الى الصفحة الرئيسية

الى المكتبة الهاشمية

الى فهرس الجزء 2

 

فصل

مسوغات الغيبة

لما عرفت ان الغيبة ذكر الغير بما يكرهه لو سمعه، فاعلم ان ذلك انما يحرم اذا قصد به هتك عرضه، و التفكه به، او اضحاك الناس منه. و اما اذا كان ذلك لغرض صحيح لا يمكن التوصل اليه الا به. فلا يحرم، و الاغراض الصحيحة المرخصة له امور.

الاول-النظلم عند من له رتبة الحكم و احقاق الحقوق، كالقضاة و المفتين و السلاطين، فان نسبة الظلم و السوء الى الغير عندهم لاستيفاء الحق جائز، لقول النبي صلى الله عليه و آله: «لصاحب الحق مقال‏» ، و قوله صلى الله عليه و آله «لي الواجد يحل عرضه و عقوبته‏» و عدم انكاره صلى الله عليه و آله على قول هند بحضرته: ان ابا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني اياي و ولدي، افآخذ من غير علمه؟ و قوله-صلى الله عليه و آله- لها: «خذى ما يكفيك و ولدك بالمعروف‏» .

الثاني-الاستعانة على رفع المنكر و رد المعاصي الى الصلاح، و انما يستباح بها ذكر مساءته بالقصد الصحيح لا بدونه.

الثالث-نصح المستشير في التزويج، و ايداع الامانة، و امثالهما.

كذلك جرح الشاهد و المفتي و القاضي اذا سئل عنهم، فله ان يذكر ما يعرفه من عدم العدالة و الاهلية للافتاء و القضاء، بشرط صحة القصد و ارادة الهداية و عدم باعث‏حسد او تلبيس من الشيطان، و كذلك توقى المسلمين من الشر و الضرر او سرايه الفسق و البدعة، فان من راى عالما او غيره من المؤمنين يتردد الى ذي شر او فاسق او مبتدع، و خاف ان يتضرر و يتعدى اليه الفسق و البدعة بمصاحبته. يجوز له ان يكشف له ما يعرفه من شره و فسقه و بدعته. بشرط كون الباعث مجرد خوف وصول الشر و الفساد او سراية الفسق و البدعة اليه. قال رسول الله-صلى الله عليه و آله-: «اترعوون عن ذكر الفاجر حتى لا يعرفه الناس؟ اذكروه بما فيه يحذره الناس‏» .

و من جملة ما يدخل في تحذير المسلمين و توقيهم من الشر و الضرر، اظهار عيب يعلمه في مبيع، و ان كرهه البايع، حفظا للمشتري من الضرر. مثل ان يشتري عبدا، و قد عرفه بالسرقة او الفسق او عيب آخر، او فرسا، و قد عرفه بكونه مال الغير، فله ان يظهر ذلك، لاستلزام سكوته ضررا على المشتري.

الرابع-رد من ادعى نسبا ليس له.

الخامس-القدح في مقالة او دعوى باطلة في الدين.

السابع-ضرورة التعريف، فانه اذا كان احد معروفا بلقب يعرب عن عيب، و توقف تعريفه عليه، و لم يكن اثم في ذكره، بشرط عدم امكان التعريف بعبارة اخرى، لفعل الرواة و العلماء في الاعصار و الامصار فانهم يقولون: روى الاعمش و الاعرج و غير ذلك، لان الغالب صيرورته بحيث لا يكرهه صاحبه.

الثامن-كون المقول فيه مستحقا للاستخفاف، لتظاهره و تجاهره بفسق، كالظلم و الزنا و شرب الخمر و غير ذلك، بشرط عدم التعدى عما يتظاهر به، اذ لو ذكره بغير ما يتظاهر به لكان اثما، و اما اذا ذكر منه مجرد ما يتجاهر به فلا اثم عليه، اذ صاحبه لا يستنكف من ذكره، و ربما يتفاخر به و يقصد اظهاره. و مع قطع النظر عن ذلك، فالاخبار دالة عليه، كما تقدم جملة منها. و قال رسول الله-صلى الله عليه و آله-: «من القى جلباب الحياء من وجهه فلا غيبة له‏» . و قال-صلى الله عليه و آله-: «ليس لفاسق غيبة‏» .

و الظاهر ان ذكر ما يتجاهر به من العيوب ليس غيبة، لا شرعا و لا لغة، لا انه غيبة استثنى جوازها شرعا، قال الجوهري: «الغيبة ان يتكلم خلف انسان مستور بما يغمه لو سمعه، فان كان صدقا سمى غيبة و ان كان كذبا سمى بهتانا» .

هذا و قد صرح جماعة بجواز الغيبة في موضعين آخرين: احدهما:

ان يكون اثنان او اكثر مطلعين على عيب رجل، فيقع تحاكيه بينهم من غير ان يظهروه لغيرهم ممن لم يطلع عليه، و في بعض الاخبار المتقدمة دلالة على جوازه، كما لا يخفى. و ثانيهما: ان يكون متعلقها-اعني المقول فيه-غير محصور، كان يقال: «قال قوم كذا، او اهل البلد الفلاني كذا» . و مثله اذا قال: «بعض الناس يقول او يفعل كذا، او من مر بنا اليوم شانه كذا» ، اذا لم يتعين البعض و المار عند المخاطب، و لو انتقل الى شخص معين لقيام بعض القرائن، كانت غيبة محرمة، و كذا لو قال: «بعض من قدم من السفر، او بعض من يدعى العلم‏» ، ان كان معه قرينة يفهم عين الشخص فهو غيبة و الا فلا. و كذا ذكر مصنف في كتابه فاضلا معينا، و تهجين كلامه بلا اقتران شي‏ء من الاعذار المحوجة الى ذكره غيبة، و اما لو ذكره بدون تعيينه، كان يقول: «و من الفضلاء من صدر عنه في المقام هفوة او عثرة‏» ، فليس غيبة. ثم السر في اشتراط الغيبة بكونه تعريضا لشخص معين، و عدم كون التعرض بالمبهم و غير المحصور غيبة، عدم حصول الكراهة مع الابهام و عدم الانحصار، كما لا يخفى. و ربما كان في بعض الاخبار ايضا اشعار به، و قد كان رسول الله-صلى الله عليه و آله-اذا كره من انسان شيئا يقول: «ما بال اقوام يفعلون كذا و كذا» من دون تعيين للفاعل.

تذنيب

كفارة الغيبة

كفارة الغيبة-بعد التوبة و الندم للخروج عن حق الله-ان يخرج من حق من اغتابه. و طريق الخروج من حقه، ان كان ميتا او غائبا لم يمكن الوصول اليه، ان يكثر له من الاستغفار و الدعاء، ليحسب ذلك يوم القيامة من حسناته و يقابل بها سيئة الغيبة، و ان حيا يمكن الوصول اليه و لم تبلغ اليه الغيبة، و كان في بلوغها اليه مظنة العداوة و الفتنة، فليكثر له ايضا من الدعاء و الاستغفار، من دون ان يخبره بها، و ان بلغت اليه او لم تبلغه، و لم يكن في بلوغها ظن الفتنة و العداوة، فليستحله متعذرا متاسفا مبالغا في الثناء عليه و التودد اليه، و ليواظب على ذلك حتى يطيب قلبه و يحله فان لم يطب قلبه من ذلك و لم يحله، كان اعتذاره و تودده حسنة يقابل بها سيئة الغيبة في القيامة. و الدليل على هذا التفصيل قول الصادق عليه السلام: «و ان اغتبت فبلغ المغتاب، فاستحل منه، فان لم تبلغه لم تلحقه، فاستغفر الله‏» (1) و ذلك لان في الاستحلال مع عدم البلوغ اليه اثارة للفتنة و جلب الضغائن و في حكم من لم يبلغه من لم يقدر على الوصول اليه بموت او غيبة، و على هذا فقول النبي-صلى الله عليه و آله-: «كفارة من اغتبته ان تستغفر له‏» ، محمول على صورة عدم امكان الوصول اليه، او امكانه مع ايجاب الاعلام و الاستحلال لاثارة الفتنة و العداوة. و قوله-صلى الله عليه و آله-:

«من كانت لاخيه عنده مظلمة في عرض او مال، فليتحللها منه من قبل ان ياتي يوم ليس هناك دينار و لا درهم، انما يؤخذ من حسناته، فان لم تكن له حسنات اخذ من سيئات صاحبه فزيدت على سيئاته‏» ، محمول على صورة البلوغ، مع عدم ايجاب الاعلام و الاستحلال فتنة و عداوة.

تتميم

البهتان

قد ظهر مما تقدم ان البهتان ان تقول في مسلم ما يكرهه و لم يكن فيه، فان كان ذلك في غيبته كان كذبا و غيبة، و ان كان بحضوره كان اشد انواع الكذب. و على اى تقدير، فهو اشد اثما من الغيبة و الكذب قال الله سبحانه:

«و من يكسب خطيئة او اثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا و اثما مبينا» (2) .

و قال رسول الله-صلى الله عليه و آله-: «من بهت مؤمنا او مؤمنة، او قال فيه ما ليس فيه، اقامه الله على تل من نار، حتى يخرج مما قاله فيه‏» . و قال الصادق عليه السلام: «من بهت مؤمنا او مؤمنة بما ليس فيه، بعثه الله عز و جل في طينة خبال، حتى يخرج مما قال‏»

قلت: و ما طينة خبال؟ قال: «صديد يخرج من فروج المومسات‏» (3)

ثم ما ورد في ذم اللسان و كونه شر الاعضاء و منبع اكثر المعاصي-كما ياتي في موضعه-يدل على ذم الغيبة و البهتان، كما يدل على ذم جميع آفات اللسان مما تقدم: من الفحش، و اللعن، و الطعن، و السخرية، و غير ذلك، و ما ياتي: من الكذب، و المزاح، و الخوض في الباطل. و فضول الكلام، و غير ذلك.

وصل

المدح و مواضع حسنه و قبحه

الغيبة لما كانت راجعة الى الذم، فضدها المدح و دفع الذم، و البهتان لما كان كذبا، فضده الصدق. و كما ان لكل واحدة من آفات اللسان مما مر و مما ياتي ضدا خاصا، فكذلك لجميعها ضد واحد عام هو الصمت -كما اشير اليه فيما سبق ايضا و ضد البهتان-اعني الصدق-ياتي في مقام بيان الكذب. و اما الضد العام لكل، فقد ياتي في موضعه مع ما يدل بعمومه على ذم جميع آفات اللسان، فهنا نشير الى بيان المدح و ما يحمد منه، حتى يكون ضدا لها و فضيلة للقوة الغضبية او الشهوية، و ما يذم منه حتى يكون رذيلة لاحدهما، فنقول:

لا ريب في ان مدح المؤمن في غيبته و حضوره ممدوح مندوب اليه لكونه ادخالا للسرور عليه، و قد علم مدحه و ثوابه، و لما ورد من ان رسول الله-صلى الله عليه و آله-اثنى على اصحابه، و انه قال لجماعة -لما اثنوا على بعض الموتى-: «وجبت لكم الجنة، و انتم شهداء الله في الارض‏»

و لما ورد من «ان لبنى آدم جلساء من الملائكة، فاذا ذكر احد اخاه المسلم بخير، قالت الملائكة: و لك مثله، و اذا ذكره بسوء، قالت الملائكة:

يا ابن آدم المستور عورته، اربع على نفسك! و احمد الله اذ ستر عورتك‏»

و لكنه ليس راجحا مندوبا على الاطلاق، بل اذا سلم من آفاته، و هي ان يكون صدقا لا يفرط المادح فيه، بحيث‏ينتهي الى الكذب، و الا يكون المادح فيه مرائيا منافقا، بان يكون غرضه اظهار الحب مع عدم كونه محبا في الواقع سواء كان صادقا فيما ينسبه اليه من المدح ام لا، و الا يمدح الظالم و الفاسق و ان كان صادقا فيما يقول في حقه، لانه يفرح بمدحه و ادخال الفرح على الظالم او الفاسق غير جائز، قال رسول الله صلى الله عليه و آله: «ان الله ليغضب اذا مدح الفاسق‏» . فالظالم الفاسق ينبغي ان يذم ليغتم، و لا يمدح ليفرح، و الا يقول ما لا يتحققه و لا سبيل له الى الاطلاع عليه.

و هذه الآفة انما تتطرق في المدح بالاوصاف المطلقة و الخفية، كقولك انه تقي ورع زاهد خير، او قولك: انه عدل رضى، و امثال ذلك، لتوقف الصدق في ذلك على قيام الادلة و الخبرة الباطنة، و تحققهما في غاية الندرة. فالغالب ان المدح بامثال ذلك يكون من غير تحقق و تثبت، و الا يحدث في الممدوح كبرا او اعجابا يوجبان هلاكه، و لا رضى عن نفسه يوجب فتوره عن العمل، اذ من اطلقت الالسنة بالثناء عليه يرضى عن نفسه، و يظن انه قد ادرك، و هذا يوجب فتوره عن العمل، اذ المتشمر له انما هو من يرى نفسه مقصرا، و لذلك قال رسول الله-صلى الله عليه و آله-: لرجل مدح بحضرته رجلا آخر: «ويحك! قطعت عنق صاحبك، لو سمعها ما افلح‏» و قال-صلى الله عليه و آله-:

«اذا مدحت اخاك في وجهه، فكانما امررت على حلقه الموسى‏» و قال ايضا لمن مدح رجلا: «عقرت الرجل عقرك الله! » . و قال-صلى الله عليه و آله-: «لو مشى رجل الى رجل بسكين مرهف، كان خيرا له من ان يثنى عليه في وجهه‏» .

و السر في هذه الاخبار: ان المدح يوجب الفتور عن العمل، او الكبر او العجب، و هو مهلك، كقطع العنق و العقر و امرار الموسى او السكين على الحلق، فان سلم المدح عن الآفات المذكورة المتعلقة بالمادح و الممدوح كان ممدوحا، و الا كان مذموما. و بذلك يحصل الجمع بين ما ورد في مدحه-كما تقدم-و ما ورد في ذمه.

فاللازم على المادح ان يحترز عما تقدم من الآفات المتعلقة به، و على الممدوح ان يحترز من آفة الكبر و العجب و الفتور و الرياء، بان يعرف نفسه و يتذكر خطر الخاتمة، و لا يغفل عن دقائق الرياء، و يظهر كراهة المدح، و اليه الاشارة بقوله-صلى الله عليه و آله-: «احثوا التراب في وجوه المداحين‏» . و بالجملة: اللازم على الممدوح الا يتفاوت حاله بالمدح، و هذا فرع معرفة نفسه، و تذكر ما لا يعرفه المادح من عثراته و ينبغي ان يظهر انه ليس كما عرفوه، قال بعض الصالحين لما اثنى عليه «اللهم ان هؤلاء لا يعرفوني و انت تعرفني‏» . و قال امير المؤمنين عليه السلام لما اثنى عليه: «اللهم اغفر لى ما لا يعلمون، و لا تؤاخذنى بما يقولون، و اجعلني خيرا مما يظنون‏» .

ثم الظاهر عدم المؤاخذة و الاثم بالانبساط و الارتياح بالمدح، لكون النفوس مجبولة على الفرح و السرور بنسبة الكمال اليها، و لكن بشرط ان يكره من نفسه ذلك الارتياح، و يقهر نفسه و يعاتبها على ذلك، و يجتهد في ازالة ذلك عنها، اذ مقتضى العقل الفرح بوجود الكمال فيه لا بنسبته اليه، فما ينسب اليه منه ان كان موجودا فيه، فينبغى ان يكون فرحه به لا بنسبته اليه، اذ الانبساط بتصريح رجل بانك صاحب هذا الكمال حمق و سفه. و ان لم يكن موجودا فيه، فاللازم ان يحزن و يغضب، لكونه استهزاء لا مدحا. و الحاصل: ان العاقل ينبغي الا يسر بمدح الغير و لا يحزن بذمه، اذ من ملك ياقوتة شريفة حمراء اى ضرر عليه اذا قال رجل انها خرزة، و اذا ملك خرزة اى فائدة له اذا قال انها ياقوتة.

و منها:

الكذب

و هو اما في القول، اى الاخبار عن الاشياء على خلاف ما هي عليه و صدوره اما عن العداوة او الحسد او الغضب، فيكون من رذائل قوة الغضب، او من حب المال و الطمع، او الاعتياد الحاصل من مخالطة اهل الكذب، فيكون من رذائل قوة الشهوة.

او في النية و الارادة، و هو عدم تمحيضها بالله، بالا يكون الله سبحانه بانفراده باعث طاعاته و حركاته، بل يمازجه شي‏ء من حظوظ النفس. و هذا يرجع الى الرياء، و ياتي كونه من رذائل اى قوة.

و اما في العزم، اى الجزم على الخير، و ذلك بان يعزم على شي‏ء من الخيرات و القربات، و يكون في عزمه نوع ميل و ضعف و تردد يضاد الصدق في العزيمة، و هذا ايضا من رداءة قوة الشهوة.

و اما في الوفاء بالعزم، فان النفس قد تسخو بالعزم في الحال، لعدم مشقة في الوعد، فاذا حقت الحقائق، و حصل التمكن، و هاجت الشهوات، انحلت العزيمة، و لم يتفق الوفاء بالعزم، و هذا ايضا من رذائل قوة الشهوة و من انواع الشره.

و اما في الاعمال، و هو ان تدل اعماله الظاهرة على امر في باطنه لا يتصف هو به، اى لا يكون باطنه مثل ظاهره و لا خيرا منه. و هذا غير الرياء، لان المرائى هو الذي يقصد غير الله تعالى في اعماله، و رب واقف على هيئة الخشوع في صلاته ليس يقصد به مشاهدة غيره سبحانه و لكن قلبه غافل عن الله و عن الصلاة، فمن نظر الى ما يصدر عن ظاهره من الخشوع و الاستكانة، يظن انه بشراشره منقطع الى جناب ربه، و حذف ما سواه عن صحيفة قلبه، و هو بكليته عنه تعالى غافل، و الى امره من امور الدنيا متوجه. و كذلك قد يمشي الرجل على هيئة الطمانينة و الوقار، بحيث من يراه يجزم بانه صاحب السكينة و الوقار، مع ان باطنه ليس موصوفا بذلك. فمثل ذلك كاذب في عمله، و ان لم يكن مرائيا ملتفتا الى الخلق، و لا نجاة من هذا الكذب الا باستواء السريرة و العلانية، او كون الباطن احسن من الظاهر. و هذا القسم من الكذب ربما كان من رذائل قوة الشهوة، و ربما كان من رذائل قوة الغضب، و ربما كان من رداءة القوة المدركة، بان كان باعثه مجرد الوساوس. و اما في مقامات الدين، كالكذب في الخوف و الرجاء، و الزهد و التقوى، و الحب و التعظيم، و التوكل و التسليم، و غير ذلك من الفضائل الخلقية، فان لها مبادى‏ء يطلق الاسم بظهورها، ثم لها حقائق و لوازم و غايات و الصادق المحقق من نال حقائقها و لوازمها و غاياتها، فمن لم يبلغها كان كاذبا فيها. مثلا الخوف من الله تعالى له مبدا هو الايمان به سبحانه و حقيقة هو تالم الباطن و احتراقه، و لوازم و آثار هي اصفرار اللون و ارتعاد الفرائض و تكدر العيش و تقسم الفكر و غير ذلك، و غايات هي الاجتناب عن المعاصي و السيئات و المواظبة على الطاعات و العبادات، فمن آمن بالله تعالى صدق عليه كونه خائفا منه خوفا يطلق عليه الاسم، الا انه ان لم تكن معه حرقة القلب و تكدر العيش و التشمر للعمل كان خوفا كاذبا، و ان كان معه ذلك كان خوفا صادقا، اى بالغا درجة الحقيقة، قال امير المؤمنين-صلوات الله عليه و آله-: «اياكم و الكذب، فان كل راج طالب، و كل خائف هارب‏» (4) : اي لا تكذبوا في ادعائكم الرجاء و الخوف من الله، و ذلك لان كل راجع طالب لما يرجو، ساع في اسبابه، و انتم لستم كذلك، و كل خائف هارب مما يخاف منه، مجتنب مما يقربه منه، و انتم لستم كذلك، و هذا مثل قوله عليه السلام في نهج البلاغة: «كذب و الله العظيم ما باله لا يتبين رجاءه في عمله! و كل من رجا عرف رجاؤه الا رجاء الله، فانه مدخول، و كل خوف محقق الا خوف الله فانه معلول. . . » (5) .

ثم الكذب في كل مقام لما كان راجعا الى عدمه، فيكون رذيلة متعلقة بالقوة التي في هذا المقام فضيلة متعلقة بها. و بما ذكر يظهر: ان من له مبدا الايمان، اعني الاقرار بالشهادتين، و كان فاقدا لحقيقته، اعنى اليقين القطعي بالمبدا و المعاد، او للوازمه و غاياته، اعني الخوف الصادق منه تعالى و التعظيم الحقيقي له سبحانه و الاهتمام البالغ في امتثال اوامره و نواهيه، كان كاذبا في دعوى الايمان.

فصل

ذم الكذب

الكذب اقبح الذنوب و افحشها، و اخبث العيوب و اشنعها، قال الله سبحانه:

«انما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون‏» (6) .

«فاعقبهم نفاقا في قلوبهم الى يوم يلقونه بما اخلفوا الله‏ما وعدوه و بما كانوا يكذبون‏» (7) .

و قال رسول الله-صلى الله عليه و آله-: «اياكم و الكذب، فان الكذب يهدى الى الفجور، و الفجور يهدى الى النار» . و قال صلى الله عليه و آله: «المؤمن اذا كذب من غير عذر لعنه سبعون الف ملك، و خرج من قلبه نتن حتى يبلغ العرش، فيلعنه حملة العرش، و كتب الله عليه بتلك الكذبة سبعين زنية، اهونها كمن زنى مع امه‏» (8) . و سئل صلى الله عليه و آله-: «يكون المؤمن جبانا؟ قال: نعم! قيل: و يكون بخيلا؟ قال: نعم! قيل و يكون كذابا؟ قال: لا! » و قال صلى الله عليه و آله: «كبرت خيانة ان تحدث اخاك حديثا هو لك به مصدق و انت له به كاذب‏» . و قال صلى الله عليه و آله: «الكذب ينقص الرزق‏» . و قال صلى الله عليه و آله: «ويل للذى يحدث فيكذب ليضحك به القوم! ويل له ويل له! » . و قال صلى الله عليه و آله:

«رايت كان رجلا جاءنى، فقال لي: قم، فقمت معه، فاذا انا برجلين احدهما قائم و الآخر جالس، و بيد القائم كلوب من حديد يلقمه في شدق الجالس فيجذبه حتى يبلغ كاهله، ثم يجذبه فيلقمه الجانب الآخر فيمده، فاذا مده رجع الآخر كما كان، فقلت للذي اقامني: ما هذا؟ فقال:

هذا رجل كذاب، يعذب في قبره الى يوم القيامة‏» . و قال صلى الله عليه و آله: «الا اخبركم باكبر الكبائر: الاشراك بالله، و عقوق الوالدين، و قول الزور» : اى الكذب. و قال صلى الله عليه و آله-: «ان العبد ليكذب الكذبة فيتباعد الملك منه مسيرة ميل من نتن ما جاء به‏» . و قال صلى الله عليه و آله: «ان للشيطان كحلا و لعوقا و نشوقا. فاما لعوقه فالكذب، و اما نشوقه فالغضب، و اما كحله فالنوم‏» (9) . و قال روح الله لاصحابه: «من كثر كذبه ذهب بهاؤه‏» ، و قال امير المؤمنين عليه السلام: «لا يجد العبد طعم الايمان حتى يترك الكذب، هزله وجده‏» .

و قال عليه السلام: «اعظم الخطايا عند الله اللسان و الكذب، و شر الندامة ندامة يوم القيامة‏» . و قال علي بن الحسين-عليهما السلام-: «اتقوا الكذب الصغير منه و الكبير في كل جد و هزل، فان الرجل اذا كذب في الصغير اجترا على الكبير» . و قال ابو جعفر عليه السلام: «ان الله عز و جل جعل للشر اقفالا، و جعل مفاتيح تلك الاقفال الشراب، و الكذب شر من الشراب‏» . و قال عليه السلام: «الكذب هو خراب الايمان‏»

و قال عليه السلام: «ان اول من يكذب الكذاب الله عز و جل، ثم الملكان اللذان معه، ثم هو يعلم انه كاذب‏» . و قال الامام الزكي العسكرى عليه السلام: «جعلت الخبائث كلها في بيت، و جعل مفتاحها الكذب‏»

و الاخبار الواردة في ذم الكذب اكثر من ان تحصى. و اشد انواع الكذب اثما و معصية الكذب على الله و على رسوله و على الائمة، و كفاه ذما انه يبطل الصوم، و يوجب القضاء و الكفارة على الاقوى. قال الصادق عليه السلام: «ان الكذبة لتفطر الصائم‏» ، قال الراوي: و اينا لا يكون ذلك منه، قال: «ليس حيث ذهبت، انما الكذب على الله تعالى و على رسوله و على الائمة-عليهم السلام-» . و قال عليه السلام: «الكذب على الله و على رسوله و على الاوصياء-عليهم السلام-من الكبائر» . و ذكر عنده عليه السلام الحائك، و كونه ملعونا، فقال: «انما ذلك الذي يحوك الكذب على الله و على رسوله‏» . و قال الباقر عليه السلام: «لا تكذب علينا كذبة، فتسلب الحنيفية‏» (10) .

فصل

مسوغات الكذب

الكذب حرام، لما فيه من الضرر على المخاطب او على غيره، او لايجابه اعتقاد المخاطب خلاف الواقع، فيصير سببا لجهله. و هذا القسم مع كونه اهون الدرجات و اقلها اثما، محرم ايضا، اذ القاء خلاف الواقع على الغير و سببية جهله غير جائز، الا انه اذا كان مما يتوقف عليه تحصيل مصلحة مهمة، و لم يمكن التوصل اليها بالصدق، زالت‏حرمته و ارتفع اثمه فان كانت المصلحة مما يجب تحصيلها، كانقاذ مسلم من القتل و الاسر او حفظ عرضه او ماله المحترم، كان الكذب فيه واجبا. و ان كانت راجحة غير بالغة حد الوجوب، فالكذب لتحصيلها مباح او راجح مثلها كالاصلاح بين الناس و الغلبة على العدو في الحرب، و تطييب خاطر امراته و استرضائها و قد وردت الاخبار المتكثرة بجواز الكذب اذا توقف عليه تحصيل هذه المقاصد الثلاثة، كما روى: «ان رسول الله-صلى الله عليه و آله-لم يرخص في شي‏ء من الكذب الا في ثلاث: الرجل يقول القول يريد به الاصلاح، و الرجل يقول القول في الحرب، و الرجل يحدث امراته و المراة تحدث زوجها» ، و قال-صلى الله عليه و آله-: «ليس بكذاب من اصلح بين اثنين فقال خيرا» . و قال-صلى الله عليه و آله-:

«كل الكذب يكتب على ابن آدم، الا رجل كذب بين رجلين يصلح بينهما» . و قال-صلى الله عليه و آله-: كل الكذب مكتوب كذبا لا محالة الا ان يكذب الرجل في الحرب، فان الحرب خدعة، او يكون بين رجلين شحناء فيصلح بينهما، او يحدث امراته يرضيها» . و قال-صلى الله عليه و آله-: «لا كذب على المصلح‏» . و قال الصادق-عليه السلام- «كل كذب مسؤل عنه صاحبه يوما، الا كذبا في ثلاثة: رجل كايد في حروبه، فهو موضوع عنه. او رجل اصلح بين اثنين يلقى هذا بغير ما يلقى به هذا، يريد بذلك الاصلاح ما بينهما. او رجل وعد اهله شيئا و هو لا يريد ان يتم لهم‏» . و قال-عليه السلام-: «الكلام ثلاثة:

صدق و كذب، و اصلاح بين الناس‏» ، قيل له: ما الاصلاح بين الناس قال: «تسمع في الرجل كلاما يبلغه فيخبث نفسه، فتلقاه و تقول: قد سمعت من فلان فيك من الخير كذا و كذا، خلاف ما سمعت منه‏» (11) و قد تقدمت اخبار اخر في هذا المعنى.

و هذه الاخبار و ان اختصت‏بالمقاصد الثلاثة، الا ان غيرها من المقاصد الضرورية التي فوقها او مثلها في المصلحة يلحقها من باب الاولوية او اتحاد الطريق. و الاخبار التي وردت في ذم هتك السر و كشف العيوب و الفواحش تفيد وجوب القول بعدم الاطلاع، و ان كان مطلعا مع كونه كذبا، فلا اثم على احد بصدور الكذب عنه اذا كان وسيلة الى شى‏ء من المقاصد الصحيحة الضرورية له او لغيره من المسلمين، فان اخذه ظالم و ساله عن ماله فله ان ينكر، و ان اخذه سلطان و ساله عن فاحشة ارتكبها بينه و بين الله فله ان ينكر، و ان سئل عما يعلمه عن عيب اخيه او سره فله ان ينكره، و لو وقع بين اثنين فساد فله ان يكذب، توسلا الى الاصلاح بينهما و كذا يجوز له للاصلاح بين الضرات من نسائه ان يظهر لكل واحدة انها احب اليه، و ان كانت امراته لا تطيعه الا بوعد ما لا يقدر عليه، يجوز ان يعدها في الحال تطييبا لقلبها، و ان لم يكن صادقا في وعده. و يلحق بالنساء الصبيان، فان الصبي اذا لم يرغب فيما يؤمر به من الكتابة و غيرها الا بوعد او وعيد و تخويف، كان ذلك جائزا، و ان لم يكن في نيته الوفاء به. و كذا لو تكدر منه انسان، و كان لا يطيب قلبه الا بالاعتذار اليه، بانكار ذنب و اظهار زيادة تودد، كان ذلك جائزا و ان لم يكن صدقا.

و الحاصل: ان الكذب لدفع ضرر او شر او فساد جائز، بشرط صحة القصد. و قد ورد: ان الكذب المباح يكتب و يحاسب عليه لتصحيح قصده، فان كان قصده صحيحا يعفى، و الا يؤاخذ به. فينبغي ان يجهد في تصحيح قصده، و ان يحترز عنه ما لم يضطر اليه، و يقتصر فيه على حد الواجب، و لا يتعدى الى ما يستغنى عنه.

و لا ريب في ان ما يجب و يضطر اليه هو الكذب لامور فى فواتها محذور و اضرار، و ليس كل الكذب لزيادة المال و الجاه و غيره ذلك مما يستغنى عنه، فانه محرم قطعا، اذ فواته لا يوجب ضررا و فسادا و اعداما للموجود بل انما يوجب فوت حظ من حظوظ النفس. و كذلك فتوى العالم بما لا يحققه و فتوى من ليس له اهلية الافتاء، اظهارا للفضل او طلبا للجاه و المال، بل هو اشد انواع الكذب اثما و حرمة، لانه مع كونه كذبا لا يستغنى عنه، كذب على الله و على رسوله.

فالكذب اذا كان وسيلة الى ما يستغنى عنه حرام مطلقا، و اذا كان وسيلة الى ما لا يستغنى عنه ينبغي ان يوازن (12) محذور الكذب مع محذور الصدق، فيترك اشدهما وقعا في نظر الشرع. و بيان ذلك: ان الكذب في نفسه محذور، و الصدق في المواضع المذكورة يوجب محذورا، فينبغي ان يقابل احد المحذورين بالآخر، و يوازنا بالميزان القسط، فان كان محذور الكذب اهون من محذور الصدق فله الكذب، و ان كان محذور الصدق اهون وجب الصدق، و قد يتقابل المحذوران بحيث‏يتردد فيهما، و حينئذ فالميل الى الصدق اولى، اذ الكذب اصله الحرمة، و انما يباح بضرورة او حاجة مهمة، و اذا شك في كون الحاجة مهمة، لزم الرجوع الى اصل التحريم.

تنبيه

التورية و المبالغة

كل موضع يجوز فيه الكذب، ان امكن عدم التصريح به و العدول الى التعريض و التورية، كان الاولى ذلك. و ما قيل: ان في المعاريض لمندوحة عن الكذب، و ان فيها ما يغني الرجل عن الكذب، ليس المراد به انه يجوز التعريض بدون حاجة و اضطرار، اذ التعريض بالكذب يقوم مقام التصريح به، لان المحذور من الكذب تفهيم الشي‏ء على خلاف ما هو عليه في نفسه، و هذا موجود في الكذب بالمعاريض. فالمراد ان التعريض يجوز اذا اضطر الانسان الى الكذب، و مست الحاجة اليه، و اقتضته المصلحة في بعض الاحوال في تاديب النساء و الصبيان و من يجرى مجراهم و في الحذر عن الظلمة و الاشرار في قتال الاعداء. فمن اضطر الى الكذب في شي‏ء من ذلك فهو جائز له، لان نطقه فيه انما هو على مقتضى الحق و الدين، فهو في الحقيقة صادق، و ان كان كلامه مفهما غير ما هو عليه لصž