _ وذكر الحديث(11).

ملاحظة هامّة

المراد من ترائي العلي الأعلى أمور: إمّا أنْ يكون جبرائيل وإما أنْ يكون كناية عن غاية الظهور العلمي، وإمّا كناية عن إفاضة الرّحمة، لا سبيل إلى الأمر الأوّل بقرينة ما جاء في نفس الرّواية من أنّ البركات والصلوات والرّحمات...واللعنات والعذاب والنكال أساسه القدرة الإلهيّة وليس جبرائيل لكونه عبداً مأموراً بإنزال الرّحمة والعذاب على مستحقيهما.
فالأرجح هو الأمر الثاني والثالث لموافقتهما للأدلّة والبراهين عندنا، ومخالفة الأول لها إذ لا يترائى الله تعالى لأيٍّ كان مهما علا شأنه؛ لأنّ الترائي الحسي في الواقع الفلسفي عندنا نحن الإماميّة هو تجسيم للذات الإلهيّة، وقد قامت الأدلّة القطعيّة على بطلانه، مضافاً إلى ذلك ثمـة مانع عقلي مـن الرؤية البصريّة في الدنيا والآخرة، وما ادّعاه الأشاعرة من جواز الرؤية البصريّة يعتبر باطلاً جملةً وتفصيلاً حسبما أشرنا إلى ذلك في بعض كتبنا فلتراجع.


 الرواية التاسعة

حدثني محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن أبيه، عن علي بن محمد بن سالم،عن محمد بن خالد،عن عبد الله بن حماد البصري،عن عبد الله بن عبد الرحمان الاصم،عن مسمع بن عبد الملك،عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال كان الحسين (عليه السلام) مع أمه تحمله،فأخذه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: لعن الله قاتليك، ولعن الله سالبيك، وأهلك الله المتوازرين عليك،وحكم الله بيني وبين من اعان عليك،فقالت فاطمة: يا ابه أي شيء تقول، فقال: يا بنتاه ذكرت ما يصيبه بعدي وبعدك من الأذى والظلم والغدر والبغي،وهو يومئذ في عصبة كأنهم نجوم السماء يتهادون إلى القتل، وكأني أنظر إلى معسكرهم وإلى موضع رحالهم وتربتهم. فقالت: يا ابه وأين هذا الموضع الذي تصف،قال: موضع يقال له كربلاء،وهي ذات كرب وبلاء علينا وعلى الأمة،يخرج عليهم شرار أمتي، ولو أنّ أحدهم شفع له من في السماوات والأرضين ما شفعوا فيهم وهم المخلدون في النار، قالت:يا أبه فيقتل، قال: نعم يا بنتاه، وما قتل قتلته أحدٌ من قبله، وتبكيه السماوات والأرضون والملائكة والوحش والحيتان في البحـار والجبـال، لو يـؤذن لها مـا بقي علـى الأرض متنفس،وتأتيه قوم من محبينا ليس في الأرض أعلم بالله بحقنا منهم، وليس على ظهر الأرض أحد يلتفت إليه غيرهم، أولئك مصابيـح في ظلمات الجور، وهـم الشفعاء، وهم واردون حوضي غداً، أعرفهم إذا وردوا عليّ بسيماهم، وأهل كل دين يطلبون أئمتهم وهم يطلبوننا ولا يطلبون غيرنا، وهم قوام الأرض، بهم ينـزل الغيث _ وذكر الحديث بطوله(12).

إشارة هامّة

في الحديث إشـارة هامّة إلى عِلْـم الإمـام الحسين (عليه السلام) بشهادته في كربلاء، لذا لمّا ذهب إلى العراق لم يكن قاصداً الكوفة حسبما تصوّر ذلك بعض السذج، وإنما كانت كربلاء غايته وهدفه، وكيف يقصد الكوفة وقد علم بخيانة أهلها وغدرهم من ناحيتين:
الأولى: ما فعلوه بأبيه وأخيه وابـن عمّه مسلم بـن عقيل حيث علم بشهادته تأكيداً بعد التاسع من ذي الحجة بأيام على أقصى الأقوال، مضافاً لعدم توفر الظروف الموضوعيّة التي تساعد على الذهاب إلى الكوفة.
الثانية: عِلْم الغيب الّذي حباه به علاّم الغيوب، إذ لا بدّ من التأكيد على هذا الجانب الغيبي لدى حجّة الله الإمام الحسين (عليه السلام)، فنحن عندما نعتقد بأنّ الإمام المعصوم (عليه السلام) حجّة الله تعالى على خلقه وخليفته في بلاده لا بدّ لنا من الإعتقاد بتوافر الوسائل الغيبية التي تقوده إلى أحسن النتائج لئلاّ يكون غيره حجّةً عليه في تصرّفاته ومنطلقاته وأفعاله، مضافاً إلى علمه (عليه السلام) الوراثي على أبعد تقدير، فلا يجوز حينئذٍ إبعاد هذه النواحي والعناصر الغيبيّة عن حياة حجج الله على خلقه (عليهم السلام)، ولمزيد من البحث فليراجع ما حققناه في هذا الشأن.

الرواية العاشرة

حدثني الحسن بن عبد الله بن محمد بن عيسى،عن ابيه،عن الحسن بن محبوب،عن علي بن شجرة،عن سلام الجعفي، عن عبد الله بن محمد الصنعاني، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:
كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا دخل الحسين (عليه السلام) جذبه إليه ثم يقول لأمير المؤمنين (عليه السلام):أمسكه،ثمّ يقع عليه فيقبّله ويبكي يقول:يا أبه لِمَ تبكي؟ فيقول: يا بني اقبّل موضع السيوف منك وابكي، قال: يا أبه وأُقتل، قال: أي والله وأبوك وأخوك وأنت، قال: يا أبه فمصارعنا شتى، قال: نعم يا بني، قال: فمن يزورنا من أمتك، قال: لا يزورني ويزور أباك وأخاك وأنت إلاّ الصّدّيقون من أمتي(13).

الرواية الحادية عشرة

قال إبن قولويه: حدثني أبي رحمه الله وجماعة مشايخي، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن حماد ابن عيسى، عن ربعي بن عبد الله،
عن الفضيل بن يسار، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: ما لكم لا تأتونه _ يعني قبر
الإمام الحسين (عليه السلام) _ فإنّ أربعة آلآف ملك يبكون عند قبره إلى يوم القيامة(14).

الرواية الثانية عشرة

عن محمّد بن جعفر الرزاز، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن موسى بن سعدان، عن عبد الله بن القاسم، عن عمر بن أبان الكلبي، عن أبان بن تغلب، قال: قال الإمام أبو عبد الله (عليه السلام): إنّ أربعة آلآف ملك هبطوا يريدون القتال مع الحسين (عليه السلام)، لم يؤذن لهم في القتال، فرجعوا في الإستيذان فهبطوا وقد قتل الحسين (عليه السلام)، فهم عند قبره شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة، رئيسهم ملك يقال له: المنصور(15).

الرواية الثالثة عشرة

عن إبن قولويه القمي عن والده رحمه الله وجماعة من مشايخه، عن سعد بن عبد الله، عن علي بن إسماعيل، عن حماد بن عيسى، عن ربعي، عن الفضيل بن يسار، قال: قال الإمام أبو عبد الله (عليه السلام): ما لكم لا تأتونه _ يعني قبر الإمام الحسين (عليه السلام) _ فإنّ أربعة آلآف ملك يبكون عنده إلى يوم القيامة(16).

الرواية الرابعة عشرة

عن محمّد بن جعفر الرزاز، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل، عن أبي إسماعيل السرّاج، عن يحيى بن معمّر العطار، عن أبي بصير، عن مولانا أبي جعفر (عليه السلام)، قال: أربعة آلآف مَلَك شعث غُبُر يبكونه إلى يوم القيامة(17).

الرواية الخامسة عشرة

عن إبن قولويه القمّي عن أبيه رحمه الله وعن عليّ بن الحسين جميعاً، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: وكّل الله تعالى بالإمام الحسين (عليه السلام) سبعين ألف ملك، يصلون عليه كل يوم شُعُثاً غُبُراً منذ يوم قُتِل (عليه السلام) إلى ما شاء الله _ يعني بذلك قيام القائم (عليه السلام)(18).


الرواية السادسة عشرة

عن سعد، عن إبراهيم بن هاشم، عن إبن فضال، عن ثعلبة، عن مبارك العطار، عن محمّد بن قيس، قال: قال لي ابو عبد الله (عليه السلام): عند قبر الإمام الحسين (عليه السلام) اربعة آلآف ملك شُعُث غُبُر، يبكونه إلى يوم القيامة(19).


الرواية السابعة عشرة

عن إبن قولويه القمي عن أبيه رحمه الله ومحمّد بن الحسن وعليّ بن الحسين جميعاً، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن إسحاق بن إ براهيم، عن هارون، عن الإمام أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: وَكَّلَ الله به أربعة آلآف مَلَك شُعُث غُبُر، يبكونه إلى يوم القيامة(20).