النشرة الهاشمية المكتبة الهاشمية الى الصفحة الرئيسية

 

الفصل الأول الإهداء والمقدمة فهرس الكتاب
الفصل الرابع الفصل الثالث الفصل الثاني

 إهداء

سيّدي ومولاي يا حجّة الله على خلقه يا حسين بن عليّ، عليك وعلى آبائك وأبنائك المطهرين مني آلاف التحيّة والسَّلام..يا دمعة كلِّ عارفٍ ومستوحش من مبغضيك..يا سند كلِّ مظلوم يا ذخر المستضعفين وأمل المحرومين والمضطهدين..سيّدي أيها الوتر الموتور..لقد ظلموك في حياتك فلم ينصروك..ولا يزال الظلم يحيط بقضيتك الكبرى لينفثَ السمومَ بشعائرك المقدَّسة ليميت وهجك المتوقد من شعاع القدس الإلهي..إلى عليائك أيها الإمام القائد الفذ المُلْهَم والمُلْهِم، أهدي كتابي هذا دفاعاً عن محبيك ومريديك الّذين أصبغوا رؤوسهم وصدورهم بدمائهم تذكيراً بعاشورائك الدامية والحزينة..فكن لي ولهم _ يا سندي ومددي _ يومَ تشخص الأبصار وتنخلع فيه الأفئدة والعقول، شفيعاً ومعيناً، وانصرنا على مبغضيك في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد..مولاي يا قبلة الله تعالى..أسألك أنْ تدنيني من قربك أكثر فأكثر لأكون مجنوناً بحبك، مُتَيَّماً بوصال قُدسك..يا من عليه جيوب القدس تتوقد..أرجوك إقبلني لأُكَّر في رجعتك لأنتقم لك يا أسير الكربات يا حبيبي يا حسين..
عبدك بفنائك يقرع باب إحسانك
محمَّد

تمهيد
بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله ربّ الخلائق أجمعين، والصّلاة والسلام على أشرف الكائنات _ سيّدنا محمّد وآله الغرّ الميامين _ واللعنة الدائمة السرمدية على أعدائهم أعداء الله من الأوّلين والآخرين إلى قيام يوم الدّين...
وبعد...
في أوّل شهر محرّم من أواخر كلّ عام تبدأ الحملات المسعورة من قِبَل العامّة وأذنابهم من الشيعة ضدّ عاشوراء وما تختزنه من مشاعر وعواطف قلّ نظيرها في بقيّة المناسبات، بغية تشويهها، وتشكيك القواعد الشيعيّة بمضامينها عبر إثارة الشبهات حولها بدءاً بالبكاء وانتهاءاً بالتطبير والضرب بالسلاسل واللطم، فتبدأ المحاضرات وإلقاء الخطب هنا وهناك ليشككوا بكل شيء يمتّ إلى عاشوراء، ويُكَشِّر الصحفيون المنافقون ذوو المطامع والمطامح عن أنيابهم كلّ سنة ليفترسوا بأقلامهم المأجورة وألسنتهم الحُداد الشحيحة تلكم المراسم العاشورائيّة البريئة والعذراء، فيحاولون افتضاضها واغتصابها لينفّسوا عن شهواتهم ونزواتهم التي طالما اختزنوها لشهر محرّم الحرام، فليس ثمّة منكر أو فساد في محرَّم سوى مراسم عاشوراء، إذ ليس وراء عبادان قرية...
فلا يعجبهم شيء من شعائر عاشوراء، فلا قارئ العزاء ولا الخطيب المفوّه... ولا الباحث النحرير يروق لهم أو يستريحون لأفكاره... لِمَ؟ ألأنه يدافع عن مراسم الطف الشجيَّة ويربط الناس بأشرف قضيّة وأعظم رزيّة ألا وهي كربلاء مولى الأحرار الإمام الحسين بن عليّ (عليهما السلام)، فلماذا كلّ هذا الكيد بل النصب والعـداوة لمراسم عاشـوراء؟ ألأنّها قتلـت آبـاءهم واختلست أموالهم؟ كلاّ، وإنما لأنها تنتمي للإمام الحسين (عليه السلام) فأرعبت قلوبهم وصَعَقَتْ عقولهم، فلم يستطيعوا أنْ يحاربوا الإمام الحسين (عليه السلام) مباشرةً كما حاربه أعداء عصره، فحاربوا المراسم والشعائر الملتصقة به، ولو كانوا صادقين بمحبتهم للإمام الحسين (عليه السلام) لَمَا حاربوا مراسمه وشعائره التي تقرّب الناس إلى أهدافه، وتشدّهم إلى الإنتساب إليه (عليه السلام)، ومَن أحبّ شخصاً أحبَّ كلّ ما ينتسب إليه، من هنـا قيل شعراً عن مجنـون ليلى:
وما حبّ الديار شغف قلبي             ولكن حبّ مَن في الديار
إنّ مظلوميّة الإمام الحسين (عليه السلام) هي في منتهى درجات المظلوميّة وأقصى مراتبها، تتضاءل أمامها كلّ مظلوميّة، فذكرها يثير العواطف والأشجان والعبرات، وتخلع الأفئدة وتهزّ المشاعر والمدارك، ولو أنّ أمّة الإسلام أحبَّتْ الإمام الحسين (عليه السلام) _ كما تدّعي _ لاستطاعَتْ عبر ذكراه العَطِرة من بسط مفاهيم الإسلام ونشر رحمته وعدله على العالَمين ولَتَحرَّرَتْ من نير المستعمرين، ولا أعني بالمستعمرين الإفرنج فحسب بمقدار ما يشمل هذا المصطلح كلّ مَن يريد للباطل أنْ يهيمن وينتشر، وهل ثمّة باطل أعظم من أنْ يتحكّم بنا _ نحن الشيعة _ عصابةٌ من المخالفين لا يرحمون صغيرنا ولا يوقِّرون كبيرنا، ولا حرمة لأعراضنا وأموالنا لديهم، فنحن بنظرهم طائفة من اليهود تستباح أموالنا وأعرضنا ودماؤنا على حدّ تعبير إبن تيميّة وأذنابه اليوم؟!! وهل ثمّة ظالم غاشم كأولئك الّذين هدموا قبور أئمتنا (عليهم السلام) في بقيع المدينة وحاولوا هدم قبورهم في العراق في الآونة الأخيرة وبالضبط في أيام محرّم الحرام من العام 1424هـ/2004م؟!!
كلّ ذلك من أجل أنّ قبور ائمتنا (عليهم السلام) منارات تنير دروب الحيارى في صحراء المادة، ولأنّ هاتيك المقابر الشريفة شعار إلهيٌّ يقضّ مضاجع أولئك الظالمين، فراحوا يجنّدون كلّ طاقاتهم، ويحشدون عملائهم لضرب الشعائر الحسينيّة وكلّ ما يمتّ إلى أئمتنا (عليهم السلام) بصلة، لكنّ جهودهم باءت بالفشل الذريع بفضل تماسك الموالين وجهود العلماء العاملين العارفين بأمر آل البيت (عليهم السلام) لا الّذين يزحفون على بطونهم إلى المخالفين وما أكثرهم اليوم حيث باتوا يعزفون على وتر آخر وهو تشويه مظلوميّة الأئمّة (عليهم السلام) وشيعتهم خلف شعار نسبة الشيعة إلى العنف والقسوة، وهو سلاحٌ فتّاك ذو حدَّيْن، فهو من جهة ينخر في مفاهيمنا ليهشمها شيئاً فشيئاً بنفث الشبهات والتشكيكات حولها لا سيّما ما يتناول الجانب المأساوي الّذي تعرّض له أئمتنا (عليهم السلام) من قِبَل طواغيت عصرهم، ومن جانب آخر ينعت القواعد الشيعيّة بالتخلف عن مواكبة الحداثة وترويج الفتاوى الترخيصيّة التي تحرر المسلم من ربقة الإنقياد والإنصياع للحكم الشرعي الداعي إلى تقييد النـزوة والشهوة والإسترسال في الإباحة، وكأنّ الحداثة بنظر هذا الفريق وذاك هو أنْ تخلع عن نفسك كلَّ قديم سوآء أكان حكماً أم شعاراً وتقليداً أقرته الأعراف والشرائع، ويتماشى مع أصول الأديان والأحكام، والأعجب من ذلك أنّ قبولهم لكلِّ جديدٍ طبقاً لمفهوم الحداثة عندهم هو أنّ بعض مراسم عاشوراء ليس قديماً جدّاً ومع هذا يرفضونه لأنه يتوافق مع توجهات ورغبات المخالفين المعادين لمواكب عاشوراء، لذا فإنّ هذه القوارض البشريّة في ثغاء مستمر، وثغِمٍ لا ينقطع، ما دامت الشعائر والمراسم...
لكلّ رسول ووصي إمتداد بعده، فامتداد الرّسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) في القرآن المعجزة، وامتداد أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) في نهجه الّذي رسمه لنا وبطولاته ومواقفه المشرِّفة، وامتداد سيّدة النساء بصرختها الكبرى بوجه الظالم المستبد، وامتداد الإمام الحسن (عليه السلام) بحفظه لمصالح المؤمنين وشفقته على عامّة المستضعفين، وامتداد الإمام الحسين (عليه السلام) إنما كان بثورته على الظالمين، فدوره (عليه السلام) يختلف عن أدوار مَن سبقه من الأولياء الطاهرين بشكل عام، حيث كان دوره العظيم في الإنقضاض المبارَك على المبادئ الفاسدة والمفاهيم البائرة المترسخة في مجتمع الجزيرة العربيّة، فدوره ثورة، وهي بحاجة إلى إحياء بكلّ أبعادها ومرافقها في واقع الحياة، ولا يمكن أنْ تحيا بالحفلات والقصائد والخطب لأنّ ذلك يصلح أنْ يكون ممسكاً لإنتاج عطاء الذكرى ولا تصلح لأن تخلق شعلةً ثوريّةً هي في الواقع إمتداد للثورة الأم، فالشعلة هي الوحيدة القادرة على أنْ تموّج الحياة وتزلزل الأرض بعروش المستكبرين ولو كانوا بعمائم رجال دين، وتنفض عنها التيجان الجائرة، وتنتزع القيادات من الأيدي القذرة، لتضعها في أيدي الّذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، والكفيل بذلك ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) من خلال الإمتداد الواقعي لها وهو مجموع ما يفعله الشيعة الكرام في بلادهم ايام عاشوراء من المراسم الحسينيّة المتنوعة كالتطبير واللّدم واللطم وما شاكل ذلك من الأمور التي تعيد إلى الأذهان واقع المأساة التي عاشها غريب كربلاء (عليه السلام)، فمواكب عاشوراء بكلّ ضجيجها وتوترها وانفعالها هي الوحيدة التي تنقلنا من أجوائنا المعقَّدة والهزيلة إلى جوّ الثورة التي عاشها غريب الطف (عليه السلام) في صحراء العراق.
والثورة الحسينيّة بما تملكه من زخم عقيدي لا يمكن أنْ تزعزعها جهة سياسيّة أو تنظيم اجتماعي، مهما كانت هذه الجهة وهذا التنظيم يختزنان أفكاراً وتوجهات، ولا يمكن أن تقف جهةٌ بوجه المدّ الثوري الحسيني، من هنا خشيها الأعداء والأقرباء الأدعياء، ولو كانت _ هذه الثورة _ لبقيّة الأمم لاستدرت منها طاقات تؤهلها للسيطرة على الأرض، لكنّ الأمّة الإسلاميّة تبخسها حقها لهبوط مستوى الوعي لدى قيادتها، فلا تستفيد منها بالمقدار الممكن الّذي يريده منا أهل البيت (عليهم السلام) من خلال إحياء الذكرى.
فعلى المخلصين من أفراد الأمّة أنْ يصعّدوا درجة الإخلاص إلى مراسم هذه الثورة لعلّ عامّة الأفراد يؤوبون إلى رشدهم يوماً ما ليبنوا كيانهم من جديد، ولو أنّ الأمّة تغافلت أو تناست ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) أو فرّطَتْ في مراسمه المقدَّسة لحكمت على نفسها ومستقبلها بالموت الرّوحي والنفسي والفكري، إذ قد تكون قد سدّت على الأجيال الطالعة أغزر مواردها، ولو استيقظت يوماً من الأيام فلا تقدر على النهوض إذ لا تجد حينئذٍ مقوّمات النهوض والصّمود.
علينا أنْ نحافظ على ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) وامتدادها الحقيقي لكونها أمانة كبرى امتحننا الله تعالى بها، فكما إنّ أجدادنا وأسلافنا حافَظوا عليها بالأضاحي والقرابين الكثيرة حتى تناقلتها أجيالٌ فأجيال إلى أنْ وصلَتْ إلى جيلنا المنكوس الملغوم، فيجب على هذا الجيل أنْ يحافظ عليها بكلّ ما أوتي من قوّة ليمكنه أنْ يسلِّمها إلى الأجيال بعده.
وقد حاول الأعداء أنْ يخرّبوا على مفاهيم ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) بإلقاء الشكوك حولها فلم يفلحوا، فغيّروا طريقتهم في المحارَبة، فحاموا حول المراسم لكنهم أيضاً باءوا بالفشل الذريع، لأنّ حربهم كانت من ندٍّ إلى ندٍّ آخر، فكانت خسارتهم مضمونة النتائج، لذا ارتأوا أنْ تكون الحرب هذه المرّة من أجل الصف الشيعي ليحارب الشعائر بدلاً عنهم، وخير بديل لهم هو أنْ يخترعوا مرجعيات خاصّة بهم أو أحزاب ومنظمات تحقق أهدافهم، وكان الّذي أرادوا، فتحركت هذه المرجعيات والقيادات التنظيميّة لضرب مراسم عاشوراء بكلّ مصاديقها وتنوعّها تحت ظلال حجج واهية كبيت العنكبوت.
لقد اعتقد المخالفون "بأنّ ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) هي الصخرة الوحيدة في سبيل تقدّم الإسلام بل هي القلعة الوحيدة الصامدة التي تمنع انحسار الإسلام وتقدّم الإستعمار، والأحزاب التي تتلقى الإيحاء والأموال من المستعمرين _ بلا واسطة أو مع واسطة _ لا يمكن أنْ تخالف الإيحاء ما دامت تحاذر أنْ تنقطع عنها الأموال، وحيث إنّ هذه الأحزاب لا تحارب ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) لعقيدة تناقضها _ كما تفعل الأحزاب الإلحاديّة _ وإنما تحاول تنفيذ إرادة المستعمرين فيها لتقبض عمولتها، لا تستند في حربها إلى دليل معين، وإنما تنتهز كلّ حق وباطل لضرب هذه الثورة المقدَّسة، فمرّة تستدل بالآراء الشاذة لبعض المؤلفين، بينما هي لا تعترف بأولئك المؤلفين ولا بالمراجع الكبار إلاّ للتستّر بأسمائهم فحسب، وطوراً تتذرع بأنّ الأعداء يضحكون منا، فيما هي لا تحذر أن يضحك منها الأعداء والأصدقاء عندما جعلت من نفسها أصابع طيعة للإستعمار... إنّ موقفنا من الشعائر الحسينيّة يتركز على قاعدة فكريّة وطيدة، ليس لنا الإنحراف عنها، وإنْ تظاهرتْ قوى العالَم ضدّها، وهل نكفّ ضحك الأعداء علينا بالتخلي عن واقعنا أو بإستعراض فضائحهم حتى ينكمشوا على مخازيهم ولا يتطاولوا على مقدّساتنا؟ وهل لنا أنْ نأخذ بما يريده الأعداء أو بما يمليه علينا واقعنا؟ ثمّ هـل الأعداء أقـوى تنكيراً أم أبطـال الإسلام؟ ولماذا يضطرب موقفنا بمجرّد ضحك الأعداء؟ وإذا كانت ثقتنا بالأعداء أكبر من ثقتنا بأئمتنا (عليهم السلام) فعلينا إذن أنْ ننبذ الإسلام كلّه، ونعتنق مبادئ الأعداء؟!! وإنْ كنا نؤمن بأئمتنا (عليهم السلام) أكثر من أعدائنا فلماذا نتبع أفعال أعدائنا؟ ولماذا لا نتمسّك بتعاليم أئمتنا (عليهم السلام)؟؟؟ علينا أنْ نعلَم أنّ الأعداء يتربّصون بنا فيشجعون التوافه ويضحكون على العظائم حتى نترك العظائم ونعيش التوافه، والأعداء عندما يضحكون من شيء فإنما يضحكون بعقولهم لا بعواطفهم، فلا يضحكون أبداً على نقاط الضعف لأنهم لا يخافون منها، وإنما يضحكون دائماً على نقاط القوّة لأنهم يهابونها، فيحاولون القضاء عليها، فعلينا متى أردنا السيادة أنْ نستلهم واقعنا بنظرة مستقلة تعي مكاسبها وخسائرها، ولا تلتفت مطلقاً إلى ما يفعله الأعداء" (1).
في وسط مجتمعنا فئة لها خلفيات عامية، تسعى دائماً لتحطيم القيم الدينية والثوابت التاريخية تحت شعارات برّاقة ينخدع بها جيل اليوم، وتحت ظلّ هذه الشعارات يسهل التربّع على سدّة القيادة والمرجعيّة التي اصطنعوها لأنفسهم لإحداث تغيير جذريٍّ في الأمّة بتغيير مفاهيمها وعقائدها إلى مفاهيم وعقائد غريبة عن التشيع، بل هي في الواقع مفاهيم أشعريّة تطمح إلى إنشاء حكومة قوميّة، ترفع شعار الإسلام بيدٍ، والمنجل بيدٍ أخرى لتحصد كلّ مخالفٍ لها أو مشاكسٍ لتوجهاتها.
إنّ علينا إزاء المواقف المتشنجة على المراسم العاشورائيّة ومفاهيمنا الدينية واجب الصمود المرتكز على الولاء الحقيقي لأهل بيت العصمة (عليهم السلام)، مع التأكيد على عنصر البرائة من أعدائهم.
كما لا يفوتنا أنْ نعلَم أنّ رضا الله تعالى لا يكون إلاّ بمقدار تعلقنا بآل البيت (عليهم السلام) والذود عنهم، وإنّ تحريم شيء لأجل إرضاء الغير مهزلة وحرام، وأنّ مَن قدّم رضا المخلوق على سخط الخالق هو ملعون.
وعليه فمَن تصوّر أنّ التطبير حرام لأجل أنه سبب لتوهين المذهب وإساءةً لسمعته مخطئ، ويجب أنْ يراجع تصوراته التي بنى عليها دليله على الحرمة، فإنّ الإعتراف بالخطأ فضيلة، والإنصياع للحق مكرمة، لأنّ مَن زهد بالحق، زواه الله تعالى عن الجنة فأدخله النار وبئس القرار.
ومن هنا جاءت هذه الدّراسة العلميّة لتعالج موضوعاً هاماً ألا وهو المراسم الحسينيّة وبالأخصّ التطبير الّذي يدور حوله جدال من قِبَل جهاتٍ محدودة، لذا مست الحاجة إلى معالجة الموضوع بطريقةٍ استدلاليةٍ تميط اللثام عن حقيقة الحكم الشرعي للتطبير من خلال الأدلّة المعتبرة لدى الشيعة لاستجلاء الحكم الشرعي على موضوع من الموضوعات.
ونأمل من القارئ الكريم أنْ يطالع الكتاب بدقّة وأنْ يجعله مصدراً له حينما تعييه المذاهب للإستدلال على موضوع البحث، وذلك لتميزه بإستعراض الأدلة الفقهيّة على المسألة سلباً وإيجاباً والرّدّ على ما لا يتوافق مع المنهج الفقهي الإستدلالي الّذي يعتمده فقهاء الإماميّة قديماً وحديثاً، لذا جاءت الدّراسة فريدة في نهجها العلمي وسيرها الإستدلالي الفِقهي ولله المنّة والحمد، ولأوليائه الشكر الجزيل الّذين منهم نستمدّ وعنهم نذود ولأجلهم نحيا ونموت، وقد جاءت ضمن ثلاثة فصول:
الفصل الأوّل: حول عرض الأخبار الدالة على البكاء والمناشئ المحفِّزة له.
الفصل الثاني: حول مشروعيّة البكاء.
الفصل الثالث: حول مشروعيّة التطبير، وأدلّة المجوِّزين، ودعاوى المحرِّمين ومناقشتها.
اللهمّ اجعلني من جندكَ فإنّ جندك هم الغالبون، واجعلني من حزبكَ فإنّ حزبكَ هم المفلِحون، واجعلني من أوليائكَ فإنّ أولياءكَ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، اللهمّ فلا تجعلني ممن صرَفْتَ عنه وجهك وحجبه سهوه عن عفوك، إلهي هَبْ لي كمال الإنقطاع إليك وأَنِرْ أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور، فتصل إلى معدن العظمة وتصير أرواحنا معلَّقة بعزّ قدسك، إلهي واجعلني ممّن ناديته فأجابك، ولاحظته فصعق لجلالك فناجيته سِرّاً وعمل لك جهراً. اللهمّ صلِّ على محمّدٍ وآلِ محمّد وعجِّلْ فَرَجَهم والعن أعداءهم.

بيروت:1/12محرَّم/1424هـ
محمّد جميل حمّود العاملي
 

النشرة الهاشمية المكتبة الهاشمية الى الصفحة الرئيسية